وقاية المجتمع من المسكرات

المؤلفات | تربية | 10 صفحة
صفحة 5 من 10 الفصل الثالث: وجوب السعي لتحقيق الأهداف العليا التي تحيا بها الأمم، وتوجيه الشباب إليها

الفصل الثالث: وجوب السعي لتحقيق الأهداف العليا التي تحيا بها الأمم، وتوجيه الشباب إليها

الفصل الثالث: وجوب السعي لتحقيق الأهداف العليا التي تحيا بها الأمم، وتوجيه الشباب إليها

وفي هذا الفصل تمهيد وخمسة مباحث:
المبحث الأول: حفظ الدين.
المبحث الثاني: حفظ النفس.
المبحث الثالث: حفظ العقل.
المبحث الرابع: حفظ النسل.
المبحث الخامس: حفظ المال.

تمهيد :

المسلم له هدف عام يجب أن تكون كل أهدافه المتفرعة عنه والمحققة له، هذا الهدف العام هو رضا ربه تعالى عنه، بقيامه بعبادته التي تشمل كل تصرفات الإنسان في هذه الحياة كما قال سبحانه وتعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ}. [الذاريات: 56-58]، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ}. [البينة: 7-8].
ولهذا يبشر الله المؤمنين بدوام رضوانه عنهم، ويذكرهم بذلك بعد أن يدخلوا الجنة فينالوا نعيمها الذي لم يعودوا يفكرون في سواه، فقد روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، والخير في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك، فيقول: ألا أعطكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً)). [مسلم (4/2176)].
هذا هو الهدف العام الذي يجب أن يُوَجَّه كل نشاط للفرد المسلم والأسرة المسلمة والمجتمع المسلم إلى تحقيقه.
وهناك أهداف تتفرع عنه وتعتبر ـ نسبياً ـ وسائل لتحقيقه، وقد أطلقتُ عليها: الأهداف العليا، ويطلق عليها الضرورات الخمس، أو الست، ولهذا جعلت هذا الفصل خمسة مباحث كل مبحث يتعلق بإحدى هذه الضرورات، وقبل أن أذكر كل مبحث على حدة أورد بعض النصوص من القرآن والسنة الدالة على عناية الإسلام بحفظ هذه الضرورات.
قال تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}. [الأنعام: 151-153].
فقد اشتملت الآيات على وجوب حفظ الدين في نهيه سبحانه عن الشرك، وفي قوله: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} وعلى حفظ النفس في قوله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ}، {وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ} كما اشتملت على وجوب حفظ النسل. [ويدخل فيه حفظ العرض الذي يعده بعض العلماء ضرورة سادسة]. بقوله تعالى: {وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ}، واشتملت على حفظ المال في قوله تعالى: {وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ} {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ} وأما حفظ العقل فإنه يؤخذ من التكليف بحفظ هذه الضرورات وكل الأوامر والنواهي الإلهية، وفي قوله تعالى في آخر الآية الأولى: {ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} ما يدل على ذلك ويشير إليه.
وهذه الضرورات اتفقت على وجوب حفظها جميع الملل والأمم، وإن اختلفت في طرق حفظها وتفاصيلها، والفرق بين الإسلام وغيره من ملل الأرض الموجودة، أن الإسلام يعتبر حفظ هذه الضرورات ديناً وعبادةً لله، على حفظها ثواب، وعلى تضييعها وهدرها عقاب، بخلاف الملل والقوانين الأخرى، ولهذا قال تعالى هنا في آخر هذه الآيات: {ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} وقال قبل ذلك: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ}.
وقد فصَّل الرسول صلى الله عليه وسلم في السنة، وجوب حفظ هذه الضرورات، ويصعب أن يتتبعها الباحث هنا، ولكن أشير باختصارٍ شديد إلى بعضها:
فمن ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((اجتنبوا السبع الموبقات)) قيل: يا رسول الله وما هن؟ قال: ((الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات)). [البخاري (3/195) ومسلم (1/92)].
فالنهي عن الشرك بالله والسحر، والتولي يوم الزحف، يدل على وجوب حفظ هذا الدين إيماناً وعملاً، والنهي عن قتل النفس يدل على وجوب حفظ النفس، والنهي عن أكل مال اليتيم وأكل الربا، يدل على وجوب حفظ المال، والنهي عن قذف المحصنات الغافلات المؤمنات، يدل على وجوب حفظ النسل والعرض، وحفظ العقل يدل عليه التكليف بهذه الأمور وغيرها، كما يدل عليه تحريم شرب المسكرات وتعاطي المخدرات.
هذه هي الأهداف العليا التي تحيا بها الأمم، ويجب على ولاة الأمور من حكام وآباء وعلماء وغيرهم، أن يوجهوا الأفراد والأسر والشعوب إلى تحقيقها، فإن الشباب إذا وجه إلى تحقيقها وفقه معانيها وشغل نفسه بها، سوف لا يُخشى منه تعاطي المعاصي والمنكرات، ومنها المسكرات التي تهدم هذه الضرورات والأهداف هدماً.
وقد عني علماء المسلمين بهذه الضرورات، وبينوا أنها أقوى المراتب في مصالح العباد وأنها هي مقصود الشرع. [راجع الموافقات للشاطبي (2/4) بتحقيق محمد محي الدين، والمستصفى للغزالي (1/286-288)، وللباحث كتاب تضمن شيئاً من التفصيل فيها بعنوان: "الإسلام وضرورات الحياة].
وبعد هذا نذكر المباحث الخمسة، وخلاصةً في كل مبحث، لبيان أن كل واحدة من هذه الضرورات لا بد من حفظها وتوجيه الشباب إلى تحقيق ذلك الحفظ لها.

المبحث الأول: حفظ الدين .

ويدل على ضرورة حفظه وجوب العمل به، بعد الدخول فيه والإيمان به، وأن من لم يدخل فيه ولم يعمل به، فهو خاسر في الدنيا والآخرة، ومن دخل فيه و آمن به فهو فائز في الدنيا والآخرة، والحد الأدنى للعمل بهذا الدين هو التزام فرائضه واجتناب نواهيه.
قال تعالى: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}. [سورة العصر].
فإذا ما اشتغل المسلم بحفظ هذا الدين بالعمل بالحد الأدنى منه فقط، كان عضواً صالحاً في المجتمع، وكان بعيداً عن تناول ما حرم الله ورسوله عبادةً لربه، وليس خوفاً من الناس فقط، وسلم من الخسران، ومثل هذا لا يخشى منه أن يتعاطى المسكرات والمخدرات.
فكيف لو التزم الحد الأدنى ـ وهو أداء الفرائض، واجتناب النواهي ـ بنوافل الطاعات المتنوعة؟
ومن حفظ هذا الدين: الدعوة إليه، كما قال تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ}. [يوسف: 108].
وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يبعث أصحابه لإبلاغ الناس هذا الدين بالرسائل أو بالبقاء بينهم لتعليمهم ودعوتهم وهكذا أصحابه من بعده. [راجع البخاري (2/125) ومسلم (1/5)].
ومَن يُوَجَّه لدعوة الناس من الشباب ويُشغَل بها، سيكون قدوة حسنة للعمل بالإسلام والاستقامة والخلق، ومثله سيكون مجتنباً لكل المحرمات، وبخاصة تلك التي لا يتعاطاها إلا أرذال الناس، كالمسكرات والمخدرات.
ومن وسائل حفظ هذا الدين: الجهاد في سبيل الله الذي يكون فرض عين على كل مسلم، عندما لا توجد طائفة قائمة به قياماً كافياً.
والشباب الذي يُهتم به فيُوجَّه إلى التدرب والتدريب على وسائل الجهاد في سبيل الله، والاستعداد لمقارعة الأعداء، ليس مثل الشباب الفارغ الذي تكون أهدافه هابطة، ينظر إليها تحت أقدامه، فالأول يذكر الله في كل أحيانه، ويعلم أن سبيل الله معناه دينه الذي يجب أن ينصره ويرفع رايته، والآخر لا يفكر في غير الأكل والشرب والتمتع بالحياة، وإذا هتم بشيء من التدريب، فإنما يهتم بتقوية عضلاته تقوية ليس وراءها شيء.
وقد أمر الله تعالى بحفظ هذا الدين، بإعداد المستطاع للقوة التي ترهب أعداء هذا الدين، كما قال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ}. [الأنفال: 60].
وهل يفكر الشاب المشتغل بالجهاد في سبيل الله، في أن تهبط نفسه إلى ما يقتل روح الجهاد في نفسه، وبخاصة المسكرات والمخدرات؟ [للمؤلف كتاب بعنوان: الجهاد في سبيل الله حقيقته وغايته، تزيد صفحاته عن 1200 صفحة، وهو رسالة دكتوراه].

المبحث الثاني: حفظ النفس .

أوجب الله تعالى حفظ النفس بأساليب شتى في النصوص والتشريع.
فقد ثبت الوعيد الشديد لمن اعتدى على النفس في الكتاب والسنة، بل إن بعض العلماء من السلف، ذهبوا إلى عدم توبة من قتل نفساً محرمة بغير حق. [راجع الإسلام وضرورات الحياة للكاتب ص:49-53 الطبعة الثانية].
ولم يبح الشارع القصاص ممن ادُّعِيَ عليه، أنه اعتدى على النفس إلا بإقامة البينة، وأوجب الله تأخير تنفيذ الحد أو القصاص إذا كان في ذلك ضررٌ على غير الجاني حتى يزول الضرر، وربط الشارع إقامة الحدود والقصاص بالإمام ونائبه، حتى لا تُزهَق النفوس البريئة. [نفس المرجع ص:54-57 وراجع رسالة الحدود والسلطان للمؤلف].
ولم يجز الشارع قتل غير المكَلَّف، ولو أتى ما يباح به قتلُ المكلف. [الإسلام وضرورات الحياة ص:59]. وأباح للمضطر ـ بل قد يجب عليه ـ أن يتناول ما هو محرم عليه في الأصل، لإنقاذ حياته. [نفس المرجع ص:61].
وشرع سد الذرائع الموصلة إلى قتل النفس. [نفس المرجع ص:64].
والشباب الذي يربى على هذه المعاني التي تمنع الاعتداء على النفس، وتوجب حفظها يَبعُد أن يتعاطى المسكرات والمخدرات التي هي من أهم وسائل الاعتداء على النفوس.

المبحث الثالث: حفظ النسل.

لو لم يحفظ الجنس لانقرض كل جنس من أجناس الحيوان على الأرض، وهذا أمر لا يختلف فيه البشر، وقد جبل الله عليه المخلوقات فحافظت عليه بالتزاوج، ويمتاز الإسلام عن غيره، بأنه يوجب للمحافظة على النسل أن يكون عن طريق النكاح المشروع، ولا بجيزة عن طريق غير مشروع.
ولهذا جاءت نصوص كثيرة في الكتاب والسنة، تبين محبة الله ورسوله لحفظ النسل وتكثيره، والترغيب في النكاح والتحذير من التبتل، وبيان المصالح العائدة على الآباء في الدنيا والآخرة من النسل، ورتبت الشريعة على حفظ النسب الذي لا وجود له إلا بحفظ النسل، أحكاماً كثيرة. [راجع كتاب المؤلف: الإسلام وضرورات الحياة ص67-104].
والذي يربى على حفظ النسل بالطريقة المشروعة، لا يرتكب الزنا، وإنما يحافظ على النسل من طريق النكاح المشروع، يكون بعيداً عن الأسباب التي تدفعه إلى إتيان الفاحشة التي يترتب عليها انتهاك الأعراض واختلاط الأنساب، والإنجاب بطرق غير مشروعة، ومن أهم الوسائل المؤدية إلى هذا الانتهاك، تعاطي المسكرات والمخدرات، فإن متعاطيها لا يسلم من الأمور الآتية:
1 ) إتيان الفاحشة التي يترتب عليها ما ذكر.
2 ) عدم الغيرة على عرض نفسه، مما قد يتسبب عنه وجود منكرات في أسرته واختلاط الأنساب فيها.
3 ) بعض الأمراض التي تقتل نسله في حال الحمل، أو أولاده وأفراد أسرته، بسبب الآثار التي تحدث له من تناول المسكرات والمخدرات.
فالشباب الذي يقتنع بوجوب حفظ النسل، بل بضرورته ويعلم أنه يترتب على تعاطيه المسكرات والمخدرات، ما يخل بحفظ النسل سيبتعد عن تعاطي ذلك.

المبحث الرابع: حفظ العقل .

العقل من أكبر نعم الله على الإنسان، جعله الله فرقاً بينه وبين الحيوان، بما أودع فيه من طاقة للحكم على الأمور واستخلاص النتائج من مقدماتها، والغوص إلى معرفة الحقائق الكونية، والاستدلال بها على عظمة الخالق… والواجب أن يشكر الإنسان ربه على هذه النعمة التي لولاها لما كان هناك فرق بينه وبين الحيوان.
لذلك يذكر الله آياته الكونية وما فيها من نعم الله على الإنسان، ويعقب على ذلك التذكير بأن في ذلك آيات لذوي العقول، كقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (10) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (11) وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (12) وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ}. [النحل: 10-13].
وكذلك جعل الله تعالى آياته الشرعية، حياة لذوي العقول التي توصلهم عقولهم إلى تقوى الله، كما قال تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}. [البقرة: 179].
ومما يدل على ضرورة حفظ العقل أنه تعالى جعله مناط التكليف؛ لأن العاقل هو الذي يكون قادراً على فهم خطاب الله، بخلاف المجنون، أو ناقص التصور بسبب نقص إدراكه لضعف عقله، كالصبي فإن الله لا يكلفهم في تلك الحال، فقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق)). [صحيح البخاري (8/21) وأبو داود (4/558) والتمهيد لابن عبد البر (1/109) وفتح الباري (9/393) والإحكام في أصول الأحكام للآمدي (1/138-139)].
[s3]
وسائل حفظ العقل:
ويمكن تلخيص وسائل حفظ العقل في ثلاثة أمور عامة:
الأمر الأول: توجيه صاحبه إلى المجالات النافعة ـ أي تفكيره في المصالح التي تعود عليه وعلى مجتمعه بالخير في الدنيا والآخرة، وتغذيته بالمعاني السليمة الصافية، سواء ما يتعلق منها بالغيبيات أو المحسوسات: في أمور الدنيا والآخرة.
وقد وردت نصوص كثيرة لتوجيه العقل إلى هذا الأمر، وحث العقل على التفكير في المحسوسات، الهدف منه الوصول على ما يترتب عليها من الانقياد لصانع تلك المحسوسات، ولهذا يعبر عنها بالآيات، أي العلامات التي تدل العاقل على أن الانقياد لصانعها هو الأصل، وأن عصيان صانعها يعد شذوذاً لا يليق بالعقلاء.
من ذلك قوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}. [البقرة: 164].
ففي هذا دعوة إلى استعمال العقل في هذا المجال، وهو الاستدلال ببديع صنع الله على وجوب الانقياد له، وذلك أصل مصالح الدنيا والآخرة.
ومن ذلك دعوة العقل إلى التفكر في كتاب الله الذي أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم، الذي اشتمل على كل ما فيه مصلحة للناس، فإن ما فيه من الهداية إلى الخير والتحذير من الشر، لا يتردد العقل السليم في الإقرار به، كما قال تعالى: { إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ }. [يوسف: 2].
فإذا لم يهتدِ الإنسان بعقله إلى ما فيه مصلحته مما جاءه من عند الله، فقد أضاع عقله ولم يستفد منه، فأصبح بمنزلة من لا عقل له، لذلك ينفي القرآن الكريم عن مثل هذا الصنف من الناس العقل، أو ينكر عليه عدم العقل للأمور النافعة أو الضارة، كالمشركين الذين يرفضون اتباع ما أنزل الله ويقلد الأبناءُ منهم الآباءَ، كما قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ (170) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ}. [البقرة: 170-171].
ومن الآيات التي تعرضت لهذا المعنى، وهو حفظ العقل على التفكر فيما ينفع فيتعاطاه، وما يضر فيجتنبه، هذه الآية الكريمة المتعلقة بحفظ العقل نفسه مما يفسده: {يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ}. [البقرة: 219].
نزلت هذه الآية قبل أن ينزل تحريم الخمر الباتُّ في سورة المائدة، وهي تلفت عقول شاربي الخمر إلى أن النفع الذي قد يحصل منها بيعاً وشراءً وشرباً، في جانب مضارها العظيمة، التي يقتضي أن ترجح عقولهم السليمة البعد عنها بدلاً من تعاطيها.
فإذا وُجِّهت عقولُ الشباب إلى المقارنة والموازنة بين المصالح والمفاسد، وما ينبغي فعله وما ينبغي تركه، فإن ذلك من أهم وسائل حفظ عقولهم من الضياع.
الأمر الثاني: صيانة العقل من المفسدات المعنوية، وذلك يشمل العقائد والأفكار والمعارف كلها، سواء كانت دينية، أو اجتماعية، أو سياسية، أو عسكرية، أو اقتصادية، فإن العقل إذا غذي بعقائد وأفكار ومعلومات فاسدة يسوء تصوره ويَفسُد ويُفسِد ويَضِل ويُضِل، ويصبح أخطر من العقل الخالي من العقائد والأفكار والمعارف؛ لأن هذا الأخير يمكن أن يهيأ له من يغذيه بالعقيدة السليمة والفكر الصحيح والمعلومات الصادقة، فيكون قبوله لها سهلاً، بخلاف العقل الذي يغذى بالمعاني الفاسدة ويؤكد له صدقها، فإن انتزاع تلك المعاني الفاسدة منه وإحلال معاني صحيحة محلها، ليس سهلاً بل قد يكون في غاية الصعوبة، وهذا واضح في أهل الملل المختلفة والأفكار المتشعبة في كل العالم.
والعقل الذي يصان من المفسدات المعنوية، يسهل أن يصان من المفسدات الحسية، بخلاف العقل الذي تفسده المعاني الضالة، فإنه من السهل أن يستجيب لما يفسده حسياً.
ويمكن أن أضرب لذلك مثالاً يمس ما نحن بصدده في هذا المؤتمر، وهو أن نجد شخصين، أحدهما يقول: إن الدين غِلٌّ في عنق الإنسان يمنعه من تناول ما يريد مما تشتهيه نفسه بكامل حريته، مادام متعلقاً بشخصه.
وآخر يقول: إن الحرية الحقة هي حرية الإنسان الذي لا يعبد إلا الله، أما الذي لا يعبد الله وحده، فليس بحر، بل هو عبد لكل شيء مما تشتهيه نفسه؛ لأنه لا يقدر على مقاومة هذه الشهوات التي قد تهلكه في النهاية.
فالأول يرى أن له الحق أن يتناول المسكرات والمخدرات؛ لأنه حر في نفسه وليس لأحد عليه سلطان، والآخر يرى أنه ليس له حق في تناول ذلك، لما فيه من مخالفة أمر الله الذي يعلم ما يصلح الإنسان وما يضره، الأول غذي عقله بمعنى فاسد، والثاني صين عقله من ذلك المعنى فكان سليماً.
ولقد كان للجن صولات وجولات في إفساد العقول قبل الإسلام، بسبب ما كانوا يحصلون عليه من استراق السمع من السماء، وكانوا يضيفون إلى الكلمة الصادقة الواحدة تسعاً وتسعين كلمة كاذبة، فيصدقهم الناس، فلما جاء الإسلام حرس الله السماء بالشهب التي كانوا يُرمَون بها، لتُحفَظ العقول من فسادهم، إضافة إلى تغذية العقول بالوحي المنزل من السماء، الذي أصبحت عقول كثير من الجن أنفسهم، محفوظة به من الفساد والإفساد.
كما قال تعالى: {وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً (8) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعْ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَصَداً (9) وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً (10) وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَداً (11) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ فِي الأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً (12) وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً}. [الجن: 8-13].
وقد وردت أحاديث صحيحة تبين ذلك.
وإذا كان الله تعالى قد تولى حفظ الناس من خرافات الجن وكذبهم، فمنعهم من استراق السمع، وجعل بعضهم يؤمنون بالله ويتوب من إفساد العقول، فإن الأرض مليئة بالخرافات التي يتولى نشرها بعض الإنس، وكذلك الأفكار الفاسدة التي يطلق عليها الآن الغزو الفكري.
وقد حمل الله تعالى المسؤولية علماء الإسلام ومن نجا من حكام الشعوب الإسلامية، من ذلك الغزو، فإنهم يجب عليهم أن يَرمُوا من خالف الإسلام، بشهب الحجة والحديد، كما رمى الله الجن بشهب السماء..
قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ}. [الحديد: 25].
فإذا تمت صيانة العقل من المفسدات المعنوية، سهل كما سبق صيانته من المفسدات المادية المحسوسة.
ولكن المؤسف أن أكثر ولاة أمور الشباب المسلم، من حكام وعلماء وآباء، لا يهتمون بعقول الشباب وصيانتها مما يفسدها معنوياً، وإن كان كثير منهم يحاولون أن يصونوها من المفسدات المادية، وهم بذلك شبيهون بمن يرمي الشخص الذي لا يجيد السباحة في البحر، ثم يرمي له حبلاً قصيراً لا يصل إليه، من أجل إنقاذه من الغرق.
بل من عجائب كثير من المسلمين أن ينعكس الأمر عندهم عما هو عليه عند غيرهم، فيكون أكثر المدمنين في الغرب، من الطبقات الدنيا التي ليس عندها أعمال تملأ فراغهم أو من الذين عندهم قصور عقلي وتخلف ذهني..
ويكون أغلب المدمنين في بلدان المسلمين، هم من الذين يتولون أمور الشعوب من الساسة والأغنياء!! بخلاف عامة الشعوب الإسلامية فإن الإدمان فيهم أقل من زعمائهم، بسبب ترف الصنف الأول وبعده عن دينه أكثر من الصنف الثاني؛ لأن الصنف الأول قد ملئت عقوله بالمفسدات المعنوية، وهي ثقافة أهل الغرب السامة. [راجع كتاب: الخمر بين الطب والفقه للدكتور محمد على البار، الذي نص على أسماء بعض زعماء الشعوب الإسلامية ممن عرف عنهم تعاطي الخمر ص:95-96].
الأمر الثالث: صيانة العقل من المفسدات المادية، وتندرج تلك المفسدات كلها في كلمة واحدة، عني بها القرآن والسنة والفقه الإسلامي، وهي الخمر التي هي أم الخبائث كلها؛ لأنها تجمع بين التخدير والتفتير والسكر الذي هو قمة الإضرار بالعقل، فالسكر لا يحصل إلا بعد التخدير والتفتير، وهذا ما أشار إليه علماء اللغة، كما قال الإمام مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد الجزري، المشهور بابن الأثير: "وفي حديث عمر أنه رزق الناس الطلاء فشربه رجل فتخدر أي ضعف وفتر، كما يصيب الشارب قبل السكر، ومنه خدر الرجل واليد". [النهاية في غريب الحديث (2/12)].
وفي ترتيب اللسان: "وقد خدرت الرجل، تخدر والخدر من الشراب والدواء، فتور يعتري الشارب وضعف… والخدر الكسل والفتور…". [ترتيب اللسان (2/797)]، "وخدر العضو خدراً، من باب تعب: استرخى فلا يطيق الحركة". [المصباح المنير (مادة:خدر) لأحمد بن محمد بن علي المقري الفيومي].
والأصل في تحريم الأشياء في الشريعة الإسلامية، كون المحرمات خبائث عند الله الذي يعلم خبثها، سواء ظهر ذلك للناس أو لم يظهر، كما قال تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ}. الآية.. [الأعراف: 157].
ومن ضمن هذه الخبائث الخمر التي حرمها الله تعالى في كتابه، وحرمها رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته، وأجمعت الأمة على تحريمها، كما قال ابن قدامة رحمه الله: "الخمر محرم بالكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقول الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ} إلى قوله: { فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ }. [المائدة: 90-91].
وأما السنة فقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((كل مسكر خمر، وكل خمر حرام)). [رواه أبو داود، والإمام أحمد ومسلم ولفظه عنده: ((كل مسكر خمر وكل مسكر حرام)) وأبو داود (4/85) والترمذي (4/290) وأحمد(2/16،31،105،134،137)].
وروي عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لعن الله الخمر وشاربها وساقيها، وبائعها ومبتاعها، وعاصرها ومعتصرها، وحاملها والمحمولة إليه)) رواه أبو داود. [أبو داود (4/82) وراجع الترمذي (3/580)]، وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم تحريم الخمر بأخبار تبلغ بمجموعها رتبة التواتر، وأجمعت الأمة على تحريمها". [المغني (5/158)].
وقال ابن حزم رحمه الله: "كل شيء أسكر كثيرُه أحداً من الناس، فالنطفة منه فما فوقها، إلى أكثر المقادير، خمر حرام ملكه وبيعه وشربه واستعماله على كل أحد". [المحلى (7/488)].
فإذا كان الله تعالى إنما حرم على الناس الخبائث، والخمر أم الخبائث كما نص على ذلك السلف، وعلى رأسهم عثمان بن عفان رضي الله عنه، وقد حرمت بالكتاب والسنة والإجماع، وقد لعن الله كل من شارك في الحصول عليها، فإن الذي يبيح للناس أن يبيعوها ويشتروها ويصدروها ويستوردوها، يكون أولى باللعن من غيره.
بل إن الذي يحل شيئاً مما علم تحريمه من الدين بالضرورة، لا يكون مسلماً بل هو كافر، وهذا الصنف من الناس يكون محارباً لله ولرسوله وللمؤمنين، ومعارضاً للحكم بما أنزل الله، فلا يليق به أن يلجأ إلى الإسلام ليستعين به زاعماً وقاية شعبه، مما يرى هو فيه مضرة كالمخدرات؛ لأنه يستعين بشيء ـ وهو الإسلام ـ يرى الناس أنه عدو له، فلا يمكن أن يستجيبوا له، ولكن الذي يحرم ما حرم الله، ويحل ما أحل الله، ويحكم بشرع الله، له الحق أن يستعين بأحكام الإسلام على مطاردة المنكرات كلها، والناس يصدقونه عندما يذكر الإسلام ويستدل به. [ليس في هذا تثبيط لمن يحاربون الإسلام عن الاستفادة من تطبيق أحكامه، وإنما المراد الحض على التطبيق الكامل لأحكام الإسلام].
[s3]
طرق صيانة عقول الناس من المسكرات والمخدرات:
وعندئذ تكون صيانة الناس وعقولهم من المسكرات والمخدرات، وكل ما فيه ضرر، كالتدخين تكون بالطرق الآتية:
الطريق الأولى: منع صناعتها في داخل البلاد، منعاً باتاً وإنزال العقوبة المناسبة بكل من تعاطى ذلك.
الطريق الثانية: منع إدخالها إلى البلاد، عن طريق التجارة أو الاقتناء دون تفريق بين الناس، وإنزال العقوبة المناسبة بكل من حملها معه، أو حاول إدخالها بأي وسيلة.
الطريق الثالثة: الحكم على من ضبط متعاطياً لها، بما في شرع الله دون تهاون.
وقبل هذا كله الإعلان للشعب كله، على أنها من الخبائث التي حرم الله، وأن الله يعاقب من ارتكبها كما مضى في الفصول والمباحث السابقة.
والإسلام وحده هو القادر على صيانة العقل من المفسدات المعنوية والمادية معاً، ولا يستطيع أي دين آخر أو أي قانون أن يصونه كما يصونه الإسلام، وسيأتي ما يؤكد هذا في الفصل السابع إنشاء الله.

المبحث الخامس: حفظ المال .

المال مال الله استخلف عباده فيه، فهو سبحانه المالك الحق، ولا يجوز لخلقه الذين استخلفهم فيه، أن يكتسبوه أو ينفقوه، إلا حيث يكون اكتسابه أو إنفاقه مشروعاً.
قال تعالى: { آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ }. [الحديد: 7].
قال القرطبي رحمه الله في تفسير هذه الآية: "دليل على أن أصل الملك لله سبحانه، وأن العبد ليس له فيه إلا التصرف الذي يرضي الله، فيثيبه على ذلك الجنة"، إلى أن قال: "وقال الحسن: مستخلفين فيه، بوراثتكم عمن كان قبلكم، وهذا يدل على أنها ليست بأموالكم في الحقيقة، وما أنتم فيها إلا بمنزلة النواب والوكلاء، فاغتنموا الفرصة فيها بإقامة الحق، قبل أن تزال عنكم إلى من بعدكم". [الجامع لأحكام القرآن (17/238)، وراجع كتابنا الإسلام وضرورات الحياة ص:129-183].
ولا شك أن الذي يتعاطى المسكرات والمخدرات، لا يؤمن على حفظ ماله، ومن باب أولى، مال غيره في حال سكره وحال صحوه، فهو لا يبالي أن يجمع المال بأي وسيلة مشروعة كانت أو غير مشروعة، بل إنه لا يتورع عن التعدي على حقوق الناس، من أموالهم وأنفسهم وأعراضهم، فكيف يؤمن على حفظ المال؟
ومن هنا يعلم أن الذي يتعاطى المسكرات والمخدرات، بالبيع أو الشراء أو الصنع أو النقل أو الإباحة، ليس مؤتمناً على حفظ الضرورات والأهداف العليا، التي يجب على المسلمين أن يسعوا إلى تحقيقها في الحياة، بل كل الأمم لا حياة لهم بدونها، وهي: الدين والنفس والنسل والعقل والمال.