الفصل السادس: تحقيق مناهج التعليم والإعلام محققة لمقاصد الإسلام :
الفصل السادس: تحقيق مناهج التعليم والإعلام محققة لمقاصد الإسلام :
وفي هذا الفصل ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: مقاصد التعليم والإعلام في الشعوب الإسلامية.
المبحث الثاني: إعداد الأكفاء.
المبحث الثالث: الصفاء الإعلامي.
المبحث الأول: مقاصد التعليم والإعلام في الشعوب الإسلامية .
التعليم يربي الأجيال ويصوغهم صياغة خاصة، إيمانية وفكرية، وسلوكية واجتماعية، وسياسية واقتصادية، بحيث يسير الجيل المتعلم على نهج معين، وأسس خاصة، وأهداف محددة، بوسائل مُعدة لتحقيق ذلك كله.
لهذا ترى كل دولة مهما كبرت أو صغرت، تحاول أن تضع لمناهج تعليمها أهدافاً معينة، وتوجد لتحقيق ذلك الوسائل الممكنة المؤدية إلى تحقيق تلك الأهداف، من كتاب ومدرس ونشاط منهجي أو غير منهجي، وكذلك وسائل الإعلام، فإنها كالتعليم في الهدف وإن اختلفت في الوسيلة والتأثير وعدد الجماهير.
إن مقاصد التعليم والإعلام، التي يجب أن يتجه لتحقيقها التعليم والإعلام في بلاد المسلمين، هي مقاصد الشريعة الإسلامية وعلى رأسها الضرورات الخمس السابقة: حفظ الدين، وحفظ النسل، وحفظ العقل، وحفظ المال، بالطرق الشرعية التي وردت في الكتاب والسنة، وما استنبطه منهما علماء المسلمين المجتهدين، وكل وسيلة متاحة لا تخالف نصوص القرآن الكريم والسنة الصحيحة، ما دامت تحقق للأمة مصالح راجحة، وتدفع عنها مفاسد راجحة كذلك.
وحيث إنه سبق أن ذُكِرَتْ خلاصةٌ لهذه المقاصد في مباحث خاصة لكل واحد منها، فإني أكتفي بذلك في هذا المبحث، ولكني أنبه على شيء مهم جداً، وهو أن تحقيق هذه المقاصد والأهداف يحقق كل ما يصبو إليه المجتمع من الخير والرفاه والقوة والعزة، فماذا يريد المجتمع بعد تحقيق حفظ دينه ونفسه وعقله ونسله وماله، وكل ما يكمل هذه المقاصد مما يسميه العلماء بالحاجيات والتكميليات التي ينعم بها إذا تحققت؟
إن حفظ هذه الأمور لا يتأتى إلا بتوجيه جهود الأمة كلها، كل في تخصصه، إلى تحقيق الأسباب المؤدية إلى ذلك، ومحاربة كل وسيلة أو سبب يؤدي إلى الاعتداء عليها أو الإضرار بها أو إهمالها.
المبحث الثاني: إعداد الأكفاء في الإعلام والتعليم .
فإذا وضع المنهج على أساس تحقيق تلك المقاصد، فإنه يجب أن يعد الرجال الأكفاء الذي يضطلعون بتطبيق ذلك المنهج: الأكفاء الإداريون والفنيون والمعلمون والمؤلفون وغيرهم، بحيث يكونون مؤمنين بتلك المقاصد وما يكملها ووجوب تحقيقها، عندهم علم وخبرة يستطيعون أن يحققوا بها تلك المقاصد، أمناء على مصالح الأمة، حتى يكونوا قادرين على صياغة الأجيال صياغة علمية وعملية تطبيقية.
المبحث الثالث: الصفاء الإعلامي .
إن أجهزة الإعلام في أكثر الشعوب الإسلامية تهدم أكثر مما تبني؛ لأن موادها الإعلامية لا تخلوا من الدعوة المباشرة إلى الاعتداء على تلك الأهداف العليا التي لا حياة للمسلمين بدونها، ليس معنى هذا أن الإسلام لا يذكر في تلك الأجهزة، بل يذكر الإسلام وتلقى فيها مواعظ وخطب وندوات، ولكن المواد الإعلامية المشوقة التي يقبل عليها الأطفال والأسر كالمسلسلات والتمثيليات، غالبها يحمل المنكر والفساد الذي يغرس في نفوس المستمعين والمشاهدين والقراء بدون شعور منهم.
ومن ذلك المسلسلات الغرامية الداعرة المفضوحة، والرقص الفاجر والغناء الداعي إلى الفواحش، والصور العارية وجرائم الخطف والسرقات، والاعتداء على النفوس، وتناول المحرمات كالخمر والتدخين، والاستهزاء بالقيم والأخلاق الفاضلة وأحكام الإسلام.
والواجب على ولاة أمور المسلمين، أن يحرصوا على وقاية شعوبهم من هذه المنكرات الضارة التي حطمت الأفراد والأسر والمجتمعات، وشغلتهم عن التفكير في مصالحهم ومعالي الأمور.
وقد استند المسؤولون عن أجهزة الإعلام في الشعوب الإسلامية، في بث المنكرات التي قد يسمونها بغير أسمائها، على زعم أن الشعوب ترغب في ذلك، وأنهم يريدون إرضاء كل الأذواق، وكثيراً ما نسمع المذيع وهو يقول بعد أن ينتهي برنامجه ـ ولو كان فاسداً ـ: "لعلكم استمتعتم معنا بهذا البرنامج ونال إعجابكم".
والحقيقة أنه لا يجوز لأولياء أمور المسلمين أن يستجيبوا لأهواء الناس في شعوبهم ـ قلوا أو كثروا ـ فيبيحوا لهم ما حرَّم الله، والمصلحة والمفسدة في الشريعة الإسلامية إنما يحددها الله، وليس الحكام ولا الشعوب، إلا ما لم يرد فيه نص ولا قاعدة شرعية عامة، فإنه يجتهد فيه أهل الاختصاص من علماء الشريعة وغيرهم، كل في اختصاصه، وأما ما مضرته واضحة أو منفعته واضحة، فيجب اجتناب المضرة وفعل المنفعة. [يراجع مضمون هذا المعنى مجموع الفتاوى لابن تيمية (28/364)].
فالواجب على ولاة أمور المسلمين تصفية مناهج الإعلام ومواده، من كل ما يؤثر على الأهداف العليا التي سبق بيانها، بل الواجب أن يكون كل ما ينشر في أجهزة الإعلام محققاً لتلك الأهداف أو معيناً على تحقيقها، حتى تنتشر الأخلاق الفاضلة ويغرس في نفوس الشباب حب الصلاح وبغض الفساد، ومن ذلك تعاطي المسكرات والمخدرات.