الفصل السادس: مقارنة بين الشورى والنظم المقابلة لها
الفصل السادس: مقارنة بين الشورى والنظم المقابلة لها
وفي هذا الفصل مبحثان:
المبحث الأول : بيان خصائص الشورى.
المبحث الثاني : بيان خصائص بعض النظم المقابلة للشورى.
المبحث الأول: بيان خصائص الشورى
إن قاعدة الشورى، تعتبر كغيرها من قواعد الإسلام الأخرى، رحمة من الخالق بعباده، وهي إذا ما قورنت بغيرها من النظم البشرية المقابلة لها، عدت سفينة نجاة للأمة، وليس ذلك بخاف على من اطلع على خصائصها من مصادرها الإسلامية، وعلى واقعها في التاريخ الإسلامي، ولعل في الفصول والمباحث السابقة ما ينير الطريق لمن أراد أن يصل إلى الاقتناع بذلك.
ويجب أن يعلم أن الشورى مصطلح إسلامي يحمل معناه المستقل به في الإسلام كمصطلحات الإيمان، والصلاة، والزكاة، والحج، والجهاد، وغيرها من المصطلحات الإسلامية، التي لا يجوز أن تفسر إلا بما أراده الشارع منها وبينه في الكتاب والسنة.
فكما أن إيمان المسلم يختلف عن إيمان اليهودي والنصراني وغيرهما، وكذلك الصلاة يختلف معناها عند المسلم عن معناها عند اليهودي والنصراني وغيرهما، وكذا بقية المصطلحات المذكورة وغيرها.
وكذلك الشورى يختلف معناها عند المسلمين عن معنى الديمقراطية عند غير المسلمين، وكما أنه لا يوجد في الأديان دين يرضاه الله تعالى وينجي صاحبه من عذابه إلا الإسلام، فكذلك لا يوجد نظام سياسي يرضاه الله ويثيب عليه وينجي صاحبه من الشقاء في الدنيا والعذاب في الآخرة، إلا نظام الإسلام المبني على قواعده التي أرساها الخالق، ومنها قاعدة الشورى.
ولا يعني هذا أن الشورى قد لا يلتقي معها بعض الأنظمة السياسية في بعض جزئياتها في الصورة والمظهر. بل قد يحصل ذلك الالتقاء المظهري، ولكن الحقيقة تختلف اختلافاً جوهرياً.
ولا بد هنا من مقارنة وجيزة بين الشورى، وغيرها من الأنظمة البشرية، ليعلم من يجهل حقيقة الشورى أنها سفينة النجاة، وأن سواها من النظم الأخرى المقابلة لها سفن هلاك، ليس في أساليبها ونظمها الإدارية التي قد تكون مفيدة للمسلمين، وإنما في منطلقاتها العقدية.
وستكون المقارنة موجزة بذكر بعض خصائص الشورى، ثم بذكر بعض خصائص نظامين مشهورين في العالم:
النظام الأول: النظام الديمقراطي الذي يقال عنه: إنه يشبه الشورى في الإسلام وهو شبه لا يؤهله أن يقترب منها في حقيقتها، كما سيظهر ذلك قريباً إن شاء الله.
النظام الثاني: النظام الاستبدادي المسمى "بالديكتاتوري".
[s3]
والخصائص التي تمتاز بها الشورى:
خصائص كثيرة نوجز أهمها فيما يأتي:
الخصيصة الأولى: أن ولي الأمر المسلم وأهل شواره ورعيته كلهم يؤمنون بأنهم عبيد الله، وأنه تعالى هو المشرع وحده، كما أنه هو الخالق وحده، وأن هنالك مصالح ومفاسد لا قدرة لهم على جلب الأولى منها ودرء الثانية، إلا بتوجيه من الخالق إلى الوسائل التي تمكنهم من ذلك.
وقد تولى الخالق سبحانه وتعالى بيان تلك المصالح والوسائل الموصلة إليها، وبيان المفاسد والذرائع المفضية إليها، في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع علماء المسلمين، وأن ما كان كذلك لا يدخل في نطاق الاجتهاد ولا الشورى، وإنما يجب التسليم به وعدم رده ظهرت حكمته أو لم تظهر.
ومعرفة المسلمين لهذه الميزة وإيمانهم بها، يقيهم من الزلل والدخول فيما لا يحسنون فيه صنعاً، ويحفظ جهودهم وطاقاتهم من الضياع، ويكفل لهم الفوز بتنفيذ أوامر الله التي كلفهم إياها عالماً أن مصلحتهم في ذلك.
الخصيصة الثانية: أن ولي الأمر، وأهل الشورى يجتمعون للتشاور وهدفهم جميعاً الوصول إلى الحق الذي يرضي الله سبحانه وتعالى، ويكون الإخلاص لله حادياً لهم أن يجتنبوا اتباع الهوى أو التعصب لرأي بغير حجة وبرهان على مصلحته، وقد يخالف بعضهم بعضاً، ويصر كل منهم على رأيه وقت المشاورة ويدعمه بالحجة، ولكن خلافه ناشئ عن شعوره بالمسؤولية أمام الله سبحانه وتعالى، وليس ناشئاً عن اتباع هوى أو الوقوف ضد رأي غيره لأغراض شخصية أو حزبية أو غيرها.
ويترتب على هذا أن يصغي كل واحد لرأي أخيه، باهتمام بالغ، ورغبة شديدة في أن يسمع منه حقاً يؤيده فيه، وإن سمع منه ما يظنه غير ذلك، قدم النصح وأظهر الحجة. قاصداً وقاية الأمة من الخطأ أو الخطر.
الخصيصة الثالثة: الجدية في الأمر، من قبل ولي الأمر وأهل الشورى، فولي الأمر المسلم عندما يدعو أهل الحل والعقد للتشاور معهم في أمر من أمورهم، يدعوهم وهو جاد في سماع آرائهم والاستفادة منها طالباً للحق، لا يختلف جده في طلب الحق من الشورى عن جده في طلب الصواب والأجر في صلاته وصيامه وحجه.
فكما يصلي ويصوم ويحج راجياً من الله قبول عمله وإثابته عليه، فإنه يشاور أصحابه راجياً أن يوفقهم الله للوصول إلى الحق الذي يرضي الله سبحانه وتعالى. ولا يقصد أن يضلل رعيته باسم الشورى، ليتخذ بها شرعية أمر من الأمور، وهو يعلم أن ذلك ليس من مصلحتهم في شيء.
وكذلك أهل الشورى يجتمعون مع ولي أمرهم، وهم جادون في إبداء آرائهم وحججهم، عازمين على أن يقولوا كلمة الحق، وإن أغضبته، وليسوا إمَّعَات له يؤيدونه في كل آرائه حقاً كانت أو باطلاً، تقرباً إليه وفوزاً برضاه، فرضا الله عندهم مقدم على رضاه، بل على رضا كل أحد، فلا يُخشى من أن يَغش وليُّ الأمر رعيتَه وأهلَ شواره، ولا يُخشى من أهل الشورى أن يَغشوا وليَّ الأمر ولا رعيتهم.
ويترتب على هذه الميزة أن تأمن الأمة على جلب مصالحها، ودفع مضارها، لأن ولي أمرها وممثليها جادون في تحقيق ذلك لها.
الخصيصة الرابعة: أن ولي الأمر وأهل الشورى لا يصلون إلى وظائفهم عن طريق طلبها وترشيح أنفسهم لها، أو السعي للحصول عليها عن طريق الرشوات أو القرابات، أو الاشتراك في مصالح مادية، كما يحصل ذلك في الانتخابات المبنية على مصالح مشتركة بين المنتخَب ومن ينتخبه، لأن الذي يطلب الولاية لا يُوَلَّى عند المسلمين إلا لضرورة أو حاجة تنزل منزلة الضرورة.
ويترتب على هذه الميزة الأمن من التكتلات الحزبية أو السياسية، ومن التنافس على الوظائف والصراع من أجلها.
الخصيصة الخامسة: أن ولي الأمر المسلم وأهل شواره إذا فرغوا من المشاورة، وأخذ ولي الأمر بالرأي الذي فيه المصلحة، وقف هو وأهل الشورى والأمة كلها صفاً واحداً لتنفيذ الرأي، وأصبح المخالف الذي لم يقتنع برأي ولي الأمر ومن معه وقت المشاورة، كأنه هو صاحب الرأي في الحماس له وتنفيذ مقتضاه، ويعتبرون كلهم أن ذلك هو مقتضى طاعة الله ورسوله وطاعة ولي الأمر الذي أمر الله بطاعته، ما دام في أمر اجتهادي لا معصية فيه للخالق.
ويترتب على ذلك وحدة الكلمة ولمِّ الشمل والتجرد عن الأهواء، وسدِّ منافذ الخلاف بحجة المعارضة ونحوها، ولا يجرؤ أحد أن يؤلب الناس ضد ولي الأمر ومن معه، بل يعتبر كل من تخلف عن طاعته في ذلك، عاصياً لإجماع الأمة كلها ضده حتى يعود إلى الصف مطيعاً نادماً.
وإن هذه الخصائص - كلها - وغيرها مما لم يذكر هنا واضحة في النصوص المتقدمة في الفصول السابقة ومباحثها، ويمكن للباحث أن يتبين ذلك من مراجعة الحوادث المذكورة قبل.
وبهذا يعلم أن الشورى هي سفينة النجاة للسياسة الإسلامية، وهى إحدى قواعد الأمن السياسي التي لا توجد قاعدة تماثلها في غير السياسة الشرعية.
المبحث الثاني: بعض خصائص النظم المقابلة للشورى
وفي هذا المبحث فرعان:
الفرع الأول: خصائص الديمقراطية.
الفرع الثاني: خصائص النظام الاستبدادي (الديكتاتوري).
[s3]
الفرع الأول: خصائص الديمقراطية:
لا نريد أن نكلف أنفسنا عناء تلخيص تعريف للديمقراطية، لأن أهلها المختصين بتحليلاتها ومزاياها ونتائجها وتاريخها، يتهربون من تعريفها تعريفاً محدداً، لما مرت به من أطوار، وما فسرت به من تفسيرات مختلفة، وما اعتراها من تطبيقات متضادة. [راجع على سبيل المثال: كتاب "العلم والديمقراطية والإسلام" تأليف همايون كبير، ترجمة عثمان نويه ص: 29 وما بعدها، وكتاب "تكوين الدولة" لروبرت م كيفر، ترجمة حسن صعب ص 219 وما بعدها].
والديمقراطية هي لافتة الدول المعاصرة، فلا تجد دولةً، مهما كان نظام حكمها، لا تدعي أنها ديمقراطية، إلا ما ندر، إما في تسمية الدولة وإما في دستورها، وكل تصرف تقوم به الدولة في الشعب - حتى ولو كان ظلماً مكشوفاً، كإزهاق النفوس، وأخذ الأموال بغير حق، والاعتداء على الحقوق - فهو من محاسن الديمقراطية عند تلك الدولة لزعمها بأنها دولة ديمقراطية.
مع أن من أكبر محاسن الديمقراطية عند أهلها: أن يكون للشعب نصيب في الحكم مع الدولة أما بطريقة مباشرة - أي أن يحكم الشعب نفسه - وهى من أحلام فلاسفة السياسة المستحيلة، وينادي بها بعض زعماء العرب اليوم، وإما بطريقة غير مباشرة وهي أن يحكم الشعب عن طريق ممثليه في النظام النيابي. [راجع القاموس السياسي، لأحمد عطية الله، نشر دار النهضة العربية - القاهرة، الطبعة الثانية ص 547 – 548].
ومما يدل على زيف دعوى كثير من الدول أنها ديمقراطية التطبيق العملي الاستبدادي، قال روبرت م كيفر: "ولربما ظلت الديمقراطية في بعض البلاد شكلية أكثر منها حقيقة، وهذا ما حدث في أكثر البلاد التي اقتبستها في القرن التاسع عشر، فقد اشتهر آنذاك أمر الديمقراطية الدستورية، مع علو شأن الدول الديمقراطية الكبيرة، فأخذت بها بعض البلاد، اقتداء بالدول الكبيرة، بدون أن تكون مستعدة لها استعداداً كافياً، وهذا ما فعلته بلاد أمريكا اللاتينية وغيرها من البلاد، فظل أكثرها ديمقراطي المظهر أوليغاركي الجوهر". [تكوين الدولة... والأوليغاركي، هو حكم الفرد أو الفئة القليلة حكماً استبدادياً مطلقاً، وهو ما يسمى بالديكتاتوري].
ومع ذلك فإن الميزات والخصائص التي نريد ذكرها هنا للديمقراطية، هي ميزاتها وخصائصها عند الدول الغربية المعترف لها بتطبيق مَّا من معنى الديمقراطية في هذا العصر، وليست الديمقراطية التي تتترس بها دول استبدادية، حتى يكون للمقارنة معنى، وحتى لا يقال: إن الديمقراطية التي ذكرت خصائصها ديمقراطية مدعاة مزيفة، وكان عليك أن تذكر ميزات الديمقراطية الصحيحة التي تطبقها الدول المتمسكة بها، كأمريكا الشمالية وبعض الدول الأوروبية، وبخاصة الغربية منها.
[s3]
الميزة الأولى للديمقراطية:
أن الأمة هي مصدر السلطات [نفس المرجع السابق ص: 230، والقاموس السياسي لأحمد عطية الله ص548]. ومعنى هذا أن ولي الأمر وأعوانه في النظام الديمقراطي يستمدون سلطتهم من الشعب، وعلى ذلك تصاغ الدساتير، وتسن القوانين بناء على ما يحقق رغبات الشعب، فالشعب في النظام الديمقراطي، هو الذي يجب أن يحوز ولاة الأمور رضاه، ليتمكنوا من البقاء على كراسي الحكم والفوز في الانتخابات، وكلما تغيرت رغبات الشعب وجب تغيير الأنظمة والقوانين، لتحقق الرغبات الجديدة.. وهكذا...!
قال المودودي رحمه الله: "وأصبحت - يعني الديمقراطية - تعني إطلاق العنان لتصرفات كل أمة، لتحقق رغباتها كيف تشاء، هذه الرغبات التي تمثل في الواقع رأي الأكثرية، لا رأي أفراد الأمة جميعاً، وليس هناك ضابط يضبط هذه الرغبات، فقوانين البلاد وأنظمتها في الأخلاق أو المدنية أو الاجتماع أو السياسة تأخذ صفة الحق، وتصير صحيحة ما دامت تؤيد رغبات أكثرية الأمة، وتأخذ صفة الباطل وتصير خطأ ما دامت تجافي هذه الرغبات التي تتبع أهواء النفوس وتميل معها، ولهذه الأكثرية أن تسن من القوانين ما تشاء، وعلى الحكومة التي تمثلها أن تركز جميع إمكانياتها لتحقيق الأماني القومية". [الإسلام والمدنية الحديثة ص18ـ19 طبع الدار السعودية ـ الطبعة الأولى].
ويترتب على هذه الميزة أن تكون مناهج الحياة كلها، مبنية على أهواء الناس ورغباتهم، وأن تكون قابلة للنقاش والأخذ والرد والتغيير والتبديل، وليس هناك أي مبدأ من المبادئ أو قضية من القضايا لها حصانة من عرضها على ممثلي الشعب للبحث فيها لإثباتها أو نفيها، سواء ما تعلق بالتشريع، أو السياسة، أو الأخلاق، أو الاقتصاد، أو الحرب، أو غيرها.
وبذلك يكون أي مبدأ من مبادئ النظام معرضاً للنقد وعرضه لاتخاذ قرار فيه، ليصبح في ظل الرغبة الجديدة مرغوباً فيه، بعد أن كان في ظل الرغبة القديمة مكروهاً محظوراً، أو بالعكس، والغالب أن ذلك لاتِّباعِ الهوى الذي لا ميزان له يضبطه.
ولنضرب لذلك مثالاً واحداً فقط يدل على السقوط المريع الذي وقع فيه حماة الشعوب الغربية "برلماناتها وولاة أمرها" وهو ما أبَتْه الشرائع السماوية والأعراف الإنسانية والقوانين المدنية في سائر الدهور، من جعل ارتكاب فاحشة الزنا، وممارسة الشواذ شذوذهم أمراً عادياً، ولم يكتفوا بذلك حتى قننوه وجعلوه مثل الزواج المدني بين الجنسين..!!
ومن ذلك القانون الشاذ ـ استجابة لرغبة الشواذ ـ الذي وافق عليه مجلس الشيوخ الهولندي، ليكون زواج الرجل بالرجل، وزواج المرأة بالمرأة، عقد زواج مدني لا فرق بينه وبين الزواج بين الجنسين:
"وافق مجلس الشيوخ الهولندي أو الغرفة الأولى للبرلمان كما يسمى في هولندا، الثلاثاء 19/12/2000م، على مشروع قانون تقدم به وزير العدل "يان كوهين" يقنن زواج الشواذ من الجنسين، ويحوّله بالتالي إلى عقد زواج مدني عادي يضاهي من حيث القيمة القانونية عقد الزواج العادي، أي الزواج بين الجنسين المختلفين.
وقد جاءت موافقة أعضاء مجلس الشيوخ بأغلبية مريحة مثلما كان متوقعاً، كما جاء في تقرير لوكالة الأنباء الرسمية "إي. إن. بي"، حيث حظي القانون بمساندة 49 عضواً يمثلون كلاً من حزب العمل الحاكم، وشريكيه في الحكومة: الحزب الليبرالي وحزب الديمقراطيين 66، فضلاً عن حزبي اليسار الراديكاليين: حزب اليسار الأخضر، والحزب الاشتراكي.
ولم يلق القانون الجديد والغريب في نفس الوقت سوى معارضة أقلية من النواب يمثلون حزب النداء الديمقراطي المسيحي، وأحزاب مسيحية أخرى صغيرة.
ويعتبر القانون الجديد فريدًا من نوعه لاعتبارين اثنين على الأقل؛ أولهما: أنه يجعل هولندا الدولة الأولى في العالم التي تتبنى مثل هذا التشريع، وثانيهما: أنه يضع هولندا مرة أخرى وفي ظرف لا يتعدى عدة أسابيع لتكون سباقة دولياً إلى حسم قضايا شائكة وحساسة، وفي اتجاه بدا للكثيرين مريبًا ومثيرًا، خصوصاً فيما يتعلق بموقف الدولة من القيم الدينية والأخلاقية، حيث لم يمض سوى وقت قصير منذ تبني البرلمان الهولندي قانونًا يجيز ما يسمى بـ"قتل الرحمة" للمرضى الميؤوس من حالتهم، حتى تبنى قانونًا جديدًا لا يقل غرابة وهو قانون "زواج الشواذ".
وسيدخل القانون الجديد حيز التنفيذ في شهر يناير من السنة الجديدة 2001، حيث سيجري ضم هذا القانون إلى مواد مدونة الأحوال الشخصية الهولندية، وسيكون ملزِمًا للبلديات والقنصليات الهولندية في الخارج، بحيث توفر الإمكانيات وتكيف الإجراءات لكي يصبح بمقدور الشواذ من الجنسين "لوطيين وسحاقيات" توقيع عقود زواجهم وتوثيقها!. [المرجع موقع "إسلام أون لاين": http://www.islamonline.net/Arabic/news/2000-12/21/article13.shtml].
وما حصل في هولندا انتشر في غيرها من الدول الغربية، ومنها أمريكا، ولنضرب مثالاً بالتقرير الآتي الذي تم في هذا العام 1425هـ ـ 2004م
"تقارير رئيسية: (عام) الأربعاء 10 صفر 1425هـ - 31 مارس 2004م: ما حدث قبل أسابيع في مقاطعة سان فرانسيسكو الأمريكية حيث قام مجلس البلدية بتوثيق زواج 2600 من الشواذ؛ ليس مجرد مظهراً جديداً من مظاهر انحلال العالم الغربي وبالأخص الولايات المتحدة، وإنما هو طفرة جديدة للانتكاسة الفطرية والأخلاقية التي يعاني منها هذا الشطر من العالم، وقبل الحديث عن دلائل هذا الأمر وتبعاته نلقي الضوء على الحدث نفسه:
فقد فتح عمدة المدينة الباب أمام الشواذ للحصول على تراخيص قانونية لزواجهم مما أدى إلى تدفق هذه الفئة الشاذة على مجلس البلدية لتوثيق عقود الزواج التي فاق عددها حتى الآن عن 2600 عقد، 15% منها لشواذ قدموا من خارج المدينة حيث لا تشترط قوانينها وثائق تتعلق بإقامة الأزواج.
ويقول عمدة المدينة "جافين نيوسم" عن الدافع وراء قراره: أعتقد أن زواج المثلين أمر حتمي في بعض الحالات، ويعد تجاوزه خطأًً كبيراً". [المرجع: "موقع مفكرة الإسلام": http://www.islammemo.cc/taqrer/one_news.asp?IDnews=134].
وإذا لم يتمكن الشواذ في بعض الدول الغربية من تقنين زواجهم، لجأوا إلى دولة غربية أخرى أصبح هذا الزواج فيها مقنناً، ليعقدوا قرانهم فيها، فيصبح معترفاً به تترتب عليه جميع أحكام الزواج المدني العادي بين الجنسين:
"ومما يذكر أن زاوج الشواذ مسموح به في عديد من الدول الأوربية كبلجيكا وهولندا، وعادة ما يلجأ الشواذ الفرنسيون إلى السفر إلى هذه البلدان أو إلى بعض ولايات الولايات المتحدة لعقد زواجهم فيها!". [المرجع: "لها أون لاين": http://www.lahaonline.com/People/Archive/a2-30-04-2004.doc_cvt.htm].
ولا زالت الدول الغربية ترعى مؤتمرات الشواذ وتدافع عنهم، فهذه العاصمة السويدية "ستوكهولم" تحتضن مؤتمراً لهم وتحرسهم حراسة مشددة ضد الاحتجاجات التي قام بها من بقيت عندهم فطرة بشرية ضد هذه الممارسات الشاذة، فقد عقدوا مؤتمرهم تحت عنوان: "مهرجان برايد Praid باسم الحديقة الشهيرة في المدينة".
وقد أقر البرلمان السويدي قانوناً يعطي الحق للزوجين المثلين سواء أكانا ذكرين أم أنثيين بتبني الأطفال وتربيتهم". [مجلة المجتمع الكويتية. عدد: 1613. من 7إلى 13 أغسطس. عام 2004م صفحة: 35].
فهل ترى أمثال هؤلاء يصلحون لقيادة الشعوب والنيابة عنها وتولي أمرها، وهم يقودونها إلى مهاوي الهلاك ويفتحون لها أبواب الأمراض الحسية والمعنوية على السواء؟
[s3]
الميزة الثانية:
أن ولي الأمر في النظام الديمقراطي، ونواب الأمة - كما يسمون - يجتمعون للتشاور في أمر ما من الأمور:
وقد قررت كل طائفة الأمر الذي تريده وتؤيده بناء على رغبة من أنابها من فئات الشعب، وليس يشترط أن يكون النائب أو النواب الممثلون لطائفتهم مقتنعين بما يؤيدونه ويطالبون به، بل قد يكونون غير راضين بما يطالبون به في واقع الأمر، ولكنهم مضطرون للمطالبة به تحقيقاً لرغبات طوائفهم التي يمثلونها، لأنهم موظفون عند تلك الطوائف ليطالبوا بما تطالب وينفذوا ما ترغب فيه، وافق الحق أم الباطل، رضوا عنه هم أو سخطوا.
ويترتب على هذا أن لا يجتمع النواب على هدف واحد، وهو الحق الذي تتحقق به المصالح وتدرأ به المفاسد، وبذلك تتضارب الأهداف وتصطدم الوسائل وتبقى الأمة وولي أمرها في صراع دائم وخصام مستحكم، وتتعدد الآراء بتعدد الطوائف وأهواءها، ولا حد لتعدد الأهواء.
[s3]
الميزة الثالثة:
أن ولي الأمر وحكومته في النظام الديمقراطي لا يصلون إلى وظائفهم، إلا بترشيح أنفسهم وتنافسهم في إقناع الجماهير باختيارهم، وبتقديم وعود تدغدغ العواطف وتضلل العقول، والإكثار من الأكاذيب الدعائية، وبالالتزام بتحقيق رغبات من يختارهم ممثلين عنه، وقد يصل إلى الحكم من لا يستحقه.
[s3]
الميزة الرابعة:
عدم الجدية في تحقيق المصالح العامة الحقيقية للأمة، بل يكون هدف ولي الأمر وحكومته من التشاور الضغط على المتشاورين وتوجيههم إلى الموافقة على مقترحاتهم، التي تحقق – في الغالب - مكاسب معينة لمصلحة طائفتهم أو حزبهم. كما أن الأحزاب المعارضة للحكومة، هدفهم أن يثنوا ولي الأمر وحكومته عن تحقيق الهدف الذي قرروه، لأنه ليس في مصلحة الأحزاب المعارضة.
ويترتب على ذلك غالباً عدم الجدية في الوصول إلى الحق الذي يخدم المصلحة العامة لجميع فئات الشعب، وتكون الجدية لتحقيق الأهواء والرغبات، بدلاً من الوصول إلى تحقيق المصلحة العامة.
وقد يوافق بعض الأحزاب على ما يريد تحقيقه الحزب الحاكم، لعلمهم بأن نتيجته ستكون في مصلحتهم، وسيكون الحزب الحاكم هو الخاسر...
[s3]
الميزة الخامسة:
أن الطائفة التي لم تفز بالحكم - وهي الأقلية نسبياً - لا تلتزم بالطاعة للطائفة التي فازت بالحكم، بل تقف منها موقف المعارض في غالب القضايا التي ليست في صالحها، وتتصدى لنقد الحكومة في كل أمر لا ترضاه، ولو قررته الأغلبية في مجالس المشاورة، وتحاول بكل ما أوتيت من قوة إضعاف الطائفة الحاكمة، وإظهار مساويها أو اختلاق مساويٍ لها ونشرها بين الناس، ولو لم تكن واقعة فعلاً، لتتمكن الطائفة غير الحاكمة من إيجاد شقاق وتصدع في صفوف الحكومة وتكتلات خارجها ضدها، لتوصلها إلى العجز عن القيام بأعبائها، فتضطرها إلى السقوط، ثم تحل الطائفة المعارضة محل الطائفة الحاكمة، وتبدأ الطائفة التي سقطت حكومتها تكيل للطائفة الحاكمة الجديدة بنفس مكيالها.
وهذا لا ينفي اتفاق الحزب الحاكم، وأحزاب المعارضة أحيانا على التعاون التام في حدث معين، عندما يكون الأمر المتفق عليه يحقق لهم جميعاً مصالحهم ويُرضي عنهم الشعب..
وهكذا يحصل الصراع والخلاف للتناوب على مركز القيادة، بدون سمع ولا طاعة، ولا التزام بمبدأ الحق.
وقد مضى موقف أهل الشورى والأمة كلها من طاعة ولي الأمر بعد أن يختار الرأي الذي يراه صواباً، وأنهم يصبحون جنوداً منفذين طاعة لله ولرسوله ولأولي الأمر..
[s3]
الميزة السادسة:
فقد أهل الديمقراطية الرادع الإيماني الذي يحجزهم عن مخالفتها عندما يريدون المخالفة، وهذا فارق كبير بين الشورى عند المسلمين، والديمقراطية عند غيرهم.
فغير المسلمين لا يحجزهم عن مخالفة الديمقراطية، إلا الرقابة البشرية عليهم، فيلتزمون بها ما دامت الرقابة البشرية تلاحقهم، فإذا فقدت هذه الرقابة، لم يبالوا مخالفتها.
وقد كشف الله تعالى زيف الديمقراطية المدعاة في هذا الزمن، الذي خالفت فيه أكبر دولة في العالم تدعي الديمقراطية، وتزعم أنها تدعمها في كل الدول، وأنها حامية حقوق الإنسان في الدنيا كلها، حقوقه في المعتقد، وحقوقه في اختيار النظام الاجتماعي والسياسي والقانوني والقضائي..، وهي حكومة الولايات المتحدة الأمريكية، ومعها حكومة المملكة المتحدة "بريطانيا" وغيرها من الدول الغربية، على اختلاف في المخالفة كثرة وقلة.
فالديمقراطية لدى أمريكا، تختلف من بلد إلى آخر، فهي مشروعة في أوربا واليابان، وتطالب بها بلداناً أخرى، ظناً منها أن تطبيقها سيكون في مصلحتها – أمريكا – مثل جمهورية الصين الشيوعية، ولكنها تحاربها في بلدان أخرى، إذا علمت أن أحزاباً معينة ستنجح في الانتخابات السليمة، مثل الأحزاب الإسلامية، كالحال في الجزائر، بحجة أن نجاح الإسلاميين سيعود بالنقض على الديمقراطية، لأنهم إذا تمكنوا من الحكم فسوف لا يمكنون غيرهم من تبادل السلطة، مع أن حكام الأحزاب العلمانية، يشيبون ويهرمون في الحكم، عن طريق الانتخابات المزورة، وعن طريق القوة العسكرية، بل أصبحت الجمهوريات، ملكيات بتوريث الآباء للأبناء، وأمريكا تفضل هذا النهج المخالف للديمقراطية وحقوق الإنسان، على وجود ديمقراطية صحيحة تحقق النجاح لغير عملائها.
وتظهر اليوم أمريكا أنها ستحاور الجماعات والأحزاب الإسلامية "المعتدلة" بحجة أن العلمانيين واللبراليين الذين والتهم وعاشرتهم في السابق لم يحققوا لها ما تريد، وأن الإسلاميين أصبحت لهم شعبية في بلدانهم.
ولا أظن أن أمريكا صادقة في ما أظهرته، بل قد يكون لها أهداف ترمي إلى تحقيقها في بلدان المسلمين، ومنها: إشعال نار العداء والصراع بين من تسميهم "إسلاميين معتدلين" وبين العلمانيين، لتضعف الجميع ثم تسيطر عليهم جميعاً، لذلك يجب عليهم أن يحذروا من مكرها، وأن تتفاهم الشعوب فيما بينها وتتقارب جماعاتها وأحزابها على ثوابتها التي تعصمها من الوقوع فيما وقعت فيه بعض البلدان الإسلامية مثل أفغانستان والعراق.
ولا يمنع ذلك من الحوار مع الغربيين أوربيين وأمريكان، ولكن مع الحذر من مكرهم وغدرهم.
وانكشفت ديمقراطية أمريكا وزعمها بأنها حامية حقوق الإنسان، في مواقفها من الأحداث في هيئة الأمم المتحدة، وبخاصة فيما يسمى "مجلس الأمن" حيث تصدر عشرات القرارات التي لا ترضى عنها أمريكا، فتتخذ حيالها حق النقض المسمى بـ"الفيتو" كما هو الحال في القرارات التي تصدر وفيها نوع مصلحة للشعب الفلسطيني، وتحاول بكل ما أوتيت من قوة، ومن وسائل سياسية ودبلوماسية، واقتصادية وعسكرية، دعم قرارات المجلس في مصلحة اليهود المغتصبين.
وتقف أمريكا ضد أي حكومة وأي شعب مسلم يتمكن من صناعة سلاح نووي، أو تظن أنه يريد صناعته، فتضغط عليها وتحاصرها سياسياً ودبلوماسياً واقتصادياً وعسكرياً، كما هو الحال في جمهورية باكستان الإسلامية، التي ظلت أمريكا تهددها بسبب ذلك، بل إن اليهود يهددونها بضرب محطتها النووية، ومثلها إيران التي تشتبه أمريكا واليهود أنها تحاول صناعة سلاح نووي.
وقد حطم اليهود المفاعل النووي العراقي، في عام 1981م واليوم تشن أمريكا واليهود الحملات الظالمة ضد الشعب العراقي، بزعم أنه يملك أسلحة الدمار الشامل، ومع إعلان الحكومة العراقية القبول بعودة المفتشين عن هذا السلاح، فإن أمريكا مصرة بتحريش يهودي على مهاجمة العراق عسكرياً.
ومع هذه الحملات الظالمة على الشعوب الإسلامية، لم تلق أمريكا بالاً لمطالبة دول المنطقة، بالكشف عن السلاح النووي اليهودي، بل إنها تدعم اليهود بكل ما يحتاجون إليه، من مال وسلاح واقتصاد، وهكذا تقيم أمريكا تحالفاً مع الدولة الهندية التي صنعت السلاح النووي، وأجرت تجارب عليه قبل الباكستان، ألا يدل ذلك كله على أنه تحيز مع دول الكفر ضد الشعوب الإسلامية؟ وهل هذا السلوك سلوك ديمقراطي؟
وهاهي أمريكا قد غزت الشعب العراقي وعاثت فيه فساداً، وأحرقت الأخضر واليابس فيه، بحجة أنه يملك أسلحة الدمار الشامل، وقد تبين فساد تلك الحجة، وتبين أن هدف الغزو إنما هو لتحقيق أهداف سابقة مرتبة، من أهمها القضاء على القوة العراقية التي كانت فرائص اليهود ترتعد منها...
وانكشفت ديمقراطية أمريكا في وقوفها مع الأقليات الانفصالية في الشعوب الإسلامية، ضد الأكثرية في تلك الشعوب، فقد جمعت العالم كله ضد إندونيسيا، حتى تم فصل "تيمور الشرقية" عنها، بل إنها ما زالت تسعى لانفصال بعض المناطق الإندونيسية الأخرى، مثل "إريان الغربية" وولاية "آتشيه".
ولكن أمريكا تتفرج على الشعب الشيشاني المسلم العريق، الذي يطالب باستقلاله، تتفرج عليه أمريكا وهو يُحرق ويدمر من قبل الحكومة الروسية، وتصفهم بالإرهابيين، وكذلك تتفرج على إبادة الصين للشعب المسلم في التركستان الشرقية "الويغور" الذي يطالب كذلك بحريته واستقلاله، وقد أدرجته "هيئة الأمم المتحدة" وهي إحدى أذرعة أمريكا في حقيقة الأمر، في قائمة الإرهاب الذي تحاربه أمريكا!
وهي تؤيد الانفصاليين في منطقة جنوب السودان، وتهدد السودان بتدخل عسكري في دار فور المشكلة الجديدة التي أوجدوها بعد الصلح الظالم مع الانفصاليين في جنوب السودان.
بل تهدد بعض الدول العربية بتقسيمها، ومن الخطط التي يخشى من تنفيذها اليوم، تقسيم الجمهورية العراقية، إلى دويلات ثلاث... والهدف من ذلك زيادة الضعف لحكومات الشعوب الإسلامية، وبخاصة الدول العربية، ليبقى اليهود هم الأقوياء المسيطرين.
مع العلم أن أمريكا قد أزهقت الأرواح وأسالت الدماء في سبيل إيجاد دولة تسمى: "الولايات المتحدة الأمريكية" فهل هذا السلوك سلوك ديمقراطي حضاري عادل، تقتل بشراً وتدمر دولاً، من أجل أن تجعلها دولة واحدة، ثم تقتل بشراً وتدمر دولاً من أجل تمزيق وحدتها؟!
وهل من الديمقراطية وحقوق الإنسان، دعم اليهود في فلسطين بكل ما يحتاجون إليه، سياسياً، ودبلوماسياً، ومالياً، واقتصادياً، وعسكرياً، لإبادة الشعب الفلسطيني، ثم إدراج المجاهدين المدافعين عن أنفسهم وبلادهم في قائمة الإرهاب، وتجييش دول العالم ضدهم؟
وهل من الديمقراطية والعدل وحقوق الإنسان، أن تجيش أمريكا العالم كله، ضد حكومة طالبان، بسبب هدم أوثان منحوتة في صحراء خالية، في بلد مسلم، ثم تتغاضى عن هدم جامع أثري قديم يعمره المصلون المسلمون في الهند "مسجد البابري"؟
وهل من الديمقراطية والعدل وحقوق الإنسان، أن تتغاضى أمريكا عن استمرار حصار الصرب الصليبيين للمسلمين إلى اليوم، تحت غطاء دولي، ومنعهم من إعادة بناء مساجدهم التي هدمها أعداؤهم على رؤوسهم أيام الإبادة الظالمة؟. [راجع مجلة المجتمع: عدد: 1519، صفحة: 38 بتاريخ : 14 -20 رجب 1423هـ ـ21 -27 سبتمبر 2002م].
إن من حقوق الإنسان في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: "حرية الدين" يعني أن الإنسان حر في أخذ أي دين يرغب فيه، ومن المعلوم أن دين المسلمين هو الإسلام، وهو دين يشمل حياة المسلم كلها، العقيدة والعبادة والشريعة والأخلاق، وكل تصرفات المسلم، لا يفرق بين علاقة الفرد بربه، وعلاقته بنفسه، وعلاقته بأسرته وبجيرانه، وعلاقة الحاكم بالمحكوم، وعلاقات حكومة الإسلام بدول العالم "العلاقات الدولية".
ويعتقد المسلم بناء على ذلك أنه يجب عليه الحكم بما أنزل الله، وأن من رفض الحكم بما أنزل الله، فهو كافر خارج عن ملة الإسلام..ومع ذلك، فإن أمريكا تعارض تطبيق الشريعة الإسلامية في أي بلد من بلدان المسلمين، فإذا شعرت بأن أي حكومة من حكومات الشعوب الإسلامية، يتجه إلى تطبيق الشريعة الإسلامية، أظهرت معاداتها، وهددتها بقطع المساعدات عنها، وألَّبَت عليها الأحزاب الأخرى لتعارضها، بل أجبرت غيرها من الدول الأخرى على مقاطعتها، كما فعلت أمريكا ذلك مع السودان، بمجرد علمها بتوجه حكومة الإنقاذ لتطبيق الشريعة على المسلمين.
وتضغط أمريكا على حكومات الشعوب الإسلامية، بتغيير مناهجها، لاستبعاد كل ما يعتقد المسلمون أنه حق من الولاء والبراء، ومن فرضية الجهاد في سبيل الله، ومن موضوعات التاريخ الإسلامي، أو الجغرافيا السياسية، والطبيعية التي تعلم أجيال المسلمين، ببلدانهم المغتصبة، كما هو الحال في الأرض المباركة.
ومعنى هذا أن أمريكا تُكْرِه المسلمين على التخلي عن إسلامهم وعقيدتهم وشريعتهم.. وقد استجابت لها بعض الدول العربية فغيرت مناهجها، والباقي في الطريق، فهل هذا السلوك سلوك ديمقراطي حريص على تطبيق الديمقراطية وحقوق الإنسان وحمايتهما؟!
ثم ها هي أمريكا الديمقراطية، حامية حقوق الإنسان في العالم، تضيق الخناق على المؤسسات الإسلامية الخيرية، وعلى البنوك التي يحصل عندها مجرد شك، في أنها تمول ما تسميه بالإرهاب، وعلى المحسنين من الشخصيات الإسلامية، الذين يهتمون بالضعفاء والفقراء، والأرامل والأيتام، ويتعهدونهم بالإغاثة لتأمين غذائهم وكسوتهم ودوائهم، وبناء المدارس وتفريغ مدرسين لتعليم أبنائهم، وحفر الآبار لريهم من العطش، وبناء المساجد و توفير أئمة لها يؤمونهم في صلاتهم ويعلمونهم فرائض دينهم.. ها هي أمريكا تضيق الخناق على هؤلاء في كل أنحاء العالم، بحجة أنهم يمولون الإرهاب ويدعمون الإرهابيين.
وجمدت أمريكا أموالاً، في كل البلدان، وهو تجميد ظالم يجلب الخسائر الفاحشة على أهلها.
والناس يعرفون أن كثيراً من تلك المؤسسات والبنوك، والأفراد، لا صلة لهم بغير أعمال الخير، ولكن أعمال الخير الإسلامية تغيظ أمريكا وتزعجها، لأنها لا تريد حماية للمسلمين من التنصير الذي تدعمه جميع الدول الغربية، عن طريق مؤسساتها التنصيرية، التي تستغل ضعف المسلمين في العالم، من فقر وجوع، ومرض وعري، وتشرد وجهل، فتستغل مساعداتها لتنصير المسلمين وإخراجهم من دينهم، الذي هو وحده الدين الحق المقبول عند الله تعالى.
فيحاربون مساعدات المسلمين لإخوانهم، ببناء المساجد والمدارس، والمستوصفات، وحفر الآبار، ليستأثروا هم بذلك من أجل تحقيق أهدافهم التنصيرية.
فهل هذه هي الديمقراطية وحقوق الإنسان التي تسعى أمريكا المتحضرة، لإغاثة الأمم والشعوب بها؟
هذه إشارات عابرة إلى تناقضات أمريكا في دعواها حماية الديمقراطية وحقوق الإنسان.
إن أمريكا تُكْرِه الدول والشعوب، على التخلي عن عقائدها وقوانينها، ومناهج تعليمها، لتحقق بذلك أهدافها الظالمة، وإن داست كرامة تلك الدول والشعوب، وسلبتها سيادتها وعزتها، وهي تزعم ـ مع كل ذلك ـ أنها ترعى الديمقراطية، وتحمي حقوق الإنسان.
والسبب في ذلك، عدم وجود رادع إيماني يحول بينها وبين تلك التناقضات.
[s3]
أين العدل الديمقراطي الأمريكي من عدل الإسلام؟
وهذا كله، يخالفه ما يجب على أهل الشورى ـ المسلمين ـ التمسك به من العدل الشامل، مع المسلمين ومع غير المسلمين، لأن الله تعالى أمرهم بذلك في كتابه، فقال في شأن المسلمين: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}. [الحجرات:9].
وقال في شأن الكفار: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}. [المائدة:8].
ويكفي أن نذكر مثالاً لإنصاف المسلمين وعدلهم مع غيرهم، فقد أرسل أهل سمرقند وفداً منهم، إلى عمر بن عبد العزيز، يشكون مظلمة من القائد المسلم قتيبة بن مسلم الباهلي، "فكتب لهم إلى سليمان بن أبي السري: إن أهل سمرقند شكوا ظلماً وتحاملاً من قتيبة عليهم، حتى أخرجهم من أرضهم، فإذا أتاك كتابي فأجلس لهم القاضي، فلينظر في أمرهم فإن قضى لهم فأخرج العرب إلى معسكرهم، كما كانوا قبل أن يظهر عليهم قتيبة" قال فأجلس لهم سليمان.. القاضي فقضى أن يخرج عرب سمرقند، إلى معسكرهم وينابذهم على سواء، فينشئوا صلحاً جديداً، أو ظفراً عنوة، فقال أهل الصغد: بل نرضى بما كان ولا نحدث حرباً، وتراضوا بذلك". [الكامل (4/327)].
ونهى الله تعالى المسلمين، من إكراه غيرهم على الدخول في الإسلام، لأن الإنسان إذا أكره على دين لا يريده، يظهر قبوله بلسانه وقلبه مطمئن بدينه، وفي ذلك تثبيت للنفاق والعداوة الباطنة التي قد يُبرم صاحبها الأمور ضد الإسلام والمسلمين، ويتعاون مع أعداء هذا الدين، ولهذا قال تعالى: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}. [البقرة(256)].
ويقر الإسلام أهل الأديان الأخرى أن يحكموا فيما بينهم بما يؤمنون به، وإن كانوا في ديار المسلمين، ما لم يعد حكمهم بالنقض على نظام الإسلام العام، ويعم ضرره المسلم وغير المسلم، كالقتل والسرقة والحرابة والبغي ونحوها، وما لم يتحاكموا إلى المسلمين، ففي هذه الأحوال يطبق عليهم حكم الإسلام، لما في من عدم تطبيقه من إحداث ضرر وفوضى بين الأمة، ولما في مخالفة أمر الله بالحكم بما أنزل بين المتحاكمين إليه.
قال تعالى: {فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمْ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ}. [المائدة (43)].
وقال تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنْ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}. [المائدة(48)]
ويحفظ الإسلام لغير المسلمين، مع عدم إكراههم على الدخول في الإسلام، حقوقهم في القيام بشعائرهم الدينية، ويحمي مؤسساتهم الدينية، مع أنه تعالى يبغضها، ويبغض عبادة أهلها، كالبِيَع والكنائس، التي قرنها تعالى، في الحفظ والدفاع عنها بالمساجد، كما قال تعالى: {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}. [الحج(40)]
قال ابن القيم رحمه الله: "وقال تعالى: {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً } [البقرة: 251]. ... وقال الحسن: يدفع عن مصليات أهل الذمة بالمؤمنين.. وهذا ظاهر اللفظ ولا إشكال فيه بوجه، فإن الآية دلت على الواقع، لم تدل على كون هذه الأمكنة غير المساجد محبوبة مرضية له، لكنه أخبر أنه لولا دفعه الناس بعضهم ببعض لهدمت هذه الأمكنة التي كانت محبوبة له قبل الإسلام، وأقر منها ما أقر بعده، وإن كانت مسخوطة له، كما أقر أهل الذمة وإن كان يبغضهم ويمقتهم ويدفع عنهم بالمسلمين مع بغضه لهم، وهكذا يدفع عن مواضع متعبداتهم بالمسلمين وإن كان يبغضها، وهو سبحانه يدفع عن متعبداتهم التي أقروا عليها شرعاً وقدراً، فهو يوجب الدفع عنها وإن كان يبغضها، كما يوجب الدفع عن أربابها وإن كان يبغضهم، وهذا القول هو الراجح إن شاء الله تعالى وهو مذهب ابن عباس في الآية". [أحكام أهل الذمة (3/1168)].
وهناك من يدعي أنه اكتشف الديمقراطية الصحيحة التي يحكم الشعب بها نفسه بنفسه، عن طريق نظام جاء به ويسميه النظرية الثالثة ويدعو الناس إلى تطبيقه، وهي دعوى لا حقيقة لها في واقع الأمر فعلى رأس ذلك النظام من يطبق في شعبه أسوأ أنواع الاستبداد وينسب استبداده إلى الشعب!!!
[s3]
الفرع الثاني: خصائص النظام الاستبدادي (الديكتاتوري):
وميزة هذا النظام أنه يستبد بالحكم فيه فرد أو فئة قليلة من الناس استبداداً مطلقاً يُتَجَاهَلُ فيه الشعبُ ولا يعبأ فيه بدستور، ولا قانون، ولا عرف، ولا تقليد، ولا دين، ولا خلق، ولا أي اعتبار آخر، والاعتبار الوحيد الذي ينظر إليه، هو وجود ذلك الفرد أو تلك الفئة على كرسي الحكم، تأمر وتنهى، وتسن قوانين وتلغي أخرى، دون الرجوع إلى أحد، غير هوى الفرد أو الفئة المستبدة. [انظر القاموس السياسي ص528]
لأن هذا الفرد أو تلك الفئة تقوم على تجاهل الجماعة، ولأنها تنشئ نظاماً دون أن تهتم بإخضاعه للإطار النظامي السائد في المجتمع، وهي تدعي الاستقلال عن هذا الإطار، فتتحلل منه ومن أية قاعدة ملزمة أو أي قانون أساسي، إلا القانون الذي تقتضيه مصلحتها الآنية، وليس من قانون أو قاعدة شرعية وراء هذه المصلحة الآنية، إلا إرادة الدكتاتور التي لا تقيدها أية عملية حقوقية، إن مراسيمه هي العليا، وقراراته مطلقة لا ترد، ولا داعي لديه لأن يبرر ـ يسوغ ـ عدالتها بالاستناد إلى أية قاعدة اجتماعية. [تكوين الدولة، ص288].
فالنظام الدكتاتوري - إن صح إطلاق النظام عليه - يسوق الناس بأمره ونهيه، سوق الراعي لحيوانه، أينما يوجههم يجب أن يتوجهوا، والذي يحله لهم اليوم، له الحق أن يحرمه عليهم غداً، بدون سبب ولا تعليل ولا سؤال، وبدون اختيار منهم، وإنما بإرادته واتباع هواه هو.
ويقفز على كرسي الحكم بالخداع والقوة والمكر والمباغتة، ليس في حاجة إلى اختيار الشعب له بالمباشرة أو بدونها، لأن الشعب ليس أهلاً عنده أن يفكر فيمن يصلح لقيادته أولا يصلح لها، وبهذا يخالف نظام الاستبداد نظام الشورى في الإسلام، ويخالف أيضاً النظام الديمقراطي، وإن كان بين الإسلام والديمقراطية اختلاف كبير، كما مضى.
وقد لخص الأستاذ عبد القادر عودة رحمه الله الفرق بين الإسلام وغيره من النظامين المذكورين، فقال:
"نستطيع الآن أن نقول بحق: إن النظام الإسلامي يعتبر فقط علاجاً ناجعاً لفشل الديمقراطية، ولكنه صمام الأمن الذي يحمى الأمم من الديكتاتورية، لأن هذا النظام يحفظ لمبدأ الشورى قيمته النظرية، ويحقق صلاحيته العملية، ويجيش كل القوى لخدمة الجماعة، ويدعو إلى الثقة بالشورى والقائمين بأمرها، ويسد الطريق على المبادئ الهدامة والديكتاتورية.
ونستطيع أيضاً أن نقول: إن النظام الديمقراطي يقوم في الأصل على الشورى والتعاون، ولكنه انتهى بسوء التطبيق إلى تسليط المحكومين على الحاكمين وانعدام التعاون بينهما.
وإن النظام الديكتاتوري يقوم في الأصل على السمع والطاعة والثقة بين الحاكمين والمحكومين، ولكنه انتهى بسوء التطبيق إلى تسليط الحاكمين على المحكومين وانعدام الثقة بينهما.
أما النظام الإسلامي فيقوم على الشورى والتعاون في مرحلة الاستشارة، وعلى السمع والطاعة والثقة في مرحلة التنفيذ، ولا تسمح قواعده بتسليط فريق على فريق، وبهذا جمع النظام الإسلامي بين ما ينسب إلى الديمقراطية من فضائل، وما ينسب إلى الديكتاتورية من مزايا ومحاسن.
ثم هو في الوقت نفسه بريء من العيوب التي تنسب إلى الديمقراطية والديكتاتورية معاً. [التشريع الجنائي الإسلامي (1/40ـ41) وراجع أيضاً كتابه الإسلام وأوضاعنا السياسية ص64ـ67، وراجع كتاب تكوين الدولة ص278 لبيان سبب ثقة الناس في الحاكم المستبد أول الأمر].
قلت: إن الفضائل المنسوبة للديمقراطية، هي فضائل بالنسبة لمفاسد الدكتاتورية، والمحاسن المنسوبة للدكتاتورية، هي محاسن بالنسبة لمساوئ الديمقراطية، أما بالنسبة للشورى فكلها محاسن إذا طبقت تطبيقاً صحيحاً، وهي أسمى من أن تدانيها محاسن النظامين.
[s3]
سبب الإعجاب بنور الفتيل هو غياب الشمس
لقد مرت فترة من الزمن أظلمت فيها آفاق بلاد الإسلام بسبب غياب تطبيقه، وبخاصة بعد سقوط آخر رمز للخلافة الإسلامية، وما أصاب المسلمين من تمزق وانقسام الشعوب الإسلامية إلى دويلات، غلب فيها الاستبداد، وتعددت الأحزاب.
وأصبح كل حزب يترصد للآخر فيثور عليه ويذيقه شتى أنواع الظلم جزاءً وفاقاً، فاختل بذلك الأمن، وازداد انتشار الجهل، وأصاب الناس من الظلم والمذلة والفقر والفاقة، ما الله به عليم.
وأصبحت بلاد المسلمين نهباً لأعداء الإسلام، استولوا عليها بالقوة العسكرية، ثم استولوا على عقول أبنائها بثقافاتهم الأجنبية التي مجدت مبادئ الغرب وأسلوب حياته في كل باب، وشوهت معالم الإسلام وحرفت معانية.
فنشأ جيل على أيدي الغربيين، فتح عينيه فلم يجد من الإسلام إلا ما ساء تطبيقه وحُرِّفت معانيه، ونظر إلى الغرب، فوجد فيه الأنظمة السياسية، كالديمقراطية، والإدارية، وغيرها من مظاهر المساواة والحرية، ما بهره بريقه ولمعانه، فاغتر به واختال، وظن أنه لا وجود لأي نظام في الإسلام يمكن أن يرقى إلى أنظمة الغرب القائمة.
فأخذ يحاول نقل تلك الأنظمة الغريبة عن مجتمعه، ويجتزئ منها ما يهوى ليطبقه في مكان يصعب فيه تطبيقه، إلا بالقهر والعسف، فقهر وعسف، وجر على الأمة ما جر من وبال، ولا زال يتخبط في تيهه إلى الآن، على رغم فشل كل نظام حاول تطبيقه في بلاد المسلمين، ولا زال معجباً بنظام الغرب لا سيما الديمقراطية التي يدعيها وهو عنها بعيد على الرغم من عيوبها.
وسبب هذا الإعجاب، هو غياب التطبيق العملي للإسلام في أغلب الشعوب الإسلامية، والبلد الذي يطبق فيه شيء من الإسلام، لا يسلم من شائبة تشوبه إلا ما شاء الله.
وغياب الإسلام عن التطبيق مثل غياب الشمس، إذا غابت أظلمت آفاق الأرض التي تغيب عنها، وإذا ظهر في ظلمة الليل سراج يكاد يطفئه الهواء، أعجب به الناس لغياب الشمس، وهكذا أعجب أبناء المسلمين بأنظمة الغرب، لغياب تطبيق الإسلام الذي لو رأوه لكان كالشمس التي تختفي بطلوعها الكواكب، فضلاً عن نور فتيل ضعيف:
[s3]
ولكن بصيص النور خير من الظلمة المطبقة.
هذا، ومع تأكيدنا أن كلا النظامين: الديمقراطي "النيابي" والديكتاتوري "الاستبدادي" فيهما كثير من المخاطر والفساد، إلا أن الإنصاف يفرض علينا أن نقول: إن أعظم النظامين فساداً، هو النظام الاستبدادي الذي يذل الأمم ويسلبها إرادتها، ويغلق عليها منافذ الحرية كلها، والتفكير في جلب المصالح أو دفع المفاسد.
إذْ كلما ارتفع في الأمة صوتٌ حر ينادي بالإصلاح أُسكِت، وكلما برز داعية إلى الخير كُبِت، يتعاظم فيه المستبد ويذل الناس، يدبر شؤون البلاد الداخلية والخارجية بمفرده، يجعل الشعب كقطيع من الحيوان، لا حق له في اختيار شيء لم يختره له هو، يصب الظلم على الأمة كلها، وهو وحده لا يجوز لأحد أن ينازعه أو يرفع كلمة حق أمامه، يحل الأمور ويعقدها والأمة تتململ من تصرفه فيها، فلا تقدر أن تنتصر منه، ثم ينشأ مستبد آخر فيعصف بسابقه ويزداد تفنناً في التنكيل بظالمه وبغير ظالمه.
أما النظام الديمقراطي فهو أخف ضرراً وأقل شراً، وأكثر خيراً بالنسبة للاستبدادي، لأن الفرص في النظام الديمقراطي متاحة أن يظلم الظالم من ظلمه، وأن يخدع المخادع من خدعه، وأن يسعى المحكوم بحكم القانون، أو بالطرق الماكرة - للوصول إلى الحكم، لينعم به فترة من الزمن، كما نعم به خصمه.
والفرد العادي يستطيع أن ينكر تصرفات أعلى موظف في الدولة، أو الحزب أو الجماعة أو النقابة.. كل منها له الحق أن يدافع عن حقوقه، ويتقدم بشكواه إلى محاكم الدولة، وغير ذلك من أنواع الحريات المتاحة، وإن كانت مطلقة إطلاقاً قد يؤدي إلى تحطيم القوي الضعيف في كثير من الأحيان.
ولا شك أن هذا النظام - على ما فيه من فساد - هو أصلح النظامين وأقربهما إلى الحق - وإن كانت بينه وبين الحق مسافات هائلة - والنظام الاستبدادي أشد بعداً عن الحق منه.
ولذلك تجد المصلحين في بلدان المسلمين التي أثقلها الحكم الاستبدادي الجائر، يتمنون أن يروا تلك البلدان تحكم حكماً ديمقراطياً، لأنه يتيح الفرص لأهل الخير وأهل الشر جميعاً أن يسعوا لتحقيق أهدافهم.
والغالب أنه إذا طبق النظام الديمقراطي في بلاد المسلمين كما يطبق في بعض بلاد الغرب، أن الغلبة ستكون لمن يريدون رفع راية الإسلام من الدعاة إليه، لأن الشعوب الإسلامية التي ذاقت مرارة عذابات حرمانها من هذا الدين، تتلهف لعودته وهيمنته، ليعيشوا في ظله آمنين على أنفسهم وأعراضهم وأموالهم متساويين في حقوقهم وواجباتهم.
ولما كان قادة الغرب من مفكرين وساسة ومتدينين، يعلمون ذلك، سعوا إلى تطبيق الديمقراطية في بلدانهم، وسعوا جادين في حرمان الشعوب الإسلامية من أن تتمكن من ممارسة تلك الديمقراطية، مع زعمهم المناداة بها والدعوة إلى تطبيقها، لأن الشعوب الإسلامية، إذا أتيحت لها الفرصة في اختيار ولاة أمورها ونظام حكمها، سيختار غالبها الرجال الصالحين الأكفاء الذين يرون فيهم قدوة بتطبيق مبادئ الإسلام على أنفسهم قبل غيرهم، ويحملون الناس على ذلك، وستختار حكم الإسلام نظاماً لحياتها كلها، لا تبتغي بالإسلام بديلاً ولا تقدم على كتاب الله وسنة رسوله قانوناً.
وهذا لا شك يتعارض مع مصالح الدول الغربية الديمقراطية، لا بل إن البلدان الغربية بقادتها ومفكريها، ليقلقها أن يوجد حاكم لبلد إسلامي، عنده نزعة لجلب مصالح أمته ودفع مفاسدها ودفع الأخطار عنها، ولو كان يتبع نظام الحكم الفردي، وبخاصة إذا رأوا من شعبه ثقة فيه، ولهذا يدبرون لأمثاله المؤامرات والمكايد حتى لا تتعرض مصالحهم في ظل حكمه للتحطيم.
وقد نقل الشيخ سعيد حوا رحمه الله عن المستشرق الأمريكي الخبير بشؤون باكستان و.ك. قوله:
"إنه من الممكن أن تصبح مثل هذه البلاد ـ يعنى باكستان وغيرها مثلها ـ لا دينية ولكن من المحال أن تكون ديمقراطية، كما أنها من الممكن أن تكون ديمقراطية، ولكن من المحال أن تكون مع ذلك لا دينية".
ثم قال: "لذلك ينصح رئيس تحرير مجلة "تايم" في كتابه "سفر آسيا" الحكومة الأمريكية أن تنشئ في البلاد الآسيوية ديكتاتوريات عسكرية". [جند الله ثقافة وأخلاقاً ص29 الطبعة الأولى].
فالغربيون يعلمون أن الديمقراطية في بلاد المسلمين، لا يمكن أن تجتمع مع عدم التدين؛ لأن الديمقراطية تمنح الشعوب شيئاً من الحرية، والشعوب الإسلامية إذا حصلت على حريتها لا يمكن أن تختار غير الإسلام منهجاً.
ويعلم هؤلاء الغربيون أن الوسيلة الوحيدة لإبعاد المسلمين عن إقامة حكم إسلامي في بلادهم، هي التمكين للنظام الاستبدادي "الديكتاتوري" الذي يقهرهم على الاستسلام للحكم بغير ما أنزل الله، لذلك يسعون إلى حرمان الشعوب الإسلامية من الديمقراطية، وإن كانت ليست من الإسلام.
ونحن إذا فضلنا أحد الأنظمة الجاهلية ـ مضطرين ـ على غيره، إنما نفضله من باب تفضيل بصيص من نور في ظلمة خير من ظلمة لا نور فيها، وذلك ما تقتضيه قاعدة "ارتكاب أدنى المفسدتين إذا لم يمكن تركهما جميعاً" وهى قاعدة إسلامية عظيمة تبنى عليها أبواب وأحكام إسلامية كثيرة جداً، وكثيراً ما يغفل عنها المسلمون فيقعون في فساد عظيم في أمور الدنيا والآخرة معاً، وقد فصَّل علماء الإسلام قواعد المصالح والمفاسد والضرورات والحاجيات التي لها حكم الضرورات، تفصيلاً دقيق في مصنفات كثيرة، منها كتاب "قواعد الإسلام في مصالح الأنام" للعز ابن عبد السلام، و"القواعد" لابن رجب، وجزء المقاصد في كتاب "الموافقات" للشاطبي، رحمهم الله جميعاً، وفي كثير من كتب الأصول وشروح الحديث في أبواب متنوعة ومناسبات كثيرة..
وقال ابن تيمية رحمه الله: "وقد يتعذَّر أو يتعسَّر على السالك سلوك الطرق المشروعة المحضة، إلا بنوع من المحدَث، لعدم القيام بالطرق المشروعة علماً وعملاً، فإذا لم يحصل النور الصافي، بأن لم يوجد إلا النور الذي ليس بصافٍ وإلا بقي الإنسان في الظلمة، فلا ينبغي أن يعيب الرجل وينهى عن نور فيه ظلمة، إلا إذا حصل على نور لا ظلمة فيه، وإلا فكم ممن عدل عن ذلك، يخرج عن النور بالكلية، إذا خرج غيره عن ذلك لما رآه في طريق الناس من الظلمة". [الفتاوى (10/364)].
ثم إن تفضيل الديمقراطية على الدكتاتورية، ليس معناه أنه يجوز للمسلمين إذا فقدوا الحكم بالإسلام، أن يعتقدوا جواز الأخذ بالديمقراطية بمعتقداتها، وبخاصة جعل الشعب هو مصدر التشريع المطلق، فذلك كفر في الإسلام ومناقض له أشد المناقضة، لأن مصدر التشريع في الإسلام هو الله عز وجل، وقد شرع دينه الذي ارتضاه في كتابه وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإنما المقصود هنا أمران:
الأمر الأول: الأخذ بالأساليب المتاحة المؤدية إلى اختيار ولاة الأمر، الذي لم يرد فيه نص ملزم باتخاذ أسلوب محدد...
والأمر: الثاني: العدل في الحكم على كلا النظامين الديمقراطي والديكتاتوري فحسب؛ فالنظام الديمقراطي أخف وطأة من النظام الدكتاتوري، وقد أمر الله عز وجل أمر بالعدل في كل أمر في آيات كثيرة منها قوله تعالى: {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}. [المائدة: 8].
وبناء على ذلك أقول: إنه إذا فقد نظام الإسلام في بعض الشعوب الإسلامية، ووضع الشعب أمام خيارين: الديكتاتورية والاستبداد، أو الديمقراطية النيابية، وأمكن تطبيقها تطبيقاً يمكن الدعاة إلى الإسلام من الاستفادة منها، بتوجيه الشعب إلى اختيار قادة صالحين، يمكنهم أن يعيدوا حكم الإسلام إلى البلاد، فإن سلوك ذلك متعين لما يؤول إليه من خير، بخلاف الحكم الاستبدادي فإنه يسوق الناس بعصا هواه إلى ما يهواه ولا يدع لهم فرصة في اختيار ما يريدون.
وبذلك يتقرر أن النظام الديمقراطي الغربي الذي يصل فيه الحكام إلى كراسي الحكم بالحملات الانتخابية - مهما كان فسادها - خير من الوصول إلى الحكم بالانقلابات العسكرية التي تسفك الدماء وتعتدي على الحقوق بالقوة، وتجعل الشعوب في خوف دائم، تتوقع كل ليلة أن يتحرك قطيع من الجيش ليفرش شوارع الشعب بجماجم أهله، من أجل الاستيلاء على السلطة، فتفسد بذلك حياة الشعوب الدينية، والاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، والعسكرية.
هذا كله عندما يغيب حكم الإسلام عن الشعوب الإسلامية كما هو الواقع الآن في أغلب المعمورة.
قال الأستاذ عبد القادر عودة: "ولكن التجارب أثبتت أن الديكتاتورية انتهت بفشل أفظع من فشل الديمقراطية؛ لأنها تؤدي إلى كم الأفواه، وتعطيل حرية الرأي وحرية الاختيار، وانعدام الثقة بين الشعوب والحكام، وتوريط الشعوب والحكومات فيما لا يعود عليها إلا بالضرر". [التشريع الجنائي الإسلامي (1/40)].