الفصل الثاني: أساب الجريمة في الكتاب والسنة
الفصل الثاني: أساب الجريمة في الكتاب والسنة
وفيه تمهيد وثلاثة مباحث:
المبحث الأول: خالق النفس أعلم بها من غيره.
المبحث الثاني: الإيمان هو الواقي من الجرائم.
المبحث الثالث: فقد الإيمان أو ضعفه هما منبع الإجرام.
تمهيد
كثر إطلاق الألفاظ المأخوذة من هذه المادة "جَرَم". في القرآن الكريم على معصية الكفر، وغلب استعمالها في الكسب المكروه. [راجع القاموس المحيط والمفردات للراغب الأصفهاني، والجريمة لأبي زهرة (1/34) وراجع بعض الآيات في المبحث الثالث من هذا الفصل].
وتعنى الجريمة في دين الله ـ وكذلك الجناية ـ ارتكاب أي فعل نهى الله عنه نهى تحريم، و ترك فعل أمر الله به أمر إيجاب، فهما مرادفتان للمعصية والخطيئة..
وكل معصية لها عند الله جزاء.. إما في الدنيا وإما في الآخرة.. ما لم يتب العاصي إلى ربه قبل موته، أو يغفر الله لصاحبها.
فإن تَاب تاب الله عليه وسلم من الجزاء الأخروي، وقد يغفر الله له ولو لم يتب ما لم تكن المعصية شركاً، فإن الله لا يغفر الشرك بدون توبة منه.
والمقصود بالجريمة هنا المعصية ذات الجزاء الدنيوي الذي قرره الله سبحانه وتعالى على مرتكبها..
وقد عرفها علماء الفقه بقولهم: "الجرائم محظورات شرعيه زجر الله عنها بحد، أو تعزير". [الأحكام السلطانية للماوردي ص: 221].
قوله: " بحد" هو خاص بالمعاصي التي حدد الشارع عقوباتها، وتشمل: الردة، وشرب الخمر، والسرقة، والزنا والقذف به، والحرابة..
فإن عقوبة المرتد القتل، وعقوبة الشارب الجلد، وعقوبة السارق قطع اليد، وعقوبة الزاني الجلد للحر أو الرجم، وعقوبة القاذف الجلد، وعقوبة المحارب القتل أو الصلب أو قطع يديه ورجليه من خلاف أو نفيه.
وقوله: "أو تعزير" يعني المعاصي التي لم يبين لها الشارع عقوبة محددة، وتشمل كل معصية لله تعالى أو لرسوله، أو مخالفة ما قرره ولاة أمر المسلمين مما فيه مصلحة للأمة مرسلة، ولا مخالفة فيه لنص من نصوص الكتاب والسنة أو قاعدة من قواعد الشريعة.
وبهذا يعلم أن العقوبات في الإسلام تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: منصوص عليه محدد بالكتاب والسنة، وهو عقوبات الجرائم الست الماضية، فليس لأحد أن يزيد فيها أو ينقص؛ لأن الله قد تولى ذلك بنفسه.
والقسم الثاني: غير منصوص على مقدار معين فيه من العقوبة، وإنما ترك لولي الأمر أن يجتهد فيه حسب المصلحة كما مضى.
وهذه الأمور كلها مفصلة في كتب الفقه القديمة والحديثة. [راجع على سبيل المثال: المغني لابن قدامة (9/34) وكذا (9/6) والتشريع الجنائي الإسلامي لعبد القادر عودة (1/118ـ128) والجريمة لأبي زهرة (1/24)].
ويدخل فيما حدد الشارع عقوبته الاعتداء على الأنفس بالقتل أو الجرح أو قطع الأعضاء، فقد حدد الشارع في ذلك القصاص أو الدية..
إلا أن الفرق بين العقوبات في الحدود الستة المذكورة آنفاً وهذا الباب، هو عدم جواز إسقاط العقوبة في الحدود الستة بعد وصولها إلى ولي الأمر، وجواز إسقاطها في القصاص والديات من قبل مستحق ذلك.
والمقصود هنا بيان من له الحق في الحكم على فعلٍ مَّا.. بأنه جريمة أو غير جريمة؟
إن الناس متفقون في الجملة على أن الأفعال التي يجب فيها الجزاء، هي التي تقتضي المصلحة اجتنابها، لما فيها من المفاسد العائدة على المجتمع..
ولكن من الذي يحدد المصلحة التي تجب حمايتها، والمفسدة التي يجب درؤها؟
والجواب على ذلك أن يقال: إن المقام لا يخلو من أحد أمرين:
الأمر الأول: أن الجهة التي تحدد المصالح وطرق حمايتها والمفاسد، هم البشر.
الأمر الثاني: أن الذي يحدد المصلحة وطرق حمايتها، أو المفسدة وطرق درئها، هو خالق البشر.
فهل يمكن للبشر أن يحددوا المصلحة العامة للجميع وطرق حمايتها، والمفسدة الضارة للجميع وسبل درئها، ويكون تحديدهم لذلك واقعاً موقعه من العلم التام بالمصالح والمفاسد، وسبل الحفاظ على الأولى، وطرق الوقاية من الثانية، ومن العدل الذي يساوي بين الناس في التحريم والتحليل والعقاب، والتجرد عن الهوى الذي يحلل صاحبه ويحرم تبعاً له؟
إن الواقع يشهد بأن البشر لا قدرة لهم على تحديد المصالح والمفاسد من عند أنفسهم ـ أعنى المصالح العامة ـ التي يعود نفعها على الناس كلهم، والمفاسد العامة كذلك التي يعود ضررها على الناس كلهم..
وقد يقدرون على تحديد بعض المصالح والمفاسد التي للعقول في معرفتها مجال، أو بسبب التجارب التي تتراكم في مسيرة حياة البشر، فيعرفون بها ما فيه مصلحة وما فيه مفسدة...
ولكن تلك القدرة تظل محدودة، لا يمكن أن تصل إلى ما يعلمه الخالق سبحانه، وذلك بسبب جهلهم بغير وقتهم الذي عرفوا فيه المصلحة والمفسد، إذ قد يأتي زمان تنقلب فيه المصلحة مفسدة والمفسدة مصلحة، وبسبب بيئتهم وظروف حياتهم التي عرفوا فيها المصلحة والمفسدة، فقد تكون المصلحة في غير بيئتهم مفسدة، والمفسدة مصلحة.
وبسبب الظلم الذي لا يخلو منه إنسان لا يضبطه الإيمان الصادق، فقد يعلم الإنسان أن في هذا الأمر مصلحة أو مفسدة، ولكنه يفقد العدل فيجعل المصلحة مفسدة والمفسدة مصلحة، ويعامل الناس على أساس ذلك، بسبب ظلمه.
وبسبب الهوى الذي قلما تجد أحداً سالماً منه إلا من عصمه الله، فيجعل المصلحة مفسدة، والمفسدة مصلحة تبعاً لهواه..
والذي يتأمل أحوال العالم في تاريخه الطويل، يتبين له هذا الأمر من تصرفات الدول والأحزاب والجماعات والأفراد الذين لم يتقيدوا بشرع الله تعالى، حيث تجد ما تزعمه طائفة مصالح أو مفاسد وتضع له التشريعات والقوانين، وتعامل غيرها بناء على ذلك، تجد ما زعمته تلك الطائفة مصالح، هو مفاسد على غيرها، وما زعمته مفاسد عليها، هو مصالح لغيرها..
وكذلك يضع البشر الذي لم يلتزم بمنهج الله، قوانين عقوبات على جرائم معينة، يظنون أنها مناسبة لها، في عظمها وصغرها، وأنها كافية لقطع دابر مرتكبيها، فيتبين أنها غير مناسبة، إذ قد تكون العقوبة أقل مما تقتضيه الجريمة أو أكثر مما تقتضيه، وقد يجدونها غير رادعة للمجرمين عندهم..
أما الخالق سبحانه، فهو الذي أحاط علمه بكل شيء أزلاً وأبداً، فهو الذي يعلم علماً تاماً ما فيه مصلحة ووسائل حفظه، وما فيه مفسدة ووسائل درئه..
كما أنه تعالى هو المبرأ من الظلم مطلقاً، المتصف بالعدل المطلق الذي لا يحابي معه أحداً، ومن الهوى الذي لا يثبت صاحبه على حال..
فهو سبحانه الذي يحدد المصلحة والمفسدة، والعقاب الرادع لمن أراد ارتكاب المفاسد أو المساس بالمصالح.
ويترتب على ذلك ثبات أحكام الله واستمرارها، ولو تغيرت المجتمعات والحكام وتبدلت الأنظمة؛ لأن أحكام الله صالحة لكل زمان ومكان ولجميع البشر، كما يترتب على ذلك احترام الناس لها؛ لأنها لم يضعها فرد أو حزب أو حاكم لمصلحة خاصة به يُضَرُّ بها الآخرون..
وإنما وضعها الله سبحانه وتعالى لمصلحة الناس كلهم، لا فرق بين حاكم ومحكوم وأمير ومأمور وغنى وفقير.
ويترتب على ذلك حفظ المصالح الحقيقية التي أساسها الدين والأخلاق الفاضلة المنبثقة عنه، بحيث لا توجد مصلحة إلا أقرتها وشرعتها وشرعت ما يحميها، ولا مفسدة إلا حرمتها وشرعت ما يدرأ خطرها، إما بالنص وإما بالاجتهاد والاستنباط.
وبذلك تكثر الأفعال التي تنص الشريعة على تحريمها، ويقل ارتكابها في المجتمع الذي يطبق الإسلام، وترتفع القيم الروحية فيه.
وتترتب على ذلك المساواة بين الناس في التحريم والعقاب، فلا يخاف أحد أن يحرم عليه ما أحل لغيره، أو يعاقب على فعل ينجو منه سواه، أو يشدد عليه العقاب ويخفف على غيره، اتباعاً للهوى وإمعاناً في الظلم.
وعلى خلاف هذا كله تكون القوانين البشرية، فقد تحرم أفعالاً لا مفسدة في تعاطيها في واقع الأمر، بل المصلحة في تعاطيها والمفسدة في تركها..
وهو ما فعلته الدول الملحدة التي حظرت على الناس التدين، ومنعت المسلمين من رعاياها من قراءة القرآن وإظهار شعائر الدين، وعلى رأس تلك الدول الاتحاد السوفييتي المنهار..
كما أن أحكام القانون غير ثابتة، إذ قد يحل هذا أمراً ويحرم آخر، فإذا ذهب وخلفه آخر أحل ما حرمه الأول، وحرم ما أحله، وهكذا الهيئات والمنظمات.
ويفقد الناس في ظل القوانين البشرية المساواة والعدالة.. إما بصريح القانون وإما بالتحايل عليه في التحريم والعقاب وغيرهما. [راجع التشريع الجنائي الإسلامي لعبد القادر عودة (1/310ـ315)].
وقد قال بعض علماء الإجرام منتقداً القانون ومبيناً قصوره:
"إن الدولة التي تضع القوانين لا تمثل من الزاوية الطبيعية سوى وضع نسبي، والقواعد الجزائية نسبية أيضاً، تتبدل بتبدل عناصر الزمان والمكان، كالبيئة والنظام السياسي، والمفاهيم الأخلاقية والدينية.[أقول: هذا عندما تكون المفاهيم الدينية مبنية على دين وثني أو سماوي محرف، أما عندما يكون الدين هو الإسلام المحفوظ الخاتم العالمي فإن من خصائص تشريعاته الثبات مثل الدين الذي شرعها الله فيه]. فقد يُشَكِّل أحدُ الأفعال جريمة في بلد ما، ويكون مباحاً في بلد آخر، وقد تدعو أفكار سياسية أو ظروف اقتصادية أو اجتماعية معينة، إلى تحريم أفعال كانت مباحة قبل ذلك.. وفى أعقاب أي انقلاب يوجد شخصان، يغدو أحدهما بطلاً، فيسمى وزيراً، أما الآخر الذي كان وزيراً فقد يحكم عليه بالإعدام. [علم الإجرام وعلم العقاب للدكتور عبود السراج ص: 371، وراجع ص: 43ـ45 من نفس الكتاب].
وبهذا يعلم أن الذي له حق التحريم والحكم على فعل ما بأنه جريمة، وحق العقاب وتحديده على كل الجرائم هو الله سبحانه وتعالى.. وأن البشر لا يحق لهم أن يحللوا أو يحرموا، إلا في الحدود التي وضعها الله في قسم المباح مما فيه مصلحة عامة للمجتمع. [راجع هذا المعنى في مجموع فتاوى ابن تيمية (28/364)].
المبحث الأول: خالق النفس أعلم بها من غيره
إن الله سبحانه وتعالى هو خالق الكون كله، والإنسان جزء من هذا الكون، والخالق أعلم بما خلق من غيره ـ وليست الصيغة في مثل هذا المقام للمفاضلة؛ لأنه لا مفاضلة بين الخالق والمخلوق ـ وعلمه تعالى محيط بكل شيء، لأنه خالق كل شيء..
ومن ذلك دوافع الخير والشر الكامنة في نفس الإنسان حتى لا تظهر لغير الخالق إلا آثارها، وقد دل على علمه تعالى المحيط بكل شيء الآيات القرآنية التي يصعب استقصاؤها، ويكفي أن نذكر شيئاً يسيراً منها لإيضاح ا لمراد.. فقد ذكر سبحانه وتعالى شمول علمه المحيط بكل شيء..
فقال: {..إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} . [النساء: من الآية32]
وقال: {إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} . [الأحزاب:54].
وقال: {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . [الحديد:3].
وقال تعالى: {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} . [الملك:14].
وقال تعالى: {مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ} . [المائدة:99].
وقال تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} . [القلم:7].
وقال تعالى: {رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً} . [الإسراء:54].
وقال تعالى: { يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (19)} . [غافر]
وقال تعالى: {ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى} . [النجم:30].
وإذا كان الله سبحانه وتعالى قد أحاط بكل شيء علماً، وهو أعلم بمن خلق، وهو أعلم بنا وأعلم بمن ضل ومن اهتدى، ويعلم ما نبدي وما نكتم، فإن مما يدخل في علمه سبحانه سبب هداية المخلوق وسبب ضلاله، فهو يعلم سبب الهداية ويعلم سبب الضلال وسبب السعادة والشقاء، ويعلم ما تكنه الصدور من الهدى والضلال..
كما يعلم ما يتعاطاه الإنسان من الخير والشر بأقواله وأفعاله، وإن العقل السليم ليضطر صاحبه أن يعترف بأن الخالق أعلم بخلقه من غيره، كما أن الصانع من المخلوقين أعلم بصنعته من غيره، ولله المثل الأعلى.
وقد ذم الله سبحانه وتعالى من ظن أن الخالق يخفى عليه شيء مما يعمل خلقه، وأن ذلك الظن السيئ سبب الهلاك والخسران..
فقال تعالى: {وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} . [فصلت:22-23].
وذكَّر سبحانه عباده بجهلهم المطبق الذي كانوا يتصفون به عندما أوجدهم في هذه الحياة، وامتنانه عليهم بآلات علمهم المحدود التي لا سبيل لهم إلى ذلك العلم بدونها.
فقال سبحانه: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} . [النحل:78]. وبيَّن سبحانه وتعالى أن الناس مهما بلغوا من العلم، فإنما هو علم يسير من ظاهر الحياة الدنيا، وهو ما يحتاجون إليه في معاشهم، وأن العلم الحق الذي هم أحوج إليه من غيره، هو علم المعاد الذي غفلوا عنه وأهملوه، وكذب به غالب الأمم في الأرض.
فقال تعالى: {وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} . [الروم:6-7].
وإذا كانوا لا يعلمون إلا علماً ظاهراً من الحياة الدنيا التي أفنوا أعمارهم في معرفتها.. فكيف يعلمون مسارب النفس التي لم يجعل الله لهم إلى معرفتها سبيلاً؟ إلا عن طريق وحيه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم..
وعندما ذكر تعالى علمه الشامل وإحاطته بكل شيء، نفى أن يحيط أحد من خلقه بشيء من علمه بدون مشيئته..
فقال تعالى: {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} . [البقرة:255].
وقد اعترف خيرة خلق الله وصفوتهم، بأنهم لا يعلمون إلا ما علمهم الله، وهم أنبياؤه ورسله وملائكته المقربون..
فقال تعالى: {يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ} . [المائدة:109].
وقال عن عيسى عليه السلام: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ} . [المائدة:116].
وقال عن الملائكة الكرام: {قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} . [البقرة:32].
أثر خشية الله في الوقاية من الجريمة:
ويترتب على معرفة العبد إحاطة علم الله بكل شيء، ومن ذلك ما يفكر فيه بعقله، أو يوسوس به في قلبه ليفعله أو يتركه، وما ينفذه فعلاً في حال خلوته وجلوته، يترتب عليه أن تشتد خشيته وخوفه من ربه، وكلما كان العبد أكثر خشية لله وخوفاً منه، كان أكثر طاعةً له وبعداً عن معصيته، وكلما كان أقل خشية وخوفاً منه كان أكثر جرأة على المعصية وارتكاب الجريمة، والاعتداء على حقوقه وحقوق عباده.
والنصوص القرآنية والأحاديث النبوية الدالة على هذا المعنى كثيرة جداً، نذكر بعضها على سبيل التمثيل.
إن الملائكة الكرام لما كمل خوفهم من ربهم لم يعصوه طرفة عين، بل استقاموا على طاعته وفعل أمره في كل لحظه من لحظات عمرهم..
كما قال تعالى عنهم: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} . [النحل:49-50].
وهكذا كان الرسل عليهم السلام أشد خشية لله من سائر الناس، فكانوا أشدهم طاعة وأبعدهم عن معصية الله، وأعلى طاعة الله تعالى تبليغ رسالته للبشر وعدم المبالاة بما يحصل منهم من الأذى والصد عن سبيل الله..
لهذا قال تعالى عنهم: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً} . [الأحزاب:39]. ولما تقالَّ بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عبادة نبيهم؛ لأنه قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأرادوا أن يبالغوا في التقرب إلى الله تعالى والتبتل إليه، رد عليهم بأنه أكثر خشية لربه وأشد طاعة وتقوى..
كما في حديث أنس بن مالك، رضي الله عنه يقول: "جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أخبروا كأنهم تقالوها فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم، قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبداً، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً.
فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ((أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني)). [البخاري (6/116)].
وقد خص الله تعالى من يخاف وعيده بأن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتذكيره؛ لأن خوفه ربه يدفعه إلى الاستجابة للتذكير بخلاف من لا يخاف فإنه لا يستجيب لما يذكر به..
كما قال تعالى: {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} . [قّ:45]. والذين يخافون الله لا يتبعون أهواءهم، بل يخالفونها ويصبرون على طاعة ربهم رغبة في رضوانه ودخول جنانه.. كما قال تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} . [النازعـات:40-41].
والذين لا يخشون الله يتكبرون عن طاعته، ويتعالون على خلقه، فينالون سوء المصير في الدنيا والآخرة.. كما قال تعالى عن فرعون: {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (17) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (19) فَأَرَاهُ الآيَةَ الْكُبْرَى (20) فَكَذَّبَ وَعَصَى (21) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (22) فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى (24) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى (25) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى} . [النازعات: 17-26]. فالخشية سبب في الانتفاع بالذكرى والطاعة لله، وعدمها سبب في إتيان المعصية والشقاء..
{فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (9) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى} . [الأعلى:9-10]. وتأمل قصة ابني آدم كيف كان خوف الله مانعاً لأحدهما من مد يده إلى الآخر، وعدم خوف الله سبباً في إقدام الآخر على أول جريمة قتل ارتكبت في بني البشر..
قال تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (29) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ} . [المائدة: 27-30].
وخشية الله لا تمنع أهلها من الإقدام على المعصية والشر فحسب.. بل تجعلهم يتسابقون إلى الطاعة والخير، مع خشيتهم من عدم قبول ما يقدمونه من الخير.. كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (57) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (59) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا ءَاتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} . [المؤمنون: 57-61].
وقد دلت سنة الرسول صلى الله عليه وسلم على ما دلَّ عليه القرآن أن خشية الله سبحانه وتعالى تمنع صاحبها من ارتكاب معصيته والاعتداء على حقوق عباده، حتى في حالة طلبه للمعصية وتمكنه منها، إذا ما تذكر علم الله المحيط بكل شيء، فإنه يقلع عن المعصية وهى بين يديه..
ومن أعظم ما وقع في التاريخ، ما ذكره رسول صلى الله عليه وسلم من قصة الثلاثة الذين أووا إلى غار فانحطت الصخرة فسدت منفذ خروجهم، فتوسلوا إلى الله بصالح أعمالهم فأفرج الله عنهم..
وكان توسل أحدهم قوله: ((أللهم إن كنت تعلم أني كنت أحب امرأة من بنات عمي، كأشد ما يحب الرجل النساء فقالت: لا تنال ذلك منها حتى تعطيها مائة دينار، فسعيت فيها حتى جمعتها، فلما قعدت بين رجليها، قالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فقمت وتركتها.. فإن كنت تعلم أنى فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا فرجة)).... قال: ((ففرج عنهم)). [البخاري (3/37،38) ومن حديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً..].
إن الذي يسعى جاهداً في تعاطي ما حرم الله من الشهوات، ثم إذا تمكن مما سعى إليه ذُكِّر بالله فذكر.. وأُمِر بتقواه فاتقى.. وترك ما حرم الله عليه ابتغاء وجهه وخشية لقائه بالمعصية.. إن هذا الذي هذا حاله لجدير أن يأمنه الناس على دمائهم وأعراضهم وأموالهم ويسلموا من أذاه وجرائمه.
ولهذا كان القرآن الكريم يربي المؤمنين على الخوف من الله تعالى، وهكذا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الخوف من الله في السر والعلن هو الوازع القوي الذي يلازم صاحبه في كل حال ويدفعه إلى الطاعة ويحجزه عن المعصية، ولهذا كان من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.. ((رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال إلى نفسها (فـ) قال: إني أخاف الله)). [البخاري (8/20) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً..].
وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم أمته بتقوى الله أينما كانوا ليشمل ذلك سرهم وعلانيتهم.. كما في حديث أبى ذر ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((اتق الله حيثما كنت..)) . [الترمذي (4/355،356) وقال: هذا حديث حسن صحيح].
قال ابن رجب، رحمه الله: "مراده في السر والعلانية، حيث يراه الناس وحيث لا يرونه، وقد ذكرنا من حديث أبى ذر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ((أوصيك بتقوى الله في سر أمرك وعلانيته))". [الحديث في مسند الإمام أحمد، برقم (21613)].
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: ((أسألك خشيتك في الغيب والشهادة)). وخشية الله في الغيب هي من المنجيات... " إلى أن قال: "فإن من علم أن الله يراه حيث كان، وأنه مطلع على باطنه وظاهره وسره وعلانيته، واستحضر ذلك في خلواته أوجب له ذلك ترك المعاصي في السر.. وإلى هذا المعنى الإشارة في القرآن بقوله: {..وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} . [النساء: من الآية1، جامع العلوم والحكم ص: 140 وما بعدها..].
وإذا كان الله تعالى هو وحده الذي أحاط بكل شيء علماً، وأن خلقه لا يعلم أحد منه شيئاً إلا إذا علّمه هو، وإذا كان أفضل الخلق وصفوتهم قد اعترفوا بذلك، وإذا كان ذلك من أعظم ما يدعو العبد إلى الخوف من الله وخشيته، فيستجيب لفعل طاعة الله التي تؤدي إلى الخير العميم في الأرض له ولغيره من البشر، ويترك ما نهاه الله تعالى عنه من معصيته التي تكون سبباً في الشرور والجرائم التي ينتشر بها الفساد في الأرض، فإن الواجب على الخلق أن يعودوا إلى الله المحيط علمه بكل شيء، وأن يربوا الأفراد والأسر والمجتمع على الخوف منه وخشيته، لما في ذلك من البعد عن ارتكاب من تربى على ذلك الجرائمَ، نعم يرجون إليه تعالى ليعلموا منه ما جهلوه، إن كان قد أذن بتعليمهم إياه، مما في علمهم به مصلحة تنفعهم في دينهم ودنياهم.
وإنه لمن السفه حقاً أن يسلك الإنسان للوصول إلى الشيء غير طريقه، وأن يرجع في معرفة أمر ما إلى من لا يعلمه..!!
وهذا هو الذي سلكه المهتمون بأسباب الجريمة والوقاية منها وعلاجها، أولئك الذين سمو بالعلماء من فلاسفة الغرب ومفكريه ولذلك باؤوا بالفشل المحقق والإخفاق الذريع، وإن ظنوا أنهم أحرزوا شيئاً مَّا في هذا الباب وغيره من العلوم الإنسانية، ولا زالوا على رغم فشلهم يأملون في تحقيق مآربهم.
وهذا أمر مؤسف، ولكن الأكثر أسفاً منه أن يسلك سبيلهم من ينتسبون إلى الإسلام من تلامذتهم الذين لم يفكروا في الرجوع إلى دينهم ووحي ربهم المنزل لهدايتهم، وهو بين أيديهم..
وإنما ألزموا أنفسهم تقليد من لا يؤمن بدينهم، ونقل أفكارهم إلى أبناء دينهم لملء أدمغتهم بتلك الأفكار، وإبعادهم عن هدى الله، وأسسوا مناهجهم في التعليم والقضاء وغيرهما على نظريات البشر المضطربة التي اعترف أهلها بقصورها وعدم القطع بصحتها، بل بتناقضها.
لذلك يجب على المسلمين أن يعودوا إلى الله، لأخذ هديهم من كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
وإذا رجعنا إلى الخالق، لنسأله عن السبب الرئيس في عمل الخير والطاعة، فلا بد أن يدلنا على ذلك.. لأنه تعالى أمرنا بالخير والطاعة، ومن المحال أن يتركنا بدون دلالة على أساسهما، فما هو ذلك الأساس.
المبحث الثاني: الإيمان هو الواقي من الجرائم
إن الله سبحانه وتعالى الذي خلق الإنسان، والخالق ـ كما مضى أعلم بمن خلق ـ قد ربط بين الإيمان والعمل الصالح والفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة.. وقد أوضح ذلك في كتابه وفى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم أتم إيضاح وأكمله.
فكتاب الله تعالى الذي أنزله لهداية خلقه، لا يهتدي به إلا المتقون، والتقوى هي فعل ما أمر الله به من الخير وترك ما نهى عنه من الشر، ولا تقوى بدون إيمان..
والمؤمن يؤدي ما عليه من حقوق لله ولخلقه، ولا يعتدي على حقوق الله ولا على حقوق خلقه، وبذلك يتحقق له الفلاح في الدنيا والآخرة. قال تعالى: {الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} . [البقرة: 1-5].
فهذا الكتاب هدى لمن التزم التقوى وهي فعل الأمر وترك النهي، والمتقون هم المؤمنون بالغيب المثمر للعمل الصالح.. ويترتب على الإيمان والعمل الصالح الفلاح والفوز والسعادة.
ومما يدل دلالة واضحة على أن الإيمان هو السبب الأساسي للطاعة والقيام بحقوق الله وحقوق عباده، وعدم الاعتداء عليهما، كما قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7) وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}. [المؤمنون:1-11].
فقد بين سبحانه وتعالى أن الإيمان سبب لفعل الطاعة لله، وأداء حقوق خلقه، كالصلاة والزكاة وحفظ الأمانة والعهد..
وهو كذلك سبب لترك معصية الله بارتكاب ما نهى عنه، سواء ما هو من حقه، أو ما هو من حقوق عباده، وتظهر السببية من وصف المؤمنين بما ذكر بعد من الصفات أي أن الإيمان لا بد أن يثمر ذلك.
وبين سبحانه وتعالى أن الأصل في الناس الذين تختلط مصالحهم أن يبغي بعضهم على بعض، والبغي هو الاعتداء على الحقوق، واستثنى من ذلك المؤمنين الذين يحملهم إيمانهم على العمل الصالح وترك العمل السيئ، ومنه البغي.. فقال تعالى {.. وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ..} . [ص:24]. وبين سبحانه وتعالى أن من صفات عباده المؤمنين الاجتهاد في طاعته، طمعاً في مغفرته ورحمته، والبعد عن معصيته، خوفاً من غضبه وعقابه، وأنهم يتواضعون ولا يتكبرون، يصبرون على الجاهل ولا يقابلون إساءته بمثلها، وإنما يقابلون الإساءة بالإحسان.
ويعمرون أوقاتهم بكمال عبوديتهم لربهم، وينفقون أموالهم في وجوه الخير بدون إسراف ولا تبذير، ويبتعدون عن عبادة غير الله والإشراك به، اللذين هما أساس كل شر، ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق، ويحفظون حرمات الله وضرورات الحياة، فلا يزنون، لما في ذلك من الاعتداء على النسل الذي أمر الله بحفظه، وكذلك يحفظون العرض وهو شرف الإنسان الذي يؤذيه ويؤذي أسرته وقبيلته انتهاكُه.
ويحفظون للناس حقوقهم فلا يعتدون عليها بشهادة الزور التي تهدر بها كل الحقوق: الدماء والأعراض والأموال وغيرها.. وهذه الأمور كلها يقتضيها الإيمان الذي يكون الإنسان به عبدَ الله حقاً..
لذلك قال تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا (63) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (66) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67) وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلا مَنْ تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (71) وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} . [الفرقان: 63-72].
وبين سبحانه وتعالى أن المؤمن الحق، لا يختار غير ما اختاره الله وقضاه؛ لأن اختيار غير ما اختاره الله وقضاه، ينافي الإيمان، والإيمان يقتضي اختيار ما أختاره الله وقضاه.. فمن اختار غير ما اختار الله، ليس هو المؤمن الحق؛ لأن اختيار غير ما اختاره الله وقضاه ضلال واضح ومعصية بينة يتنـزه عنهما المؤمن..
قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً} . [الأحزاب:36].
والآية واضحة في أن الإيمان يقتضي الطاعة والخير..
فإذا أقدم الإنسان على المعصية، فسبب ذلك فقد إيمانه أو ضعفه، ومن الأدلة الواضحة في أن الإيمان هو أساس الخير، وهو الواقي من الجريمة.. قول الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلا خَطَأ..} [النساء: من الآية92].
فالإيمان يمنع صاحبه أن يتعمد ارتكاب الجريمة.. وإذا حصل منه ارتكاب ما لا يجوز، فالأصل أن يكون ذلك غير متعمد منه، فإذا تعمده دلَّ ذلك على فقده الإيمان، أو على ضعفه في نفسه عندما ارتكب الجريمة.
والمؤمن الصادق الإيمان قد يرتكب الجريمة أحياناً، ولكنه يندم على ما فعل ويسرع إلى التوبة من ذنبه، فيتركه ويعزم على عدم العود إليه، اقتداء بأبيه آدم الذي أغراه إبليس بالمعصية، فندم وتاب إلى الله تعالى؛ لأن إيمانه يذكره بربه الذي آمن به، ويذكره بعدوه الذي حذره الله منه، كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنْ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ } . [الأعراف: 201].
والإيمان يوسع دائرة فعل صاحبه للخير، حتى يشمل الناس كلهم، ولا تقتصر على المؤمنين فقط، بل إنه يشمل حتى الأعداء الذين يخالفونه في دينه ويحاربونه، فإن الإيمان يقتضي منه أن يعاملهم بالعدل ولا يظلمهم.. كما قال تعالي: {.. وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} . [المائدة: من الآية8].
والإيمان يقتضي من صاحبه أن يقوم بالعدل، ولو على أقرب المقربين إليه، بل ولو على نفسه، ولو حصل بذلك عليه وعلى قرابته ضرر، خوفاً من الله العليم بكل شيء، ومحاربةً للهوى المنافي للإيمان الذي يدفع صاحبه إلى فعل الشر والإجرام.. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ والأقربين إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} . [النساء:135]. ومما يدل على أن الإيمان يقتضى الطاعة لله ولرسوله، وفعل الخير وأداء حقوق العباد، والبعد عن المعصية والظلم والإجرام، تخصيص الله سبحانه المؤمنين ـ غالباً ـ بالنداء في سياق أمره ونهيه، مع أن أحكامه الشرعية وأوامره ونواهيه، نزلت للناس كافة.
وسبب تخصيص المؤمنين أنهم هم الذين يطيعون أمر الله ونهيه، بخلاف الكافرين، فإنهم لا يمتثلون لله أمراً ولا يجتنبون له نهياً.. بل هم كما قال سبحانه وتعالى عنهم: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} . [البقرة:7]. ومثل الكفار الظاهرين المنافقون الكاذبون، وإن أظهروا الإيمان مخادعين.. كما قال تعالى عنهم: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} . [البقرة:8-9].
أما الآيات التي يخاطب الله سبحانه وتعالى فيها المؤمنين خاصة فهي كثيرة وتكفي الإشارة إلى شيء منها للدلالة على غيرها.. من ذلك قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} . [النساء:59]. فنداء الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين، وأمره لهم بعد النداء بطاعته وطاعة رسوله ـ مع أن طاعتهما واجبة على الناس كافة ـ إشارة إلى أن المؤمن هو الذي ينفذ أمر الله ورسوله، والإيمان هو سبب ذلك التنفيذ، ولولا ذلك لما كان هناك فرق بين المؤمن وغيره، ولما كان لتخصيص المؤمنين بالنداء والأمر بعده معنى..
نعم قد يقال: إن في ذلك تحضيضاً للمؤمن أن يعمل بمقتضى إيمانه، وهذا جزء من معنى الآية الكريمة وليس هو المعنى المقصود فقط، ولو فرضنا أنه المعنى المقصود منها لكان أيضاً فيه دليل على أن الإيمان يقتضي ذلك؛ لأن تخصيص المؤمنين بالتحضيض، دليل على أنهم أولى بالاستجابة لهذا التحضيض.
ومن ذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} . [البقرة:183]. نادى الله سبحانه وتعالى المؤمنين وبين لهم بعد ندائه أن صيام رمضان فريضة عليهم، مع أن العبادات مفروضة على المؤمنين والكافرين، على الراجح، وإنما لم تقبل من الكفار لعدم وجود الأساس الذي هو الإيمان، فالإيمان أساس العمل الصالح ومقتضاه.. ومثل ذلك.. قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى..} . [البقرة:178].
وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [البقرة:278].
خص المؤمنين بالنداء والأمر بالتقوى وترك الربا؛ لأنهم هم الذين يطيعون الله في ذلك بمقتضى إيمانهم، وإن كان الربا محرماً على المؤمن والكافر، وفى قوله تعالى إن كنتم مؤمنين دليل على ذلك.. كأنه قال: إن كان إيمانكم بالله صادقاً فاتركوا الربا؛ لأن الإيمان الصادق يقتضى ذلك.
ولكن تعاطي الربا الحاصل من المؤمن، يعتبر كبيرة من كبائر الذنوب، يتعرض متعاطيه لغضب الله وأليم عقابه، كما هو واضح من الآيات والأحاديث الواردة في تحريم الربا، ولكن المسلم لا يخرج بذلك من الإسلام إلا إذا استحله، كبقية المحرمات المعلومة من الدين بالضرورة.
وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ} . [الحجرات:11-12].
إن هذه الصفات الذميمة التي نهى الله سبحانه وتعالى عنها المؤمنين بعد ندائه إياهم في الآيتين، هي محرمة عليهم وعلى غيرهم من الكافرين، ولكنه خص المؤمنين بالنداء والأمر والنهي؛ لأن الإيمان يقتضي فعل ما أمروا به وترك ما نهوا عنه..
وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ..} . [النور:21]. والنهى عن اتباع خطوات الشيطان ليس خاصاً بالمؤمنين، بل هو لكل الناس، مؤمنهم وكافرهم، بدليل قوله تعالى:
{يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ} . [الأعراف:27].
وفتنة الشيطان إنما هي باتباع خطواته، وإنما خص المؤمنين بالنداء قبل النهي لأنهم حريصون بمقتضى إيمانهم على اجتناب ما نهى الله عنه.
وفى قوله تعالى في سورة الأعراف: {..إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ} . [الأعراف: من الآية27] ما يدل على أن عدم الإيمان سبب في اتباع خطوات الشيطان وفتنته، ومن هناك ينشأ الإجرام..
دلالة سنة الرسول صلى الله عليه وسلم على ما دل عليه كتاب الله سبحانه وتعالى:
هذا، وقد دلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما دل عليه القرآن الكريم، من أن الإيمان بالله تعالى وبرسوله صلى الله عليه وسلم وباليوم الآخر، سبب في فعل الطاعة وفعل الخير، والبعد عن المعصية والشر والإجرام، وهي كثيرة جداً نكتفي بالإشارة إلى بعضها..
روى أبو هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره.. ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه.. ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليسكت)) وفي رواية: ((فليكرم جاره)) بدل: ((فلا يؤذي جاره)). [البخاري (7/78ـ79) ومسلم (1/68،2/1091)].
ومعنى هذا أن المؤمن مأمور بإكرام جاره والإحسان إليه وليس ترك أذيته فقط.
فقوله صلى الله عليه وسلم: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر..)) ثم أمْره ببعض تلك الصفات ونهْيه عن بعضها دليل أن الإيمان يقتضيها، وأنها ناشئة عنه، ومعلوم أن الإيذاء لا يجوز لأحد سواء كان مؤمناً أو غير مؤمن.. وفي حديث أنس، رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه)) ـ أو قال: ((لجاره)) ـ ((ما يحب لنفسه)). [البخاري (1/8) ومسلم (1/67)].
فنفى الإيمان ـ وهو الإيمان الواجب ـ عمن لا يحب لأخيه ما يحب لنفسه، دليل على أن الإيمان يقتضي تلك المحبة، وأن المؤمن لا يدعه إيمانه يسعى في إيصال الشر إلى الناس؛ لأنه لا يحب الشر لنفسه، وإنما يحب لنفسه الخير، والخير الذي يحبه لنفسه يحبه لغيره؛ لأنه ناشئ من إيمانه.
هذا وليعلم أن نفي الإيمان عن المرء بسبب عدم قيامه ببعض الواجبات التي يقتضيها الإيمان، أو ارتكابه بعض المعاصي التي يقتضي الإيمان تركها، لا يراد به نفي أصل الإيمان، بحيث يصير لا إيمان له مطلقاً، وإنما المراد نفي كمال الإيمان الواجب، بدليل ما ورد من النصوص التي تتضمن خروج من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان من النار ودخوله الجنة..
مثل حديث أبي ذر، رضي الله عنه، قال: إنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم، عليه ثوب أبيض، ثم أتيته فإذا هو نائم ثم أتيته وقد استيقظ، فجلست إليه فقال: ((ما من عبد قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة)) قلت: وإن زنى، وإن سرق؟ قال: ((وإن زنى وإن سرق)) ثلاثاً، ثم قال في الرابعة: ((على رغم أنف أبي ذر)) قال: فخرج أبو ذر وهو يقول: "وإن رغم أنف أبي ذر". [مسلم (1/95)].
وغير هذا الحديث مما يدل على أن نفي الإيمان بترك بعض الطاعات أو ارتكاب بعض المعاصي، لا يراد منه نفيه كله، وإنما يراد منه نفي كماله الواجب.
وقد نفى رسول الله صلى الله عليه وسلم الإيمان عمن ارتكب ما ذكر في حديث أبي ذر، ولكنه قيد النفي بوقت ارتكابه المعصية كما سيأتي ذلك إن شاء الله. [والحديث في البخاري (3/106) ومسلم (1/76)].
ومما يدل أنه لا يراد نفي أصل الإيمان حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يؤمن العبد الإيمان كله حتى يترك الكذب في المزاحة والمراء، وإن كان صادقاً)). [أحمد (2/352) وراجع جامع العلوم والحكم لابن رجب ص: 103].
فقوله: ((لا يؤمن الإيمان كله)) يدل على أن المنفي هو كمال الإيمان الواجب، لا الإيمان كله، ولا كماله المندوب.
ومن الأحاديث الواضحة في أن الإيمان سبب في فعل الخير وإيصاله إلى الناس وكف المؤمن شره عنهم.. حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه)). [البخاري (5/110) ومسلم (2/741)].
فسلامة الناس من لسان المسلم ويده ناشئة عن إسلامه.. والإسلام إذا أطلق شمل الإيمان، كما أن الإيمان إذا أطلق شمل الإسلام، وهجر ما نهى الله عنه يشمل كل ضرر، سواء أكان بمنع حق أو الاعتداء على حق.
وإذا كان الإيمان قوياً في المرء، قوي ائتمان الناس له، وأعلى الناس إيماناً هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك ائتمنه الله على وحيه ورسالته، فكان أجدر بأن يأتمنه الناس.. كما روى أبو سعيد الخدري، رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحاً ومساء)). [البخاري (5/110) ومسلم (2/741)].
وكلما كان الناس أرجى في خير المؤمن وأمنهم من شره، كان ذلك دليلاً أنه خيرهم، وكلما كانوا أبعد عن رجاء خيره وأمن شره، كان ذلك دليلاً أنه شرهم.. كما روى أبو هريرة رضي الله عنه: أنه صلى الله عليه وسلم وقف على أناس جلوس فقال: ((ألا أخبركم بخيركم من شركم؟)) قال: فسكتوا، فقال ذلك ثلاث مرات، فقال رجل: بلى يا رسول الله أخبرنا بخيرنا من شرنا، قال: ((خيركم من يرجى خيره ويؤمن شره، وشركم من لا يرجى خيره ولا يؤمن شره)). [الترمذي (4/528) وقال: هذا حديث حسن صحيح].
وجعل صلى الله عليه وسلم دليل إسلام المرء سلامة الناس من لسانه ويده، كما جعل دليل الإيمان أمن الناس منه على دمائهم وأموالهم..
كما روى أبو هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم)). [الترمذي (5/17) وقال: هذا حديث حسن صحيح].
وفى هذا الحديث إشارة لطيفة، وهى أن الأصل في الإيمان عدم اطلاع الناس عليه؛ لأن أصله القلب، والأصل في الإسلام أن يطلع عليه الناس؛ لأنه الأعمال الظاهرة. كما دل عليه حديث جبريل..
فجعل أعمال المرء الظاهرة دليلاً على إسلامه، وهى سلامتهم من لسانه ويده، وجعل ائتمان الناس له على دمائهم وأموالهم دليلاً على إيمانه.. والغالب أن الناس لا يأمنون المرء إلا إذا جربوه فعلموا أنه يؤدى إليهم حقوقهم، ولو لم يكن بينهم وبينه إلا الله تعالى، كالأمانات ونحوها..
فجعل صلى الله عليه وسلم لكل من اللفظين: الإسلام والإيمان من اسمه نصيباً فالإسلام يستلزم أن يسلم الناس من أذى صاحبه، والإيمان يستلزم أن يأمن الناس صاحبه على حقوقهم.
ولو أراد الباحث أن يتتبع أثر الإيمان في سلوك العبد المؤمن المتقيد بأمر الله ونهيه، لطال به المقام واتسع المجال؛ لأن لكل ركن من أركان الإيمان أثره في حياة المؤمن وسلوكه، بل وفى كل فرع من فروع تلك الأركان.. ولهذا نكتفي بأثر الإيمان في الجملة.
أثر الإيمان باليوم الآخر في مكافحة الجريمة:
وإن مما يدفع إلى فعل الخير ويحجز عن فعل الشر وارتكاب الإيمان باليوم الآخر والخوف من عقاب الله تعالى فيه على معصيته، والطمع في ثوابه على فعل الطاعة.. ولهذا زكى سبحانه وتعالى بذلك عباده المؤمنين، فكانوا يتسابقون إلى فعل الخير..
قال تعالى: {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ} . [آل عمران:113-114].
والنصوص الدالة على أن الإيمان باليوم الآخر والطمع في ثواب الله فيه والخوف من عقابه، من أهم الأسباب الدافعة إلى فعل الخير واجتناب الشرور، كثيرة جداً..
كما أن الآيات الدالة على أن عدم الإيمان باليوم الآخر أو عدم خوف الجزاء فيه، من أهم أسباب الاعتداء على حقوق الله وحقوق عباده كثيرة جداً أيضاً..
ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخوف أصحابه هذا اليوم وما فيه من نقص الحسنات، وزيادة السيئات على من ظلم واعتدى في الحياة الدنيا على حقوق غيره بلسانه أو بيده..
كما في حديث أبي هريرة، رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((أتدرون ما المفلس؟)) قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال : ((إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار)). [مسلم (4/1997)].
وفى حديث أبى هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من كانت له مظلمة لأحد من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم، قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه)). [البخاري (3/99)].
وبهذا يعلم أن الإيمان بأصوله وفروعه هو أساس الطاعة والخير وأداء الحقوق لأهلها، والبعد عن المعصية والاعتداء، كما هو واضح من النصوص القليلة السابقة..
وأن العلاج الناجع للقضاء على الجريمة أو التخفيف منها هو الإيمان، فهو الأساس الأول في الوقاية من الجريمة، وهو الذي يسهل إثباتها إذا وقعت؛ لأن المؤمن، وهو بشر غير معصوم، لا يجمع غالباً بين ارتكاب الجريمة وإنكار الحق الذي تعلق بذمته..
والإيمان هو الذي يسوق المذنب إلى التوبة والعودة إلى الله، طلباً للغفران وهرباً من الخزي والعذاب، والذي يدرس سيرة سلفنا الصالح ـ وفى طليعتهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ الذين تمكن الإيمان من قلوبهم، يظهر له أن الإيمان كان هو السبب في طهر المجتمع الإسلامي في كل عصر من عصور التاريخ.. وأن فقد الإيمان أو ضعفه، كان هو سبب الأرجاس والمعاصي والجرائم التي تنتشر في أي مجتمع وفى أي عصر من العصور.
وعلى المسلمين الذين يدعون أنهم يؤمنون بالله وكتبه ورسله وملائكته واليوم الآخر، ويؤمنون بالقدر خيره وشره، وبفروع هذه الأصول وبأصول الإسلام وفروعه، أن تكون مناهج حياتهم وحياة أبنائهم والأجيال القادمة محققة لمعاني أصول الإيمان وفروعه..
بحيث يربى الأبناء تربية إيمانية تجعلهم صالحين يحاربون الفساد والإجرام لتحقيق السعادة للبشر في هذه الأرض.. وعلى الذين يبحثون عن أسباب السعادة في غير هدى الله، أن يجربوا في البحث عن السعادة هذا الدين، فقد جربوا كل شيء غير هذا الدين ومنوا بالفشل.
ونحن على يقين من أن السعادة والأمن مستحيلان بدون هذا الدين، وهذه دعوى فإذا كانوا يريدون إقامة البينة على هذه الدعوى فالتجربة هي البينة، فليجربوا.
والتربية الإيمانية فرض على الأمة، وليسوا مخيرين في فعلها أو تركها، ومن أهم سبل هذه التربية ربط الأفراد والأسر والشعوب، بكتاب الله وسنة رسوله وسيرته صلى الله عليه وسلم، وسيرة أصحابه، وإتاحة الفرصة لكل فرد من أفراد هذه الأمة أن يفقه فرض العين فقهاً صحيحاً سليماً يجعل عمله الذي يتقرب به إلى ربه، سواء كان من حقوقه أو من حقوق خلقه.
وهذا السبيل لا يمكن أن يتم إلا بجعل مناهج التعليم في البلدان الإسلامية، مرتبطة بهذا الدين في جميع مراحل الدراسة، وأن يتيقن الطلاب والمعلمون والأمة كلها، أن الإسلام هو منهج حياتهم، الذي يجب عدم مخالفته في أي شأن من شؤونهم، للفرد والأسرة والشعب والدولة.
وأخيراً نقول لمن ينشدون الأمن في البلدان الإسلامية لبلدانهم: هنا الأمن فاطلبوه مقتدين بأبينا إبراهيم عليه السلام: {وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِي وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} . [الأنعام].
المبحث الثالث: فقد الإيمان أو ضعفه هما منبع الإجرام
إذا كان الإيمان بأصوله وفروعه، هو الدافع إلى فعل الخيرات وترك المنكرات، وهو الأساس في الوقاية من الإجرام كما سبق؛ فإن الكفر هو منبع الجرائم وأصلها، وكل جريمة تحدث هي فرع من فروع الكفر.
ولهذا كان المؤمنون والكافرون في صراع دائم..
المؤمنون يدعون إلى الحق، ويقاتلون من أجل إرسائه في الأرض..
والكافرون يدعون إلى الباطل، ويقاتلون لتثبيته والصد عن الحق..
كما قال سبحانه وتعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً} . [النساء:76]. والذي يقاتل في سبيل الشيطان، إنما يريد أن يكره الناس على طاعة الشيطان، والشيطان إنما يأمر بالمعاصي والفساد في الأرض وإضلال الخلق، وبث العداوة والبغضاء بينهم باعتداء بعضهم على بعض..
كما قال تعالى: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} . [البقرة:268]. وقال تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} . [المائدة:91]. وقال تعالى ناهياً المؤمنين عن اتباع خطوات الشيطان، في سياق قصة جريمة الإفك، وهى من الجرائم العظيمة التي تنتهك بها الأعراض، ويرمى بها الأبرياء، وتفرق بها الأسر.. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ..} . [النور:21]. والكفر هو سبب محاربة الأنبياء، والوقوف ضد الإصلاح في الأرض، وهو سبب اختلال الموازين والقيم التي تجعل الحق باطلاً والباطل حقاً، وجَعْلَ دعاة الحق الهداة ضلالاً، وأهل الضلال والفساد مصلحين..
كما قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (59) قَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} . [الأعراف:59-60].
وقال تعالى: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (65) قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} . [الأعراف:65-66].
وقال تعالى عن كفار قريش ـ وقد تآمروا على تنفيذ جريمة القتل في رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} . [الأنفال:30]. وقال تعالى مبيناً أن أهل الكفر لا يمتنعون عن الإيمان بالرسل فحسب، وإنما يسعون لإعادة أنبياء الله ورسله إلى الارتداد عن دينهم.. {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ} . [إبراهيم:13]. ولقد حمل الكفر بني إسرائيل على ارتكاب جريمة قتل أنبيائهم الذين بعثهم الله لهدايتهم.. كما قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ} . [البقرة:87].
والكفر هو الذي حمل قوم نبي الله صالح عليه السلام، على ارتكاب قتل آية الله التي أرسلها للدلالة على ضلالهم وهى الناقة.. كما قال تعالى: {قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (75) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (76) فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} . [الأعراف:75-77]. أي بسبب عدم إيمانهم.
وإجرام الكافر القوي أشد من إجرام الكافر الضعيف؛ لأن القوي قادر على تنفيذ ما يريد، فهو راغب في الإجرام بسبب كفره.. قادر على التنفيذ بسبب قوته..
كما فعل فرعون الكبير، وكما يفعل الفراعنة الذين جاؤوا بعد مقتفين أثره، في الاعتداء على الشعوب واستعباد المستضعفين وتفريق شمل الأمم، وإبادة أبنائها.. كما قال تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} . [القصص:4]. وأعظم الإجرام هو استبعاد الناس واسترقاقهم والحجر على عقولهم وقلوب من يصدونهم بالقوة عن الإيمان الحق الذي تقوم عليه الحجج والبراهين حتى يصبح يقيناً لا ينتابه شك..
فإذا آمن به ذوو العقول السليمة أنكروا عليهم وهددوهم بألوان النكال والتعذيب؛ ليكرهوهم على الكفر بعد أن هُدُوا للإيمان.. كما قال تعالى عن فرعون الذي كفر به سحرته ـ على رغم جبروته وقوته ـ وآمنوا بموسى لقوة حجته وصحة دعوته.. {فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (70) قَالَ ءَامَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (71) قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} . [طه: 70-72].
والعالم يشهد اليوم من فاق فرعون في العدوان والإجرام؛ لأن عدوان فرعون كان قاصراً على رعايا دولته الذين يعيشون داخل حدودها، بدليل أن موسى عليه السلام عندما ائتمروا به ليقتلوه، لجأ إلى الرجل الصالح في مدين، فقال له عندما علم خبره: {لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} بخلاف فراعنة العصر، فإن عدوانهم يشمل العالم كله، بسبب ما مكنهم الله فيه من القوة المادية التي سيطروا بها على الشعوب براً وبحراً وجواً، فهم بذلك أشد إجراماً من فرعون.
وجريمة العدوان على الأمم والشعوب، أشد من جرائم الأفراد المذكورة، وإذا كان الله تعالى قد شرع عقوبات جرائم الأفراد في الحدود والتعازير، فقد شرع في جرائم عدوان الدول على الشعوب، الجهاد في سبيل الله..
ولا عقوبة مجدية في دفع عدوانهم والقضاء على جرائمهم غير الجهاد الذي يجب على الأمة الإسلامية أن تعد له العدة، كما أمرها الله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ} . [الأنفال (60)].
والبغي والعدوان صفتان طبيعيتان للكافر، ولا يخلو منهما ضعيف الإيمان، ولا ينجو منها إلا المؤمن إيماناً صادقاً..
كما قال تعالى: {قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ} . [ص:24].
قال القرطبي، رحمه الله: {لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ} يتعدى ويظلم.. {إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} فإنهم لا يظلمون أحدا.. {وَقَلِيلٌ مَا هُمْ} يعنى الصالحين. [الجامع لأحكام القرآن (15/179)].
فاستثناء المؤمنين العاملين الصالحات من الناس الذين يبغي بعضهم على بعض، ووصف هؤلاء المستثنين بالقلة يدل على ثلاثة أمور:
الأمر الأول: أن الكفر هو أساس البغي والعدوان.
الأمر الثاني: أن ضعف الإيمان من أسباب البغي والعدوان.
الأمر الثالث: أن المؤمن القوي الصادق الإيمان الذي تدل على وجود إيمانه الأعمال الصالحة، هو السبب في الطاعة والخير واجتناب الفساد والبغي والإجرام في الأرض.
ومما يدل أن الكفر هو منبع الإجرام وأساسه أمران:
الأمر الأول: غلبة إطلاق المجرمين على الكفار في القرآن الكريم والآيات في ذلك كثيرة جداً..
منها قوله تعالى: {لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} . [الأنفال:8].
وقوله تعالى: {وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} . [يونس:82]. هاتان الآيتان تدلان على المطلوب من وجهين:
الوجه الأول: تسمية الكفار مجرمين..
الوجه الثاني: كونهم يكرهون إحقاق الحق ويحبون انتصار الباطل، وتدخل في الباطل: الجرائم كلها كبيرها وصغيرها.
ومن إجرام الكفار؛ صدهم عن الإيمان ودعوتهم إلى الكفر، الذي هو منبع الإجرام،كما قال تعالى عنهم: {وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (91) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (92) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (93) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (94) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (95) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (96) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (98) وَمَا أَضَلَّنَا إِلا الْمُجْرِمُونَ} . [الشعراء: 91-98].
ومن إجرامهم إتيان الفاحشة التي تقلب بها الموازين وتخالف بها الفطر بإتيان الرجال وترك النساء..
كما قال تعالى: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (54) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (55) فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا ءَالَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (56) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ (57) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ} . [النمل: 54-58].
{أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمْ الْمُنكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنتَ مِنْ الصَّادِقِينَ} . [العنكبوت]
وقوم لوط هؤلاء هم أول من أسسوا نادي العراة لرجال الفاحشة والإجرام، وبهم اقتدى مجرموا الكفر في هذا العصر بإنشاء نوادي العراة هواة الفواحش الشاذة من الرجال والنساء: "في الولايات المتحدة الآن أكثر من أربعين نادياً للعراة.. وتفيد الإحصاءات أن نسبة ارتياد الأمريكيين لهذه الأندية في تصاعد مستمر منذ نشأة هذه الظاهرة في أمريكا عام 1939". [http://www.aawsat.com/leader.asp?section=3&article=187691&issue=9028]
"العري والتعرية" هي مصطلحات شائعة في حضارة الغرب وثقافته، فهناك نوع من الأدب يطلق عليه "أدب العري" وإن كانت كلمة "الأدب" من ذلك براء.. هناك آلاف المجلات وملايين الكتب والأفلام والأغاني التي تمجد "العري" كثقافة واسعة الانتشار.. إضافة إلى ذلك فهناك "نوادي العراة" و"شواطئ العراة" التي تنتشر اليوم في أرجاء وزوايا وصلب حضارتهم". [http://www.arabmail.de/Mohammed_Ramadan06.08.04.html]
ولقد أصبح للجرائم اليوم منظمات عالمية، لم ينج منها بعض من ينتسبون إلى الإسلام، ومن ذلك الشذوذ الجنسي، وهو زواج الرجل بالرجل والمرأة بالمرأة، الذي عقدت له مؤتمرات، بعضها عقد في دول عربية!!
"فقبل ثلاث سنوات تقريباً لعب الإنترنت دوراً محورياً في تأسيس منظمة تطلق على نفسها اسم (الفاتحة) من خلال قائمة نقاش بريدية إلكترونية، وتمكنت هذه المنظمة الدولية التي تعرّف نفسها بأنها (منظمة الشواذ المسلمين) من تسجيل نفسها رسمياً في نيويورك (أميركا) وتورنتو (كندا) لكي (تدافع عن حق الشذوذ في الإسلام). وتمكنت المنظمة من عقد مؤتمرها الدولي الثاني في لندن قبل أسبوعين تقريباً، وبالتحديد في السادس والعشرين من شهر مايو الفائت رغم الاعتراضات الواسعة التي أثارتها منظمات وشخصيات إسلامية متعددة هناك بدعوى أن (الفاتحة) منظمة تخالف الشرع الإسلامي الذي يحرم الشذوذ الجنسي". [http://www.khayma.com/khotta/arabe/marji_ia.htm// http://www.almuoaly.8m.net/monadamat.html/http://www.annabaa.org/nba64/osrah.htm].
ومن باب الإنصاف لهؤلاء الغربيين الذين يطلقون على هذا النوع "أدب العري" لا يعتبرونه من الجرائم، ولو اعتبروه من الجرائم لسنوا القوانين لمنعه، ووضعوا له العقوبات المناسبة لبيئتهم، ولكن هذا "الأدب" عند الله وعند رسله وعند البشرية قبل عهد قوم لوط هو جريمة شنعاء، ولهذا نطلق عليه مصطلح "الجريمة"..
ولكنا ندين أولئك الغربيين بما يعترفون هم أنه "جريمة" في مصطلحاتهم وقوانينهم، وهو العدوان على ضرورات الحياة: "الدين والنفس والنسل والعقل والمال" التي باشروا العدوان عليها في البلدان الإسلامية، كالعراق وفلسطين وأفغانستان والصومال، ومعسكرات "غوانتنامو" و"أبي غريب" وغيرهما من المعتقلات السرية، المنتشرة في العالم.
ومن إطلاق لفظ المجرمين على الكفار قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} . [الأنعام:123].
وقوله تعالى: {.. فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} . [الروم: من الآية47].
وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ} . [المطففين:29].
وقوله تعالى: {يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ} . [المعارج:11]. الأمر الثاني: هو اعتداء الكافرين على دعاة الحق بالقتل والقتال والصد عن دعوتهم، وإيذائهم؛ لأن طبيعة دعوة الحق لا تتفق مع إجرامهم، ولذلك يحاربون الدعوة والدعاة حتى يتمكنوا من مزاولة إجرامهم بدون نكير..
كما قال تعالى عنهم: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ} . [إبراهيم:13]. وقال تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا..} . [الحج:72]. وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} . [آل عمران:21].
ويكفي أن يعلم العاقل أن المجرمين الشاذين جنسياً، تضيق صدورهم بالمتطهرين من شذوذهم، فيهددونهم بالإخراج من أرضهم، بسبب تطهرهم من رجسهم.. كما قال تعالى عن قوم لوط: {وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ الْعَالَمِينَ (80) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (81) وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} . [الأعراف: 82].
يظهر من النصوص القرآنية السابقة، أن الكفر هو الجريمة الأولى، وأنه أساس بقية الجرائم، كما أن الإيمان هو الطاعة الأولى، وأساس بقية الطاعات، كما مضى.
دلالة السنة على ما دل عليه القرآن من أن الإيمان أساس الأمن والكفر منبع الإجرام:
وقد دلت سنة الرسول صلى الله عليه وسلم على ما دل عليه القرآن الكريم، وكلاهما وحي من الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أن فقد الإيمان أو ضعفه هو السبب الرئيس في ارتكاب الجرائم..
كما في حديث أبى هريرة، رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم وهو مؤمن)). [البخاري (8/13) ومسلم (1/86)].
دل هذا الحديث أن الذي يرتكب الجريمة، لا يكون عنده إيمان يحجزه عن ارتكابها في ذلك الوقت..
ومعنى هذا أنه لا يرتكبها إلا أحد شخصين:
إما فاقد الإيمان وهو الكافر.. وإما من ضعف إيمانه ضعفاً شديداً، لا يقوى على صد صاحبه عن ارتكاب الجريمة..
وقد سبق أن نفي الإيمان عن المؤمن المرتكب للمعصية، هو نفي لكمال الإيمان الواجب، وليس نفياً لأصل الإيمان..
وفى حديث أبى شريح، رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن)) قيل: ومن يا رسول الله؟ قال: ((الذي لا يأمن جاره بوائقه)). [البخاري (7/78) ومسلم (1/68) والبوائق الغوائل والأذى].
وإذا فقد الإيمان الذي يحجز صاحبه عن المعاصي وارتكاب الجرائم، لم يأمن الناس من فُقِد منه على أنفسهم وأعراضهم وأموالهم، لأنه يكون خائناً، كذاباً، غداراً، فاجراً..
كما ثبت عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق، حتى يدعها: إذا أؤتمن خان، وإذا حدث كذب وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر)). [البخاري (1/14) ومسلم (1/78)].
وإن الواقع ليؤيد ما دلت عليه هذه النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، وهو أننا نرى أفراداً من الكفار يعيشون في بلاد الكفر يرتكبون كل الجرائم.. فإذا ما هدوا إلى دين الله فدخلوا فيه، انقلبت حياتهم من حياة الإجرام إلى حياة الطاعة والسعادة، وأصابت أهليهم وأصدقاءهم الدهشة من هذا التحول العجيب عندهم..!!
كما أننا نشاهد كثيراً من الفاسقين من أبناء المسلمين الذين ضعف إيمانهم، يأخذون في اقتحام أبواب الشهوات لارتكاب شتى المعاصي والاعتداء على حقوق الله وحقوق خلقه، وعجزت عن ردعهم السلطات المسؤولة في الدول، كما عجزت عن إصلاحهم المؤسسات الاجتماعية والمسماة بالإصلاحية، وضاقت من إجرامهم المجتمعات..
ولكن إذا نزلت هداية الله في قلوبهم، ورجعوا إلى الله تعالى فقوي إيمانهم، رأيت منهم سلوكاً آخر كأنه سلوك الملائكة، من الوقار والزهد وبذل الخير والبعد عن المعاصي، وأصبحوا من قادة المصلحين في الأرض، بعد أن كانوا من قادة المفسدين المخربين..!!
فما سبب هذا الانقلاب العجيب غير أن الكافر الذي كان كفره يدفعه إلى الإجرام أصبح ـ بعد إيمانه ـ يدفعه هذا الإيمان إلى الإصلاح، والفاسق الذي كان ضعيف الإيمان يدعوه فسقه إلى المنكرات، أصبح إيمانه القوى يقوده إلى الخيرات؟!
إن الإيمان الحق لهو أصل الطاعة والخير والسعادة في الدنيا والآخرة..
وإن الكفر لهو أصل المعصية والشر والشقاء والإجرام، ولضعيف الإيمان نصيبه من الإجرام بمقدار ذلك الضعف..
وبهذا يعلم فساد اضطراب من يسمون بعلماء الإجرام في أسباب الجريمة، وردها إلى عوامل جغرافية، أو وراثية، أو بيئية، أو نفسية أو جسمانية، أو اجتماعية، أو غيرها، وتناسيهم لأهم عواملها وهو فقد الإيمان أو ضعفه في النفوس..
ونحن لا ننكر أنه يمكن أن توجد أسباب فرعية لارتكاب الجريمة مما ذكروا، ولكننا ننكر أن تكون أسباباً مستقلة كما زعموا..
ونرى أن السبب الأول هو الكفر الناشئ عن الهوى وهكذا ضعف الإيمان..
وصدق الله تعالى إذ يقول: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} . [سورة العصر].
إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن:
الأصل في فعل الطاعات وأعمال الخير، والوقاية من الجرائم والمنكرات، هو غرس الإيمان في النفوس، والتزكية الربانية بقراءة القرآن الكريم بتدبر وفقه وتطبيق عملي، وكذلك العناية بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، واتباعه بفعل ما أَمَر وترك ما نَهَى، والسمع والطاعة له في المنشط والمكره.. وفيما سبق من مباحث هذا الكتاب مع ما فيه من اختصار كفاية إن شاء الله.
ولكن كثيراً من الناس، وإن كانوا يؤمنون بالله ورسوله في الجملة، تغلبهم نفوسهم الأمارة بالسوء، وتستهويهم الشهوات، وتسيطر على تصرفاتهم أهواءهم، ويغويهم الشيطان، فإذا وُعِظوا صموا آذانهم عن سماع الموعظة، وإذا أُمِروا بالمعروف تمادوا في تركه، وإذا نُهُوا عن المنكر بالغوا في ارتكابه.
فيعتدون على الأعراض وينتهكون الحرمات، وينهبون أموال الناس بالسرقة أو إخافة السبيل، ويقتلون النفس التي حرم الله بغير حق، ويتعاطون شرب المسكرات..
إن أمثال هؤلاء الذين يصرون على العدوان وارتكاب الجرائم، ولا يستجيبون للنصح والتوجيه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا يحسم مادة شرهم إلا تطبيق شرع الله تعالى الرادع، وهو إقامة الحدود والتعازير، وتنفيذ القصاص.
ولا يجوز أن تأخذ المسلمين فيهم رأفة في دين الله تعالى، كما قال عز وجل في السارق: { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38)} . [المائدة].
وقال في مرتكبي الزنا: { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ (2)} . [النور].
وعندما شفع أسامة بن زيد عند الرسول صلى الله عليه وسلم، في المرأة المخزومية التي أمر بقطع يدها، عندما سرقت، غضب صلى الله عليه وسلم غضباً شديداً، وقال: ((والذي نفسي بيده لو كانت فاطمة بنت محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ لقطعت يدها)). [صحيح البخاري، برقم (3288) وصحيح مسلم، برقم (1688)].
وفي هذا الحسم تبدو رحمة الله تعالى بعباده في الأرض، حيث شرع ما يحمي دينهم ونفوسهم وأموالهم وأعراضهم، ويمنحهم الأمن والاطمئنان في حياتهم.
والذين لا يزجرهم عن جرائمهم الإيمان وما يثمره من الخير، لا بد من زجرهم بما شرعه الله في القرآن وكلف الله تطبيقه من ولي أمور الأمة من الحكام، ولهذا قال عثمان بن عفان رضي الله عنه: "إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن".
وهذا يبين حكمة أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم ـ وهو في مكة ـ أن يدعوه بأن يمنحه الله تعالى قوة ينفذ بها شرعه على من عصى وتمرد، كما قال تعالى: { وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً (80)} . [الإسراء].
قد ساق ابن كثير رحمه الله ما قاله العلماء في تفسير هذه الآية فقال: "قال الحسن البصري في تفسيرها: وعده ربه لينزعن ملك فارس وعز فارس وليجعلنه له، وملك الروم وعز الروم وليجعلنه له.
وقال قتادة فيها: إن نبي الله صلى الله عليه وسلم، علم أن لا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان، فسأل سلطاناً نصيراً لكتاب الله، ولحدود الله، ولفرائض الله، ولإقامة دين الله.
فإن السلطان رحمة من الله جعله بين أظهر عباده، ولولا ذلك لأغار بعضهم على بعض، فأكل شديدهم ضعيفهم، قال مجاهد سلطاناً نصيراً حجة بينة. واختار ابن جرير قول الحسن وقتادة وهو الأرجح؛ لأنه لا بد مع الحق من قهر لمن عاداه وناوأه.
ولهذا يقول تعالى: { لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25)} . [الحديد].
وفي الحديث ((إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن)) أي ليمنع بالسلطان عن ارتكاب الفواحش والآثام، ما لا يمتنع (عنه) كثير من الناس بالقرآن، وما فيه من الوعيد الأكيد والتهديد الشديد وهذا هو الواقع". [تفسير القرآن العظيم، بتحقيق سامي بن محمد السلامة، نشر دار طيبة للنشر والتوزيع (5/111)، سبق أن هذا أثرٌ رُويَ عن عثمان بن عفان رضي الله وليس مرفوعاً إلى النبي ‘].
وقال ابن تيمية رحمه الله: "الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر لا يتم إلا بالعقوبات الشرعية، فإن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، وإقامة الحدود واجبة على ولاة الأمور، وذلك يحصل بالعقوبة على ترك الواجبات وفعل المحرمات.
فمنها عقوبات مقدرة مثل جلد المفتري ثمانين وقطع السارق، ومنها عقوبات غير مقدرة قد تسمى التعزير، وتختلف مقاديرها وصفاتها بحسب كبر الذنوب وصغرها، وبحسب حال المذنب وبحسب حال الذنب في قلته وكثرته..". [مجموع الفتاوى (28/107].
والمعروف أن هذا النص "إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن" مروي عن عثمان رضي الله عنه، وليس مرفوعاً إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن معناه مؤيد بنصوص أخرى في القرآن والسنة، والواقع يدل على ذلك.
وأمر الله تعالى المسلمين بتطبيق غالب الأحكام العامة، إنما تقوم به الأمة عن طريق أولياء أمورها، مثل إقامة الحدود وتنفيذ القصاص.
وقد بينت ذلك في كتاب (الحدود والسلطان).
كان تبييض هذا الكتاب، بتاريخ 4/1/1405هـ في المدينة النبوية في حي قباء
ثم يسر الله تعالى لي مراجعة الكتاب، وتصحيح بعض الأخطاء فيه، مع إضافات موضوعات أخرى في بعض المباحث.
وكان الفراغ من هذه المراجعة، في يوم الأحد الخامس عشر من شهر ربيع الثاني، من عام 1424هـ ـ الخامس عشر من شهر يونيو، من عام 2003م في منزلي بالمدينة.
ثم أكملت مراجعته ليلة السبت 25/ربيع الآخر/1428هـ ـ 12/مايو/ 2007م وأضفت إليه بعض الموضوعات، وحذفت ما لم أرَ لبقائه حاجة ماسة.
وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا وحبيبنا محمد.. وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين..
وسبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.