وقاية المجتمع من المسكرات

المؤلفات | تربية | 10 صفحة
صفحة 3 من 10 الفصل الأول: غرس الإيمان في النفوس، وتربية أجيال الأمة على تطبيق الإسلام في الحياة.

الفصل الأول: غرس الإيمان في النفوس، وتربية أجيال الأمة على تطبيق الإسلام في الحياة.

الفصل الأول: غرس الإيمان في النفوس، وتربية أجيال الأمة على تطبيق الإسلام في الحياة.

وفي هذا الفصل تمهيد ومبحثان:
المبحث الأول: غرس الإيمان في النفوس.
المبحث الثاني: تربية أجيال الأمة على تطبيق الإسلام في الحياة.

تمهيد في بيان معنى الإيمان :

الإيمان في اللغة: التصديق، [ينازع بعض العلماء في أن المراد بالإيمان في اللغة التصديق، ولكن المقام لا يتسع لمناقشة ذلك، راجع الفتاوى لابن تيمية (7/123)]. ويتعدى باللام كقوله تعالى: {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ}. [يوسف: 17] أي وما أنت بمصدق لنا.
وأما الإيمان في الشرع فالراجح أنه: (تصديق بالقلب وقول باللسان، وعمل بالجوارح) فإذا أطلق شمل ذلك كله.
فالمراد بالإيمان ما عناه الله تعالى في القرآن الكريم والسنة الشريفة، وفهمه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن تبعهم من السلف الصالح، وهو التصديق الجازم بكل ما أخبر الله به من الغيب، وهو يشمل أصول الإيمان الستة: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر، وما تفرع عنها مما ورد به الكتاب والسنة الصحيحة.
وليس المراد بالإيمان مجرد ما تعارف عليه أهل الأديان والأفكار المنحرفة الذين يرون أنه علاقة شخصية بين الإنسان وربه، ولا شأن له بنشاطه في الحياة.
فإن هذا ليس هو الإيمان الذي جاء به القرآن، إذ الإيمان الذي نزل به لا ينفك عنه العمل الصالح المبني على العلم النافع، كما قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ}. [الحجرات: 15].
هذا ولست أريد أن أطيل هنا الكلام على أصول الإيمان الستة كلها، فضلاً عما يتفرع منها، وإنما أريد أن أضرب أمثلة فقط يتضح بها أن غرس الإيمان في النفوس هو أعظم واق من أمراض المعاصي، ومنها تعاطي المسكرات والمخدرات، وهذه الأمثلة تتعلق بالإيمان بالله، والإيمان بكتاب الله الذي هو القرآن، والإيمان باليوم الآخر.
[s3]
الإيمان بالله:
ولست أيضاً بمطيل في الكلام عن الإيمان بالله بذكر كل ما يتعلق بذاته تعالى، من كونه خالقاً ورباً وإلهاً، [للمؤلف كتابان عن الإيمان: الأول عنوانه: "الإيمان اصطلاحاً وأثره تطبيقاً" ولم يطبع، والثاني بعنوان: "الإيمان هو الأساس" وقد طبع].
وإنما أضرب لذلك مثالين:
أحدهما: يتعلق بعلمه الشامل المحيط بكل شيء.
والثاني: يتعلق بقدرته التامة على كل شيء.
[s3]
غرس الإيمان بعلم الله المحيط بكل شيء وأثره في الوقاية من إرتكاب المعاصي:
لقد كثر في القرآن الكريم ذكر علم الله المحيط بكل شيء، بأساليب شتى، والمقصود منها إشعار الإنسان بأن أعماله لا تخفى على الخالق، وأنها محفوظة مكتوبة محاسب عليها صاحبها، كما قال تعالى في أهل الكتاب، الذين حذر بعضهم بعضاً من الاعتراف بما في كتبهم مما يوافق القرآن الكريم، ويؤيد صحة رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، لئلا يكون اعترافهم بذلك حجة للمسلمين عند الله عليهم، قال تعالى عنهم: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (76) أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ}. [البقرة: 76-77].
وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ}. [آل عمران: 5].
وقال تعالى: {قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (29) يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ}. [آل عمران: 29-30].
تأمل هاتين الآيتين الأخيرتين: هل تجد شيئاً يمكن إخفاؤه على الله الذي أحاط علمه بما في السماوات وما في الأرض، وما يخطر للمرء في صدره، وهل يقدر الإنسان أن ينكر شيئاً مما عمل في الدنيا، عندما يلاقي الله فيجد عنده كلَّ ما عمل من خير أو سوء؟.
إن الإنسان ليقدر أن يحتال على الناس وعلى كل الوسائل التجسسية في الدنيا ويفلت منها، وكذلك يقدر أن يحتال على القضاء والقوانين، وعلى المحامين وأساليبهم، وعلى الشرطة ووسائلهم وسجونهم ويخرج من عندهم جميعاً بريئاً، وهو في الواقع غير بريء، ولكنه لا يقدر على ذلك بالنسبة للخالق.
كما قال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً (105) وَاسْتَغْفِرْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً (106) وَلا تُجَادِلْ عَنْ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً (107) يَسْتَخْفُونَ مِنْ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنْ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنْ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً (108) هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً (109) وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرْ اللَّهَ يَجِدْ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً (110) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (111) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدْ احْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً} [النساء: 105-112].
قل لي بربك لو أن مريد مخالفة القانون في أي بلد يعلم أن آلة التصوير مسلطة عليه في منزله، وفي سيارته، وفي الشارع، وفي بيت الخلاء، وفي أي مكان تحرك أو سكن فيه، وأن صورته تظهر على حقيقتها على مرآة التلفاز، أمام مراقبين يتابعونه، هل تراه يستطيع أن يخالف القانون، ويفعل ما سيعاقب عليه من قبل السلطة القادرة على القبض عليه وعلى معاقبته؟.
فكيف إذا علم العبد وآمن أن الله محيط به، يعلم كل حركاته وسكناته وخطرات قلبه، في كل لحظة من لحظات حياته؟
فلو أن الإنسان تربى على العلم بهذه الصفة الإلهية والإيمان بها، وما يترتب على ذلك من صغره فنشأ على ذلك، لما كان يجترئ على ارتكاب المعاصي، والاعتداء على الحقوق سواءً كانت حقوق الله أو حقوق عباده، ولكان المؤمن بهذه الصفة محققاً للإحسان الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: ((الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)). [مسلم (1/36-37)].
وقال الأستاذ أبو الأعلى المودودي رحمه الله في هذا المعنى: (وأهم شيء وأجدره في هذا الصدد، أن الإيمان بلا إله إلا الله، يجعل الإنسان مقيداً بقانون الله ومحافظاً عليه، فإن المؤمن يكون على يقين بسبب اعتقاده بهذه الكلمة، أن الله خبير بكل شيء، وهو أقرب إليه من حبل الوريد، وأنه إن أتى بعمل في ظلمة الليل، أو حالة الوحدة، فإن الله يعلمه، وأنه إن خطر بباله شيء جميل فإن علم الله محيط به، وأنه إن كان من الممكن له أن يخفي أعماله على كل واحد في الدنيا، فإنه لا يستطيع إخفاءها على الله عز وجل، وإن كان يستطيع أن يفلت من بطش أي كان، فإنه لا يستطيع أن يفلت من الله عز وجل.
فعلى قدر ما يكون هذا الإيمان راسخاً في ذهن الإنسان، يكون متبعاً لأحكام الله قائماً عند حدوده، لا يجرؤ على اقتراف ما حرم الله، ويسارع إلى الخيرات والعمل بما أمر الله، ولو في ظلمة الليل أو حالة الوحدة والخلوة، فإن معه شرطة لا تفارقه حيناً من أحيانه، وهو يتمثل دائماً أمام عينيه تلك المحكمة العليا التي لا يكاد الإنسان ينفذ من دائرة حسابها) . [مبادئ الإسلام ص98 طبع الاتحاد الإسلامي للمنظمات الطلابية].
فإذا فقد الإنسان العلم والإيمان بهذا المعنى، فإنه سيرتكب كل ما يهواه عندما يشعر أنه لا يعلم به القادر على تأديبه، وسيكون الموظف المسؤول عن متابعة المجرمين مجرماً، يتعاطى هو نفسه، المسكرات والمخدرات، أو يخفي جرائم المتاجرين في ذلك والذين يتعاطونه، إذا نال منهم فائدة مادية، وهذا أمر يعرفه أهله، أما من علم هذا المعنى وآمن به فأمانته يعرفها ذوو الخبرة في هذه الأمور. [للمؤلف بحث في هذا الموضوع عنوانه: "الواعظ الأكبر والزاجر الأعظم"].
[s3]
غرس الإيمان بقدرة الله التامة على كل شيء:
إن المجرم إذا علم أن أحداً يعلم جريمته إذا ارتكبها، ولكنه يعلم أن هذا العالم بجريمته، عاجز عن متابعته وعقابه، فإنه يستطيع أن يرتكب تلك الجريمة وينجو من عقاب العالم بجريمته، ولو كان يبغضها غاية البغض، لكنه إذا اجتمع عنده العلم والإيمان، أن أحداً يعلم ما يرتكبه من معصية، ويقدر على متابعته ومحاسبته وعقابه، لا يقدر أبداً على الإفلات منه، فإنه لا يقدم على ارتكاب المعصية التي يعلمها ويعاقبه عليها.
ولهذا جمع الله سبحانه بين علمه المحيط بكل شيء، وقدرته التامة على كل شيء في قوله تعالى: {قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. [آل عمران: 29].
وقال تعالى: {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً}. [فاطر: 44].
فإذا أردنا أن نوجد الإنسان الذي يجتنب ما يضره ويضر مجتمعه من الجرائم، بل إذا أردنا إيجاد أمة تكون كلها حارسة على مصالحها في السر والعلن، فلا بد أن نربي ذلك الإنسان أو تلك الأمة، على العلم والإيمان بقدرة الله التامة على كل شيء، مع إحاطته تعالى علماً بكل شيء.
ولعل هذا يبين حكمة أمر الله تعالى عباده، أن يعبدوه بأسمائه الحسنى التي تملأ القلب المؤمن حباً لله، وخوفاً ورهبة منه، فيقدم على ما يحب ويبتعد عما يكره، كما قال تعالى: {وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا}. [الأعراف: 180].
لأن كل اسم من أسمائه تعالى يحمل من المعاني، ما لو فقهه المؤمن وثبت في قلبه، لازداد تقرباً إلى الله بطاعته، بأداء حقوقه وحقوق عباده، وترك معصيته، بعدم الاعتداء على حقوقه وحقوق عباده.
وقال ابن القيم رحمه الله: "ولو شهد بقلبه صفة واحدة من أوصاف كماله، لاستدعت منه المحبة التامة عليها، وهل مع المحبين محبة إلا من آثار صفات كماله، فإنهم لم يروه في هذه الدار، وإنما وصل إليهم العلم بآثار صفاته وآثار صنعه، فاستدلوا بما علموه على ما غاب عنهم". [طريق الهجرتين وباب السعادتين ص:561-562 طبع قطر].
ولهذا كان المكثر من حفظ أسماء الله الحسنى المتعبد بها جديراً بوعد الله أن يدخله الجنة، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة)). [البخاري (3/185) ومسلم (4/2062) وفي مسلم زيادة في رواية: ((من حفظها))].
والمراد من إحصائها وحفظها هو التعبد بها وذكر الله بها باللسان والقلب، والتأثر بمعانيها التي تثمر في المحصي الحافظ لها قوة الإيمان وزيادته، والحرص على طاعة الله والإكثار منها، والبعد عن معاصي الله تعالى، والرغبة الصادقة في الفوز برضوان الله ونعيمه في الجنة التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، وبالجملة حفظ هذا الدين في نفسه وفي أمته، على المنهج القرآني والسنة النبوية، يبين ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنه: ((احفظ الله يحفظك...)).
قال ابن الأمير: "والمراد من قوله: ((احفظ الله)) أي حدوده وعهوده وأوامره ونواهيه، وحفظ ذلك هو الوقوف عند أوامره بالامتثال، وعند نواهيه بالاجتناب، وعند حدوده أن لا يتجاوزها ولا يتعدى ما أُمر به إلى ما نُهى عنه، فيدخل في ذلك فعل الواجبات كلها وترك المنهيات كلها.
وقال تعالى: {وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ}. [التوبة: 112]. وقال: {هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ}. [ق: 32]. فسر العلماء الحفيظ بالحافظ لأوامر الله، وفسر بالحافظ لذنوبه حتى يرجع منها، فأمره صلى الله عليه وسلم بحفظ الله يدخل فيه كل ما ذكر وتفاصيلها واسعة". [سبل السلام (4/176) دار إحياء التراث العربي ـ بيروت].
[s3]
غرس الإيمان بكتاب الله في النفوس:
إن هذا القرآن لم ينزل إلا لهداية البشر وإقامة الحجة عليهم، قال تعالى: {الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ}. [البقرة: 1-2]. وقال تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}. [الإسراء: 9]. وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}. [الصف: 9].
فإذا رُبِّيَ الإنسان على الإيمان بأن هذا القرآن كلام الله، وأنه لا اهتداء إلا به في هذه الحياة، وأن ما شرعه الله فيه يجب أن يطاع أمراً كان أو نهياً، وأنه لا يجوز أن يطاع أحد في معصيته، وأنه يجب أن يُتَعلم حلاله وحرامه، ويُطَبق في واقع الحياة، إن الإنسان إذا ربي على ذلك، فسيكون إنساناً صالحاً، يحب الخير ويدعو إليه ويأمر به، ويبغض الشر ويحذر منه وينهى عنه، ومن ذلك المسكرات والمخدرات التي حذر الله تعالى منها.
وإذا لم يُرَبَّ المسلم على ذلك، فأي قانون قادر على قيادته بسهولة ويسر غير هذا القرآن؟
لقد كان لهذا القرآن أثره في نفوس الذين أخذوه علماً وإيماناً وعملاً، من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت لهم بذلك السعادة والعزة، والأمن والاستقرار، والإيثار والمودة والإخاء، وهذه المعاني هي التي ينشدها العالم اليوم، لفقدها أو ضعفها الذي يكاد يكون كالفقد، ولا يمكن أن تعود هذه المعاني إلى الأرض، إلا إذا سلك المسلمون مسلك سلفهم الصالح في تعلم كتاب الله والإيمان به وتطبيقه في حياتهم.
قال ابن كثير رحمه الله: "قال الأعمش: عن أبي وائل عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات، لم يجاوزهن، حتى يعرف معانيهن والعمل بهن، وقال عبد الله السلمي: حدثنا الذين كانوا يقرؤوننا، أنهم كانوا يستقرؤن النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا إذا تعلموا عشر آيات، لم يخلفوها حتى يعملوا بما فيها من العمل، فتعلمنا القرآن والعمل جميعاً". [تفسير القرآن العظيم (1/3) وراجع مجموع الفتاوى لابن تيمية رحمه الله (13/331)].
هكذا كان تأثير القرآن على النفوس التي آمنت به، كانوا يقفون عند آياته تلاوةً، وتفهماً لمعانيها، وتطبيقاً لأوامرها ونواهيها.
وسنة رسول الله صلى اله عليه وسلم وسيرته، كالقرآن في التكليف، ووجوب الإيمان بها، فهي وحي مثله في ذلك، والواجب الإيمان بما صح منها والعمل بها كالقرآن؛ لأن الله قد أمر بطاعة رسوله كما أمر بطاعته، قال تعالى: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ}. [النور: 54].
فإذا غرس الإيمان بالكتاب والسنة في نفوس الناس، تغيرت نفوسهم من الجنوح والفسوق إلى الإقبال إلى الله والطاعة.
قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ}. [الرعد: 11].
هذا التغيير يشمل أمرين:
الأمر الأول: أن يكونوا على استقامة وطاعة وفي رغد من العيش الهنيء، فيغيروا ما بأنفسهم من الاستقامة والطاعة إلى معاصي الله، فيغير الله ما بهم من النعم إلى النقم.
كما قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}. [الأنفال: 53].
الأمر الثاني: أن يكونوا في نكد وشقاء وعذاب، فيغيروا ما بأنفسهم من معاصي الله إلى طاعاته، فيغير الله ما بهم من النكد والشقاء، إلى الرغد والنعم والعيش الكريم.
كما قال تعالى للمؤمنين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: { وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمْ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}. [الأنفال: 26].
قال الشيخ السعدي رحمه الله في تفسيره للآية: {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ} من النعمة والإحسان ورغد العيش {حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} بأن ينتقلوا من الإيمان إلى الكفر، ومن الطاعة إلى المعصية، أو من شُكر نعم الله إلى البطر بها، فيسلبهم الله عند ذلك إياها.
وكذلك إذا غيَّر العباد ما بأنفسهم من المعصية، فانتقلوا إلى طاعة الله، غيَّر الله عليهم ما كانوا فيه من الشقاء إلى الخير والسرور والغبطة والرحمة". [تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان].
وتغيير الله ما بهم، قد يكون متعلقاً بتغيير ما بأنفسهم هم، وقد يكون بتغيير من له بهم صلة تجعل تغييرهم على من غير وعلى غيره، كما قال تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}. [الأنفال: 25].
قال القرطبي رحمه الله: "أخبر الله تعالى في هذه الآية أنه لا يغير ما بقوم حتى يقع منهم تغيير، إما منهم أو من الناظر لهم، أو ممن هو منهم بسبب؛ كما غيَّر الله بالمنهزمين يوم أحد بسبب تغيير الرماة بأنفسهم، إلى غير هذا من أمثلة الشريعة؛ فليس معنى الآية أنه ليس ينزل بأحد عقوبة إلا بأن يتقدم منه ذنب، بل قد تنزل المصائب بذنوب الغير؛ كما قال صلى الله عليه وسلم ـ وقد سئل أنهلك وفينا الصالحون؟ ـ قال: ((نعم إذا كثر الخبث)). والله أعلم". [الحديث في الصحيحين].
وممن يستحقون عقوبة الله بتغيير غيرهم ما بنفسه من الطاعة إلى المعصية، تاركو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كم ورد ذلك في نصوص أخرى.
قال شيخنا العلامة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله، وهو يرد على ما قد يتوهمه الجاهل من قول الله تعالى في سورة المائدة: {لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ}. [المائدة: 105] أن الأمر بالمعروف لا يجب!
قال: "ومما يدل على أن تارك الأمر بالمعروف غير مهتدٍ أن الله تعالى أقسم أنه في خُسر في قوله تعالى: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}. [سورة العصر]. فالحق وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبعد أداء الواجب لا يضر الآمر ضلال من ضل.
وقد دلَّت الآيات كقوله تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} والأحاديث على أن الناس إن لم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر عمهم الله بعذاب من عنده.
فمن ذلك ما خرجه الشيخان في صحيحهما عن أم المؤمنين أم الحكم زينب بنت جحش رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها فزعاً مرعوباً يقول: ((لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه)) وحلق بإصبعيه الإبهام والتي تليها، فقلت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: ((نعم إذا كثر الخبث)).
وعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((مثل القائم في حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً)) أخرجه البخاري والترمذي..". انتهى.
وقاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تنذر فاعلي المنكر والساكتين عنهم بخطر عظيم في الدنيا والآخرة، ومن ذلك تعاطي المسكرات والمخدرات التي دلَّت الوقائع على ما ينزل بالمتعاطين والساكتين من أسرهم وجيرانهم ومجتمعاتهم، وحكوماتهم، في النفوس والأخلاق والأموال وغيرها.
ولقد أظهر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدق إيمانهم وطاعتهم لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، عندما قال لهم الله عز وجل في شأن الخمر ـ وهي أم الخبائث كلها، بما فيها المخدرات التي تظهر الحكومات الحرب عليها ويترك كثير منها الخمر إلا في حالات نادرة، مع التساهل الشديد في جزاء مرتكبها ـ : {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ}؟ قالوا: "انتهينا يا رب". [تفسير القرآن العظيم (2/92) والآية من سورة المائدة: 91].
[s3]
غرس الإيمان باليوم الآخر في النفوس:
إن علم الإنسان وإيمانه أنه سيموت فقط، غير كاف في تربيته على فعل الخير وترك الشر؛ لأنه لا يوجد عاقل في الأرض إلا وهو يعلم علم اليقين أنه سيموت، فلا بد لتربية الإنسان على فعل الخير وترك الشر، من تذكيره بما بعد الموت من نعيم القبر وعذابه، وغرس الإيمان باليوم الآخر في نفسه، وتعليمه ما يكون فيه من أهوال وجزاء، وإلا فالذي لا يؤمن باليوم الآخر، كلما ذكر الموت ازداد ضراوة وشراهة في التمتع بالشهوات، وازداد تمرده على القوانين واعتداء على حقوق الناس، ما لم يتيقن من وجود رادع له بالمرصاد.
ولهذا ذكر الله تعالى الخلق بأن المهم ليس معرفة أنهم سيموتون فقط، بل المهم أن يتنبهوا لما بعد الموت، فقال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ}. [آل عمران: 185].
ولهذا تجد الإيمان باليوم الآخر يقترن بالإيمان بالله تعالى في الإثبات وما يترتب عليه، وفي النفي وما يترتب عليه في القرآن والسنة معاً.
كما قال تعالى: {وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ}. [البقرة: 8].
وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ}. [البقرة: 62].
وقال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنْ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}. [البقرة: 126].
وقال تعالى: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ…}. [البقرة: 177].
وقال تعالى: {ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ}. [البقرة: 232].
وقال تعالى: {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ}. [آل عمران: 113-114].
وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}. [النساء: 59].
وقال تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنْ الْمُهْتَدِينَ}. [التوبة: 18].
وقال تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}. [التوبة: 29].
وقال تعالى: {لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (44) إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ}. [التوبة: 44-45].
وقال تعالى: {وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمْ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً}. [النساء: 39].
هذه الآيات واضحة أنه يترتب على الإيمان بالله واليوم الآخر، العمل الصالح في الدنيا، والجزاء الحسن في الآخرة، ومعنى هذا أن الذي يغرس في نفسه الإيمان باليوم الآخر فيؤمن به حقاً، لا يرتكب معصية الله تعالى، خوفاً من عذابه في ذلك اليوم، ويسارع إلى طاعة الله، طمعاً في ثوابه ورضاه في ذلك اليوم.
وقد أجمل الله سبحانه وتعالى رحلة الإنسان وأطوارها خاتماً بالبعث بعد الموت فقال: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (15) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ}. [المؤمنون: 12-16].
فالتذكير باليوم الآخر، بما فيه من أهوال البعث والحشر والجزاء، من أهم ما يوقظ الغافلين، والذي يؤمن بذلك حق الإيمان، لا بد أن يطلب رضوان الله بفعل أوامره وترك نواهيه، كما أنه لا بد أن يفر من سخطه كذلك، ولهذا عني القرآن الكريم بذلك.
كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ}. [الحج:1-2].
وقال تعالى: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (1) مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (2) لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ}. [الأنبياء: 1-3].
فالذي لا يؤمن بالآخرة أو يغفل عنها، لا يرجى منه الحرص فعل خير، ولا الإقلاع عن الشر والفساد في الأرض.
قال المودودي رحمه الله: "فإنكار الإنسان للحياة الآخرة أو الإقرار بها له تأثير في حياته، فإن الذي فُطر عليه الإنسان، أن يصبو إلى عمل أو يعرض عنه، إلا على قدر ما يرى فيه لنفسه فائدة أو ضرر، فأنى للذي لا يعدوا نظره فائدة هذه العاجلة وضررها، أن ينشط لعمل صالح، لا يرجوا منه فائدة في هذه الدنيا، أو يجتنب عملاً سيئاً، لا يخاف منه على نفسه ضرراً في هذه الدنيا؟
أما الذي ينفذ بصره إلى نتائج الأعمال، ولا يقف عند ظواهرها، فلا يرى نفع هذه العاجلة أو ضررها إلا شيئاً عارضاً، فيؤثر الحق على الباطل والخير على الشر، نظراً إلى فائدة الآخرة أو مضرتها الأبدية، ولو كان الخير يعود إلى نفسه بأفدح ضرر، والسيئة بأعظم منفعة في هذه الدنيا.
فانظر إلى ما بين هذين الرجلين من الفرق العظيم والبون الشاسع، فالخير في نظر الأول ما يحصل نفعه في هذه الحياة الفانية.. والشر عنده ما ينتج أو يخشى أن ينتج شيئاً مكروهاً في هذه الدنيا..
بينما الخير في نظر الرجل الثاني، ما يرضي الله والشر ما يسخطه، وهو يرى أن الخير في كل حال وإن لم ينفعه في هذه الحياة الدنيا.. وأن الشر في كل حال وإن لم يذق، أو لم يخف أن يذوق وباله في هذه الحياة الدنيا". [مبادئ الإسلام ص:115-117].
فإذا ما أردنا الأمن والسعادة وانقياد الناس للخير وابتعادهم من الشر، ومن ذلك تعاطي المسكرات والمخدرات، فعلينا أن نغرس في نفوسهم الإيمان بالله وبكتابه وباليوم الآخر، وغيرها من أصول الإيمان وفروعه، فإن الإيمان يغير النفوس من شريرة إلى خيرة، ولا يمكن لغير الإيمان أن يغير تلك النفوس ذلك التغيير.
وركون الحكومات على ما اعتادوا من الإجراءات الأمنية وحدها في محاربة المخدرات، لم يزد الأمر إلا استفحالاً.

المبحث الثاني: تربية المجتمع على تطبيق الإسلام .

إن الإيمان الصادق لا بد أن يثمر العمل الصالح، والعمل الصالح هو أصول الإسلام الخمسة وما تفرع عنها: الشهادتان، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام، وكلما أوجب الله على المسلم عيناً أو كفاية، وكذلك اجتناب ما حرمه الله تعالى عليه، بل إن المؤمن الحق هو الذي يفعل المندوبات ويترك المكروهات، ويترك المباحات التي يخشى أن تؤدي به إلى ما فيه بأس.
ويجب أن يربَّى المجتمع المسلم على القيام بالعمل الصالح، من فعل واجب أو ترك محرم، كما يستحب أن يربَّى على فعل المندوبات وترك المكروهات، وأن يكون العمل الصالح هذا، هو المسيطر على هذا المجتمع وأن يكون ولاة أمور المسلمين، وهم الحكام والعلماء قدوة حسنة في ذلك للمجتمع، فإن تطبيق معاني الإسلام في المجتمع، تجعل الخير فيه معروفاً مألوفاً، وتجعل الشر شاذاً منكراً.
يشعر المجتمع المسلم عندما يطبق فيه الإسلام، بالارتياح والطمأنينة لكل عمل مشروع ويحب صاحبه ويقدره، كما يشعر هذا المجتمع بالنفور من أي عمل سيء ويبغض صاحبه، فيظهر بذلك الخير والخلق الحسن، ويختفي الشر والخلق السيء، فلا يوجد في هذا المجتمع سوق نافقة للمعاصي والمنكرات، فلا زناً ولا ربا، ولا قتل ولا قتال، ولا ظلم ولا خمر ولا مخدرات ولا غيرها.
وهذا بخلاف ما إذا اختفى تطبيق الإسلام أو ضعف، فإن المجتمع لا يغضب لمنكر ولا يتأذى منه، بل إنه يستسيغه، وقد يؤيده كثير من أفراده.
التطبيق للإسلام يدفع المجتمع المسلم إلى التعاون على البر والتقوى، وعدم تطبيقه يدفع إلى التعاون على الإثم والعدوان، أو على السكوت عن الإثم والعدوان، والسكوت في النتيجة تعاون على الإثم والعدوان.
وأقتصر في هذا المبحث على ما مضى؛ لأنه سيأتي في الفصول والمباحث الآتية ما يمكن أن يغني عن الإطالة هنا في هذا الموضوع.