وقاية المجتمع من المسكرات

المؤلفات | تربية | 10 صفحة
صفحة 9 من 10 الفصل السابع: الحكم بما أنزل الله :

الفصل السابع: الحكم بما أنزل الله :

الفصل السابع: الحكم بما أنزل الله :

وفي هذا الفصل مبحثان:
المبحث الأول: وجوب اتخاذ الوسائل الواقية من ارتكاب المعاصي.
المبحث الثاني: إقامة الحدود والتعزيرات.

المبحث الأول: وجوب اتخاذ الوسائل الواقية من ارتكاب المعاصي .

سبق أن الإسلام يعتمد في تطبيقه على الإيمان به، وأنه إذا غرس الإيمان في نفس الإنسان استجاب لأمر الله تعالى، وأن هناك مقاصد يجب على المسلمين تحقيقها، وهذه المقاصد محاطة بأخلاق ثابتة لا يجوز التساهل فيها، وفساد تلك الأخلاق يؤدي إلى فساد المجتمع.
لذلك تجد الإسلام حض على وسائل كثيرة عليها وأوجبها، للوقاية من الوقوع في تلك الجرائم والمعاصي التي فيها ضرر على المجتمع.
من أمثلة ذلك: جريمة الزنا، حرَّم الإسلام الوسائل التي تفضي إليها، كالخلوة بالأجنبية واختلاط الرجال بالنساء الأجنبيات لغير حاجة، وإيجاب ستر المرأة جسدها واحتشامها، وعدم جواز خضوعها في صوتها للأجنبي، ولزوم بيتها إلا لحاجة، والحض على الزواج والأمر بغض البصر.… [راجع البخاري (6/117) ومسلم (2/891، 1018، 1019)].
ومن أمثلته: جريمة قتل النفس التي حرَّم الله إلا بالحق، شرع الله وسائل كثيرة تحول دون ذلك، كنهيه صلى الله عليه وسلم عن التساهل في حمل السلاح، تساهلاً قد يؤي إلى إصابة الناس بدون قصد، والنهي عن الترويع، وإباحته للمسلم أن يدافع عن نفسه، إذا أراد أحد الاعتداء عليه، والنهي عن السباب، والبعد عن أسباب الخلاف. [يراجع صحيح البخاري (8/38)].
ومن أمثلته: جريمة السرقة؛ اشترط لإقامة الحد فيها صون المال في حرز، وأمر الأغنياء بإخراج الزكاة للفقراء والإحسان إليهم، وأمر القوي المكتسب أن يعمل، حتى لا يحتاج إلى تناول ما حرَّم الله عليه، وأمر بالإنفاق على المحتاج: فينفق القريب على قريبه، والزوج على زوجه، وبيت المال ينفق على من لا يوجد من ينفق عليه.
ومن أمثلته: جريمة القذف بالزنا. نهى الشارع عن كل ما قد يؤدي إليها: أمر بحفظ اللسان، بأن يقول المسلم خيراً أو يسكت ونهى عن السباب.
ومن أمثلته: جريمة السكر نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن كل وسيلة توصل إليها، فلعن عاصر الخمر ومعتصرها، وساقيها وشاربها، وحاملها والمحمولة إليه، وبائعها ومشتريها، ونهى عن تناول القليل منها.
وهكذا تجد كل معصية حذر منها الإسلام ونهى عنها وعن الوسائل المؤدية إليها.
ووعد الله سبحانه وتعالى بالثواب الجزيل، كل من أطاعه فامتثل أمره واجتنب نهيه، وتوعد بالعقاب كل من عصاه فترك أمره وارتكب نهيه.
وأمر المجتمع كله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، باتخاذ هذه الوسائل وعدم التساهل فيها.
وقد يفسق بعضهم عن أمر الله ويخرج عن طاعته، فيصر على مقارفة الفساد ومحاولة نشره فلا بد له من رادع يردعه ويطهر المجتمع من فساده.

المبحث الثاني: إقامة الحدود والتعزيرات .

فالذي لا تقومه التزكية بكتاب الله وسنة رسوله والترغيب والترهيب والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من قبل المجتمع، فإن في قوة السلطان ما يقومه ويردعه.
قال ابن تيمية رحمه الله: "فالمقصود من إرسال الرسل وإنزال الكتب، أن يقوم الناس بالقسط في حقوق الله وحقوق خلقه، كما قال تعالى: { وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ }. [الحديد: 25]، فمن عدل عن الكتاب قُوِّمَ بالحديد، ولهذا كان قِوام الدين بالمصحف والسيف.
وقد روي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نضرب بهذا ـ يعني السيف ـ من عدل عن هذا، يعني المصحف". [مجموع الفتاوى (28/263-264)].
فالواجب على ولاة أمور المسلمين أن يحكموا بما شرع الله كاملاً، وينهوا عن كل معصية نهى الله عنها، ويأمروا بكل طاعة أمر الله بها، فإن في ذلك وقايةً للمجتمع من الفساد وصوناً له من الانهيار، وعليهم أن يقوموا في المجتمع بحدود الله التي أمر بها، بدون تهاون ولا تأخر إذا ما توفرت شروطها؛ لأنها العلاج الحاسم لأمراض المجتمع، والتساهل في إقامتها أكثر إجراماً من ارتكاب الفسقة للجرائم؛ لأن في ذلك تمكيناً للجريمة في الأرض وإقرارها خلافاً لأمر الله تعالى.
وبهذا يعلم أنه لا يوجد دين في الأرض، ولا قانون يملك القدرة على منع المنكر والمعاصي في الأرض، مثل دين الإسلام، لأسباب ثلاثة:
السبب الأول: ما فيه من التزكية الإيمانية التي تكون حارساً لتصرفات المؤمن في قلبه، لا تفارقه لحظة من لحظات حياته، فإذا فارقته قليلاً، ذكر الله فتاب ورجع إليه سبحانه:
{إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنْ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ}. [الأعراف: 201].
السبب الثاني: ما فيه من الشمول للدعوة إلى الأخلاق الفاضلة التي يجب أن يتحلى بها المسلم، وكذلك ما فيه من الشمول للنهي عن الأخلاق السيئة التي فيها ضرر على الفرد والأسرة والمجتمع، بتفاصيل دقيقة ونصوص واضحة، سواء فيما يتعلق بالأخلاق الحسنة المأمور بها أو الأخلاق السيئة المنهي عنها.
السبب الثالث: ما فيه من الحسم الكامل بتطبيق حكم الله على من ارتكب ما نهى الله عنه، سواء فيما يتعلق بالحدود والقصاص، أو بقية المعاصي التي فيها التعزير، يستوي في ذلك الشريف والوضيع، والغني والفقير، والحاكم والمحكوم، والمسلمون يطبقون ذلك كله: إيماناً وسلوكاً وزجراً، عبادة لله تعالى.

الخلاصة:

1 ) إن غرس الإيمان بالله واليوم الآخر وبكتاب الله تعالى وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم في النفوس، هو أساس الصلاح والوقاية من الفساد، فيجب على المسلمين، كلٌّ في موقعه، الاجتهاد في غرس هذا الإيمان في نفوس الأفراد والأسر والمجتمع، لتخليص الشعوب الإسلامية من اقتراف المنكرات كلها ومنها المسكرات والمخدرات.
2 ) الاهتمام بتربية الأسرة على الإيمان والعمل الصالح والبعد عن المنكرات، أساس في صلاح المجتمع واستقامته، وإهمال الأسرة أو إشاعة المنكرات في أفرادها، أساس في فساد المحتمع الذي يتكون من الأسر.
3 ) فرض على كل مسلم أن يجعل هدفه الأول رضى الله سبحانه وتعالى، وأن تكون أهدافه العليا المتفرعة عن هذا الهدف، هي مقاصد الإسلام التي في مقدمتها الضرورات الخمس: حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ النسل، وحفظ العقل، وحفظ المال، وما يكملها.
فكل نشاط الأمة الإسلامية يجب أن يخدم تحقيق هذه الأهداف؛ لأن هذه الأهداف إذا اتجه إليها سعي الشباب، كان جديراً بالوقاية من المنكرات والجرائم، ومنها المسكرات والمخدرات.
4 ) يجب صرف الشباب إلى ميادين التزكية، والأعمال الجادة، كالجهاد في سبيل الله، لما في ذلك من ملئ الفراغ بما يرضي الله ويخدم مصالح المسلمين العامة، ويبعد الشباب عن الهبوط إلى هاوية الفسوق والملذات العاجلة القاتلة، ومنها المسكرات والمخدرات.
5 ) يجب أن تقام قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن كل المعاصي والجرائم، حتى يتطهر المجتمع من أرجاسها، ويجب أن يقوم بهذه القاعدة كل من تتوفر فيه شروطها، وكل بحسب قدرته: العلماء بالبيان، والحكام بالقوة عند الحاجة، وكل واحد في موقعه، كما يجب الأمر بكل الفرائض والواجبات، والتقصير في واجب واحد، يؤدي إلى التقصير في غيره، كما أن التساهل في معصية واحدة، يؤدي إلى إشاعتها وإشاعة غيرها.
6 ) يجب على المسؤولين عن التعليم أن يصوغوا مناهجه صياغة يتحقق بها حفظ الضرورات الخمس، وما يخدمها، كما يجب أن يشتمل على ربط رضا المسلمين بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً.
7 ) يجب على ولاة الأمور تحكيم شرع الله وعدم إهمال شيء منه، لما في تحكيمه من طاعة لله ورسوله وإصلاح الأمة وتجنيبها الفساد.
8 ) كل ما يحدث في الشعوب الإسلامية من مشكلات سواء كانت عقدية أو اجتماعية أو سياسية، فسببه بعد المسلمين عن دينهم وعدم تطبيق شرع الله تعالى.
9 ) عدم الحكم بما أنزل الله، أعظم إجراماً من ارتكاب الجرائم التي تهدد أمن الأمة وسلامتها، ولا أمن للمسلمين بدون الحكم بما أنزل الله.

فرغت من مراجعة هذا الكتاب الذي تولت طبعته الأولى الجامعة الإسلامية بمدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، سنة 1410هـ
وفرغت من مراجعته مرة ثانية صباح يوم الثلاثاء، العاشر من شهر رجب، لعام 1423هـ السابع عشر من شهر سبتمبر لعام 2002م في منزلي بالمدينة النبوية على ساكنها أفضل صلاة الله وتسليمه
وقد تم مع تصحيح الكتاب وتنقيحه، وإضافة زيادات مفيدة، أسأل الله تعالى، أن ينفع بالكتاب، وأن يجعل عملي فيه وفي غيره، خالصاً له تعالى، وأن يجزل لي ثوابه تعالى، ويمدني بالقوة والاستمرار في عمل ما يرضيه.
وتمت مراجعة الكتاب مرة أخرى، وفرغت منها في الساعة التاسعة والنصف من صباح يوم السبت 9/8/1427هـ ـ 2/9/2006م و ويسر الله تعالى بعض الموضوعات التي زيدت فيه، مع تصحيح بعض الأخطاء التي لا يسلم منها عمل بشري.
وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك