الشورى

المؤلفات | سياسة شرعية | 13 صفحة
صفحة 6 من 13 الفصل الثالث: ما تجري فيه الشورى

الفصل الثالث: ما تجري فيه الشورى

الفصل الثالث: ما تجري فيه الشورى

وفي هذا الفصل ثلاثة مباحث:

المبحث الأول : ما تجري فيه مشاورة الرسول صلى الله عليه وسلم.
المبحث الثاني : ما تجري فيه مشاورة خلفائه من بعده.
المبحث الثالث : أمثلة لبعض ما جرت فيه الشورى في عهد الخلفاء.

المبحث الأول: ما تجري فيه مشاورة الرسول صلى الله عليه وسلم:

إن الواجب على ولي الأمر أن يعمل بما ظهر له من كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز له العدول عن ذلك لرأيه أو لرأي غيره، ما دام حكم الله فيه واضحاً في أي أمر من الأمور.
أما ما لم يظهر له حكمه من كتاب الله ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن عليه أن يجتهد بنفسه للوصول إلى حكم الله تعالى، أو يستشير ذوي العلم والرأي في ذلك.
وقد اختلف أهل العلم فيما تجري فيه مشاورة الرسول صلى الله عليه وسلم:
فقال بعضهم: إنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يشاور أصحابه في الأحكام، وإنما كان يشاورهم في أمور الدنيا فقط.
وقال آخرون: بل كان يشاور أصحابه في الأمور التي لم يرد بها وحي إليه، سواء أكانت دنيوية أم أحكاماً، وقد شاور صلى الله عليه وسلم أصحابه في حكم الأسرى في بدر. [راجع تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (8/45ـ48)].
قال الحافظ ابن حجر، رحمه الله: "وقد اختلف في متعلق المشاورة، فقيل في كل شيء ليس فيه نص، وقيل في الأمر الدنيوي فقط، وقال المودودي: إنما كان يشاورهم في أمر الحرب مما ليس فيه حكم، لأن معرفة الحكم إنما تلتمس منه.
قال: ومن زعم أنه كان يشاورهم في الأحكام، فقد غفل غفلة عظيمة، وأما في غير الأحكام فربما رأى غيره أو سمع ما لم يسمعه أو يره، كما كان يستصحب الدليل في الطريق.
وقال غيره: اللفظ وإن كان عاماً، لكن المراد به الخصوص، للاتفاق على أنه لم يكن يشاورهم في فرائض الأحكام.
قلت: وفي هذا الإطلاق نظر، فقد أخرج الترمذي، وحسنه وصححه ابن حبان من حديث علي رضي الله عنه قال: لما نزلت: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمْ الرَّسُولَ } الآية. [المجادلة: 12].
قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه: ((ما ترى؟ دينار؟)) قلت: لا يطيقونه. قال: ((فنصف دينار؟)) قلت: لا يطيقونه، قال: ((فكم؟)) قلت: شعيرة، قال: ((إنك لزهيد)) فنزلت: {أأشفقتم} الآية [المجادلة:13]. قال: فبي خفف الله عن هذه الأمة. [الترمذي (5/406) وقال: هذا حديث حسن غريب، إنما نعرفه من هذا الوجه]. ففي هذا الحديث المشاورة في بعض الأحكام. [الفتح (13/340)].
قلت: الذي استشار فيه النبي صلى الله عليه وسلم علياً رضي الله عنه إن صح ليس في أصل الحكم، لأن الحكم نزل به القرآن، وإنما هو مقدار ما يقدمه من يناجى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصدقة، وهذا المقدار لا نص فيه كما ترى.
وقال أبو الحسن الماوردي، رحمه الله: "واختلفوا في استشارته في الدين والأحكام على حسب اختلافهم، هل كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجتهد رأيه فيه؟ فقال بعضهم: ما أستشار في الدين ولا في الأحكام، لأن الله تعالى يقول: {وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى}. [النجم: 3ـ4]. وهذا قول من زعم أنه لم يكن يجتهد رأيه فيها.
وقال آخرون: قد استشارهم في الدين والأحكام، فمنه ما شاورهم في علامة تكون لأوقات صلواتهم، فأشار بعضهم بالناقوس، فقال: ((ذلك مزمار النصارى)) وأشار بعضهم بالقَرْن، فقال: ((ذاك مزمار اليهود)) وأشار بعضهم بالنار، فقال: ((وما تصنعون بالنهار)) وأشار بعضهم بالراية، فقال: ((ما تصنعون بالليل)) حتى أخبره عبد الله بن زيد بما رآه في المنام من الأذان، فأخذ به وعمل عليه". [القصة في سنن أبي داود (1/335ـ336) ورؤيا عبد الله بن زيد في الترمذي (1/358) وقال: حديث عبد الله بن زيد حسن صحيح، وقصة الإشارة بتلك الآلات فيه أيضاً (1/362) من حديث ابن عمر، وقال: هذا حديث صحيح غريب من حديث ابن عمر، وقد أطال المحقق أحمد شاكر في تخريج الحديث، فارجع إليه إن شئت (1/360ـ362)].
ومعلوم أن هذه الاستشارة إنما كانت في الوسيلة التي تتخذ لإعلام المسلمين بدخول الوقت، وفي الوسائل المتخذة للوصول بها إلى تنفيذ العبادة سعة ما لم تخالف نصاً ثابتاً أو قاعدةً شرعية، وفرق بين وسيلة يتوصل بها إلى تنفيذ حكم وإحداث حكم لم يشرعه الله.
وشاور أصحابه في حد الزاني والسارق، فقالوا: الله ورسوله أعلم، فقال: ((هن فواحش، وفيهن عقوبات)) [الموطأ (1/167) قال المحقق: وهو حديث صحيح]. حتى أنزل الله فيهما ما أنزل، وهذا قول من جعل له اجتهاد رأيه فيها. [أدب القاضي (1/259ـ260)].
هذا فيما يتعلق برسول الله صلى الله عليه وسلم، والظاهر من هذه النصوص أنه صلى الله عليه وسلم كان يستشير في بعض الأمور الطارئة التي لم ينزل فيها حكم من الله تعالى، ومن ذلك استشارته علياً وأسامة رضي الله عنهـما، في فراق أهله في قصة الإفك، وهو أمر طارئ لم تعلم حقيقته. [راجع صحيح البخاري (8/162ـ163)، وراجع في جواز اجتهاد الرسول صلى الله عليه وسلم أو عدمه كتاب الإحكام في أصول الأحكام (4/187 وما بعدها) لسيف الدين علي بن أبي علي بن محمد الآمدي رحمه الله].

المبحث الثاني: ما جرت فيه مشاورة خلفائه من بعده:

إذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم، هو رسول الله إلى الأمة، وولي أمر المسلمين في حياته فإن خلفاءه من بعده هم أولياء أمورهم، والأصل في ولي الأمر العام، أن يكون مجتهداً وذا رأي وبصيرة. [راجع الأحكام السلطانية للماوردي ص6].
وإذا كان كذلك فانه يكون قادراً على استحضار حكم الله، في الأمر الوارد من كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أو إجماع الأمة أو القياس المستنبط من الكتاب والسنة، بإعطاء النظير المسكوت عنه حكم النظير المنصوص عليه.
وإذا لم يجد دليلاً باجتهاده هو، سأل غيره من أهل العلم، فقد يجد عند غيره ما غاب عنه، فإن لم يجد لجأ إلى مشاورة أهل الحل والعقد في ذلك، وهم العلماء والزعماء وذوو الاختصاص كما مضى.
وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يستشير أصحابه فيما لم ينزل عليه فيه شرع من الله، والوحي يتنـزل عليه، فإن غيره أولى بالمشاورة، لانقطاع الوحي بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وإن كان محفوظاً في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فانه قد يغيب عنه الدليل مهما بلغ من العلم، كما أنه قد ترد حوادث جديدة، لم تكن قد حدثت في الماضي، تحتاج إلى اجتهاد جديد، قد لا يوجد لها دليل واضح، فيحتاج إلى استنباط أو قياس، والناس يختلفون في ذلك اختلافاً كثيراً، فما يراه هذا دليلاً قد لا يراه الآخر كذلك، وإذا اجتمع المجتهدون وأصحاب الرأي، وتذاكروا في الأمر، فقد يصلون إلى حكم لا يصل إليه كل منهم إذ انفرد.
فالأمر الذي جرت فيه الشورى بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، هو ما لم يرد فيه نص من كتاب ولا سنة، ولا انعقد عليه إجماع ولا قياس جلي، أو وجد له دليل من تلك الأدلة، ولكنه يحتمل أكثر من معنى يحتاج إلى اجتهاد يعين الراجح منها، وهذا ما كان يحدث في عهد الخلفاء الراشدين وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال البخاري، رحمه الله: "وكانت الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم يستشيرون الأمناء من أهل العلم، في الأمور المباحة، ليأخذوا بأسهلها، فإذا وضح الكتاب أو السنة لم يتعدوه إلى غيره.. وكان القراء أصحاب مشورة عمر، كهولاً أو شباناً، وكان وقافاً عند كتاب الله عز وجل". [البخاري (8/162)].
وقال الحافظ، رحمه الله: "وقد ورد في استشارة الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم أخبار كثيرة: منها مشاورة أبي بكر رضي الله عنه في قتال أهل الردة.. وأخرج البيهقي بسند صحيح عن ميمون بن مهران، قال: كان أبو بكر الصديق إذا ورد عليه أمر، نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضي به قضى بينهم، وإن علمه من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى به، وإن لم يعلم خرج فسأل المسلمين عن السنة، فإن أعياه ذلك، دعا رؤوس المسلمين وعلماءهم واستشارهم، وأن عمر بن الخطاب كان يفعل ذلك". [الفتح (13/342)].
وقال أبو الحسن الماوردي، رحمه الله: "فأما غير رسول الله صلى الله عليه وسلم، من صحابته ومن بعدهم من سائر أمته، فمشاورتهم تعم في مصالح الدنيا وأحكام الدين، فما اختص منها بالدنيا ندب إليه عقلاً، وما اختص منها بالدين ندب إليه شرعاً". [أدب القاضي (1/260)].
وبهذا يظهر أن كل ما لم يرد به نص ولا إجماع أو أشكل أمره على ولي الأمر، فإنه يلجأ فيه إلى مشاورة أهل الحل والعقد، سواء كان يتعلق بشؤون الدنيا أو أحكام الدين - وإن كان في هذه خلاف بالنسبة للرسول صلى الله عليه وسلم كما مضى - فإنه لا خلاف فيه بعد وفاته، لحاجة الأمة إلى معرفة الحكم الذي لم يعد الوحي يتنزل به، كما كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

المبحث الثالث: أمثلة لبعض ما جرت فيه الشورى في عهد الخلفاء:

والأمثلة لما جرت فيه الشورى في عهد الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، ومن تبعهم كثيرة جداً يصعب استقصاؤها.
وقد اخترنا منها ثلاثة أمثلة:
أحدها يتعلق باختيار الخليفة، وفيه عدة وقائع.
والثاني يتعلق بالصحة العامة للمسلمين وما يشبه الحَجْر الصحي.
والثالث يتعلق بالمال العام.

[s3]
المثال الأول: اختيار الخليفة.
وهو أول حدث كبير واجه المسلمين بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وننقل في هذا الموضوع خطبة طويلة لعمر بن الخطاب، رضي الله عنه ألقاها أمام أصحابه، على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم - بعد أن بَلَغَه أن رجلاً قال: "إن بيعة أبي بكر كانت فلتة، وإنه عازم على مثل ذلك لرجل إذا مات عمر".
وقد روى القصة ابن عباس، رضي الله عنهـما، قال: " كنت أقرئ رجالاً من المهاجرين، منهم عبد الرحمن ابن عوف، فبينما أنا بمنزله بمنى، وهو عند عمر بن الخطاب، في آخر حجة حجها، إذ رجع إليَّ عبد الرحمن، فقال: لو رأيت رجلاً لقي أمير المؤمنين اليوم، فقال: يا أمير المؤمنين هل لك في فلان؟ يقول: لو قد مات عمر لقد بايعت فلاناً، فوالله ما كانت بيعة أبي بكر إلا فلتة فتمت، فغضب عمر، ثم قال: "إني إن شاء الله لقائم العشية في الناس فأحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمورهم".
قال عبد الرحمن: فقلت: "يا أمير المؤمنين، لا تفعل، فإن الموسم يجمع رعاء الناس وغوغاءهم، فإنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس، وأنا أخشى أن تقوم فتقول مقالة يطيرها عنك كل مطير، وأن لا يعوها وأن لا يضعوها على مواضيعها، فأمهل حتى تقدم المدينة، فإنها دار الهجرة والسنة، فتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس، فتقول ما قلت متمكناً، فيعي أهل العلم مقالتك ويضعونها على مواضعها".
فقال عمر رضي الله عنه: "أما والله إن شاء الله، لأقومن بذلك أول مقام أقومه بالمدينة".
قال ابن عباس: فقدمنا المدينة في عقب ذي الحجة، فلما كان يوم الجمعة عجلنا الرواح حين زاغت الشمس.. فلم أنشب أن خرج عمر بن الخطاب.. فجلس على المنبر، فلما سكت المؤذنون قام فأثنى على الله بما هو أهله.
ثم قال: "أما بعد، فإني قائل لكم مقالة قدر لي أن أقولها، لا أدري لعلها بين يدي أجلي، فمن عقلها ووعاها، فليحدثن بها حيث انتهت به راحلته، ومن خشي أن لا يعقلها، فلا أحل لأحد أن يكذب عليْ.
إن الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحق، وأنزل عليه الكتاب.. ثم إنه بلغني أن قائلاً منكم يقول: والله لو مات عمر بايعت فلاناً، فلا يغترن امرؤ أن يقول: إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت، ألا وإنها قد كانت كذلك، ولكنَّ الله وقى شرها، وليس منكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر. من بايع رجلاً من غير مشورة من المسلمين، فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا.
وإنه قد كان من خبرنا حين توفى الله نبيه صلى الله عليه وسلم، أن الأنصار خالفونا، واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بنى ساعدة، وخالف عنا علي والزبير ومن معهما، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقلت لأبي بكر: انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، فانطلقنا نريدهم فلما دنونا منهم لقِيَنا رجلان منهم صالحان، فذكرا ما تمالأ عليه القوم، فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ فقلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار، فقالا: لا عليكم أن لا تقربوهم، اقضوا أمركم، فقلت: والله لنأتينهم، فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بنى ساعدة..
فلما جلسنا قليلاً، تشهد خطيبهم فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فنحن أنصار الله، وكتيبة الإسلام، وأنتم معشر المهاجرين رهط، وقد دفت دافة من قومكم، فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا، وأن يحضنونا من الأمر.
فلما سكت أردت أن أتكلم، وكنت زورت مقالة أعجبتني أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر، وكنت أداري منه بعض الحدة، فلما أردت أن أتكلم، قال أبو بكر: على رسلك، فكرهت أن أغضبه.
فتكلم أبو بكر، فكان هو أحلم منى وأوقر، والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري، إلا قال في بديهته مثلها أو أفضل حتى سكت، فقال: ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسباً وداراً، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين، فبايعوا أيهما شئتم، فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح، وهو جالس بيننا، فلم أكره مما قال غيرها، كان والله أن أقدم فتضرب عنقي، لا يقربني ذلك من إثم، أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر، اللهم إلا أن تسول إلي نفسي عند الموت شيئاً لا أجده الآن.
فقال قائل من الأنصار: أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب، منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش.
فكثر اللغط، وارتفعت الأصوات، حتى فرقت من الاختلاف فقلت: ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعته، وبايعه المهاجرون، ثم بايعه الأنصار..
قال عمر: إنا والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمرنا، من أمر أقوى من مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارقنا القوم، ولم تكن بيعة، أن يبايعوا رجلاً منهم بعدنا، فإما بايعناهم على ما لا نرضى، وإما نخالفهم، فيكون فساد، فمن يبايع رجلاً على غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرةَ أن يقتلا". [البخاري (8/25ـ28) والتغرة: مصدر غررته أي: خوف إيقاعهما في القتل].
[s3]
تعليقات على بعض ألفاظ الحديث:
في قول عبد الرحمن بن عوف لعمر: " فأمهل حتى تقدم المدينة، فإنها دار الهجرة والسنة، فتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس، فتقول ما قلت متمكناً، فيعي أهل العلم مقالتك ويضعونها على مواضعها" دليل أن أهل الفقه وأشراف الناس هم أهل الحل والعقد، وليسوا غوغاء الناس ورعاءهم الذين يفسح لهم المجال في هذا العصر ليكونوا هم أهل الحل والعقد في المجالس المسماة بالنيابية ونحوها..
الدافة: الجماعة، أي: جاءت جماعة.
يختزلونا أي: يقطعونا عن مرادنا.
يحضنونا أي: ينهونا عنه ويختصوا به.
زورت مقالة أي: هيأت كلاماً في نفسي.
الجذيل: تصغير الجذل، وهو عود ينصب للإبل الجرباء تحتك به فتستشفي أراد أنه جدير بحل الأزمة برأيه.
المحكك: الذي كثر به الاحتكاك حتى صار أملساً.
عذيق: تصغير عذق وهو النخلة.
المرجب: المسند بالرجبة، وهي خشبة ذات شعبتين، تسند النخلة بها إذا طالت وكثر حملها. والمعنى أني ذو رأي يستشفى به في الحوادث.
[s3]
ما يؤخذ من بيان عمر في قصة بيعة أبي بكر :
في هذا السياق لقصة بيعة أبي بكر رضي الله عنه في سقيفة بني ساعدة، أن إقامة الخليفة من الفرائض العاجلة التي لا يجوز تأخيرها، لما في ذلك من إيقاع الناس في حيرة، وما قد ينجم عنه من اختلاف وفوضى، وتقديم من يستحق التأخير في ولاية المسلمين.
وقد كانت هذه المحاورة الطويلة ورسول الله صلى الله عليه وسلم مسجى لم يدفن، وفيه أن هذا المنصب تتطلع إليه النفوس، ولو كانت قد تربت على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتتدخل فيه العصبيات، ولو كان ذلك في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفيه أن مبايعة أبي بكر رضي الله عنه، لم تكن عن إجماع من الصحابة في أول الأمر، وأن عمر إنما سارع ببيعته خشية من أن يبايع غيره ممن لا يستحق البيعة مع وجوده فتحصل فتنة، وتبعه على ذلك المهاجرون والأنصار الذين كانوا في السقيفة. [وسيأتي أن الناس بايعوه البيعة العامة في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم في اليوم الثاني].
وفيه غضب عمر رضي الله عنه من احتجاج ذلك الرجل بأن بيعة أبي بكر كانت فلتة، وأنه سيفعل مثل ذلك بعد موت عمر، فيبايع رجلاً كما بايع عمر أبا بكر، وقد اعترف عمر أنها كانت فلتة وقى الله شرها، وأن الأصل في البيعة أن تكون باتفاق أهل الحل والعقد، وإلا كانت اغتصاباً لأمر الناس.
[s3]
بيعة أبي بكر العامة في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم:
هذا وقد تدارك عمر رضي الله عنه تلك الفلتة التي احتج بها ذلك الرجل، في اليوم الثاني لوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث قام خطيباً ودعا إلى بيعة أبي بكر، فكانت البيعة العامة عند المنبر والتي لا مطعن فيها لأحد.
روى أنس بن مالك رضي الله عنه، أنه سمع خطبة عمر الآخرة حين جلس على المنبر، وذلك الغد من يوم توفي النبي صلى الله عليه وسلم، فتشهد وأبو بكر صامت لا يتكلم.
قال: "كنت أرجو أن يعيش رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى يدبرنا، يريد بذلك أن يكون آخرهم، فإن يك محمد صلى الله عليه وسلم قد مات، فإن الله تعالى قد جعل بين أظهركم نوراً تهتدون به، هدي الله محمداً صلى الله عليه وسلم.
وإن أبا بكر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثاني اثنين، فإنه أولى المسلمين بأموركم فقوموا فبايعوه، وكانت طائفة منهم قد بايعوه قبل ذلك في سقيفة بني ساعدة، وكانت بيعة العامة على المنبر.
قال الزهري: عن أنس بن مالك سمعت عمر يقول: لأبي بكر يومئذ: اصعد المنبر، فلم يزل به حتى صعد المنبر، فبايعه الناس عامة". [البخاري (8/126)].
وبهذا علم أن مبايعة أبي بكر رضي الله عنه في السقيفة لم تكن الشورى فيها تامة، وإنما تمت الشورى في المسجد، حيث كانت البيعة عامة، وأنه لا يجوز للعدد القليل من أهل الحل والعقد أن يسارع إلى مبايعة رجل على المسلمين بدون مشورة منهم، محتجاً بما حصل في السقيفة، وأن من فعل ذلك يعد مغتصباً لأمر المسلمين.
قال الحافظ ابن حجر، رحمه الله: "وفيه إشارة - أي في قول عمر: وليس فيكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر - إلى التحذير من المسارعة إلى مثل ذلك، حيث لا يكون هناك مثل أبي بكر لما اجتمع فيه من الصفات المحمودة، من قيامه في أمر الله، ولين جانبه للمسلمين، وحسن خلقه، ومعرفته بالسياسة، وورعه التام، فمن لا يوجد فيه مثل صفاته لا يؤمن من مبايعته عن غير مشورة الاختلاف الذي ينشأ عنه الشر". [فتح الباري (12/150)].
[s3]
استخلاف أبي بكر لعمر كان بمشورة المسلمين وموافقتهم:
ولما مرض أبو بكر، رضي الله عنه مرض الوفاة، عهد بالخلافة في كتاب كتبه عثمان رضي الله عنه، إلى عمر بن الخطاب، وقرأ خطابه على المسلمين، فأقروا له بالسمع والطاعة. [البداية والنهاية لابن كثير (7/18)].
ولكنه رضي الله عنه لم يكتب بعهده إلى عمر، إلا بعد أن شاور بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد أن قرأ كتابه على الناس، أشرف عليهم وسألهم إن كانوا راضين باستخلافه عمر، فأجابوه بالسمع والطاعة.
قال ابن الأثير، رحمه الله: "لما نزل بأبي بكر، رضي الله عنه الموت، دعا عبد الرحمن بن عوف، فقال: أخبرني عن عمر؟ فقال: إنه أفضل من رأيك، إلا أنه فيه غلظة، فقال أبو بكر: ذلك، لأنه يراني رقيقاً، ولو أفضي الأمر إليه لترك كثيراً مما هو عليه، وقد رمقته فكنت إذا غضبت على رجل أراني الرضاء عنه، وإذا لنت له أراني الشدة عليه.
ودعا عثمان بن عفان، وقال: أخبرني عن عمر؟ فقال: سريرته خير من علانيته، وليس فينا مثله، فقال أبو بكر لهما: لا تذكرا مما قلت لكما شيئاً، ولو تركته ما عدوت عثمان، والخيرة له أن لا يلي من أموركم شيئاً، ولوددت أنى كنت من أموركم خلوا، وكنت فيمن مضى من سلفكم.
ودخل طلحة بن عبيد الله على أبي بكر، فقال: استخلفت على الناس عمر، وقد رأيت ما يلقى الناس منه وأنت معه، وكيف إذا خلا بهم، وأنت لاقٍ ربك فسائلك عن رعيتك؟ فقال أبو بكر: أجلسوني، فأجلسوه، فقال: أبالله تخوفني؟ إذا لقيت ربي فسألني، قلت: استخلفت على أهلك خيرَ أهلك.
ثم إن أبا بكر أحضر عثمان بن عفان خالياً، ليكتب عهد عمر، فقال له: اكتب باسم الله.. فلما كتب العهد، أمر به أن يقرأ على الناس، فجمعهم وأرسل الكتاب مع مولى له، ومعه عمر، فكان عمر يقول للناس: أنصتوا واسمعوا لخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه لم يألُكم نصحاً، فسكن الناس، فلما قرئ عليهم الكتاب سمعوا وأطاعوا.
وكان أبو بكر أشرف على الناس، وقال: أترضون بمن استخلفت عليكم؟ فإني ما استخلفت عليكم ذا قرابة، وإني استخلفت عليكم عمر، فاسمعوا له وأطيعوا، فإني والله ما ألوت من جهد الرأي، فقالوا: سمعنا وأطعنا" ثم أوصى عمر رضي الله عنه وصية بليغة بالناس بعده، وخوفه بالله". [الكامل في التاريخ (2/425) وما بعدها].
يتضح من ذلك أن أبا بكر رضي الله عنه شاور المسلمين في الخليفة بعده، وبدأ بأفضل القوم بعد عمر، ومنهم عثمان بن عفان، وسمع أبو بكر رأي الموافق والمخالف، ورد على من خالفه بالحجة المقنعة.
ولم يكتف بمشاورة القليل من كبار الصحابة، وكتابة العهد وقراءته على الناس، وإنما أشرف بنفسه ليعلم رضا الجماعة بعهده، حتى اطمأن إلى رضاهم وسمعهم وطاعتهم له.
فكان عهده رضي الله عنه بالخلافة لعمر، ترشيحاً له وتزكية، فقبلوا ترشيحه وتزكيته، ولو لم يقبلوا ذلك منه لما أجبرهم عليه هو، ولا قبل عمر أن يلي أمرهم وهم كارهون، وهو الذي قال: "إني إن شاء الله لقائم العشية في الناس فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمرهم" كما مضى قريباً.
وسيأتي أن هذا أسلوب من أساليب الشورى التي لم يحدها الشارع بنوع معين من الأساليب.
[s3]
أسلوب عمر في الاستخلاف:
ولما طعن عمر رضي الله عنه، طلب منه أصحابه أن يستخلف كما استخلف أبو بكر رضي الله عنه، فاتخذ أسلوباً آخر في الشورى لاختيار الخليفة من بعده، فاختار للناس ستة، توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ، كما قال عمر، وهم: علي وعثمان والزبير وطلحة وسعد وعبد الرحمن ابن عوف رضي الله عنهم، وقال: "ما أجد أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر".
وأوصى من استخلف بعده بالمهاجرين والأنصار وأهل الأمصار خيراً، وبأهل الذمة.
"فلما فرغ من دفنه اجتمع هؤلاء الرهط، فقال عبد الرحمن: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم، فقال الزبير: قد جعلت أمري إلى علي، فقال طلحة: قد جعلت أمري إلى عثمان، وقال سعد: قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن بن عوف.
فقال عبد الرحمن: أيكما تبرأ من هذا الأمر فنجعله إليه، والله عليه والإسلام لينظرن أفضلهم في نفسه؟ فأُسكت الشيخان، فقال عبد الرحمن: أفتجعلونه إلي، والله علي أن لا آلو عن أفضلكم؟ قالا: نعم.
فأخذ بيد أحدهما فقال: لك قرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقدم في الإسلام ما قد علمت، فالله عليك لئن أمَّرتك لتعدلن، ولئن أمَّرت عثمان لتسمعن ولتطيعن؟ ثم خلا بالآخر فقال مثل ذلك، فلما أخذ الميثاق، قال: ارفع يدك يا عثمان فبايعه، فبايع له علي، وولج أهل الدار فبايعوه". [البخاري (4/204)].
وهذه الرواية المختصرة هنا في كيفية بيعة عثمان رضي الله عنه، قد يظن من لا يعلم تفاصيلها أن المشاورة على اختيار الخليفة اقتصرت على هؤلاء الستة، والواقع أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، سهر ليالي وهو يستشير الناس، يخلوا بهم ويسألهم.
وقد فصَّل ذلك في رواية أخرى تدل على اجتهاده رضي الله عنه في الأمر، ثم مبايعة الناس عامة لعثمان رضي الله عنه: "فلما ولوا عبد الرحمن أمرهم، فمال الناس على عبد الرحمن حتى ما أرى أحداً من الناس يتبع أولئك الرهط، ولا يطأ عقبه، ومال الناس على عبد الرحمن يشاورونه تلك الليالي حتى إذا كانت الليلة التي أصبحنا منها فبايعنا عثمان.
قال المسوِّر: طرقني عبد الرحمن بعد هجع من الليل، فضرب الباب حتى استيقظت، فقال: أراك نائماً، فوالله ما اكتحلت هذه الليلة بكبير نوم، انطلق فادع الزبير وسعداً، فدعوتهما له، فشاورهما، ثم دعاني، فقال: ادع لي علياً، فدعوته، فناجاه حتى ابهارّ الليل، ثم قام علي من عنده وهو على طمع، وقد كان عبد الرحمن يخشى من علي شيئاً.
ثم قال: ادع لي عثمان، فدعوته، فناجاه حتى فرق بينهما المؤذن بالصبح، فلما صلى الصبح، واجتمع أولئك الرهط عند المنبر، فأرسل إلى من كان حاضراً من المهاجرين والأنصار، وأرسل إلى أمراء الأجناد، وكانوا وافوا تلك الحجة مع عمر، فلما اجتمعوا تشهد عبد الرحمن، ثم قال:
"أما بعد يا علي إني قد نظرت في أمر الناس، فلم أرهم يعدلون بعثمان، فلا تجعلن على نفسك سبيلاً، فقال: أبايعك على سنة الله ورسوله والخليفتين من بعده، فبايعه عبد الرحمن، وبايعه الناس: المهاجرون والأنصار وأمراء الأجناد والمسلمون". [البخاري (8/123)].
يتضح من هذا النص: أن الخليفة عمر رضي الله عنه، جعل الأمر إلى أفضل الموجودين من أصحابه، وهم النفر الستة، لعلمه بأنهم سيبذلون غاية جهدهم لجعل الخلافة في الرجل الأفضل كفاءة، وأن الستة قد اختصروا العدد حتى آل الأمر إلى واحد منهم يستشير الناس، بعد أن تنازل هو عن تولي هذا الأمر، وأنه قد بذل كل ما في وسعه وطاقته في مشاورة الناس، أفراداً وجماعات حتى علم رغبتهم.
ثم دعا كل من قدر على دعوته لحضور البيعة، وأعلن أمام الملأ أن الناس قد اختاروا عثمان رضي الله عنه فبايعه وبايع الناس من ارتضوه خليفة عليهم، ولو كان الناس لم يختاروا عثمان أثناء مشاورة عبد الرحمن إياهم، لردوا على عبد الرحمن قوله: فلم أرهم يعدلون بعثمان، فكانت بيعة عثمان عامة، وكان اختياره من أهل الحل والعقد الذين أمكن حضورهم من أهل المدينة وغيرها من البلدان الإسلامية.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "قال الطبري: لم يكن في أهل الإسلام أحد له المنزلة في الدين والهجرة والسابقة والعقل والعلم والمعرفة بالسياسة، ما للستة الذين جعل عمر الأمر شورى بينهم". وقال: "وفيه أن من أسند إليه ذلك يبذل وسعه في الاختيار ويهجر أهله وليله اهتماماً بما هو فيه حتى يكمله". [الفتح (13/198ـ199)].
هذا ما يتعلق باختيار الخلفاء الثلاثة: أبي بكر وعمر وعثمان.
أما علي رضي الله عنه. فقد كانت بيعته بعد مقتل عثمان في وقت فتنة، حاول التهرب منها، كما حاول غيره، ثم لما رآها تعينت عليه قبلها، فبايعه غالب الناس، وتأخر بعضهم، وقيل إن بعضهم بايعه خوفاً.
وعلى كل حال، فقد كان الناس يقولون: "لا يصلح لها إلا علي". [البداية والنهاية لابن كثير (7/226)].
هذا هو المثال الأول - تعددت حوادثه - مما جرت فيه الشورى بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو اختيار خليفته للمسلمين، وهو من أخطر أمورهم الداخلة تحت قوله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ }.

[s3]
المثال الثاني: عقد أول مؤتمر إسلامي للبحث في الحَجْر الصحي.
لقد خرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ببعض أصحابه، قاصداً الشام. وفي أثناء الطريق أُخبر بأن وباء الطاعون قد انتشر في الناس هناك، فلم يقدم ولم يعد بأصحابه، حتى عقد مؤتمراً كبيراً، أخذ أصحابه فيه يفدون إليه أفواجاً، بترتيب منه رضي الله عنه وعنهم، تشاور مع كل فوج على حدة، فإذا علم ما عندهم أمرهم بالخروج، ودعا غيرهم، حتى اطمأنت نفسه إلى رأي فعزم عليه.
وعندما راجعه بعض الصحابة معارضاً أخْذَه بذلك الرأي أسكته بالحُجة، وكان ذلك الرأي هو الصواب، الذي أيدته سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي عُلِمَتْ فيما بعد، وسر بذلك عمر أيما سرور.
وقد روى القصة بتمامها عبد الله بن عباس، رضي الله عنهـما، وهذا نصها:
"أن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، خرج إلى الشام، حتى إذا كان بسرغ لقيه أمراء الأجناد: أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه، فأخبروه أن الوباء قد وقع بأرض الشام، قال ابن عباس:
فقال عمر: ادع لي المهاجرين، فدعوتهم فاستشارهم، وأخبرهم أن الوباء قد وقع بالشام، فاختلفوا، فقال بعضهم: قد خرجنا لأمر ولا نرى أن ترجع عنه، وقال بعضهم: معك بقية الناس وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء، فقال: ارتفعوا عني.
قال: ادع لي الأنصار، فدعوتهم، فاستشارهم فسلكوا سبيل المهاجرين، واختلفوا كاختلافهم، فقال: ارتفعوا عني.
ثم قال: ادع لي من كان ههنا من مشيخة قريش، من مهاجرة الفتح، فدعوتهم، فلم يختلف منهم عليه رجلان، فقالوا: نرى أن ترجع بالناس ولا تقدمهم على هذا الوباء.
فنادى عمر في الناس: إني مصبح على ظهر فأصبحوا عليه.
قال أبو عبيدة بن الجراح: أفراراً من قدر الله ؟! فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة! نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو كان لك إبل هبطت وادياً له عدوتان: إحداهما خصبة، والأخرى جدبة أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله ؟!
قال: فجاء عبد الرحمن بن عوف، وكان متغيباً في بعض حاجته فقال: إن عندي في هذا علماً، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه) قال: فحمد الله عمر ثم انصرف. [البخاري (7/21) ومسلم (4/1740ـ1741)].
[s3]
ما يؤخذ من فوائد هذا المؤتمر التشاوري:
قلت: وفي مشاورة عمر رضي الله عنه أصحابه في هذه الحادثة فوائد:
الفائدة الأولى: حرص ولي الأمر على مصالح المسلمين العامة، وعدم إقدامه على اتخاذ قرار في شأن من شؤونهم الخطيرة منفرداً، لما في ذلك من المخاطرة بالمسلمين.
الفائدة الثانية: مشاورة كل من أمكن حضوره من أهل الحل والعقد، لما في ذلك من تمحيص الآراء، والوصول إلى رأي مفيد عن طريق قدح عقول كثيرة.
الفائدة الثالثة: جواز اجتماع ولي الأمر برعيته على فئات متجانسة، كما فعل عمر رضي الله عنه هنا، حيث قسمهم ثلاث فئات: فئة الأنصار، وفئة المهاجرين وفئة مشيخة قريش من مهاجرة الفتح؛ لأنه كلما كان العدد المتشاور أقل كان الحوار أوسع لسعة الوقت.
الفائدة الرابعة: الاستئناس برأي كبار السن ذوى الرأي والتجربة.
الفائدة الخامسة: الاستئناس بالرأي الموحد، كما استأنس عمر برأي مشيخة الفتح، لعدم اختلافهم، مع رأي من وافق رأيهم من الفريقين السابقين.
الفائدة السادسة: فتح الباب لمن أراد أن يستفسر لإزالة شبهة عنده، ولو كان ولي الأمر قد انتهى إلى الأخذ بأحد الآراء، لأن في إزالة الشبه من نفوس الرعية تأليفاً لقلوبهم واطمئناناً يجعلهم يشاركون إخوانهم في الرأي وتنفيذه، وهذا يخالف ما تسير عليه البرلمانات والأحزاب، حتى الإسلامية منها في هذا العصر
كما أنه ينبغي أن يكون عند ولي الأمر القدرة على إيراد الحجج المقنعة، ولكن ذلك لا يبيح لبعض أهل الحل والعقد أن يقفوا موقف المعارضة بعد أن تم التوصل للرأي الراجح من الشورى، وبعد عزم ولي الأمر على إنفاذه: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ}. [آل عمران: 159].
الفائدة السابعة: أن الله تعالى يوفق ولي الأمر ورعيته للصواب، إذا أخلصوا في مشاورتهم وقصدوا المصلحة العامة.
الفائدة الثامنة: أن أهل الشورى مهما كثروا، قد يغيب عنهم الدليل على المسألة من الكتاب أو السنة، ولو كانوا علماء مجتهدين مع وجود ذلك الدليل في واقع الأمر عند من غاب عن مجلسهم، كما هو واضح من تلك المناقشات الطويلة والإدلاء بالآراء من كل فئة دون ذكر دليل، ولو ذكر أحد منهم دليلاً لما كان هناك حاجة للمشاورة بعده، وقد جاء عبد الرحمن متأخراً فذكر لهم الدليل وكان موافقاً لما وفق الله عمر للأخذ به. ويؤخذ من هذا أنه ينبغي لولي الأمر أن يحرص على الإكثار من العلماء في مجلس شوراه، لما في ذلك من إمكان استحضار بعضهم الدليل نصاً يؤيد أحد الآراء المطروحة ويقطع الخلاف.
[s3]
المثال الثالث: المؤتمر الاقتصادي الذي عقده عمر لحبس الأرض المفتوحة عنوة
دلت آية الأنفال، وهى قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}، [الأنفال:41] أن ما غنمه المسلمون من الكفار بالقتال، يكون خمسه لله ولرسوله، وهذا الخمس يقسم في مصالح المسلمين العامة، وأن الأخماس الأربعة الباقية تقسم على المقاتلين الذين حضروا المعركة. [راجع الجامع لأحكام القرآن (8/10، 13)].
ودلت آيتا الحشر، وهما قوله تعالى: {وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}. [الحشر: 6ـ7] على أن ما منحه الله للمسلمين بدون قتال للكفار، فحكمه إلى الله ورسوله، يصرف في مصالح المسلمين العامة، ومنها الأصناف الأربعة المذكورة في الآية الثانية، على خلاف بين العلماء في كون آيتي الحشر محكمتين، أو منسوختين بآية الأنفال، والراجح أنهما محكمتان. [راجع في تفصيل ذلك الجامع لأحكام القرآن (8/1) وما بعدها، وبداية المجتهد (1/418، وما بعدها) وفتح الباري (6/224) وما بعدها، وعمدة القاري (15/44) وما بعدها..].
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم ما غنمه المسلمون من الكفار بالقتال بينهم، لا فرق بين المال المنقول وغير المنقول، كالأرض، ومن ذلك أرض خيبر، قسم ما غنم منها بالقتال، وعزل لنوائبه ما أخذ صلحاً. [راجع فتح الباري (6/225)].
ولكن عمر، رضي الله عنه، عندما فتح جنده بلاد فارس والروم، قسم ما عدا الأرضين بين الغانمين، ورأى أن يُبقِيَ الأرض حبساً على مصالح المسلمين العامة، يعمل فيها أهلها ويؤدون الخراج الذي تعود فائدته على الغانمين ومن جاء بعدهم، حتى لا يتوارثها الحاضرون، فيبقى من جاء بعدهم من المسلمين لا شيء لهم، مع الحاجة إلى سد الثغور، وكفالة اليتامى والأرامل وغيرهم، فأنزل الأرض المفتوحة عنوة منزلة الفيء.
وذكر الحافظ ابن حجر، رحمه الله نصاً يدل على أن معاذ بن جبل، هو الذي أشار إلى عمر بعدم قسمة الأرض، حتى تسع أول المسلمين وآخرهم، وأخذ عمر يستشير أصحابه، رضي الله عنهم، فاختلفوا في ذلك، وبالغ في المشاورة حتى اطمأن إلى عدم قسمة الأرض.
ويحسن نقل الوثيقة المتعلقة بهذا الأمر كاملة، لما فيها من بيان لكيفية المشاورة التي وقعت في هذا الأمر.
وقد رواها القاضي أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم، رحمه الله، فقال:
"وشاورهم في قسمة الأرض التي أفاء الله على المسلمين من أرض العراق والشام، فتكلم قوم فيها، وأرادوا أن يقسم لهم حقوقهم وما فتحوا، فقال عمر رضي الله عنه: فكيف بمن يأتي من المسلمين فيجدون الأرض بعلوجها، وقد اقتسمت وورثت عن الآباء وحيزت؟ ما هذا برأي".
فقال له عبد الرحمن بن عوف، رضي الله عنه: "فما الرأي؟ ما الأرض والعلوج إلا مما أفاء الله عليهم".
فقال عمر: "ما هو إلا كما تقول ولست أرى ذلك، والله لا يفتح بعدي بلد فيكون فيه كبير نيل، بل عسى أن يكون كلاً على المسلمين، فإذا قسمت أرض العراق بعلوجها، فما يسد به الثغور، وما يكون للذرية والأرامل بهذا البلد وبغيره من أرض الشام والعراق"؟
فأكثروا على عمر رضي الله عنه، وقالوا: "أتقف ما أفاء الله علينا بأسيافنا على قوم لم يحضروا ولم يشهدوا، ولأبناء القوم ولأبناء أبنائهم ولم يحضروا..؟!".
فكان عمر، رضي الله عنه، لا يزيد على أن يقول: "هذا رأيي".
قالوا: "فاستشر" قال: "فاستشار المهاجرين الأولين، فاختلفوا فأما عبد الرحمن بن عوف، رضي الله عنه، فكان رأيه أن تقسم لهم حقوقهم، ورأي عثمان وعلي وطلحة وابن عمر، رضي الله عنهم رأي عمر.
فأرسل إلى عشرة من الأنصار خمسة من الأوس، وخمسة من الخزرج، من كبرائهم وأشرافهم، فلما اجتمعوا حمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال:
"إني لم أزعجكم إلا لأن تشتركوا في أمانتي فيما حملت من أموركم، فإني واحد كأحدكم، وأنتم اليوم تقرون بالحق، خالفني من خالفني، ووافقني من وافقني، ولست أريد أن تتبعوا هذا الذي هواي، معكم من الله كتاب ينطق بالحق، فو الله لئن كنت نطقت بأمر ما أريد به إلا الحق".
قالوا: "قل نسمع يا أمير المؤمنين".
قال: "قد سمعتم كلام هؤلاء الذين زعموا أني أظلمهم حقوقهم، وإني أعوذ بالله أن أركب ظلماً، لئن كنت ظلمتهم شيئاً هو لهم وأعطيته غيرهم، لقد شقيت، ولكن رأيت أنه لم يبق شيء يفتح بعد أرض كسرى، وقد غنمنا الله أموالهم وأرضهم وعلوجهم، فقسمت ما غنموا من أموال بين أهله، وأخرجت الخمس فوجهته على وجهه وأنا في توجيهه، وقد رأيت أن أحبس الأرضين بعلوجها وأضع عليهم فيها الخراج، وفي رقابهم الجزية يؤدونها فتكون فيئاً للمسلمين: المقاتلة والذرية، ولمن يأتي بعدهم، أرأيتم هذه الثغور لا بد لها من رجال يلزمونها، أرأيتم هذه المدن العظام - كالشام والجزيرة والبصرة ومصر – لا بد لها من أن تشحن بالجيوش وإدرار العطاء عليهم، فمن أين يعطى هؤلاء إذا قسمت الأرضون والعلوج؟".
فقالوا جميعاً: "الرأي رأيك، فنعم ما قلت وما رأيت، إن لم تشحن هذه الثغور وهذه المدن بالرجال وتجري عليهم ما يتقوون به رجع أهل الكفر إلى مدنهم".
فقال: "قد بان لي الأمر، فمَن رجل له جزالة عقل يضع الأرض مواضعها، ويضع على العلوج ما يحتملون؟" فاجتمعوا له على عثمان بن حنيف، وقالوا: تبعثه إلى أهم ذلك، فإن له بصراً وعقلاً وتجربة، فأسرع إليه عمر فولاه مساحة أرض السواد، فأدت جباية سواد الكوفة قبل أن يموت عمر رضي الله عنه بعام، مائة ألف ألْف درهم".
ثم ذكر أبو يوسف، رحمه الله: أن أشد الناس على عمر في هذا المؤتمر الزبير بن العوام وبلال بن رباح، فقال عمر رضي الله عنه: "إذاً أترك من بعدكم من المسلمين لا شيء لهم، ثم قال: اللهم اكفني بلالاً وأصحابه" قال: فرأى المسلمون أن الطاعون الذي أصابهم بعمواس كان عن دعوة عمر". ورجح أبو يوسف رأي عمر رضي الله عنه.
والمقصود هنا أن الشورى جرت في الأرض التي فتحها المسلمون عنوة، وظاهر القرآن يدل أنها تقسم بين الغانمين، يوضح ذلك ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم بأرض خيبر التي قسمها بين الغانمين، وهذا ما تمسك به بلال وأصحابه رضي الله عنهم الذين عارضوا عمر، وتمسك عمر بما يترتب على قسمة الأرض من المفسدة، وهي: حرمان المحاويج من المسلمين وعدم وجود ما تسد به الثغور ويقوي به الجيش في المدن العظام، فرأى ذلك الرأي وأصر عليه وحاول الإقناع به، حتى أيده عليه غالب المستشارين، فأمضاه.
وقد يقال: إن عمر رضي الله عنه أجرى الشورى هنا فيما فيه نص، وهو خلاف ما تقرر من أنه ليس لولي الأمر إذا وُجِد نصٌ في المسألة أن يَعْدُوه بالشورى ولا بغيرها، والظاهر أن عمر رضي الله عنه لم يرد تعميم الحكم في كل الأراضي المغنومة أنها لا تقسم، وأنها تحبس مطلقاً.
وإنما أراد ذلك في أرض العراق والشام فقط، ليس لأن ذلك مباح لولي الأمر، وإنما هو للضرورة التي ذكرها وسوغ بها رأيه، والضرورة تقدر بقدرها، فهي شبيهة بالميتة المحرمة، يجوز للمضطر أن يأكل منها إذا لم يجد غيرها، فإذا وجد غيرها عاد حكمها إلى أصله وهو الحرمة، هذا هو الذي يظهر من حجج عمر رضي الله عنه، حيث تعمق في المعنى ومخالفوه بقوا على ظاهر النص.
وذكر أبو يوسف رحمه الله أن عمر رضي الله عنه احتج بآيات الفيء، ومعنى هذا أنه أنزل الأرض المغنومة منزلة الفيء، ولكن حواره في القصة يدل على أن الضرورة كانت محور احتجاجه، والله أعلم.
وفي صنيع عمر هذا ما يدل على عظم مسؤولية ولي أمر المسلمين عن مصالحهم العامة، الحاضرة منها والمستقبلة، وأن مسؤوليته شاملة لجيله الذي يعيش فيه وللأجيال القادمة بعده - وأنه فرض على ولاة أمور المسلمين، أن يحفظوا ثروات المسلمين ليشمل نفعها عصره والعصور الآتية له، وأن تقصير ولاة أمور المسلمين في حقوق الأجيال القادمة، كتقصيرهم في حقوق الأجيال الحاضرة، يعد خيانة لله ولرسوله وللمؤمنين.
وفيه أيضا مشاورة ولي الأمر رعيته في الأمور الإدارية، كتعيين الموظفين الأكفاء لوظائف معينة، فإن عمر، رضي الله عنه عندما اطمأن إلى رأيه في حبس أرض العراق والشام، استشار أصحابه فيمن يصلح لتولي الإشراف عليها وعلى العاملين فيها، فأشاروا إليه بعثمان بن حنيف، وبينوا له صفاته التي تؤهله لذلك، فولاه عمر رضي الله عنه.
وفي القصة نصح الرعية لولي أمرهم، بأن يستشير فيما يخالفونه فيه، واستجابة ولي الأمر لذلك، فقد استشار عمر في أول الأمر فخالفه عبد الرحمن وبلال ومن معهم، فلما أصر على رأيه وأصروا هم على رأيهم وحاول إقناعهم، قالوا له: استشر، ففعل.
والأمثلة لما جرت فيه الشورى بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم كثيرة جداً، وهى مبثوثة في كتب التفسير، وكتب الحديث وشروحها، وكتب الفقه، وكتب السياسة الشرعية، وكتب التاريخ وغيرها.
وقد ذكرت هنا ثلاثة أمثلة، كلها تتعلق بأمور المسلمين العامة، وأهمها المثال الأول الذي يعتبر أساساً لحياة المسلمين السياسية، وهو اختيار ولي الأمر، واشتمل هذا المثال على عدة حوادث سبق تفصيلها.
والمثال الثاني يتعلق ببعض شؤون الصحة وما يدخل في نطاقها من درء الأخطار عن الناس ووقايتهم مما يخشى عليهم ضرره.
والمثال الثالث يتعلق بحياتهم الاقتصادية، وهذه الأمور هي من المصالح العامة التي تهم المسلمين جميعاً.
وهناك أمثلة غيرها تتعلق بالشؤون العسكرية وغيرها، سيأتي ذكر شيء منها في الفصول القادمة في مواضعها المناسبة إن شاء الله تعالى.