الفصل الثاني: الاهتمام بتربية الأسرة
الفصل الثاني: الاهتمام بتربية الأسرة
وفي هذا الفصل مبحثان:
المبحث الأول: يتعلق بأسرة من يتعاطى المسكرات والمخدرات.
المبحث الثاني: عناية أولياء أمور المسلمين بالأسرة.
المبحث الأول: يتعلق بأسرة من يتعاطى المسكرات والمخدرات
الأسرة هي نواة المجتمع، فإذا حصل اهتمام بتربية أفرادها تربية صالحة، صارت الأسرة صالحة وصار المجتمع كله صالحاً؛ لأن الأسرة تتكون من أفراد، والمجتمع يتكون من أسر.
وذلك بأن يجتهد أفراد هذه الأسرة بتربية أنفسهم، وتربية بعضهم بعضاً على الإسلام، بأداء حقوق الله وحق بعضهم على بعض، وأداء حقوق الله تعالى وحق المجتمع.
ويبدأ ذلك باختيار الزوجِ الصالحِ زوجَه الصالحةَ، والزوجِ الصالحةِ الزوجَ الصالحَ، فإن صلاح الزوجين هو أساس التربية الطيبة للأسرة.
ثم قيام كل من الزوجين بواجبه المستطاع، في تربية الأولاد على المعاني الإسلامية، وغرس حب الله وحب رسوله، وحب الخير في نفوسهم، وبغض كل ما يبغضه الله ورسوله من المنكر والفساد، حتى ينشأ الأولاد وهم ملتزمون بما يرضي الله، مبتعدون عما يسخطه، فيكونوا أعضاء نافعين في المجتمع المسلم.
وتربية الأسرة على هذه المعاني شاقة، تحتاج إلي جهد متواصل، وصبر طويل، وتحتاج أن يجاهد الزوجان أنفسهما، بأن يكونا قدوة حسنة، إذا أمرا أولادهما بخير فعلاه، وإذا نهياهم عن شيء تركاه، وإلا كان الأمر الذي يخالف الفعل أو النهي الذي يرتكبانه وبالاً على الأولاد؛ لأنهم يتأثرون بالفعل أكثر من القول. [راجع كتاب منهج التربية الإسلامية (2/118) لمحمد قطب، وكتابنا: "أثر التربية الإسلامية في المجتمع الإسلامي"].
كما أنه يجب على الأسرة أن تحذر من جلساء السوء، فلا تتيح لهم الفرصة ليختلطوا بها، بل يجب أن يكون جلساؤها هم أهل الصلاح والخير، الذين هم قدوة حسنة في العلم والعمل الصالح، ليتعاونوا معهم على البر والتقوى، وليس على الإثم والعدوان.
وقد بيَّن الرسول صلى الله عليه وسلم، الأثر الصالح المترتب على مصاحبة الجليس الصالح، كما بين الأثر السيء المترتب على مصاحبة الجليس السوء.
كما في حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((مثل الجليس الصالح والسوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد ريحاً خبيثة)). [البخاري (6/231) ومسلم (4/2026)].
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذا قام به أفراد الأسرة فيما بينهم، ولم يسمحوا للمنكر أن يستقر في أحد منهم، يكون له أثر كبير في الاستقامة؛ لأن الطفل ينشأ على ذلك من صغره، فيكبر وقد اصطبغ بذلك، ويصبح ما يخالف مألوفه عنده غير مستساغ، فإذا يسر الله له أن يكون المجتمع خارج البيت كذلك، كان ذلك نوراً على نور.
أما إذا كانت الأسرة غير صالحة ـ أي لم تُربَّ على الإسلام ـ فإن الشر يستقر فيها، ويكون المعروف منكراً والمنكر معروفاً، يتعاون الأفراد على الإثم والعدوان، ولا يتعاونون على البر والتقوى، وأولاد هذه الأسرة يغلب عليها الشقاء وحب الشر، بدلاً من حب الخير، ويصعب على المجتمع أن يؤثر فيهم بالخير والصلاح، إلا من شاء الله.
فإذا قامت الأسرة بواجبها في تربية أفرادها على الإسلام، فإن ارتكاب الجريمة، ومنه تناول المسكرات والمخدرات، لا بد أن يقل لعدم قبول الأسرة له ومقاومتها له، وإن لم تقم الأسرة بتربية نفسها على الإسلام، فإن المسكرات والمخدرات، تتفشى في الأسرة، ويكثر ارتكاب المعاصي والإعانة عليه وهناك يكمن الخطر.
ولهذا أمر الله أولياء أمور الأسر، بأن يقوا أنفسهم وأهليهم النار، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}. [التحريم: 6].
المبحث الثاني: عناية أولياء أمور المسلمين بالأسرة .
الأسرة تستطيع أن تقوم بواجب تربية أفرادها على الإسلام في محيطها، ولكنها لا تستطيع أن تحمي أفرادها من أوبئة الفساد المنتشرة في الدولة، فالمدارس والأسواق والنوادي والمنتزهات وأجهزة الإعلام، وغيرها من مرافق المجتمع العامة، تشرف عليها الدولة وليست الأسرة.
والأسرة مضطرة إلى تعليم أولادها في المدارس، والمدارس أغلبها تحت إشراف الدولة..
والأسرة تضطر إلى شراء حاجاتها من السوق والخروج إلى الشارع، والسوق والشارع تشرف عليهما الدولة..
والأسرة تحتاج أن تمشي في مناكب الأرض، وتمتع نفسها بالمناظر الجميلة في البساتين العامة والغابات وشواطئ البحار، وهذه وتلك إنما تشرف عليها الدولة.
فإذا قامت الدولة بواجبها من حماية الأسرة والمجتمع، من الفساد الإعلامي والتعليمي والاجتماعي، كان ذلك تعاوناً مع الأسرة على المزيد من الخير، وإلا هدمت الدولة كل ما بنته الأسرة، ونحن نعرف أن بعض الدول المسؤولة في بعض الشعوب الإسلامية، تحاول هدم الإيمان في النفوس، وتتخذ كل الوسائل لاقتلاع الأخلاق الإسلامية، ونشر الرذيلة والفساد بين الشباب، حتى أصبح المسلم يأمن على نفسه وعرضه وأولاده في المجتمعات الكافرة، أكثر من أمنه على ذلك، في بلاده التي هي مسقط رأسه.
وولاة الأمر الذين هذا دأبهم لا يرجى منهم إلا تثبيت المنكر ودعمه وإفشاؤه، فهل يحق لأمثال هؤلاء أن يستعينوا بالإسلام على محاربة بعض الفساد الذي اضطروا لمحاربته، لا إرضاء لله ولكن لأغراض أخرى قد تكون اقتصادية؟ كلا.