الفصل الأول: لا غنى للناس عن الشورى
الفصل الأول: لا غنى للناس عن الشورى
وفيه تمهيد ومبحثان:
المبحث الأول : الشورى لا غنى عنها للبشرية.
المبحث الثاني : الشورى من أهم القواعد الإسلامية.
تمهيد:
المقصود بالشورى والتشاور والمشاورة، عرض أمرٍ مّا من الأمور التي تهم الفرد أو المجتمع على ذوى الرأي والخبرة، لدراسته وإبداء الآراء في شأنه، مع بيان الحجج لاستخراج الرأي الراجح من تلك الآراء.
والأمر الذي يعرض للتشاور فيه هو ما لم يظهر فيه وجه الصواب بدليله، وقد يكون وجه الصواب ظاهراً عند ولي الأمر، وليس بظاهر عند رعيته أو بعضهم، فيعرض الأمر عليهم ليحاورهم ويظهر لهم وجه الحق فيه، أو يعترضون عليه فيذكر لهم دليله ليقنعهم برأيه.
والمقصود بأهل الحل والعقد؛ أولوا الأمر من وجهاء المسلمين وأعيانهم، وعلى رأسهم العلماء والزعماء، وذوو الخبرة والاختصاص.
وسموا أهل الحل والعقد، لأنهم هم الذين يبرمون أمور الأمة ويربطونها، ويحكمون عليها بالقبول، أو الصحة أو البطلان والرد، ويقرونها أو يرفضونها.
والمراد بما لا نص فيه؛ ما لم يرد فيه دليل من الكتاب أو السنة أصلاً، أو ورد فيه دليل ولكنه لم يبين كيفيته أو كيفية تنفيذه، أو لم يرد فيه نص ولكنه ورد في نظيره، الذي يمكن أن يلحق به عن طريق الاجتهاد والتشاور.
المبحث الأول: بيان أن الشورى لا غنى عنها للبشرية
إن الناس كلهم في حاجة إلى المشاورة، بل قد تكون الحاجة إليها أقرب إلى الضرورة، لاختلاف عقولهم وخبراتهم وحاجة بعضهم إلى بعض، ولم يستغن الناس عن الشورى من قديم الزمان، وإن اختلفت أهدافهم وأساليبهم ووسائلهم.
فقد يكون الهدف من المشاورة عند قوم الخير العام لجميع المتشاورين ومن هم عنه مسؤولون، وقد يكون عند آخرين ما يتوهمون أنه من مصالحهم الخاصة، دون نظر إلى مصالح العامة، وقد تكون أسرية، وقد تكون جماعية، لشعب أو جماعة، أو حزب، وقد يطلب المرء من غيره أن يشير عليه بما يرى، وقد يشير المرء على غيره بما يرى بدون طلب منه.
وقد يجتمع العدد الذي يعنيه الأمر للمشاورة وإبداء الرأي والأخذ بالراجح، والذي يطالع التاريخ يجد أن المؤتمرات تعقد بين أبناء القبيلة الواحدة، إذا حزبهم الأمر للتشاور فيه، وبين قبيلة وقبيلة أخرى لحل مشكلاتهم، وبين زعيم دولة وأعيان رعيته للمشاورة فيما يهمهم شأنه، وبين رؤساء دول أو مندوبيهم كذلك، وقد تكون بين أحزاب أو أصحاب مهن معينة، كأصحاب الشركات أو المهندسين أو المحامين أو الصناع...وهكذا..
فقد دلَّ القرآن الكريم أن المجتمعات البشرية كانت تتشاور في شؤونها المهمة: يستشير زعيم القوم قومه، ويشير المحكومون إلى الحاكمين، بصرف النظر عن قصد المتشاورين الصواب أم غيره.
كما قال الله تعالى عن الملكة بلقيس، وهي تخاطب قومها البارزين، في شأن ما جاءها من نبي الله سليمان عليه السلام: {يَا أَيُّهَا المَلأ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ}. [النمل:32].
فقد كانت بلقيس وثنية تعبد هي وقومها الشمس، ولكن الظاهر من صنيعها أنها كانت تريد لقومها ما تعتقد أنه من الصالح العام، وأن استشارتهم كانت تقصد بها الوصول إلى ما فيه خيرهم، بدليل أنها آمنت بسليمان بعد ذلك. وقد استدل بالآية بعض العلماء على صحة المشاورة. [راجع الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (13/194)].
واجتمع مشركو قريش، للتشاور في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو من التشاور فيما يظن المتشاورون أنه من مصالحهم وإن أنزلوا به في واقع الأمر الضرر على صاحب الحق الذي لو اتبعوه لتحقق به ما فيه المصلحة الحقيقية لهم، وقد انتهى بهم الأمر إلى العزم على قتله صلى الله عليه وسلم.
وقد أشار الله تعالى إلى ذلك في قوله: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}. [الأنفال:30، وراجع السيرة النبوية لابن هشام (1/480ـ482)].
وتأمل ما قاله الحكيم الصيني "صون تزو" منذ ما يقارب ثلاثة آلاف سنة بالتاريخ الميلادي، وهو ينصح أهل الحل والعقد من قومه، بالتشاور في شأن الحرب:
"فعندما يجري التجنيد العسكري، لتأديب العابثين بحرمات البلد والأمة، فإن أهل الحل والربط في ساعات البت العسكري، لحاجات الدفاع أو حاجات الردع للعدو، يجتمعون في المعبد الديني من أجل الشورى، والبحث في صلاح الحكم القائم في البلد أو عدم صلاحه، ومدى ثقة الأمة بذلك العهد الحاكم، ثم يجري بحث أحوال الطقس وتقلباته في ذلك الفصل من مواسم السنة.
ثم يبحثون طبيعة الأرض وميادين القتال، وبعد مذاكرة هذه العوامل الثلاثة مذاكرة ودراسة دقيقة وافية، يجري اختيار القائد العسكري للحملة ومسؤولية الهجوم أو الردع". ["فن الحرب" الذي ترجمه من الإنجليزية إلى العربية عمر حليق، وفي هذا الكتاب معاني كثيرة قريبة الشبه بآداب الإسلام في الحرب ص77].
وإطلاق لفظ الشورى على تشاور غير المسلمين صحيح من حيث اللغة، أما من حيث الاصطلاح فللشورى معناها الخاص عند المسلمين؛ لأن هذا اللفظ مصطلح إسلامي خاص، كما سيأتي.
إن هذا الحكيم الصيني يدعو إلى اجتماع أهل الحل والعقد للتشاور في أمر الحرب، ويعيِّن مكان الاجتماع: "المعبد" ويضع جدول العمل – أي موضوعات البحث والتشاور ـ: "صلاح الحكم القائم في البلد أو عدم صلاحه" وهو أساس في مواجهة العدو والتغلب عليه، لأن الحكم الفاسد لا يقدر على الصمود في الحرب، ومناسبة الزمان وجو المعركة: "أحوال الطقس وتقلباته"..وصلاح مكان المعركة: "طبيعة الأرض وميادين القتال".. ثم بعد ذلك كله: "اختيار القائد" الجدير بالقيادة بسبب كفاءته.
وفي هذا النص دلالة واضحة على أن الأمم كانت تتشاور في أمورها، ذات البال والخطر.
وهذا النموذج الذي تضمنه نص، "صون تزو" مثل للمشورة التي ظاهرها إرادة الخير الذي يعود على أهل الحل والعقد بالنفع.
وهناك نموذج آخر مما قد يسمى بالمشاورة، وهو يمثل الاستبداد والخداع وعدم تنازل المسؤول عن رأيه، مهما كانت الشورى صادقة، ومهما كان أهلها مخلصين فيها.
وفي هذا المعنى يقول مكيافللى: "والأمير العاقل هو من يتبع سبيلاً ثالثاً، فيختار لمجلسه حكماء الرجال، ويسمح لهؤلاء وحدهم بالحرية في الحديث إليه ومجابهته بالحقائق، على أن تقتصر هذه الحرية على المواضيع التي يسألهم عنها ولا تتعداها، ولكن عليه أن يسألهم عن كل شيء، وأن يستمع إلى آرائهم، وأن يفكر في الموضوع بعد ذلك بطريقته الخاصة، ويتخذ قراراته التي لا يتراجع عنها..
ولهذا على الأمير أن يقبل النصيحة دائماً، ولكن عندما يريد هو، لا عندما يريد الآخرون.. ولهذا فإن النتيجة التي أصل إليها، هي أن المشورة الحكيمة حيثما جاءت، يجب أن تكون خاضعة لحكمة الأمير وتبصره، وألا يخضع تبصر الأمير للمشورات التي تقدم إليه مهما كانت صادقة". [الأمير، تعريب خيري حماد، ص153ـ155].
وكان "ميكافيلي" قد عاش ما بين 1469إلى 1532م وهو الزعيم الذي نشر قاعدة: "الغاية تسوغ الوسيلة"، وكتابه هذا مبني على تلك القاعدة الظالمة. [راجع على سبيل المثال ص114، "الكتاب" الغاية تسوغ الوسيلة..].
فهذا نموذج المستبدين الذين لا قيمة عندهم لحكماء رعاياهم وآرائهم، مهما كانت صادقة وحكيمة، بل يجعلون أنفسهم بمنزلة الأرباب التي تتعبد الناس وتنفذ فيهم ما تشاء هي، لا ما يشاؤون هم، بدون رجوع إلى أي قانون غير الأهواء.
وذاك ـ أي ما قاله، "صون تزو" ـ نموذج للصادقين الذين يريدون للأمة الخير والصالح العام، ويحترمون رأي حكمائها ومفكريها، وقواعد دينها، ويسعون لمصالحها بتطبيق قاعدة المشاورة، وكلا النموذجين غير إسلاميين ـ وإن اقترب أحدهما من قاعدة الشورى في الإسلام، وابتعد الآخر ـ والهدف من ذكرهما بيان أن المشاورة لا تستغني عنها الأمم في الجملة، وإن اختلف هدفها من أمة إلى أخرى.
وكان العرب في الجاهلية يقتتلون سنين طويلة، ثم يجتمعون اضطراراً ليقوم بالصلح بينهم بعض عقلائهم، وذلك لا يتم إلا بعد التشاور. [راجع العقد الفريد لابن عبد ربه (5/159)].
ولكن الشورى التي أُرسيت قواعدها العامة في الإسلام، لم يوجد لها نظير - فيما نعلم - في الماضي والحاضر، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله بياناً يتضح به سموها على سائر ما تعارف الناس عليه في ذلك، ولا غرو فالشورى في الإسلام قاعدة من قواعده، وحق لها أن تسمو على غيرها، كما سما الإسلام على سائر الأديان.
وقد يقترب حكمها من حكم الضرورات، التي قال عنها الإمام الشاطبي، رحمه الله: "فمعناها أنها لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم والرجوع بالخسران المبين". [الموافقات (2/بتحقيق الشيخ عبد الله دراز)].
المبحث الثاني: الشورى من أهم قواعد الإسلام ولا غنى لأهله عنها
إن الشورى في الإسلام قاعدة من قواعده التي إذا فقدت اختل نظام حكمه، ونزلت المصائب بأهله، وحلت في مجتمعهم الفوضى، وصار كل شيء في غير مكانه اللائق به، إنها من صفات المؤمنين التي لا غنى لهم عنها في حياتهم الدنيا، ولا غنى لهم كذلك عنها في الوصول إلى رضا ربهم، وقد كانت من القواعد التي أبرزها القرآن الكريم في عهده المكي، قبل أن تقوم للمسلمين دولة.
كما قال سبحانه وتعالى: {فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (36) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37) وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (38) وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ}. [الشورى: 36ـ39 وهي من السور المكية].
وقد ساق الإمام البخاري، رحمه الله عدة حوادث، استشار فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه، رضي الله عنهم، وذكر أن الأئمة بعده كانوا يستشيرون الأمناء من أهل العلم. [راجع صحيح البخاري (8/162ـ163) وفتح الباري (13/339)].
وقد أضيف الأمر، وهو مفرد، إلى الضمير، وهو معرفة، وإضافة المفرد إلى المعرفة تكسبه العموم، فكل أمر يحتاج إلى إبداء الرأي والمشورة داخل في ذلك.
وإنما كانت للشورى هذه المنزلة في الإسلام، لما فيها من الخير العائد إلى المسلمين، فهي توجِد بينهم الألفة، وتكون سبباً في الوصول إلى الحق والصواب، إما بإبداء الآراء وتمحيصها والخروج بالرأي الصائب منها بصفة جماعية، وإما باستحضار بعض المتشاورين دليلاً لأحد الآراء من الكتاب أو السنة يقنع به الآخرين.
هذا إضافة إلى ما يوجد عند بعضهم من الخبرة الطويلة والممارسة ذات الاختصاص التي لا يستغني عنها المسلمون، وإذا فقدوها خسروا خسارة عظيمة.
قال القرطبي، رحمه الله، في تفسير آيات الشورى هذه: "وقال ابن العربي: الشورى ألفة للجماعة، ومسبار للعقول وسبب إلى الصواب، وما تشاور قوم قط إلا هُدوا. وقد قال الحكيم:
[البيتان من قصيدة لبشار بن برد، انظر البيان والتبيين للجاحظ (4/49) مع اختلاف في بعض الألفاظ، والمراد بالخوافي ريش جناح الطير التي إذا ضم جناحه خفيت، والقوادم الريش الذي في مقدمة الجناح].
فمدح الله سبحانه وتعالى المشاورة في الأمور بمدح القوم الذين كانوا يمتثلون ذلك، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يشاور أصحابه في الآراء المتعلقة بمصالح الحروب، وذلك في الآراء كثير، ولم يكن يشاورهم فيما يفتي أو يقضي به، لأن ذلك شرع منزل من عند الله على جميع الأحكام من الفرض والندب والمباح والحرام.
فأما الصحابة بعد استئثار الله تعالى به علينا، فكانوا يتشاورون في الأحكام ويستنبطونها من الكتاب والسنة، وأول ما تشاور فيه الصحابة الخلافة، وتشاوروا في الجد وميراثه، وفي حد الخمر وعدده، وتشاوروا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحروب". [الجامع لأحكام القرآن (16/36ـ37)].
قلت: وكما مدح الله سبحانه وتعالى المؤمنين بالشورى وجعلها من صفاتهم الحميدة، فقد أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم، بمشاورتهم في أمرهم الذي يقتضي المشاورة، مما لا وحي فيه.
كما قال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}. [آل عمران: 159].
قال القرطبي، رحمه الله: "قال ابن عطية: والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، من لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب، هذا ما لا خلاف فيه، وقد مدح الله المؤمنين بقوله: {وأمرهم شورى بينهم}.
قال ابن خويز منداد: واجب على الولاة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون، وفيما أشكل عليهم من أمور الدين، ووجوه الجيش فيما يتعلق بالحرب، ووجوه الناس فيما يتعلق بالمصالح، ووجوه الكتاب والوزراء والعمال فيما يتعلق بمصالح البلاد وعمارتها.. والشورى بركة، قال عليه السلام: ((ما ندم من استشار، ولا خاب من استخار)).
وقال بعضهم: شاور من جرب الأمور، فإنما يعطيك من رأيه ما وقع عليه غالياً، وأنت تأخذه مجاناً. وقد جعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه الخلافة، وهي أعظم النوازل، شورى.
وقال سفيان الثوري: "ليكن أهل مشورتك أهل التقوى والأمانة ومن يخشى الله تعالى". [الجامع لأحكام القرآن (4/249)، تخريج حديث: ((ما ندم من استشار)) نسب السيوطي رحمه الله هذا الحديث للطبراني في الأوسط، ورمز له بحرف الحاء، أي أنه حديث حسن، وأن راويه أنس بن مالك وتعقبه المناوئ فقال: "قال الطبراني: لم يروه عن الحسن إلا عبد القدوس بن حبيب، تفرد به ولده، قال ابن حجر في التخريج: وعبد القدوس ضعيف جداً أ. هـ. وقال في الفتح: أخرجه الطبراني في الصغير بسند واهٍ جداً هذه عبارته. قال الهيثمي: رواه في الأوسط "من طريق عبد السلام بن عبد القدوس، وكلاهما ضعيف جداً". انظر فيض القدير في شرح الجامع الصغير (5/442ـ443) ولم يذكر الشيخ ناصر الألباني الحديث في صحيح الجامع الصغير].
وقد شاور الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه في البقاء في المدينة أو الخروج إلى أُحُد لقتال المشركين، فرأى بعضهم الخروج، ورأى هو وبعض كبار الصحابة البقاء، وكان على هذا الرأي رأس النفاق عبد الله بن أبي سلول، فاختار الرسول صلى الله عليه وسلم الخروج وعَدَل عن رأيه.
وذلك يدل على أن تربية أصحابه على الشورى والعمل بها أمر لا بد منه، وإن كان هو صلى الله عليه وسلم ولي أمرهم، ينزل عليه الوحي صباحاً ومساءً، ليسدده ويدله على مصالح أمته، فكيف بمن سواه من ولاة الأمور، الذين ليسوا بمعصومين من الجهل والخطأ والنسيان والظلم والهوى؟!
قال محمد رشيد رضا رحمه الله: "{وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ } العام الذي هو سياسة الأمة في الحرب والسلم، والخوف والأمن وغير ذلك من مصالحهم الدنيوية، أي دُمْ على المشاورة وواظب عليها، كما فعلت في الحرب في هذه الوقعة "وقعة أحد" وإن أخطأوا الرأي فيها، فإن الخير كل الخير في تربيتهم على المشاورة بالعمل، دون العمل برأي الرئيس وإن كان صواباً، لما في ذلك من النفع لهم في مستقبل حكومتهم، إن أقاموا هذا الركن العظيم..
فإن الجمهور أبعد عن الخطأ من الفرد في الأكثر، والخطر على الأمة في تفويض أمرها إلى الرجل الواحد أشد وأكبر". [المنار (4/199)].
وقوله: "دون العمل برأي الرئيس وإن كان صواباً" أي عند الرئيس، أما إذا ظهر صواب رأي الرئيس للأمة، فلا يجوز لهم ولا له العدول عنه ولا تركه، لأن تركه - عندئذٍ - يكون لمجرد الهوى، أما إذا كان صواباً عنده، ولم يظهر للرعية وجه الصواب فيه، وأصروا على خلافه، بناء على أن الصواب معهم وليس معه، فهذا هو الذي يمكن حِمل كلامه عليه. وسيأتي بسط القول فيه إن شاء الله عند الكلام على ما يلزم الإمام بعد الشورى.
ففي هاتين الآيتين: آية الشورى، وآية آل عمران، وما جاء في تفسيرهما، دلالة على وجوب مشاورة ولي الأمر ورعيته في أمورهم التي تحتاج إلى الشورى، فإذا ضُمَّ إلى ذلك النصوص الواردة في الشورى بغير لفظها، كوجوب التناصح والتآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر من القرآن الكريم، وما ورد من مداومة الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين، ومن تبعهم بإحسان على الشورى، تبين أن المسلمين لا يستغنون عنها، وأنها من الحاجيات التي تنزل منزلة الضروريات، إذ لا حياة آمنة للمسلمين بدونها.
وستأتي تلك النصوص في أماكنها من هذا الكتاب بإذن الله.
قال الإمام الشافعي رحمه الله: "باب المشاورة قال الشافعي قال الله تبارك وتعالى {وشاورهم في الأمر} أخبرنا الربيع، قال: أخبرنا الشافعي، قال، أخبرنا ابن عيينة عن الزهري، قَال، قال أبو هريرة: ما رأيت أحداً أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم". [الأم (7/95)].
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، مبيناً خطر الشورى وعدم الغنى عنها: "لا غنى لولي الأمر عن المشاورة، فإن الله تعالى أمر بها نبيه صلى الله عليه وسلم، فقال: { فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ } [آل عمران: 159].
وقد روي عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: "لم يكن أحد أكثر مشاورة لأصحابه، من رسول الله صلى الله عليه وسلم". [الحديث الترمذي (4/213ـ214)].
وقد قيل: إن الله أمر بها نبيه لتأليف قلوب أصحابه، وليقتدي به من بعده، وليستخرج بها منهم الرأي فيما لم ينزل فيه وحي، من أمر الحروب والأمور الجزئية وغير ذلك.
فغيره صلى الله عليه وسلم أولى بالمشورة، وقد أثنى الله تعالى على المؤمنين بذلك في قوله: {وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (36) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37) وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}. [مجموع الفتاوى (28/386ـ387) والآيات سبقت في أول هذا المبحث].
وإذا عُلَم عقلاً أن عرْض الآراء على ذوي العلم والرأي والفكر ومناقشتها بأمانة وإخلاص، يستخرج به وجه الصواب أكثر من رأي الواحد، دلَّ العقل أيضاً على أن الشورى لا غنى عنها.
فقد تواطأ على أهميتها الكتاب والسنة وواقع التاريخ البشري قبل الإسلام وبعده، وأقر بذلك العقل السليم.
قال الأستاذ عبد القادر عودة، رحمه الله: "الشورى دعامة من دعائم الإيمان، وصفة من الصفات المميزة للمسلمين، سوَّى الله بينها وبين الصلاة والإنفاق في قوله: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}. [الشورى: 38].
فجعل للاستجابة لله نتائج بين لنا أبرزها وأظهرها، وهى: إقامة الصلاة، والشورى، والإنفاق، وإذا كانت الشورى من الإيمان فإنه لا يكمل إيمان قوم يتركون الشورى، ولا يحسن إسلامهم إذا لم يقيموا الشورى إقامة صحيحة.
وما دامت الشورى صفة لازمة للمسلم لا يكمل إيمانه إلا لتوافرها، فهي إذاً فريضة إسلامية، واجبة على الحاكمين والمحكومين، فعلى الحاكم أن يستشير في كل أمور الحكم والإدارة والتشريع، وكل ما يتعلق بمصلحة الأفراد أو المصلحة العامة، ما لم يظهر له وجه الصواب فيه، وعلى المحكومين أن يشيروا على الحاكم بما يرونه في هذه المسائل كلها، سواء استشارهم الحاكم أو لم يستشرهم.
ولقد أمر الله رسوله – وهو ينزل عليه الوحي بالتشريع والتوجيه وحل المشكلات – أن يستشير المسلمين، فقال جل شأنه: {وشاورهم في الأمر}.
فأمره أمراً جازماً بأن يستشيرهم، وما أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بالمشاورة لحاجة منه إلى رأيهم، وإنما أراد أن يعلمهم ما في المشورة من الفضل، وأن يحملهم على الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم، وأن يرفع من أقدارهم بإشراكهم في الحكم، وتعويدهم على مراقبة الحكام، وأن يحول بين الحكام والاستبداد بالحكم والتعالي على الناس". [الإسلام وأوضاعنا السياسية ص155ـ156].
قلت: وقد أجمل الحافظ بن حجر، رحمه الله، عدة حوادث استشار فيها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي تدل على أن الاستشارة كانت دأبهم، قال: "وأخرج البيهقي بسند صحيح عن ميمون بن مهران قال: كان أبو بكر الصديق إذا أورد عليه أمر، نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضى به قضى بينهم، وإن علمه من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى به، وإن لم يعلم خرج فسأل المسلمين عن السنة، فإن أعياه ذلك دعا رؤوس المسلمين وعلماءهم واستشارهم.
وأن عمر بن الخطاب كان يفعل ذلك، وتقدم قريباً أن القراء كانوا أصحاب مجلس عمر، ومشاورة عمر المهاجرين والأنصار، ثم قريشاً لما أراد دخول الشام وبلغه أن الطاعون وقع فيها – إلى أن قال -: "ومشاورة عثمان الصحابة أول ما استخلف فيما يفعل بعبيد الله بن عمر، لما قتل الهرمزان وغيره، ظناً منه أن لهم في قتل أبيه مدخلاً، وهى عند ابن سعد وغيره بسند حسن، ومشاورته الصحابة في جمع الناس على مصحف واحد، أخرجها ابن أبي داود في كتاب المصاحف من طرق عن علي، منها قوله: ما فعل عثمان الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منا، وسنده حسن". [فتح الباري (13/342ـ343)].
فقد دل القرآن والسنة وعمل الصحابة - كما دل الواقع التاريخي والعقل - على أن الشورى لا غنى للناس عنها، وهذا ما قرره علماء الإسلام قديماً وحديثاً.