الشورى

المؤلفات | سياسة شرعية | 13 صفحة
صفحة 8 من 13 الفصل الخامس: أساليب الشورى وطريقة إجرائها.

الفصل الخامس: أساليب الشورى وطريقة إجرائها.

الفصل الخامس: أساليب الشورى وطريقة إجرائها.

وفي هذا الفصل مبحثان:
المبحث الأول : عدم وجود نص ملزم للأخذ بأسلوب محدد للشورى.
المبحث الثاني : الحكمة في عدم تحديد أسلوب محدد يلتزم به.

المبحث الأول: عدم وجود نص ملزم لاتخاذ أسلوب محدد للشورى

لقد تعددت طرق إجراء الشورى في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، تعدداً يوحى بعدم قصد الشارع تقييدها بطريقة معينة في إجرائها، والشواهد على ذلك كثيرة جداً، ليس القصد هنا استقصاء النصوص والحوادث، وإنما المقصود ذكر أمثلة من تلك الأساليب تدل على المراد.
[s3]
المثال الأول: اتخاذ ولي الأمر بطانة صالحة لا تفارقه إلا في نادر الأوقات:
- كأوقات راحته وبقائه في أسرته - والغالب أن عدد هؤلاء يكون قليلاً، ويكونون من صفوة أهل الحل والعقد بل صفوة الصفوة، يُكثِر ولي الأمر من مشاورتهم وأخذ آرائهم للاستعانة بها، والسبب في كونهم قليلين غالباً عدم تمكن الجمع الكبير من الاجتماع بولي الأمر في أوقات كثيرة.
فقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم، أن لكل مسؤول بطانته التي يكثر اتصالها به، كما في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة، إلا كانت له بطانتان، بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه فالمعصوم من عصم الله تعالى)). [راجع صحيح البخاري (8/121)].
ويصدق هذا الأسلوب على اتخاذ الرسول صلى الله عليه وسلم، أبا بكر وعمر رضي الله عنهـما، بطانة له، فقد كانا يرافقانه في ذهابه وإيابه، ودخوله وخروجه، ورخائه وشدته، وكان كثير المشاورة لهما. [راجع البخاري (4/199) ومسلم (4/1858)].
و حكي عن ابن عباس رضي الله عنهـما أن مشاورة الرسول صلى الله عليه وسلم، كانت مختصة بالشيخين: أبي بكر وعمر رضي الله عنهـما، ولعل المقصود من ذلك المشاورة الدائمة والميل إلى رأيهما، وبخاصة إذا اجتمعا على رأي.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "ونقل السهيلي عن ابن عباس، أن المشاورة مختصة بأبي بكر وعمر، ولعله من تفسير الكلبي، ثم وجدت له مستنداً في "فضائل الصحابة" لأسد بن موسى، و"المعرفة" ليعقوب بن سفيان، بسند لا بأس به عند عبد الرحمن بن غنم - بفتح المعجمة وسكون النون - وهو مختلف في صحبته، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر وعمر: ((لو أنكما تتفقان على رأي واحد ما عصيتكما في مشورة أبداً)). ولقد وقع في حديث أبي قتادة رضي الله عنه في قصة نومهم في الوادي: ((إن تطيعوا أبا بكر وعمر ترشدوا.. لكن لا حجة فيه للتخصيص)). [فتح الباري (13/340)].
[s3]
المثال الثاني: استشارة ولي الأمر من حضر الحادثة:
دون انتظار لغيرهم، لضيق الوقت وعدم اتساعه للانتظار، لمعرفة رأيهم والمضي في الأمر فوراً، وإن كانت عواقب الحادثة تعم الحاضرين وغيرهم.
كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر، عندما علم بِعِير أبي سفيان راجعة من الشام، فانتدب الحاضرين، واستشارهم في لقاء قريش الذين خرجوا لقتاله، والذي يظهر من سياق القصة في القرآن الكريم أن طائفة من أصحابه كانت مترددة في لقاء المشركين للقتال، ولكنهم بعد المشاورة استجابوا لرغبة رسول الله صلى الله عليه وسلم واقروا عينه.
كما قال تعالى: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (5) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ}. [الأنفال:5-6].
روى أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان قال: فتكلم أبو بكر، فأعرض عنه ثم تكلم عمر، فأعرض عنه، فقام سعد بن عبادة، فقال: إيانا تريد يا رسول الله، والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا. قال: فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس، فانطلقوا حتى نزلوا بدراً". [مسلم (3/1403) والسيرة النبوية لابن هشام (1/614). قوله: فقام سعد بن عبادة، هكذا هو في صحيح مسلم، وفي غيره: سعد بن معاذ؛ لأن سعد بن عبادة لم يشهد بدراً، وجمع بينهما الحافظ في الفتح (7/288) أن سعد بن عبادة قال ذلك قبل خروج الرسول صلى الله عليه وسلم، عندما استشار أصحابه للقاء أبي سفيان لأخذ العير، وأن سعد بن معاذ قال ذلك بعد الخروج، عندما استشار الرسول صلى الله عليه وسلم في لقاء المشركين للقتال، راجع مرويات غزوة بدر لأحمد بن محمد العليمي، الطبعة الأولى، توزيع مكتبة طيبة بالمدينة المنورة].
وكانت استشارته في غزوة بدر مرتين:
المرة الأولى: كانت قبل الخروج في لقاء عير أبي سفيان.
والمرة الثانية: بعد الخروج في لقاء المشركين لما علم بخروجهم.
ولا شك أن موضوع هذه الاستشارة، من أخطر الأمور التي يكون الأصل فيها معرفة آراء أهل الحل والعقد بصفة أوسع حيث أمكن، ولكن الوقت قد لا يتيح ذلك، ولهذا اكتفى رسول الله صلى الله عليه وسلم باستشارة من حضر، من أصحابه.
[s3]
المثال الثالث: استشارة وليِّ الأمرِ كلَّ فرد من الأفراد الذين يتعلق بهم الأمر:
إما بمعرفة آرائهم وَاحداً واحداً إذا أمكن، وإما عن طريق نوابهم الذين يمكنهم أن يعرفوا آراء كل فرد من أفراد رعيتهم.
يتضح هذا الأسلوب في استشارة الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه، في رد سبي هوازن إليهم بعد أن غنمه المسلمون.
روى مروان والمسور بن مخرمة عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءه وفد هوازن مسلمين، فسألوه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((معي من ترون وأَحبُّ الحديثِ إليَّ أصدقُه، فاختاروا إحدى الطائفتين: إما السبي وإما المال. وقد كنت استأنيت بكم)).
وكان أنظرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بضع عشرة ليلة، حين قفل من الطائف، فلما تبين لهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير رادٍ إليهم إلا إحدى الطائفتين، قالوا: فإنا نختار سبينا.
فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسلمين، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: ((أما بعد فإن إخوانكم قد جاؤونا تائبين، وإني قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم، فمن أحب منكم أن يطيب ذلك فليفعل، ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل)).
فقال الناس: قد طيبنا ذلك يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنا لا ندري مَن أذن منكم ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم)).
فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم، ثم رجعوا إلى رسول صلى الله عليه وسلم فأخبروه أنهم قد طيبوا وأذنوا". [البخاري (5/99ـ100) وراجع فتح الباري (8/33)].
فقد جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أفراد جيشه كلهم - وخاطبهم بما يريد، فلما سمع جوابهم - وهو يحقق ما أراد منهم - لم يكتف بما سمع لكثرة الناس، وعدم القدرة على التحقق من أنهم كلهم أذنوا في رد السبي، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن تعود كل طائفة إلى عريفها، ليتحقق العريف من أن كل فرد من أفراد طائفته، قد أذن في رد ما عنده من السبي عن طيب نفس؛ لأن ذلك من الحق الخاص الذي يخص كل واحد منهم بعينه، ففعلوا.
وفي هذا الحديث دلالة واضحة أنه لا يجوز لولي الأمر أن يأخذ شيئاً من أفراد رعيته، إلا برضاً محقق، وأن الاستفتاءات أو الانتخابات التي تجري في حقوق الشعوب الإسلامية على سبيل التزوير ليست شرعية بل هي باطلة، وعلى مزوريها تقع المسؤولية.
[s3]
المثال الرابع: الاكتفاء بمشاورة زعماء القوم:
- إذا كانت الظروف غير صالحة للاجتماع بكل الأفراد - وإنما يكتفى بمشاورة الزعماء لتمكنهم من أخذ آراء قومهم، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة الأحزاب، عندما استشار سعد بن معاذ وسعد بن عبادة في مصالحة غطفان، على ثلث ثمار المدينة، على أن يرجعوا عنه وعن أصحابه، فقالا له: يا رسول الله أمراً تحبه فنصنعه، أم شيئاً أمرك الله به لا بد لنا من العمل به، أم شيئاً تصنعه لنا؟
قال: ((بل شيء أصنعه لكم، والله إني ما أصنع ذلك إلا لأني رأيت العرب قد رمتكم عن فرس واحدة، وكَالَبُوكم ـ اشتدوا عليكم ـ من كل جانب فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما)).
فقال له سعد بن معاذ: يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرىً أو بيعاً. أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له، وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا؟ والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فأنت وذاك)). [السيرة النبوية لابن هشام (2/223)].
ويجب التنبيه - هنا - على أن الرسول صلى الله عليه وسلم اكتفى بجواب سعد بن معاذ - والظاهر أنه جواب سعد بن عبادة - ولم يطلب منهما الرجوع إلى قومهما لاستشارتهم وإبلاغه بما يرون، مع أن ثمار المدينة ليست ملكاً للسعدين فحسب، بل هي للأوس والخزرج كلهم، والظاهر أن سبب اكتفائه بمشاورة الزعيمين شدة الحال، وضيق الوقت، والمطلوب في مثل ذلك السرعة والبت في الأمر.
والغالب في مثل هذه الحال أن الرعية لا تعارض ما أبرمه زعماؤها، وبخاصة إذا كانوا يثقون في زعمائهم لعلمهم بحرصهم على مصالحهم، ولشدة الموقف العسكري الذي لا يقبل التراخي، ويجوز من باب الاحتمال - أن رسول صلى الله عليه وسلم أراد استشارتهما في أول الأمر، فإذا وافقا أمرهما باستشارة أتباعهما، والله أعلم.
[s3]
المثال الخامس: الاكتفاء بمشاورة عدد قليل من الذين هم أقرب من غيرهم إلى صاحب الشأن:
ومشاورة عدد كبير في مجتمعهم العام في جانب آخر من جوانب ذلك الأمر لتعلقه بهم.
يوضح ذلك استشارة الرسول صلى الله عليه وسلم علياً وأسامة رضي الله عنهـما، في فراق أهله في قصة الإفك الأثيمة، لأنهما كانا من أقرب الناس إلى معرفة حياته الخاصة، واستشارته عامة أصحابه في المسجد في صنع الذي تولى كبره، وهو عبد الله بن أبي بن سلول، رأس النفاق، ومن اتبعه في نشر الإفك، لأن عبد الله ابن أبي زعيم وله أتباع وأقارب، ولا بد أن يبدي الناس رأيهم فيه، ويعينوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في اعتدائه على كرامته وشرفه.
قالت عائشة رضي الله عنهـا: "ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي ابن أبي طالب وأسامة بن زيد رضي الله عنهم، حين استلبث الوحي يسألهما وهو يستشيرهما في فراق أهله، فأما أسامة فأشار بالذي يعلم من براءة أهله.
وأما علي فقال: لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك، فقال: ((هل رأيتِ من شيء يريبِك؟)) قال: ما رأيت أمراً أكثر من أنها جارية حديثة السن، تنام على عجين أهلها، فتأتى الداجن فتأكله".
فقام على المنبر فقال: ((يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي، والله ما علمت على أهلي إلا خيراً)) فذكر براءة عائشة.
وفي رواية عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه، وقال: ((ما تشيرون علي في قوم يسبون أهلي ما علمت عليهم من سوء قط؟)). [البخاري (8/163) ومسلم (4/2129ـ2138)].
فقد اختلف أسلوب استشارته في أهله، حيث دعا اثنين ممن لهم به صلة في حياته الخاصة، عن أسلوب استشارته في أهل الإفك، حيث استشار عامة الناس، وفي ذلك إشارة إلى أن أسلوب الشورى يختلف باختلاف موضوعه.
[s3]
المثال السادس: عدم الاكتفاء في المشورة بعدد قليل:
بل لا بد من مشاورة عامة الناس لخطورة الأمر الذي هو محل الشورى، وشمول عواقبه ونتائجه للأمة كلها كاختيار الخليفة. [راجع لهذا المثال المبحث الثاني من الفصل الثالث].
[s3]
المثال السابع: استشارة رؤوس القوم وأفاضلهم:
ثم سؤال عامتهم عن رضاهم بالأمر كما فعل أبو بكر في استخلاف عمر رضي الله عنهما. [راجع له أيضا المبحث الثاني من الفصل الثالث].
وهذا الأسلوب، وإن اختلف عن أسلوب اختيار الناس لأبي بكر يؤدي نفس الغرض إلا أنه أخص.
[s3]
المثال الثامن: جعل الأمر شورى في صفوة الأمة التي علم رضا الناس عنها، لتمام نصحها ومعرفة جدها في السعي في مصالح المسلمين، كما جعل عمر رضي الله عنه الأمر شورى في ستة، ثم أسند القيام بالشورى لواحد، وهذا أخَذَ يخلو بالناس ويشاورهم ليلاً ونهاراً، حتى علم من يختارون فبايعه وبايعه الناس. [سبق أيضا].
[s3]
المثال التاسع: مشاورة أهل الحل والعقد الحاضرين:
وتقسيمهم إلى فئات حسب تصنيف مناسب لكل فئة، وبحث ولي الأمر في الموضوع مع كل فئة على حدة. ثم أخذه بالرأي الذي ترجح له بعد ذلك.
كما فعل عمر رضي الله عنه في المؤتمر الذي عقده للتشاور في الإقدام بأصحابه إلى الشام أو عدمه بسبب وجود وباء الطاعون به. [سبق].
ويشبه ذلك استشارته رضي الله عنه في حبس أرض العراق والشام.
[s3]
المثال العاشر: أن يكتفي بأفضل أهل الحل والعقد:
ويأخذ بمشورته في أمر مهم إذا كانت حجته في المشورة قوية مقنعة، ويوضح ذلك ما جرى بين أبي بكر وعمر، رضي الله عنهـما في شأن جمع القرآن.
فقد أشار عمر على أبي بكر بجمع القرآن خوف ضياعه بعد مقتل القراء يوم اليمامة، فنفر أبو بكر من ذلك، لكون رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفعله. فما زال به عمر حتى اقتنع به فعمله.
روى عبيد بن السباق أن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: أرسل إليَّ أبو بكر مَقْتَلَ أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده، قال أبو بكر رضي الله عنه: "إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء بالمواطن، فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن".
قلت لعمر: كيف تفعل شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال عمر: "هذا والله خير" فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر. قال زيد: قال أبو بكر: "إنك رجل شاب عاقل، لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتبع القرآن فاجمعه".
فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن.
قلت: كيف تفعلون شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: "هو والله خير" فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح الله صدر أبي بكر وعمر، رضي الله عنهـما، فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال". [البخاري (6/98) وراجع البرهان ـ في أصول التفسير للإمام بدر الدين بن محمد الزركشي رحمه الله (1/233) والعُسُب جمع عسيب وهو جريد النخل العريض الذي لا ينبت عليه الخوص، واللخاف جمع لخفة، وهي حجارة بيض رقاق، راجع النهاية لابن الأثير (3/234، 4/244)].
[s3]
المثال الحادي عشر: أن يستشير ولي الأمر رعيته فيسمع منهم ويأخذ برأي ذي الخبرة منهم:
وإن كان غيره أفضل منه، كما في أخذ عمر بمشورة خالد رضي الله عنه، عندما استشار المسلمين في تدوين الديوان، فقال له علي بن أبي طالب رضي الله عنه: تقسم كل سنة ما اجتمع إليك من المال، ولا تمسك منه شيئاً، وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه: أرى مالاً كثيراً يسع الناس، فإن لم يحصوا حتى يعرف من أخذ ممن لم يأخذ، خشيت أن ينتشر الأمر، فقال خالد بن الوليد رضي الله عنه: قد كنت بالشام فرأيت ملوكاً قد دونوا ديواناً وجندوا جنوداً فأخذ بقوله". [الأحكام السلطانية للماوردي 199ـ200].
وبهذا يظهر أن أسلوب الشورى، وإجرائها، يختلف من حال وحال، وظرف وظرف، وموضوع وآخر... ولكل مقام مقال، ولكل حال رجال.

المبحث الثاني: الحكمة في عدم تحديد أسلوب محدد يلتزم به.

يبدو واضحاً من الأحداث التي ذكرت في دراسة ما سلكه الرسول صلى الله عليه وسلم، وأصحابه رضي الله عنهم في أسلوب الشورى وطرق إجرائها - وهي أحداث قليلة من كثير - أن الشارع الحكيم لم يضع أسلوباً معيناً يُلْزِم المسلمين اتباعه في كل أمر يحدث لهم يحتاجون فيه إلى المشورة، بل ترك الباب مفتوحاً للمسلمين ليتخذوا لكل حدث ما يناسبه، من الأسلوب الذي تجري به الشورى.
فالأحداث مختلفة، منها ما يحتاج إلى رأي شخص واحد، ومنها ما لا يكفى فيه إلا شخصان أو أكثر، ومنها ما لا يكفي فيه إلا أهل الحل والعقد بأجمعهم، ومنها ما يقع في ظروف تتعين فيها السرعة والبت في الأمر، ويصعب تأجيل ذلك حتى يجتمع أهل الحل والعقد كلهم، فيكتفي بالحاضرين، ومنها ما لا ينبغي أن يطلع عليه إلا العدد القليل؛ لأنه خطر يقتضى السرية وعدم النشر، ومنها ما يحتاج فيه إلى ذوي الخبرة بأمور معينة.
وقد يقتضي الأمر استقصاء آراء أهل الحل والعقد في اجتماع واحد، وقد يقتضي تقسيمهم إلى مجموعات، بحيث يأخذ رأي كل مجموعة على حدة، وقد يقتضي أخذ رأي زعماء أهل الحل والعقد فقط.
وهكذا تختلف موضوعات الشورى وزمانها ومكانها وأهلها، ولكل مقام مقال، ولكل أمر رجال.
وقد تحدث في بعض العصور وسائل يكون استعمالها أجدى وأنفع في أسلوب الشورى، وقد حدث في هذا العصر مثلاً سبل جديدة لسرعة المواصلات والاتصالات، كما حدثت أنظمة إدارية منظمة دقيقة، لا يصعب معها مشاورة أهل الحل والعقد كلهم في جميع بلاد المسلمين في الغالب، سواء كان ذلك عن طريق الاجتماعات العامة كالمساجد وقاعات الاجتماعات والمؤتمرات.
أو عن طريق التقسيمات الإدارية للبلدان، كالمقاطعات والمدن والحارات، أو عن طريق المراكز الحكومية، كالوزارات والمؤسسات، أو عن طريق التجمعات العمالية كالمصانع ونحوها، أو عن طريق أجهزة الاتصالات المباشرة السمعية والبصرية، كالهاتف المذياع والتلفاز، والشبكة العالمية "الإنترنت"...
كل ذلك أصبح ميسراً لا صعوبة فيه، ولقد كان حدث اختيار الخليفة يحتاج إلى استشارة أهل الحل والعقد في المدينة وخارجها من البلدان، ولكن ذلك يصعب في ذلك الزمان، لصعوبة المواصلات والاتصالات، فاكتفي في ذلك بأهل الحل والعقد الحاضرين في المدينة وما جاورها، لأن ذلك هو المستطاع في ذلك الوقت.
لذلك حدد الشارع الهدف من الشورى، وهو: الوصول إلى الحق والتعاون على تحقيقه بالوسائل الممكنة.
كما حدد صفات أهل الشورى وعلاقتهم بولي الأمر، وترك الوسيلة إلى اتخاذ الشورى بدون تحديد معين، بل اتخذ وسائل لذلك متنوعة تدل على سعة الأمر في ذلك، ليتخذ المسلمون أنفع الوسائل وأنجحها وأسهلها، لكل حدث وفي كل زمان ومكان.
قال عبد القادر عودة رحمه الله - بعد أن ذكر الآيتين الواردتين في الشورى - بلفظهما: "وظاهر من النصين المقررين لمبدأ الشورى، أنهما عامان مَرِنان إلى آخر حدود العموم والمرونة، بحيث لا يمكن أن يحتاج الأمر إلى تعديلهما، أو تبديلهما في المستقبل، وفي هذا بيان لما قلناه من أن الشريعة تتميز بصفة الدوام، وأنها لا تقبل التبديل والتعديل.
ولهذه الاعتبارات اكتفت الشريعة بتقرير الشورى كمبدأ عام، وتركت لأولياء الأمور في الجماعة أن يضعوا معظم القواعد لتنفيذها، لأن هذه القواعد تختلف تبعاً لاختلاف الأمكنة والجماعات والأوقات.
فلأولياء الأمور - مثلاً - أن يعرفوا رأي الشعب عن طريق رؤساء الأسر والعشائر، أو عن طريق ممثلي الطوائف، أو بأخذ رأي الأفراد الذين تتوفر فيهم صفات معينة، إما بطريق التصويت المباشر، وإما بطريق التصويت غير المباشر.
ولأولياء الأمور أن يسلكوا أي سبيل آخر يرون أنه أفضل من غيره، في تعرف رأي الجماعة، بشرط أن لا يكون في ذلك كله ضرر ولا ضرار، بمصالح الأفراد أو الجماعة أو النظام العام". [التشريع الجنائي الإسلامي (1/37) وراجع كتاب "مجموعة بحوث فقهية" لعبد الكريم زيدان ص104، وراجع تفسير المنار (4/201)].
قلت: بعد أن عرفتَ تلك الأساليب التي سلكها الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، في إجراء الشورى يتبين لك بأن المقصود اتخاذ الأسلوب المشروع المؤدي إلى الهدف من الشورى في كل زمان ومكان، وكلما كان الأمر المراد التشاور فيه أخطر من غيره كان الاجتهاد في الوسيلة المؤدية إليه أعظم...