الشورى

المؤلفات | سياسة شرعية | 13 صفحة
صفحة 10 من 13 خاتمة: ما يترتب على العمل بالشورى و عدم العمل بها

خاتمة: ما يترتب على العمل بالشورى و عدم العمل بها

خاتمة: ما يترتب على العمل بالشورى و عدم العمل بها

وفي هذه الخاتمة فرعان:
الفرع الأول : ما يترتب على العمل بالشورى.
الفرع الثاني : ما يترتب على ترك العمل بالشورى.

الفرع الأول: ذكر بعض الأمور المترتبة على العمل بالشورى:

إن مشاورة ولي الأمر لرعيته، وبخاصة أهل الحل والعقد منهم، في شؤون الدولة الإدارية والسياسية والاجتماعية والعسكرية وغيرها، تترتب عليها مصالح كثيرة لولي الأمر ورعيته معاً.
[s3]
المصلحة الأولى:
ظهور الصواب - في الغالب - بعد عرض الآراء ومناقشتها، وهذه المصلحة تعود بالخير على ولي الأمر ورعيته جميعاً.
[s3]
المصلحة الثانية:
استفادة بعض المتشاورين من خبرة بعض، فإن كثيراً من الناس يكون له رأي في أمر من الأمور حسب علمه واجتهاده، فإذا التقى غيره ممن هو أكثر علماً منه وخبرة، بين له أن رأيه كان خطأ والصواب غيره، أو تحقق له أن رأيه صواب، بعد أن أصبح ليس رأياً له وحده، وإنما هو رأي للآخرين.
وهذه المصلحة تعود أيضاً على جميع المتشاورين، ولا شك أن ولي الأمر يستفيد أكثر من غيره - في الغالب - لأنه يعانى كثيراً من المشكلات، وقد تفيده المشاورة في بعض الأمور في أمور أخرى لم تناقش.
[s3]
المصلحة الثالثة:
إشعار الراعي رعيته بالمشاركة في الأمر الذي يهمهم، وأنه إنما يقوم بما أسندته إليه من جلب مصالحها ودفع المفاسد عنها، وأنها يجب أن تشترك معه في تحمل أعبائه التي اختارته لها، وهذه المصلحة تعود على ولي الأمر ورعيته، لتحمل الرعية المسؤولية معه وإعانته على أداء واجبه، ولأنها تكون على علم بما ينوي ولي الأمر عمله من شؤونها، وتتمكن بذلك من موافقته إن كانت المصلحة في الموافقة، أو بإقناعه عن العدول عن رأيه إن كان في ذلك مفسدة.
[s3]
المصلحة الرابعة:
استمرار الثقة بين ولي الأمر ورعيته، لأنه إذا أكثر من مشاورتهم قويت صلة بعضهم ببعض، وشعر هو بتأييد رعيته له في تصرفاته، فيقوي بذلك جانبه، ويشعرون هم أنه مهتم بمصالحهم وآرائهم، بخلاف ولي الأمر الذي يقدم على تنفيذ ما يرى بدون الرجوع إلى رعيته، فإنه قد يشك في موافقتهم على تصرفه وتأييده، فلا يكون قوياً في إقدامه، بل قد تنزل به هواجس الخوف والقلق من تبرمهم منه وعدم ثقتهم فيه.
كما أن رعيته قد تشك في جدوى تصرفه وفي إرادته المصلحة لهم، بل قد يظنون أنه يريد الاستبداد بالأمر، وتنفيذ ما فيه مصالح لنفسه، والإضرار برعيته، وفي هذا ضرر على ولي الأمر ورعيته بفقد كل منهم ثقته في الآخر.
[s3]
المصلحة الخامسة:
تضييق هوة الخلاف بين ولي الأمر ورعيته، أو بين الرعية أنفسهم.
إن الاختلاف أمر جائز الوقوع، ولا ضرر فيه إذا نشأ عن اجتهاد وإرادة للحق، ولكنه إذا لم يتدارك المختلفون أمرهم، قد يزداد ويتسع حتى يصل إلى التنازع والشقاق والقطيعة.
وكلما ابتعد المختلفون بعضهم عن بعض، زادت وساوس الشيطان بينهم، واتسعت الهوة أكثر فأكثر.
فإذا اجتمعوا بنية صادقة لعرض آرائهم وحججهم ومناقشتها بتجرد وإخلاص، تقاربت وجهات النظر، حتى يتفق الجميع على أمر واحد، أو يعذر بعضهم بعضاً في الأمور الاجتهادية، ويتعاونون على ما اتفقوا عليه، بأن يتنازل بعضهم لرأي بعض، ويتعاونوا كلهم مع ولي الأمر على تنفيذ ما يراه هو في مصلحتهم.
[s3]
المصلحة السادسة:
سعي ولي الأمر في جمع كلمة رعيته والقضاء على أسباب التنازع والصراع التي قد تنشأ من اختلاف الآراء.
إن ولي الأمر عندما يجمع أهل الشورى لعرض أموره عليهم ليبدوا فيها رأيهم، يظهر له وجهات نظر رعيته، وأوجه الاختلاف بينهم، وقد تكون أسباب الاختلاف ذات خطر لو تركت لأحدثت بينهم ما لا تحمد عقباه، ولا يقدر على تلافيه بعد ذلك، ولكنه إذا عرفها مبكراً استطاع أن يفكر في إيجاد الحل المناسب، وتوضيح ما يجب توضيحه لكلا الفريقين وإقناعهم، أو أخذ الحيطة والحذر بالأسلوب المناسب لدرء الخطر، وقد تكون الشورى أنسب طريق لإطلاعه على ذلك.
[s3]
المصلحة السابعة:
سن ولي الأمر القدوة الحسنة لمن يخلفه: إن ولي الأمر الذي يبذر بذور الخير في ولايته من عدل ومساواة وشورى وغيرها، يسن بذلك سنة حسنة ويكون سبباً في تمسك من بعده، بما بذره من الخير، وهذا ما حصل من القدوة الحسنة الأولى: رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتتابع عليه خلفاؤه الراشدون في الشورى.
فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير المشاورة لأصحابه، وكان خلفاؤه كثيري المشاورة لرعيتهم.
قال البخاري رحمه الله: "باب قول الله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ } {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ } وشاور النبي صلى الله عليه وسلم… وكانت الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم يستشيرون الأمناء من أهل العلم". [البخاري (8/162) والآيتان تقدم ذكرهما في أول المبحث الثاني من الفصل الأول].

الفرع الثاني: ذكر بعض الأمور المترتبة على ترك العمل بالشورى:

ويترتب على ترك ولي الأمر العمل بالشورى، مفاسد كثيرة تعود عليه وعلى رعيته.
[s3]
المفسدة الأولى:
فَقْدُ ولي الأمر صفة من صفات المؤمنين، الذين قال الله تعالى فيهم: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} ويفقد رعيته تلك الصفة، ويكون آثماً من جهتين: من جهة فقده تلك الصفة متعمداً، ومن جهة إفقاده رعيته ذلك.
ويكون عاصياً لله تعالى بترك تنفيذ أمره بالشورى لقوله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} وفاقداً للاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم في تنفيذ هذا الأمر، مع أن غير الرسول صلى الله عليه وسلم أحوج إلى تنفيذه منه.
[s3]
المفسدة الثانية:
أن ولي الأمر الذي لا يعمل بالشورى يعتسف الأمور اعتسافاً في الغالب، ويكثر خطؤه، لعدم اجتهاده في الوصول إلى الصواب عن طريق الذين هم مظنته، وهم أهل الشورى، ويحرم نفسه ورعيته من الخبرات التي اكتسبها أهلها لعدم لقائهم ومناقشتهم في ذلك.
[s3]
المفسدة الثالثة:
شعور رعيته باستبداده بالأمر، لتركه الشورى، وأنه غير مكترث بهم وبآرائهم ومصالحهم، وذلك يحدث عندهم سوء الظن به، وعدم الحماس لمعاونته فيما يتخذ من القرارات، و هو لا يكون قوي الجانب في تصرفاته لعدم ثقته بوقوفهم معه، في الأمور الخطيرة.
[s3]
المفسدة الرابعة:
أن تركه للشورى يُحدث بينه وبين رعيته جفاءً، وكذلك يحدث بين رعيته أنفسهم، لبعدهم عن اللقاء والمشاورة، وذلك من أهم الأسباب المؤدية إلى الخلاف والنزاع.
[s3]
المفسدة الخامسة:
أنه بترك الشورى يسن سنة سيئة لمن بعده، حيث وجدوا السبيل ممهداً إلى الاستبداد فلا يصعب عليهم سلوكه.
وسبب تلك المفاسد كلها، مخالفة أمر الله الذي لا يعقبه إلا الخسران في الدنيا والآخرة.
كما قال تعالى: {فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }. [النور: 63].
هذا وإن من أعظم الكوارث التي نزلت بالأمة الإسلامية من جراء ترك الشورى أن تولى أمور المسلمين من يرضون لأنفسهم ويغضبون لأنفسهم، شأن حكام غير المسلمين.
وهذا ما حذر منه ذو عمرو اليمني جريرَ بنَ عبد الله البجلي رضي الله عنه، عندما علم ذو عمرو بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
كما روى جرير قال: "كنت باليمن فلقيت رجلين من أهل اليمن: ذا كلام وذا عمرو، فجعلت أحدثهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال ذو عمرو: لئن كان الذي تذكر من أمر صاحبك، لقد مر على أجله منذ ثلاث، وأقبلا معي حتى إذا كنا في بعض الطريق، رفع لنا ركب من قبل المدينة، فسألناهم فقالوا: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستُخلِف أبو بكر والناس صالحون، فقالا: أخبر صاحبك أنا قد جئنا، ولعلنا سنعود إن شاء الله، ورجعا إلى اليمن، فأخبرت أبا بكر بحديثهم، قال: أفلا جئت بهم؟ فلما كان بعد قال لي ذو عمرو: يا جرير إن لك عليّ كرامة، وإني مخبرك خبراً، إنكم معشر العرب لن تزالوا بخير ما كنتم إذا هلك أمير تآمرتم في آخر، فإذا كانت بالسيف، كانوا ملوكاً يغضبون غضب الملوك، ويرضون رضا الملوك". [البخاري (5/113)].
قال ابن حجر رحمه الله، في الفتح (8/77): "قوله تآمرتم بمد الهمزة وتخفيف الميم، أي تشاورتم، أو بالقصر وتشديد الميم، أي أقمتم أميراً منكم من رضاً منكم أو عهد من الأول".
قلت: والعهد الأول يجب أن يقيد أيضاً برضا المسلمين كما فعل أبو بكر لما عهد إلى عمر، سأل الناس عن رضاهم؟ فأجاب بالسمع والطاعة. وقد ذكرنا هذا في مقدمة الكتاب.
ولقد بدا ولاة أمر المسلمين كذلك في أغلب حقب التاريخ، بعد الخلافة الراشدة، حتى وصل المسلمون الآن إلى ما وصلوا إليه، من الفرقة والتناحر وتنافس الأحزاب على السلطة، وإطاحة كل حزب بالآخر، عن طريق القوة والتوارث والانقلابات المتتابعة.
وذلك من آثار ترك أمر الله تعالى وفقد كثير من الصفات الإيمانية وفروعها التي وصف الله بها المؤمنين.
{فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (36) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37) وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (38) وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ}. [الشورى: 36ـ39].
{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}. [آل عمران: 159].
{ فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }. [النور: 63].

وسبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك
وصلى الله وسلم على نبينا وحبيبنا محمد عبده ورسوله
وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين