الفصل الرابع: ما يلزم ولي الأمر بعد الشورى
الفصل الرابع: ما يلزم ولي الأمر بعد الشورى
وفيه تمهيد وثلاثة مباحث:
المبحث الأول : يلزم ولي الأمر العمل بما ترجح له.
المبحث الثاني : يلزم ولي الأمر العمل برأي أغلب أهل الحل والعقد.
المبحث الثالث : سبب القول بكل من المذهبين و إمكان الجمع بينهما.
تمهيد:
سبق أن ولي أمر المسلمين - أي إمامهم - يجب أن تتوافر فيه شروط، منها أن يكون عالماً مجتهداً. [راجع أول المبحث الثاني من الفصل الثالث].
والمراد بالاجتهاد: "معرفة الشريعة الإسلامية: قواعدها، ومقاصدها وعلل أحكامها، من نصوص الشارع، بعد التزود بما يساعد على هذه المعرفة من العلوم الأخرى "الوسائل" سواء أشق طريقه إليه بنفسه، أو باتباع منهج مجتهد مطلق آخر عن فهم واقتناع، وهو القدرة على استخراج الأحكام الفرعية من أدلتها، والقدرة على التصرف في الأصول التي يبني عليها مجتهداته". [انظر الاجتهاد ومدى حاجتنا إليه في هذا العصر، السيد محمود موسى ص356، نشر دار الكتب الحديثة، القاهرة].
وسبق كذلك أن أهل الشورى يجب أن يكونوا علماء، ولابد أن يكون فيهم مجتهدون. [راجع المبحث الثاني من الفصل الثالث].
وسبق أنه يجب على ولي الأمر أن لا يقدم قول أحد، كائناً من كان، على ما جاء فيه نص من كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وكذا ما أجمع عليه العلماء، أو كان مبنياً على قياس جلي، وأن على ولي الأمر أن يجتهد في ذلك بنفسه، فإن عجز سأل العلماء ورؤوس الناس من المسلمين، فإن وجد شيئاً من ذلك عمل به وإلا جمع أهل الحل والعقد واستشارهم. [راجع المبحث الثالث من الفصل الثالث].
وهذا يدل أن الشورى إنما يحتاج إليها ولي الأمر، إذا لم يظهر له وجه الصواب في الأمر بدليله. [كما سبق في نفس المبحث المذكور].
فإذا جمع ولي الأمر أهل الشورى للبحث فيما هو محل للاجتهاد، وعرض عليهم الأمر الذي أهمه، فلا تخلو مشورتهم من ثلاثة أمور:
الأمر الأول: أن يتفقوا على رأي واحد هم وولي الأمر، ولا يوجد هنا إشكال لأن ولي الأمر مطمئن إلى صواب رأيه بموافقة أهل الحل والعقد له، فعليه أن يعمل به..
الأمر الثاني: أن يختلفوا ويكون رأي الأغلب منهم موافقاً لرأي ولي الأمر، أو يستوي عدد كل فريق منهم، والظاهر أن الإمام هنا مخير، إلا أنه يشرع له أن يستقصي آراء غير الحاضرين حسب الإمكان، لأنه قد يعثر عندهم على رأي أرجح أو دليل لم يستحضره الحاضرون فيحل الإشكال.
الأمر الثالث: أن يتفقوا على رأي أو يكون الأغلب منهم على ذلك الرأي، ورأي ولي الأمر على خلافهم، وهنا يرد الإشكال وفيه ترد المباحث الثلاثة الآتية.
ويجب قبل ذكر المباحث التنبيه على أمر مهم جداً، لابد أن يراعيه ولي الأمر وأهل الحل والعقد معاً في الشورى، وهو أن يتجردوا جميعاً للحق، ويبتعدوا عن الهوى والتعصب لرأي معين مبني على الرغبة والهوى، وليس على دليل مرجِّح، وأن يستعينوا بالله سبحانه وتعالى على هدايتهم لما اختلفوا فيه من الحق، وأن يصغي كل واحد منهم لأي رأي يعرض وحجته، ويجتهدوا جميعاً في تمحيص الآراء وأوجه الاستدلال، والتعرف على المصالح والمفاسد المترتبة على تلك الآراء.
فإذا ما توافرت فيهم هذه المعاني وحسنت النيات، فإن الله سبحانه وتعالى لا بد هاديهم إلى الصواب من الرأي.
قال ابن جرير، رحمه الله، في تفسير قوله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ}. [آل عمران: 159].
"وأما أمته فإنهم إذا تشاوروا مستنين بفعله في ذلك، على تصادق وتآخ للحق وإرادة جميعهم الصواب من غير ميل إلى هوى، ولا حيد عن هدى، فالله مسددهم وموفقهم". [جامع البيان عن تأويل آي القرآن (4/152)].
وإذا راجع الباحث الأحداث والمواقف التي كان السلف الصالح يعقدون لها الشورى، وجد أن التوفيق كان حليفهم فيها، فما كانوا يخرجون إلا موفقين مسددين من ربهم. [راجع الأمثلة المذكورة في المبحث الأخير من الفصل الثالث].
ولا شك أن الذي يتعرض لرحمة الله وتوفيقه بالإخلاص له ودعائه، وقصد إرادة الحق الذي يرضيه، جدير أن ينال توفيقه وتسديده، كما قال تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً }. [الطلاق: 3].
وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو ربه أن يهديه لما اختُلِف فيه من الحق، كما روت عائشة، رضي الله عنهـا، أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان إذا قام يصلي من الليل يقول: ((اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم)). [مسلم (1/534) وراجع مجموع الفتاوى لابن تيمية (35/362)].
فإذا لم يجتمع ولي الأمر وأهل شواره على هذه المعاني، بل اجتمعوا على اتباع أهوائهم، غير مبالين بطلب الحق، ولا لاجئين إلى ربهم طالبين توفيقه، فإن النزاع والفشل سيكونان عاقبة اجتماعهم، لأن اتباع الهوى بغي وعدوان، والبغي علة علل الاختلاف، كما قال تعالى: {وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ }. [آل عمران: 19].
المبحث الأول: يلزم ولي الأمر العمل بما ترجح له
والذي يظهر أن هذا هو رأي السلف في الجملة، إذا توافرت في ولي الأمر الشروط التي ذكرها العلماء، وكان واقع ولاة الأمر عليها، وأهمها العلم المؤدي إلى الاجتهاد في النوازل، والعدالة، والرأي المفضي إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح، فإن فقدت أو فقد بعضها أو ضعف شيء منها، وجب عليه أن يلتزم رأي الأكثر من أهل الحل والعقد كما سيأتي في المبحث الثالث من هذا الفصل. [راجع الأحكام السلطانية للماوردي، ص: 6].
[s3]
ثلاث قواعد تدل على وجوب عمل ولي الأمر بما ترجح له
ويدل على وجوب عمل ولي الأمر العمل بما ترجح له، ولو خالف رأي الأكثرية، ثلاث قواعد قررها العلماء، وهي مبنية على استنباط سليم، وعلى سلوك الخلفاء في عدة حوادث:
[s3]
القاعدة الأولى: بيان حكم تقليد المجتهد، غيره من المجتهدين
وقد بحث العلماء في هذه القاعدة، وبينوا أن الواجب على المجتهد أن يعمل بما أداه إليه اجتهاده، وليس له أن يقلد غيره، ما دام بذل وسعه في المسألة.
قال سيف الدين أبو الحسن الآمدي، رحمه الله: "المكلف إذا كان قد حصلت له أهلية الاجتهاد بتمامها في مسألة من المسائل، فإن اجتهد فيها وأداه اجتهاده إلى حكم فيها، فقد اتفق الكل على أنه لا يجوز له تقليد غيره من المجتهدين في خلاف ما أوجبه ظنه وترك ظنه". [الإحكام في أصول الأحكام (4/177) نشر مؤسسة الحلبي].
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله: "ولهذا نقل غير واحد الإجماع على أنه لا يجوز للعالم أن يقلد غيره، إذا كان قد اجتهد واستدل وتبين له الحق الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فهنا لا يجوز له تقليد من قال خلاف ذلك بلا نزاع". [الفتاوى (19/261)].
قلت: وتبين الحق لا يشترط أن يكون عن وجود نص صريح من الكتاب والسنة، أو عن طريق الإجماع، بل يشمل طرق الاجتهاد والاستنباط المعتبرة كلها، وهى المراد.
وقال الماوردي، رحمه الله: "فالقاضي - ومثله، بل أولى منه الإمام - مأمور بالمشاورة في أحكامه وقضاياه، وهي ضربان:
الضرب الأول: ظاهر جلي، قد حصل الاتفاق فيه، وانعقد الإجماع عليه، فلا يحتاج في مثل هذا إلى مشاورة.
والضرب الثاني: نوازل حادثة، لم يتقدم فيها قول لمتبوع، أو ما اختلف فيه العلماء من مسائل الاجتهاد، فهو الذي يؤمر بالمشاورة فيها، ليتنبه بمذاكرتهم ومناظرتهم على ما يجوز أن يخفى عليه، حتى يستوضح بهم طريق الاجتهاد، يحكم باجتهاده دون اجتهادهم.. وليس على أهل الشورى إذا خالفوه في حكمه أن يعارضوه، ولا يمنعوه منه إذا كان مسوغاً في الاجتهاد". [أدب القاضي (1/260ـ261)].
فإذا كان ولي الأمر لم يتمكن من الاجتهاد والاستدلال في المسألة التي دعا لها أهل الحل والعقد، لضيق وقت النازلة - مثلاً - فهل يجوز له أن يقلد غيره؟
بحث الآمدي رحمه الله في هذه المسألة، وذكر أقوال العلماء فيها، فقال: "فمنهم من لم يجز له تقليد أحد مطلقاً، ومنهم من أجاز له ذلك مطلقاً، ومنهم من أجاز له تقليد الصحابي فقط، ومنهم من أضاف إلى الصحابي التابعي، ومنهم من قال له: أن يقلد الأعلم منه".
ورجح الآمدي القول الأول، فقال: "وذهب القاضي أبو بكر وأكثر الفقهاء إلى منع تقليد العالم للعالم، سواء كان أعلم منه أو لم يكن، وهو المختار". [الإحكام في أصول الأحكام (4/177)].
وحكى ابن تيمية، رحمه الله، في المسألة ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن له أن يقلد من يرتضى علمه ودينه.
القول الثاني: ليس له التقليد بكل حال.
القول الثالث: أن له التقليد بكل حال.
واختار رحمه الله القول الأول، [الفتاوى (28/388)] والأقوال الثلاثة المذكورة شاملة لما ذكره الآمدي تقريباً.
وقال رحمه الله في موضع آخر: "ولكن هل يجوز مع قدرته على الاستدلال أن يقلد؟ هذا فيه قولان: فمذهب الشافعي وأحمد وغيرهما، لا يجوز وحكى عن محمد بن الحسن جوازه". [الفتاوى (19/261)].
وقد أفاض ابن القيم رحمه الله في الاستدلال على أن اتباع الصحابي واجب، ثم قال وهو يوضح أنواع المفتين: أحدهم العالم بكتاب الله وسنة رسوله وأقوال الصحابة، فهو المجتهد في أحكام النوازل، يقصد فيها موافقة الأدلة الشرعية حيث كانت، ولا ينافي اجتهاده تقليده لغيره أحياناً، فلا تجد أحداً من الأئمة، إلا وهو مقلد من هو أعلم منه في بعض الأحكام، وقد قال الشافعي، رحمه الله، ورضي عنه في موضع من الحج: قلته تقليداً لعطاء". [إعلام الموقعين (4/123)، (4/212)].
قلت: ونستخلص من هذه القاعدة أن المجتهد الذي يدعو إلى الشورى، قبل أن يتوصل باجتهاده إلى ما يظن أنه الصواب في الأمر، فيه ثلاثة أقوال شاملة:
القول الأول: لا يجوز له تقليد غيره مطلقاً.
والقول الثاني: يجوز مطلقاً.
والقول الثالث: يجوز في حال دون حال.
ويعلم من هذا عدم القول بوجوب تقليد المجتهد غيره، وإنما غاية ما في ذلك إنه يجوز له، عند الحاجة.
والذي يترتب على هذه القاعدة أن ولي الأمر المجتهد الذي في وسعه الوصول إلى معرفة الحكم باجتهاده، لا يلزم برأي أهل الشورى، لأن في ذلك إلزاماً له بالتقليد وهو لا يلزمه.
وجوب عمل ولي الأمر بما انعقد عليه الإجماع ولو كان أهل الشورى هم علماء المسلمين كلهم، بأن حضروا من كل أقطار الأرض، أو وجدت وسيلة الاتصال بهم ومعرفة آرائهم وحججهم، وأجمعوا كلهم على رأي واحد، لكان للقول بوجوب التزام ولي الأمر برأيهم وجه، وإن كان الإجماع لا يثبت مع مخالفته لهم، أما أن يلزم برأي أهل الشورى، ولو اتفقوا وهم عدد قليل بالنسبة لعلماء المسلمين المتفرقين في الأرض، ولا يعلم رأيهم ولا ما عندهم من الأدلة، فإن ذلك بعيد عن الحق، ولا دليل عليه من كتاب ولا سنة. والله تعالى أعلم.
ويدعم الاستدلال بهذه القاعدة، أن العلماء اشترطوا في الإمام الذي ينصب خليفة للمسلمين العلمَ المؤدي إلى الاجتهاد في النوازل والأحكام، وبهذا يعلم عدم الفرق في حظر تقليد العالم المجتهد غيره فيما أداه إليه اجتهاده، بين الإمام وغيره من العلماء، كالقضاة. [راجع الأحكام السلطانية للماوردي ص6، ومجموع الفتاوى لابن تيمية (28/254)].
وقد نص على ذلك ابن قدامة، رحمه الله، فقال: "فإذا اتفق أمر مشكل شاورهم، فإن اتضح له الحق حكم به، وإن لم يتضح له أخره ولم يقلد غيره، ضاق الوقت أو اتسع، لأنه مجتهد فلم يقلد غيره". [الكافي (3/446ـ447) وسبق النص كاملاً..].
[s3]
القاعدة الثانية: تحمل ولي الأمر مسؤوليته في الدنيا والآخرة.
لقد تحمل ولي الأمر مسؤولية حقوق الأمة في عنقه، أمام تلك الأمة، ببيعتها إياه للقيام بمصالحها جلباً، وبمفاسدها دفعا،ً كما تحمل تلك المسؤولية أمام الله سبحانه وتعالى، لقبوله القيام بمصالح الإسلام والمسلمين، بصفته ولياً لأمرهم.
والذي يتحمل تلك المسؤولية عن أمته - أمام الله - يجب أن يعمل في مسؤوليته بما ترجح عنده أنه يرضي الله تعالى ويحقق المصلحة العامة للمسلمين، والله عز وجل يسأله عن علمه وعمله واجتهاده ونصحه لرعيته، ولا يسأله عن علم الناس، إلا إذا قصَّر في استطلاع ما عندهم، أو ترك علمهم بالحق واتبع هواه.
ولا يتحمل الناس عنه وزره يوم القيامة، وإن شاركوه في المسؤولية، وإذا كانوا قد اجتهدوا ووصلوا إلى ما أشاروا به، فإنهم مأجورون على اجتهادهم وإن أخطأوا.
ولكنه هو إذا ترك ما ترجح له أنه الحق وقلدهم بدون دليل، يكون آثماً في ترك ما أداه إليه اجتهاده، وإذا لم يجتهد فهو آثم في عدم اجتهاده، فإذا اجتهد وترجح في ظنه الأمر فقام به مخالفاً أهل الشورى، فإنه يؤجر على صوابه واجتهاده أجرين، وإذا أخطأ فإنه يؤجر على اجتهاده أجراً واحداً، ويغفر له ما أخطأ فيه بدون قصد، ما دام قد بذل الجهد في الوصول إلى الحق والصواب.
قال تعالى: {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (36) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37) أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (38) وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى}. [النجم: 36ـ41].
وروى ابن عمر، رضي الله عنهـما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام الذي على الناس راع عليهم، وهو مسؤول عنهم، والرجل راع في أهل بيته، وهو مسؤول عنهم، وامرأة الرجل راعية في بيت بعلها وولدها، وهى مسؤولة عنهم، وعبد الرجل راع على مال سيده وهو مسؤول عنه، ألا فكلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته). [البخاري (8/104) ومسلم (3/1459)].
وعلى هذا فإن ولي الأمر إذا اجتهد في أمر من مصالح رعيته، وترجح عنده العمل بما أداه إليه اجتهاده، ثم تركه مقلداً غيره فيما لم يترجح عنده، فقد أخلَّ بمسؤوليته، فلا يُلزَم برأي غيره، بل عليه أن يمضي رأيه، وأن يحاول إقناع رعيته بذلك، فإن لم يروا رأيه، لم يلزم برأيهم وإنما يعمل باجتهاده، لأنه مسؤول عنه.
[s3]
القاعدة الثالثة: وجوب طاعة ولي الأمر في الأمور الاجتهادية.
وذلك عكس ما يراه من يلزم ولي الأمر بنتيجة الشورى ولو كانت مخالفة لاجتهاده، وقد أمر الله سبحانه وتعالى بطاعته وطاعة رسوله، وطاعة أولي الأمر من المسلمين، وإمام المسلمين هو المسؤول الأول من أولي الأمر، بل هو ولي أمرهم كلهم.
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}. [النساء:59].
ودلت سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، أنه تجب طاعة ولي الأمر، ما لم يأمر بمعصية، كما في حديث ابن عمر، رضي الله عنهـما عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة)). [البخاري (8/105) ومسلم (3/1469)].
والمقصود هنا بيان أن ولي الأمر إذا رأى رأياً في أمر من الأمور الاجتهادية، التي لم يدل دليل من الكتاب والسنة والإجماع على خلاف رأيه، فإنه يجب على الرعية طاعته في ذلك الأمر، ولا يجوز لهم معارضته، لما في ذلك من شق العصا والخروج عن الطاعة المأمور بها، ولا تجوز معصيته إلا إذا أمر بمعصية الله سبحانه وتعالى.
ولا يقال: إن في طاعة أهل الحل والعقد تقليداً لولي الأمر، وقد يكون فيهم من هو مجتهد، لأن الطاعة في موارد الاجتهاد لا يلزم منها أن يكون المطيع مقلداً، وإنما هو ممتثلٌ الأمرَ الشرعيَّ بطاعة ولي الأمر في الأمور الاجتهادية، وإن خالف ذلك اجتهاد بعض الرعية.
[s3]
تقرير كثير من علماء المسلمين هذه القاعدة بوضوح تام.
قال النووي، رحمه الله: "أجمع العلماء على وجوبها ـ أي طاعة ولي الأمر ـ في غير معصية، وعلى تحريمها في المعصية، نقل الإجماع على هذا القاضي عياض وآخرون". [شرح النووي على مسلم (12/222)].
وقال الحافظ ابن حجر، رحمه الله: "وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه، وأن طاعته خير من الخروج عليه، لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء". [فتح الباري (13/7)].
وقال بدر الدين العيني، رحمه الله: "والأخبار الواردة بالسمع والطاعة للأئمة، ما لم يكن خلافاً لأمر الله تعالى ورسوله، فإذا كان خلاف ذلك، فغير جائز لأحد أن يطيع أحداً في معصية الله ورسوله، وبنحو ذلك قال عامة السلف". [عمدة القاري (24/224)].
وقال شارح العقيدة الطحاوية، رحمه الله: "وقد دلت نصوص الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة أن ولي الأمر، وإمام الصلاة، وأمير الحرب، وعامل الصدقة، يطاع في مواضع الاجتهاد، وليس عليه أن يطيع أتباعه في موارد الاجتهاد، بل عليهم طاعته في ذلك وترك رأيهم لرأيه، فإن مصلحة الجماعة والائتلاف ومفسدة الفرقة والاختلاف أعظم من أمر المسائل الجزئية". [شرح الطحاوي ص424 طبع المكتب الإسلامي، بيروت].
وإذا وجبت طاعته في موارد الاجتهاد التي لا معصية فيها، لم يجز إلزامه بما قرره أهل الشورى. فالشورى ليست ملزمة لولي الأمر الذي توافرت فيه الشروط التي قررها العلماء، إلا إذا كان أهل الشورى هم علماء المسلمين كلهم، وليسوا فئة منهم، فقد يقال: إنه يلزمه ترك رأيه لرأيهم على رأي من يرى أن خلاف الواحد لا يقدح في الإجماع، بل ينعقد الإجماع ولو خالف الواحد. [راجع المجموع وتكملته (10/38) مطبعة الإمام بمصر].
هذه هي القواعد الثلاث التي تدل على عدم إلزام ولي الأمر بالتنازل عن رأيه لرأي أهل الحل والعقد، ما دام قد بذل وسعه وهداه اجتهاده، إلى ما ترجح له أنه الصواب.
[s3]
سلوك السلف الصالح يؤيد ما دلت عليه القواعد المذكورة.
وقد أيد تلك القواعد، أي ما دلت عليه في هذا الباب، سلوك السلف الصالح وخلفائهم رضي الله عنهم.
والذي يظهر أن القول بعدم إلزام ولي الأمر بالشورى - إذا كان مستكملاً الشروط التي قررها العلماء في باب الخلافة - هو ما ذهب إليه السلف الصالح.
وقد دلت على ذلك حوادث، ولذلك أمثلة:
المثال الأول: موقف أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، من إنفاذ بعث جيش أسامة، بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم.
وخلاصة ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان قد عقد اللواء لأسامة لغزو الروم في جيش من الصحابة، رضي الله عنهم، وفيهم كبارهم، كأبي بكر وعمر، ولكنه مات صلى الله عليه وسلم، قبل أن ينفذ الجيش الذي خيم بالجرف [موضع في شمال غرب المدينة النبوية] فلما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، أراد أبو بكر إنفاذه.
فأشار عليه الناس أن يؤخره، لما علم من أن العرب قد ارتدوا عن الإسلام، وأصبح المسلمون في خطر، وهم في حاجة إلى بقاء هذا الجيش في هذا الظرف العصيب، فقال له أصحابه: "إن هؤلاء - أي جيش أسامة - جل المسلمين، والعرب على ما ترى قد انتقضت بك، وليس ينبغي لك أن تفرق عنك جماعة المسلمين.
فقال: والذي نفس أبي بكر بيده لو ظننت أن السباع تخطفني لأنفذت بعث أسامة، ولو لم يبق في القرى غيري لأنفذته".
وفي رواية: "والله لا أحل عقدة عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو أن الطير تخطفنا والسباع من حول المدينة، ولو أن الكلاب جرت بأرجل أمهات المؤمنين لأجهزن جيش أسامة". [البداية والنهاية لابن كثير (6/304)].
والذي يظهر أن أغلب الصحابة، وفيهم عمر وعثمان وأبو عبيدة وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وغيرهم، كانوا يرون عدم بعث جيش أسامة في ذلك الظرف الذي وصفته عائشة رضي الله عنهـا بقولها: "وصار أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كأنهم معزى مطيرة في حش في ليلة مطيرة بأرض مسبعة". [المرجع السابق (6/304ـ305)، وراجع حياة الصحابة (1/631) لمحمد يوسف الكاندهلوي].
ولم يلتفت أبو بكر رضي الله عنه وهو ولي أمر المسلمين لمشورتهم، وأمضى إنفاذ جيش أسامة رضي الله عنهم.
وقد يقول قائل: إن أبا بكر - هنا - لم يلتفت إلى مشورة أهل الحل والعقد، لأنه نفذ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، بدليل أنه قال: "لا أحل عقدة عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم".
والجواب: أن مشورة الصحابة لأبي بكر لم تكن في أصل بعث جيش أسامة، فإن ذلك أمر لا يمكن أن يخالف فيه أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما كانت المشورة من أجل تأخير وقت إنفاذه فقط، حتى تتغير الظروف الحرجة التي كانوا فيها، وكانوا يرون أن الضرورة تقتضى هذا التأخير.
وكان من كلامهم لأبي بكر: "يا خليفة رسول الله إن العرب قد انتقضت عليك من كل جانب، وإنك لا تصنع بتفريق هذا الجيش المنتشر شيئاً، اجعلهم عُدّة لأهل الردة، ترمي بهم في نحورهم، وأخرى، لا تأمن على أهل المدينة أن يغار عليها، وفيها الذراري والنساء، ولو تأخرت لغزو الروم حتى يضرب الإسلام بجرانه، ويعود أهل الردة إلى ما خرجوا منه أو يفنيهم السيف، ثم تبعث أسامة حينئذ". [حياة الصحابة (1/631ـ632)].
فهم متفقون على إنفاذ جيش أسامة، امتثالاً لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما الخلاف في وقت هذا الإنفاذ بسبب تغير الظروف، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر به وهو حي بين أظهرهم والمسلمون أقوياء، ولم تكن العرب ارتدت عن الإسلام، بخلاف الحال عند الخلاف، فقد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتدت العرب، وأصبح المسلمون يشعرون بالضعف ويخافون من غزو الأعداء.
فهذا يدل أن الشورى ليست ملزمة لولي الأمر، بدليل مضي أبي بكر في إنفاذ جيش أسامة، والتزام الصحابة برأيه وهو مخالف لرأيهم.
وقد يقال: إن الصحابة رضي الله عنهم اقتنعوا برأي أبي بكر، واقتناعهم بذلك هو الذي جعل الشورى غير ملزمة، والجواب أنهم إنما اقتنعوا بإصراره رضي الله عنه على ذلك وإصراره كان مخالفاً لرأيهم، فوجبت طاعته وإن لم يقتنعوا برأيه.
المثال الثاني: إصرار أبي بكر على حرب أهل الردة، وعدم التفاته إلى مشورة الصحابة رضي الله عنهم.
كما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: "لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر بعده، وكفر من كفر من العرب، قال عمر لأبي بكر: كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قالها عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله)؟.
فقال: "والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لقاتلتهم على منعه"، فقال عمر: "فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق". [البخاري (8/140ـ141) ومسلم (1/50ـ51].
والذي يظهر أن سبب الخلاف بين أبي بكر والصحابة، ليس هو ما ذكره عمر فقط من أن مانعي الزكاة يدخلون في القتال أو لا يدخلون، لأن الذين عزم أبو بكر على مقاتلتهم ليسوا مانعي الزكاة فقط، بل هم وغيرهم ممن ارتدوا عن الإسلام كلية، بل إن أهم سبب للخلاف، هو التأني في القتال حتى يتقوى المسلمون بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعدوا العدة لقتال المرتدين، وكان هذا هو رأي كبار الصحابة وأغلبهم.
فقد جمع أبو بكر رضي الله عنه المهاجرين والأنصار وقال: "إن هذه العرب قد منعوا شاتهم وبعيرهم، ورجعوا عن دينهم، وإن هذه العجم قد تواعدوا "نهاوند" ليجمعوا لقتالكم، وزعموا أن هذا الرجل الذي كنتم تُنصرون به قد مات، فأشيروا عليّ فما أنا إلا رجل منكم، وإني أثقلكم حملاً لهذه البلية".
فأطرقوا طويلاً، ثم تكلم عمر بن الخطاب فقال: "أرى والله يا خليفة رسول الله أن تقبل من العرب الصلاة وتدع لهم الزكاة، فإنهم حديثو عهد بجاهلية، لم يُعِدَّهم الإسلام [أي لم يزكهم التزكية الكاملة التي تدفعهم إلى طاعة الله ورسوله] فإما أن يردهم الله إلى خير، وإما أن يعز الله الإسلام فتقوى على قتالهم، فما لبقية المهاجرين والأنصار يدان للعرب والعجم قاطبة، فالتفت إلى عثمان رضي الله عنه، فقال مثل ذلك، وقال علي رضي الله عنه مثل ذلك، وتابعهم المهاجرون، ثم التفت إلى الأنصار فتابعوهم". [حياة الصحابة (1/641ـ642)].
وهذا النص يدل على المطلوب من وجوه:
الوجه الأول: أن الخلاف ليس في أصل أداء الزكاة، وإنما في تأجيلها أو عدمه، والذين طلبوا التأجيل عللوا ذلك بالضرورة، وهي ضعف المسلمين وكثرة العدو.
الوجه الثاني: أن الصحابة رضي الله عنهم - غير أبي بكر - كانوا يرون أنهم لا قدرة لهم على قتال العرب والعجم قاطبة، {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا }. [البقرة:286].
الوجه الثالث: أنهم كانوا يرون التريث إلى أن يعز الله الإسلام، فيقاتلوا أعداءهم وهم أقوياء.
الوجه الرابع: أن عامة الصحابة كانوا على خلاف رأي أبي بكر، ومع ذلك أصر على رأيه، فلما أصر على ذلك تابعوه على رأيه طاعة لله ورسوله ولولي الأمر.
والمقصود أن قتال العرب لم يكن لأجل الزكاة فقط - وإنما كان لتمردهم على الإسلام، إما بالارتداد عنه أو بمنع ما فرض الله أداءه، و قتال مانعي الزكاة فيه نصوص كثيرة من الكتاب والسنة. [راجع فتح الباري (12/277].
ولكن الوقت الذي عزم فيه أبو بكر على القتال، كان محلاً للاجتهاد في تحديد المصلحة أهي القتال في حينه أم تأجيله إلى أن يتقوى المسلمون؟ وهذه فيما يظهر هي محل النزاع، وقد أصر أبو بكر على رأيه، فاستجاب له الصحابة، وكانوا على خلاف رأيه، وكان في رأيه الخير والبركة للإسلام والمسلمين.
فوجه الاستدلال إذاً من قصة حرب الردة إصرار أبي بكر على المضي في الحرب، في وقت كان غالب الصحابة يرون عدم مناسبته للقتال، وتأكيد إصراره بالقسم على المضي مهما كلف الأمر من المشقات، وكون الصحابة اقتنعوا برأيه بعد ذلك، لا يطعن في هذا الاستدلال، إذ الظاهر من حال أبي بكر أنه لم يكن مستعداً للتنازل عن رأيه ولو لم يقتنعوا به.
وقد صرح بعض العلماء ـ تعليقاً على قصة أبي بكر هذه ـ أنه يستفاد منها أن يمضي ولي الأمر فيما أداه إليه اجتهاده، ولو خالفه غيره من المجتهدين.
فقد نقل الحافظ ابن حجر رحمه الله عن القاضي عياض ما يلي: "يستفاد من هذه القصة أن الحاكم إذا أداه اجتهاده في أمر لا نص فيه، إلى شيء تجب طاعته فيه، ولو اعتقد بعض المجتهدين خلافه، فإن صار ذلك المجتهد المعتقد خلافه، حاكماً وجب عليه العمل بما أداه إليه اجتهاده، وتسوغ له مخالفة الذي قبله في ذلك، لأن عمر أطاع أبا بكر فيما رأى من حق مانعي الزكاة، مع اعتقاده خلافه، ثم عمل في خلافته بما أداه إليه اجتهاده ووافقه أهل عصره من الصحابة وغيرهم". [فتح الباري (12/280)].
المثال الثالث: إصرار عمر رضي الله عنه على حبس أرض العراق والشام، ومتابعة الصحابة له، على الرغم من إصرار بعضهم على خلافه. [راجع المثال الثالث في المبحث الثالث من الفصل الثالث].
قلت: فالذي يؤخذ من تلك المواقف وهذه الأمثلة، أن الشورى غير ملزمة لولي الأمر المستكمل للشروط، وأن هذا الرأي هو رأي كثير من السلف رحمهم الله. [كتاب أصول الدعوة ص105ـ108طبع بغداد، الطبعة الثانية، ومحمود بابلي في كتاب الشورى صفحة 81 وغيرها طبع دار الإرشاد ـ بيروت].
وممن رجح ذلك من الكتاب المعاصرين الدكتور عبد الكريم زيدان وأكَّد ذلك في كتابه "المستفاد من قصص القرآن للدعوة والدعاة"، فقال: ويجب أن يعلم بأن مشاورة أميرهم لهم في شؤون الدعوة، وإن كانت واجبة عليه، ولكنها معلمة غير ملزمة، بمعنى أن واجب الأمير أن يشاور وليس عليه أن يأخذ برأي الأكثرية، فإذا شاور فقد خرج من عهدة هذا الواجب، واجب المشاورة.
أما بأي رأي يأخذ؟ فهذا متروك له، غير مقيد برأي الأكثرية.
ولا يحتجّ علينا بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان رأيه عدم الخروج للقاء العدو في أُحُد والبقاء في المدينة، لا يحتج علينا بهذا القول بأن الشورى ملزمة، أي على الأمير أن يأخذ برأي الأكثرية، لا يحتج علينا بهذا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم، هو رأى أن يأخذ برأي الأكثرية، وليس لأن رأي الأكثرية ملزم للأمير، وكلامنا في مدى التزام الأمير برأي الأكثرية وإلزامه بهذا الرأي، وليس كلامنا الأخذ برأي الأكثرية إذا رأى الأمير ذلك، وقد فصَّلنا القول في هذه المسألة في كتابنا أصول الدعوة".
ويبدو من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه يرى عدم الإلزام، فقد قال:
"وإن كان أمراً قد تنازع فيه المسلمون، فينبغي أن يستخرج من كل منهم رأيه ووجه رأيه، فأي الآراء كان أشبه بكتاب الله وسنة رسوله عمل به". [مجموع الفتاوى (28/387)].
[s3]
رأي الأكثر ملزم في اختيار خليفة للمسلمين:
ولكن يبدو أن رأي الأكثر يجب أن يكون ملزماً في اختيار خليفة المسلمين. والسبب في ذلك يرجع إلى عدة أمور:
الأمر الأول: عدم وجود ولي أمر للمسلمين وقت الشورى، حتى يقال له: أن يأخذ بما ترجح له، ويبت في الأمر، فأهل الحل والعقد هم أولو الأمر.
الأمر الثاني: أن الإجماع في هذا الأمر قد يصعب، لأن كثيراً من النفوس تتوق للوصول إليه، ولكل من يتوق إليه أعوان وأنصار، فإذا لم يكن للأكثر هنا حق اتخاذ القرار،كان في ذلك فتنة، وتأخير الأمر فيه ضرر على المسلمين.
الأمر الثالث: أن تأخر العدد القليل عن البيعة، لم يكن مؤثراً في انعقاد بيعة عامة الناس في عهد الصحابة رضي الله عنهم، كما تأخر علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن بيعة أبي بكر الصديق رضي الله عنه ستة أشهر، ثم بايع بعد ذلك بعد أن اعتذر لأبي بكر فعذره، ثم اجتمعا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام أبو بكر على المنبر فتشهد، وذكر شأن علي وتخلفه عن البيعة وعذره بالذي اعتذر إليه ثم استغفر.
وتشهد علي بن أبي طالب فعظم حق أبي بكر، وأنه لم يحمله على الذي صنع نفاسة على أبي بكر، ولا إنكاراً للذي فضله الله به، ولكنا كنا نرى لنا في الأمر نصيباً، فاستبدَّ علينا به، فوجدنا في أنفسنا، فَسُرَّ بذلك المسلمون، وقالوا: أصبت فكان المسلمون إلى علي قريباً حين راجع الأمر المعروف". [صحيح مسلم (3/1380ـ1381)].
وكذلك ما ذكر من تخلف بعض الصحابة وغيرهم عن بيعة علي رضي الله عنه بعد مقتل عثمان، ولم يؤثر تخلفهم في انعقاد الخلافة له. [راجع البداية والنهاية لابن كثير (7/225ـ226)].
الأمر الرابع: نص عمر بن الخطاب رضي الله عنه، على الأخذ برأي الأكثر، إذا اختلف الستة الذين جعل الشورى بينهم بعد وفاته، وإن تساووا، فضل الجانب الذي يوافق رأيه رأي عبد الرحمن بن عوف، وكان ذلك إشارة منه رضي الله عنه أن يقدم هؤلاء في رئاستهم في شوراهم عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم جميعاً.
كما روى ابن سعد بسنده عن أبي جعفر، قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأصحاب الشورى: "تشاوروا في أمركم، فإن كان اثنان واثنان فارجعوا في الشورى، وإن كان أربعة واثنان فخذوا صنف الأكثر". وفي رواية: "وإن اجتمع رأي ثلاثة وثلاثة، فاتبعوا صنف عبد الرحمن بن عوف واسمعوا وأطيعوا". [الطبقات (3/61)].
وليس لأحد أن يستدل بهذا النص على أن الشورى ملزمة للإمام الذي توافرت فيه شروط الإمامة، لأنه ورد في قضية اختيار الإمام في وقت لا يوجد فيه إمام، وهي قضية عين لا عموم لها، ويرد الاستدلال بذلك إصرار أبي بكر و عمر رضي الله عنهـما على آرائهما في القضايا التي وقعت في خلافتهما، وقد ذكرنا طرفاً منها.
المبحث الثاني: يلزم ولي الأمر العمل برأي أغلب أهل الحل والعقد.
وقد انتصر لهذا القول بعض الكتاب المعاصرين، فرأوا أن نتيجة الشورى ملزمة لولي الأمر إذا أيدها أكثر أهل الشورى، ومن هؤلاء الأستاذ عبد القادر عودة، رحمه الله.
[s3]
ما استدل به القائلون بهذا الرأي:
ولعل أقوى ما استدلوا به، استجابة الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه الذين أشاروا عليه بقتال المشركين خارج المدينة في غزوة أحد، وكان رأيه صلى الله عليه وسلم أن يبقى في المدينة للدفاع عنها، إذا هاجمه المشركون فيها.
ويأتي احتجاجهم بهذه الوقعة من وجهين:
الوجه الأول: أن أكثر الصحابة، رضي الله عنهم، كانوا يرون الخروج إلى أحد، والأقل كانوا يرون البقاء في المدينة، وعلى رأس هذا الأقل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الوجه الثاني: أن الرسول صلى الله عليه وسلم، تنازل عن رأيه لرأي الأكثر فخرج، وهو مبني على ثبوت الوجه الأول.
قال عبد القادر عودة رحمه الله: "ولقد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه السنة وعمل بها في حياته، واتبعها أصحابه بعد وفاته: عمل الرسول صلى الله عليه وسلم بهذه السنة، لما علم باستعداد قريش لغزوة أُحُد، وأنهم أقبلوا إلى المدينة ونزلوا قريباً من جبل أُحُد، فجمع عليه السلام أصحابه، واستشارهم أيخرج إليهم أم يمكث في المدينة؟
وكان رأيه أن لا يخرجوا من المدينة، وأن يتحصنوا بها، فإن دخلوها قاتلهم المسلمون على أفواه الأزقة، والنساء من فوق البيوت، ووافقه على هذا الرأي عبد الله ابن أبي وبعض الصحابة، ولكن جماعة الصحابة أشاروا بالخروج وألحوا عليه في ذلك.
فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، أول من وضع رأي الأكثرية موضع التنفيذ، إذ نهض من المجلس، فدخل بيته ولبس لأمته، وخرج عليهم ليقود الأقلية والأكثرية، إلى لقاء العدو خارج المدينة، وقد سارع الرسول صلى الله عليه وسلم بتنفيذ رأى الأغلبية، بالرغم من مخالفة رأيه الخاص الذي أظهرت الحوادث ـ فيما بعد ـ أنه كان الرأي الأحق بالإتباع". [التشريع الجنائي الإسلامي (1/38)].
[s3]
مناقشة الوجهين المذكورين.
ولا بد من مناقشة هذين الوجهين، ونلخِّص هذه المناقشة في الأمور الآتية:
الأمر الأول: أنني لم أجد في نصوص السيرة النبوية لفظ الأغلبية أو الأكثرية، أو الأغلب أو الأكثر، وإنما وردت - فيما قرأت - عبارات لا تدل على ذلك.
مثل: "فقال رجال من المسلمين". [السيرة النبوية لابن هشام (2/63) وراجع تفسير الآية 73آل عمران في الجامع لأحكام القرآن (4/279)].
ومثل: "فلم يزل الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين كان من أمرهم حب لقاء القوم". [نفس المصدر السابق].
ومثل: "وقد ندم الناس وقالوا: استكرهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم". [زاد المعاد (3/193)].
والناس قد يطلق على القليل والكثير بل قد يطلق على الواحد، كما في قوله تعالى: { الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ }الآية. [آل عمران: 173].
ومثل: "فبادر جماعة من فضلاء الصحابة، ممن فاته الخروج يوم بدر، وأشاروا عليه بالخروج وألحوا عليه في ذلك". [المصدر السابق، زاد المعاد].
ومثل: "فقال رجل ممن لم يشهد بدراً: يا رسول الله اخرج بنا إليهم فلنقاتلهم". [المصنف لعبد الرازق الصنعاني (5/363)].
ومثل: "وأبى كثير من الناس إلا الخروج إلى العدو". [البداية والنهاية لابن كثير (4/12ـ13)].
وهذه الألفاظ كلها لا تدل على معنى الأغلبية، الذي أطلقه الأستاذ عبد القادر عودة رحمه الله وغيره من الكتاب المعاصرين.
الأمر الثاني: أن الذي يبدو من دراسة السيرة بتأمل، هو أن الكثرة قد تكون هي التي كانت ترى البقاء في المدينة، وليست القلة.
وبيانه: أن عدد المسلمين الذين خرجوا إلى أحد، كان أقل من ألف، ونقل ابن كثير رحمه الله أن "عامة من أشار عليه بالخروج رجال لم يشهدوا بدراً". [البداية والنهاية (4/12)].
ومما لا شك فيه أن أهل بدر لا يمكن أن يتخلفوا عن الغزوة، إلا من كان ذا عذر قاهر، وهو قليل لو حصل، وعدد أهل بدر ثلاثمائة تقريباً، وعدد أصحاب عبد الله بن أبي ثلاثمائة تقريباً، ولا بد أن يكون أصحابه على رأيه، وكان رأيه أن لا يخرجوا إلى أحد.
وعلى هذا يكون عدد المطالبين بالخروج - على أكثر تقدير - أربعمائة، والذين يرون البقاء خمسمائة، وقد يزيد العدد وقد ينقص قليلاً، وقد يتساوى - من باب الاحتمال - فما الدليل على أن الأغلبية كانت تطالب بالخروج، والأقلية ترى عدمه؟
وقد يقال: لا يحتسب بأصحاب عبد الله بن أبي لأنهم منافقون لإطاعتهم إياه، ولكن هذا الإيراد غير سليم، فالأصل في المنافقين أن يعاملوا بحسب ظاهر أمرهم إلا ما دلَّ الدليل على إخراجه من هذا الأصل، ثم إن العدد الذي انسحب مع عبد الله بن أبي لم يعرف إلا بعد الانسحاب، أما قبل ذلك فكان محسوباً على المسلمين عند التشاور، لعدم التمييز بين المنافق وغيره.
تنبيه مهم..
وقد نبه الحافظ ابن حجر رحمه الله، في شرحه لحديث ابن عباس رضي الله عنهـما، في قصة إنكار عمر رضي الله عنه موت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتصديق كثير من الصحابة له واستبشارهم لقوله، ثم رجوع الناس إلى قول أبي بكر رضي الله عنه، على عدم الترجيح بمجرد الكثرة، لما قد يعتري ذلك من موانع..
وهذا نص الحديث:
عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهـما: "أن أبا بكر خرج وعمر بن الخطاب يكلم الناس، فقال: اجلس يا عمر، فأبى عمر أن يجلس، فأقبل الناس إليه وتركوا عمر، فقال أبو بكر: أما بعد فمن كان منكم يعبد محمداً صلى الله عليه وسلم، فان محمداً قد مات، ومن كان منكم يعبد الله فإن الله حيٌ لا يموت. قال الله: ? وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ?. [آل عمران:144].
وقال: والله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها منه الناس كلهم، فما أسمعُ بشراً من الناس إلا يتلوها.
فأخبرني سعيد بن المسيب أن عمر قال: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها، فعقرت حتى ما تقلني رجلاي، وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها، علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد مات". [صحيح البخاري (4/1618) رقم (4187) ويراجع أيضا (3/1341) ورقم (3467)].
قال الحافظ رحمه الله بعد كلام طويل على الحديث، وساق أحاديث أخرى في غير الصحيح: "وفي الحديث قوة جأش أبي بكر وكثرة علمه، وقد وافقه على ذلك العباس كما ذكرنا والمغيرة كما رواه بن سعد وابن أم مكتوم، كما في المغازي لأبي الأسود عن عروة، قال: إنه كان يتلو قوله تعالى: {إنك ميت وإنهم ميتون} والناس لا يلتفتون إليه، وكان أكثر الصحابة على خلاف ذلك.
فيؤخذ منه أن الأقل عدداً في الاجتهاد قد يصيب ويخطئ الأكثر فلا يتعين الترجيح بالأكثر ولا سيما إن ظهر أن بعضهم قلد بعضاً". [فتح الباري (8 /146)].
ثم قال الحافظ في موضع آخر، وهو يشرح حديث ابن عباس الذي تقدم ذكره رواه الشيخان، وغيرهما. [البخاري (7/21) ومسلم (4/1740ـ1741)]. في قصة استشارة عمر رضي الله عنه، الصحابة في الإقدام بهم على الطاعون الذي انتشر في الشام، أو عدم الإقدام، حيث قال الحافظ رحمه الله:
"وفيه الترجيح بالأكثر عدداً والأكثر تجربة، لرجوع عمر لقول مشيخة قريش مع ما انضم إليهم ممن وافق رأيهم من المهاجرين والأنصار، فإن مجموع ذلك أكثر من عدد من خالفه من كل من المهاجرين والأنصار، ووازن ما عند الذين خالفوا ذلك من مزيد الفضل في العلم والدين، ما عند المشيخة من السن والتجارب، فلما تعادلوا من هذه الحيثية رجح بالكثرة". [فتح الباري (10/190)].
ولقد أجاد الحافظ رحمه الله، الاستنباط من هذا الحديث، حيث جمع المهاجرين والأنصار الذين رأوا عدم الإقدام، ورأي مشيخة قريش الذين اتفقوا على هذا الرأي، فجعلهم أكثرية، ثم لم يرجح بتلك الكثرة وحدها، بل بمرجحات أخرى زائدة على الكثرة، وهي ما عند "مشيخة قريش من السن والتجارب" ومما يدل على أن ابن حجر لا يرجح بمجرد الأكثرية، ما سبق قريباً من قوله: "فيؤخذ منه أن الأقل عدداً في الاجتهاد قد يصيب ويخطئ الأكثر فلا يتعين الترجيح بالأكثر، ولا سيما إن ظهر أن بعضهم قلد بعضاً" فليتنبه لذلك...
الأمر الثالث: عدم وجود دليل على أن تنازل الرسول صلى الله عليه وسلم كان واجباً عليه من أجل إمضاء رأي الأغلب، بل قد يكون ذلك بوحي من الله تعالى لحكمة يعلمها الله، وقد ظهرت حكم كثيرة في الدروس والعبر التي حصلت في هذه الغزوة. [راجع زاد المعاد (3/211)].
ولعل من تلك الحكم تشجيع الرسول صلى الله عليه وسلم المسارعين إلى الجهاد في سبيل الله الذين ألحوا عليه طلباً للشهادة، وكشف ذوي النفاق ومرضى القلوب الذين لا يكشف عُوارَهم شيءٌ مثلُ الجهاد في سبيل الله ببذل النفس والنفيس.
ومما يدل على أن خروجه صلى الله عليه وسلم كان وراءه حكم، أنه صلى الله عليه وسلم - بعد أن لبس سلاحه – قال له أصحابه الذين ألحوا عليه في الخروج: "يا رسول الله استكرهناك ولم يكن ذلك لنا، فإن شئت فاقعد، صلى الله عليك".
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما ينبغي لنبي، إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل)). وفي رواية: ((حتى يحكم الله بينه وبين عدوه)) [السيرة النبوية لابن هشام (2/63) قال محقق زاد المعاد ـ شعيب الأرناؤوط ـ أخرجه ابن هشام.. مرسلاً، وعلق البخاري بعضه وأخرجه بتمامه، وبنحوه أحمد (3/351) والدارمي (2/129ـ130) موصولاً من طريق أبي الزبير عن جابر ورجاله ثقات، وله شاهد من حديث ابن عباس عند الحاكم (2/128) وصححه ووافقه الذهبي. زاد المعاد (3/193)].
قلت: فقد أقر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه على قولهم: "استكرهناك، ولم يكن ذلك لنا" ومعنى ذلك أنه لم يتنازل لرأيهم لوجوب ذلك عليه، وإنما تنازل لحكمة أخرى ولو كان ذلك التنازل حقاً لهم، لما أقرهم على قولهم: "ولم يكن ذلك لنا" ولقال لهم: " بل ذلك لكم لأنكم الأكثر".
[s3]
عدم وجوب ترك الرسول رأيه ولو خالفه جميع أصحابه
وقد قرر بعض العلماء عدم وجوب ترك رأيه صلى الله عليه وسلم، لرأي من خالفه من الصحابة رضي الله عنهم.
قال أبو بكر أحمد بن علي الجصاص، رحمه الله: "فجائز حينئذ أن توافق آراؤهم رأي النبي صلى الله عليه وسلم، وجائز أن يوافق رأي بعضهم رأيه، وجائز أن يخالف رأي جميعهم، فيعمل صلى الله عليه وسلم حينئذ برأيه، ويكون فيه دلالة على أنهم لم يكونوا معنفين في اجتهادهم، بل كانوا مأجورين فيه لفعلهم ما أمروا به، ويكون عليهم حينئذٍ ترك آرائهم واتباع رأي النبي صلى الله عليه وسلم"(. [أحكام القرآن (12/41) وقوله: "لم يكونوا معنقين" الظاهر أن المراد به ليسوا متصلبين متشددين في ذلك. راجع القاموس وترتيب لسان العرب، والمصباح المنير ص432].
[s3]
شبهة مردودة
وهناك شبهة يوردها من يرون أن الشورى ملزمة لولي الأمر وهي: أن الشورى لا فائدة لها إذا لم تكن ملزمة، إذ يجمع ولي الأمر أهل الشورى فيجتهدون في النصح له ويبدون آراءهم، ثم يضرب بها عرض الحائط. [راجع كتاب الإسلام وأوضاعنا السياسية، لعبد القادر عودة ص162].
والجواب على ذلك: أن فوائد الشورى كثيرة، ولو لم تكن ملزمة
من ذلك: أن ولي الأمر قد يطلع على ما لم يكن يعلمه فيأخذ به.
ومن ذلك أنه قد يجد من الآراء والحجج ما يدعم رأيه، فيمضى فيه وهو مطمئن إلى ما أداه إليه اجتهاده.
ومنها إشعار أهل الحل والعقد بوجوب الاهتمام بالأمر، وتطييب نفوسهم بمشاورتهم، وقد يوفقهم الله للوصول إلى الحق بمشاورتهم تلك.
ومنها معرفتهم بما هو مقدم عليه ليعدوا لمعاونته العدة.
قال أبو الحسن الماوردي، رحمه الله: "والضرب الثاني نوازل حادثة لم يتقدم فيها قول المتبوع، أو ما اختلف فيه العلماء من مسائل الاجتهاد، فهو الذي يؤمر بالمشاورة فيها، ليتنبه بمذاكرتهم ومناظرتهم على ما يجوز أن يخفى عليه حتى يستوضح بهم طريق الاجتهاد، فيحكم باجتهاده دون اجتهادهم".
وقال ابن جرير رحمه الله: "وأما أمته فإنهم إذا تشاوروا، مستنين بفعله في ذلك على تصادق وتآخ للحق وإرادة جميعهم الصواب من غير ميل إلى هوى، ولا حيد عن هدى، فالله مسددهم وموفقهم". [جامع البيان عن تأويل آي القرآن (4/152ـ153)، راجع التفسير الكبير للفخر الرازي رحمه الله (9/66)].
والمقصود أنه لا يوجد دليل - فيما علمت - على وجوب التزام ولي الأمر برأي الأغلب، وأن فوائد الشورى كثيرة ولو لم يلتزم ولي الأمر بنتيجة الشورى.
وأن قصة استشارة الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه في الخروج إلى أُحُد، وتنازله عن رأيه فيها، لم يكن من أجل وجوب التنازل لرأي الأغلب كما أدعى ذلك القائلون بوجوب التزام ولي الأمر برأي الأغلب وإن خالف رأيه. والله أعلم.
المبحث الثالث: سبب القول بكل من المذهبين، وإمكان الجمع بينهما:
إن الذي يتأمل واقع السلف - ولاتهم وأهل الحل والعقد منهم - بما كان عندهم جميعاً من خوف لله وتقوى وعلم نافع، ومحبة الخير للإسلام والمسلمين، وما جد بعد ذلك من ضعف إيمان وقلة العلم، بل والجهل بأعظم أحكام الإسلام، من قبل أكثر ولاة أمور المسلمين، وضعف التقوى وقلة إرادة الخير للإسلام والمسلمين.
إن الذي يتأمل ذلك يظهر له أن ولاة أمر المسلمين في الماضي، كانت تتوافر فيهم شروط الولاية والخلافة، وأن ولاتهم في العصور المتأخرة فقدوا تلك الشروط أو أغلبها إلا من رحم ربك، وأصبح الذين يتولون أمور المسلمين يتولونها غصبا،ً وليس رضاً وطواعية في أغلب الشعوب الإسلامية، وأكثر من يتولون أمورهم متصفون بأضداد شروط الولاية العامة، من جهل، وظلم وخيانة، وضعف، واتخاذ بطانة سوء، واجتهاد في مصالح شخصية، وتفريط في حقوق الرعية، وغير ذلك من النقائص.
كما أن أكثرهم يقفون ضد الإسلام، بدلاً من نصره أو السكوت عنه على الأقل، وقد جلب أولئك الولاة الذين هذه صفاتهم، كوارث على شعوبهم من جميع الجوانب: الدينية، والاجتماعية، والفكرية، والسياسية، والاقتصادية، والعسكرية، وأصبح المسلمون بسبب ذلك في ذلٍّ وهوان، فقدوا عزَّتهم وقادهم أعداؤهم، وذلوا لشذاذ الآفاق وأراذل البشر من اليهود، كما هو وقع المسلمين اليوم.
وقد توجد جماعات إسلامية - يقترب بعضها إلى الإسلام أكثر من بعض - ولكنها لا قوة لها، وقد يكون قادتها أو قادة بعضها، ليس على المستوى الذي كان عليه قادة المسلمين في الماضي من فقه شرعي وقوة إيمان وورع.
إن المتأمل في واقع السلف في الماضي، وواقع المسلمين الآن، سواء على مستوى بعض الحكومات أم على مستوى الجماعات والأحزاب، يرى أن لكتاب العصر الحاضر في إلزام ولي الأمر وجهاً من الصواب، وأنه لا بد من أن توضع حدود وشروط لتدبير ولاة الأمر وقيادتهم لشعوبهم أو لجماعاتهم، حتى لا يستبدوا بالأمر دونهم، وليسوا أهلاً لذلك، وأن الظروف المعاصرة تحتاج إلى رأي جماعي يكون الصواب فيه أكثر من الخطأ.
فلقد نظر هؤلاء الكتاب إلى أسلوب الأخذ برأي الأغلب في بعض البلدان الأجنبية، وقارنوا بينه وبين الاستبداد الذي يُتَّبَع في أغلب الشعوب الإسلامية، فوجدوا أن أسلوب الأخذ بالرأي الأغلب أنفع وأقل ضرراً من الاستبداد.
وعندما رجعوا إلى المصادر الإسلامية، وجدوا ذلك القلب الرؤوف الرحيم، وذلك العقل العظيم والخلق الفاضل، الذي فُسِّر به القرآن الكريم، قدوة حسنة للناس، وجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر من مشاورة أصحابه ويستجيب لرأيهم في بعض الأحيان وفي بعض الأمور التي هي محل للاجتهاد.
ووجدوا بعض الألفاظ التي فيها نوع احتمال لما ذهبوا إليه، فقرروا تلك القاعدة:
وهي إن الشورى إذا صدرت عن أغلب أهلها تكون ملزمة لولي الأمر، وهدفهم من ذلك تقييد سلطة ولي الأمر الذي لا تتوافر فيه شروط الولاية والإمارة، حتى لا يشتط ويخرج عن الحدود المقررة له.
ولا شك في رجحان ما ذهبوا له في هذه العصور المتأخرة التي اغتصبت فيها أمور المسلمين، واستبد بها المستبدون، حتى لم تبق ضرورة من ضرورات الحياة، إلا تعرضت للاعتداء والانتهاك.
ولو أن الكتاب المعاصرين قيدوا هذا الحكم وهو كون الشورى ملزمة بظروف المسلمين المعاصرة، وما أشبهها حيث لا يكون معظم ولاة الأمور متصفين بالصفات التي كان يتصف بها ولاة الأمور في السابق، لو أنهم قيدوا الحكم بذلك، لما كان للاعتراض عليهم وجه، ولكنهم أطلقوا ذلك وجعلوه قاعدة، فاقتضى التحقيق بيان الحق فيه.
وقد نبه على ذلك الدكتور عبد الكريم زيدان في كتابه: "مجموعة بحوث فقهية". [وهو فيما يبدو من تاريخ مقدمته "1395هـ" متأخر عن كتابه "أصول الدعوة" الذي كانت طبعته الأولى سنة 1388هـ]
وهو من الذين يرون أن نتيجة الشورى ليست ملزمة لولي الأمر - في الأصل - فقال: "الرأي الثالث (وهو الأخذ برأي رئيس الدولة مطلقاً) قوي سديد من الناحية النظرية، ولكن لضرورات الواقع، وتغير النفوس ورقة الدين وضعف الإيمان، وندرة الأكفاء الملهمين كل هذا يقتضينا أن نأخذ بالرأي الثاني (وهو الأخذ برأي الأكثرية) فنلزم رئيس الدولة برأي الأكثرية". [المرجع المذكور ص106ـ108].
ولما كان يرى – في الأصل – عدم إلزام ولي الأمر برأي الأكثرية، ولما يعلم بما في إلزامه من مشكلات قد تحدث بينه وبين رعيته، فقد اقترح ثلاثة شروط لإلزامه برأي الأكثرية:
الشرط الأول: أن يعطي ولي الأمر الحق في إحالة الأمر المختلف فيه إلى هيئة تحكيم يتفقون عليها.
الشرط الثاني: أن يكون له الحق - إذا لم يقتنع برأي هيئة التحكيم - أن يجري استفتاءً عاماً في الموضوع المختلف فيه. فإن أيدته الأمة نفذ رأيه، وإن لم تؤيده بل أيدت رأي الأكثرية التزم به.
الشرط الثالث: أن يعطي حرية الرأي الذي يراه في الأمور الاستثنائية العاجلة، كحالة الحرب، أو حدوث خطر داهم يهدد سلامة البلاد دون تقيد برأي غيره. [المرجع السابق ص108].
قلت: هذه الشروط التي تضمنها هذا الحل، لا أرى مانعاً يمنع منها شرعاً، لأنها إذا اتفق عليها ولي الأمر وأهل الحل والعقد من رعيته عند بيعته، تصبح عقداً لازماً يجب الوفاء به، والأصل في العقود الإباحة، إلا ما دل دليل صحيح على حظره.
قال ابن تيمية رحمه الله: "وبالجملة فجميع ما ينفع الناس من الشروط، والعقود، والمحالفات في الأخوة وغيرها، ترد إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. فكل شرط يوافق الكتاب والسنة يوفَّى به: "ومن اشترط شرطاً ليس في كتاب الله، فهو باطل وإن كان مائة شرط، كتاب الله أحق وشرطه أوثق". [جزء من حديث عن عائشة، البخاري (3/127) ومسلم (2/1141ـ1142)].
إلى أن قال رحمه الله: "وكذا في شروط البيوع والهبات، والوقوف، والنذور، وعقود البيعة للأئمة، وعقود المشايخ، وعقود المتآخين، وعقود أهل الأنساب، والقبائل وأمثال ذلك، فإنه يجب على كل أحد أن يطيع الله ورسوله في كل شيء ويجتنب معصية الله ورسوله في كل شيء، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق". [مجموع الفتاوى (35/97) وراجع (38/386) منه].
فإذا تعاقد المسلمون في بيعتهم لولي الأمر على أن يلتزم برأي الأكثرية، أو بنصب محكمة علياً تحكم بينه وبينهم في الأمور المختلف فيها ويكون حكمها ملزماً للجميع، بشرط أن تكون أهلاً لذلك، فإن هذا العقد لا يخالف كتاباً ولا سنة ولا إجماعاً. بل فيه مصلحة واستيثاق للراعي والرعية.
وبهذا يجتنب المحظور الذي جعل بعض كتاب العصر يجزمون بأن حكم الأغلبية ملزم لولي الأمر، دون أن يقيدوا ذلك الحكم بظروف معينة، كأوضاع المسلمين الراهنة.
ولا يفوتنا مع ذلك أن نقول كلمة حق، وهي أن هذه الشروط لا يطمع في أن ينفذها غالب ولاة أمور المسلمين في كثير من الشعوب الإسلامية، بدليل أنهم لا يلتزمون لشعوبهم بتنفيذ قوانين وضعوها هم تحقق مصالحهم قبل غيرهم، فإذا رأوا أن مصلحتهم المتوهمة لا تتحقق بتلك القوانين في ظرف من الظروف احتالوا عليها بغيرها، إما بقوانين جديدة تنسخها، وإما بإعلان الأحكام العرفية وتعليق تلك القوانين.
فكيف يطمع فيهم أن ينفذوا شروطاً يعلمون أنها قد لا تحقق لهم مصالحهم المبنية على أهوائهم ؟!.
ومع ذلك يجب أن يحرص أهل الحل والعقد على الاستفادة من القوانين التي يضعها الحكام، فيما يحقق بعض المصالح ويدفع بعض المفاسد، لأن الضرورة تحتم عليهم تكثير المصالح وتقليل المفاسد حسب الإمكان.
وقد تكون هذه الشروط صالحة التطبيق على مستوى جماعات أو أحزاب أو نقابات، لاضطرارهم إليها، وهم أكثر تطبيقاً لها من الحكومات، كما هو واضح.