وقد بين العلماء أن العلم علمان :
وقد بين العلماء أن العلم علمان :
علم في القلب يلازمه العمل بمقتضاه ، وهو العلم النافع ، كعلم الرسول صلى الله عليه وسلم وعلم أصحابه والتابعين لهم بإحسان .
وعلم على اللسان ، وهو حجة الله على الخلق ، مثل علم إبليس ومن اتبعه اتباعا كاملا أو غير كامل ، أي علم الكفار والعصاة .
ثانيا : الرد عليهم في غلطهم في الأصل الثاني .
أما ما اعتقدوه في الأصل الثاني ، فإن مكابرتهم فيه واضحة جلية ، فإنه خلاف العقل والحس .
فكون الإنسان يعرف أن الحق مع غيره ، ومع ذلك يجحده لحسده ذلك الغير ، أو علوه عليه ، أو لهوى يتبعه ، فيرد بذلك الحق بأي طريق من الطرق ، إن ذلك أمر واقع ، وكثير لا يشك في وجوده عاقل منصف سليم الفطرة .
وكل الأمم التي كذبت الرسل أو الدعاة إلى الله وحاربتهم ، هي من هذا النوع ، ولهذا لا يذكرون حجة يستندون إليها في عنادهم وجحودهم للحق غير الهوى .
كما قال قوم نوح لنبيهم نوح عليه السلام : ( أنؤمن لك واتبعك الأرذلون ([ الشعراء : 111]
وهل اتباع الضعفاء لأي داعية دليل على أن ما معه باطل لا يجب الإيمان به ولا اتباعه ؟!
وقال لموسى وهارون عليهما السلام : ( أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون( [المؤمنون 47]
وهل كون الداعي بشرا إلى مبدأ مّا ، أو كون قومه ضعفاء يستعبدهم الطغاة المدعوون ، حجة ودليلا على أن ما دعا إليه باطل وليس بحق ؟!
ثالثا : الرد على غلطهم في الأصل الثالث .
أما الأصل الثالث فإنه يلزم على القول به عدم الفرق بين إيمان رسل الله وبين إيمان غيرهم ، بل لا فرق بين إيمان أعظم الناس طاعة لله ، وبين إيمان أشدهم عصيانا له وتمردا على شريعته ، ولا فرق بين من عرف الله بأسمائه وصفاته بالتفصيل الوارد في الكتاب والسنة ، فامتلأ قلبه بها إيمانا وحبا له ، وخشية ورهبة ، وبين من لم يعرف إلا أن له ربا دون أن يعرف شيئا من صفاته وعظمته ، وكذلك لا فرق بين من عرف رسوله صلى الله عليه وسلم معرفة موثقة مفصلة ، وعرف شريعته واجبها ومندوبها ومباحها ، ومحرمها ومكروهها ، واتبع كل ذلك فعلا وتركا ، وبين من لم يعرف عنه إلا معرفة إجمالية ، لا يلزم صاحبها حبه ولا التمسك بشريعته .
وهل فوق هذا الضلال من ضلال ؟ [هذه المعاني مأخوذة – بتصرف من مجموع الفتاوى ( 7/196 ) واعلم أن المرجئة طوائف متعددة ، أو صلها بعض العلماء إلى اثنتي عشرة طائفة . مجموع الفتاوى ( 7/543)]
وسيأتي مزيد بيان لهذا عند الكلام على زيادة الإيمان ونقصانه .
وبتأمل هذا التعريف وما يترتب عليه من المفاسد ، يعلم أنه مباين مباينة تامة لمراد الله ورسوله من معنى الإيمان ، وأنه لا يعتقده إلا من أبعد النجعة في الضلال .
وبهذا يعرف – أيضا – ضلال جهمية هذا العصر – وإن كانوا لا يعرفون معنى الجهمية – الذين يتركون أوامر الله ويرتكبون نواهيه ، وإذا نصحهم ناصح بتقوى الله والعمل بشريعته ، قالوا : الإيمان في القلب والله غفور رحيم .
وسيأتي مزيد بيان لهذا عند الكلام على أهمية الإيمان وأثره .