الفصل الأول: أسباب الجريمة عند علماء الإجرام
الفصل الأول: أسباب الجريمة عند علماء الإجرام
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: أسباب الجريمة في كتب علماء الإجرام.
المبحث الثاني: اختلاف علماء الإجرام في تلك الأسباب.
المبحث الثالث: الواقع يدل على بطلان ما ذكروه من الأسباب.
المبحث الأول: أسباب الجريمة في كتب علماء الإجرام
لقد بذل علماء الإجرام الذين عنوا بدراسة الجريمة والمجرم، وتدابير الوقاية من الجريمة والعقاب عليها، جهوداً مضنية في معرفة أسباب الجريمة ودوافع المجرمين لارتكاب الجرائم.. واستعانوا بكل ما استطاعوا من العلوم الإنسانية والعلوم التجريبية، للوصول إلى معرفة تلك الأسباب والدوافع.. وقد أنكروا الوسائل التي اتخذت في القديم لمعرفة أسباب الجريمة والتي كان يغلب عليها الطابع التجريدي..
فقالوا: "كان الطابع التجريدي هو الغالب على جهود الإنسان، خلال قرون طويلة من بحثه عن تفسير السلوك الإجرامي، وفى مراحل متعددة من هذه الجهود ظل النظر إلى الجريمة غيباً أو خرافياً.. فالجريمة عندهم رجس من عمل الشيطان، ومن الأرواح الشريرة يدخل جسد المجرم فيفسد نفسه وروحه..." . [علم الإجرام وعلم العقاب للدكتور عبود السراج ص:157 ـ ط1].
وتطورت النظرة إلى أسباب الجريمة مما سموه بالخرافة كما مضى، إلى أن الإنسان يملك عقلاً واعياً، وإرادة حرة يملك بهما اختيار سلوكه، ويختار ما نفْعُه عنده أكبر من ضرره، وذلك هو سبب إقدامه على الجريمة. [المراجع السابق..]. أي إذا رأى أن منفعته من الإقدام على الجريمة، أعظم من الضرر الذي يتوقعه من إقدامه، أقدم عليها!!
وذهب آخرون إلى أن أسباب الجريمة، هي عوامل جغرافية، فترتفع نسبة الجريمة وتنخفض حسب تغير المناخ، كالحرارة والبرودة والجفاف والرطوبة والأمطار، والطقس، والضغط الجوى والعواصف والرياح..... الخ..
وقالوا: إن جرائم العنف ـ وبخاصة الاعتداء على الإنسان ـ تزداد في المناطق والفصول الحارة وتنخفض في المناطق والفصول الباردة.. وجرائم الأموال تزداد في المناطق الباردة وتنخفض في المناطق الحارة، وبنوا اتجاههم هذا على إحصائيات في بعض الدول كفرنسا.
وقال بعضهم: إن نسبة الجريمة تختلف باختلاف الموقع الجغرافي، فالمناطق التي تكون أقرب إلى خط الاستواء تكثر فيها جرائم العنف، والمناطق القريبة من القطبين تكثر فيها جرائم المسكرات والمخدرات.
وقال بعضهم: إنها تتفاوت باختلاف التضاريس، فتقل الجرائم في المناطق السهلة والأرض المنبسطة، وتزيد في المناطق الجبلية، وتصل ذروتها في قمم الجبال.. [المرجع السابق.. ص173ـ176 وص: 233ـ242].
وذهب آخرون إلى أن السبب وراثي – أي إن المجرم يعود بسبب الوراثة إلى الإنسان البدائي الأول ـ هكذا ـ الذي كان يحمل صفات دونية شبيهة بصفات القردة والحيوانات الدنيا، ويعيش حياة بدائية خالية من القواعد والنظم. [المرجع السابق ـ ص: 184].
ومعلوم أن هذا افتراض معارض للأديان السماوية، التي تدل كتبها كلها، وآخرها القرآن الكريم، على أن الإنسان خلق مصحوباً بهدى الله تعالى، منذ آدم عليه السلام إلى أن جاء محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وذهب آخرون إلى إرجاع سبب الجريمة إلى الصفات العضوية.. وأنه يمكن معرفة المجرم عن طريق بعض صفاته العضوية.. فجمجمة المجرم تكون أصغر أو أكبر من الحجم الطبيعي لغيره، وأن جبهته تكون ضيقة ومنحدرة، وحواجبه تكون كثيفة، وعيناه غائرتان، وأنفه أفطس وشفاهه دقيقة، وفكه عريض وأذناه عريضتان مائلتان إلى الأمام، ووجهه طويل وعريض، وشعر رأسه كثيف، وشعر ذقنه قليل وذراعاه طويلتان، يوجد في إحدى قدميه أو يديه أصبع زائدة. [المرجع السابق ـ ص: 185، وكتاب أسباب الجريمة وطبيعة السلوك الإجرامي للدكتور عدنان الدوري ص: 117].
وهذه إحدى طرق اكتشاف المجرم بالفراسة..
وذهب آخرون إلى أن أسباب الجريمة تعود إلى وظائف الأعضاء.. ومن أمثلة ذلك الغدد الصماء.. قالوا: إن اختلال إفرازاتها يؤدى إلى خلل في التركيب الكيماوي للدم وللسوائل الأخرى التي تدخل في تكوين أعضاء الجسم، وهذا الخلل يحدث اضطرابات في أجهزة الفرد، وخاصة في الجهاز العصبي ويؤثر في سلوكه وانفعالاته، ويؤدى إلى أنواع من الإجرام. [علم الإجرام وعلم العقاب ص:220].
ورأى بعضهم أن أسباب الجريمة تعود إلى العاهات والأمراض، وبخاصة العمى والصمم والبكم، وتشوه الوجه، والقبح وقصر القامة والعرج، والشلل.. وأن تلك الحالات تؤدي إلى التألم والشذوذ، ويشعرون معها بنقص أنفسهم في المجتمع، وضياع مراكزهم الاجتماعية، فيهيئهم هذا الوضع لارتكاب الجرائم. [المرجع السابق ص:222].
ورد بعضهم أسباب الجريمة إلى العمر، ورأوا أن صغار السن أكثر إقداماً إلى الجرائم من كبار السن، واختلفوا في السن التي تقع فيه أعلى نسبة من الجرائم..
فقال بعضهم: إنها تقع ما بين سن الثامنة عشرة والخامسة والعشرين..
وقال آخرون: إنها في مرحلة المراهقة وهى ـ غالباً ـ ما بين سن أربع عشرة وسبع عشرة سنة وتقل في مرحلة النضج.
ويرى آخرون أن أسباب الجريمة راجعة للجنس، أي للذكورة والأنوثة، فإجرام النساء أقل من إجرام الرجال بسبب اختلاف البيئة الداخلية للمرأة عن الرجل، واختلاف القدرات البدنية، ولأن الرجل أكثر احتكاكاً بالمحيط الخارجي من المرأة. [المرجع السابق ص 222]
وذهب آخرون إلى رد أسباب الجريمة إلى العرق، أي إلى الأجناس البشرية المختلفة، فالزنوج أعلى نسبة في جرائم العنف، وكذلك الشعوب التي تسكن في حوض البحر الأبيض المتوسط، وجرائم الأموال عند سكان المناطق الشمالية أكثر من غيرهم. [نفس المرجع ص 229-231]
وذهب آخرون إلى أن أسباب الجرائم تعود إلى أسباب نفسية، كالضعف العقلي، والأمراض العقلية والنفسية والعصبية وعدم استطاعة الإنسان التوفيق بين شهواته التي تكره القيود، والواقع الخارجي الذي فرض المجتمع فيه قيوداً، وهكذا.. فيدفع بسبب ذلك إلى إشباع غرائزه ولو بارتكاب الجريمة. [نفس المرجع ص 229—231]
وذهب آخرون إلى أن أسباب الجريمة عوامل اجتماعية منها الاقتصادية، كالفقر الذي يعد عاملاً أساسياً في تكوين السلوك الإجرامي.. والبيئة التي تهيأ فيها الفرص لارتكاب الجريمة. [نفس المرجع ص 262-276]
ومنها انعدام الاستقرار الاقتصادي الذي يكون بين رخاء تقل فيه جرائم الأموال، وهبوط تكثر فيه تلك الجرائم وغيرها، ومنها تطور البناء الاجتماعي وازدياد نموه الذي يزداد بسببه نظامه تعقيداً، ينتج عنه عدم التجانس والتوافق، بسبب زيادة القيود والأنظمة، فتنطلق شهوات الأفراد ضد تلك القيود والأنظمة، ومن هنا تكون الجريمة ناشئة من عوامل اجتماعية.
ومنها أن الفرد في المجتمع يقلد غيره، بحيث يقلد الصغير من هو أكبر منه، نتيجة اختلاط أفراد المجتمع الواحد في العائلة والحي والرفقة والوظيفة والزمالة وغيرها. [نفس المرجع ص 308-317]
ومنها الاختلاط التفاضلي، وهو أنه يوجد في المجتمع ثلاثة أصناف:
الصنف الإجرامي المعادى للقوانين والأنظمة..
والصنف المؤيد للقوانين والمطيع لها..
والصنف المحايد..
والفرد يختلط بهؤلاء وأولئك، فإذا رجحت عنده كفة معاداة القوانين تتوثق علاقته بصنف المجرمين، وتزداد عزلته عن الأصناف المعادية للإجرام، فيصبح مجرماً. [نفس المرجع ص 318-329].
وذهب آخرون إلى أن أسباب الجريمة ترجع إلى عوامل سياسية، فيرى التفسير الماركسي أن التناقضات التي تحدث داخل المجتمع الرأسمالي، تخلف أشكالاً من الصراعات التي تكون الجريمة فيها تعبيراً عن الصراع بين الفرد والظروف المحيطة به. [نفس المرجع ص 336].
هذه بعض الأسباب التي ذكرت في كتب علماء الإجرام، حاولت تلخيصها من صفحات طويلة، ولم ألتزم بكثير من مصطلحاتهم، ولا ذكر أصحاب النظريات، خشية الإطالة من جهة، وتيسيراً لفهم القارئ من جهة أخرى.
وقد آن الأوان أن نتعرف على موقف الباحثين من علماء الإجرام أنفسهم، من ثبوت هذه الأسباب في المبحث الآتي..
المبحث الثاني: اختلاف علماء الإجرام في تلك الأسباب
نستخلص من المبحث الأول الأمور الآتية:
الأمر الأول: أن سبب الجريمة دخول الشياطين أو الأرواح الشريرة في جسد المجرم وإفسادها نفسه وروحه، وبذلك يرتكب الجريمة.
الأمر الثاني: إقدام المجرم على الجريمة بكامل حريته واختياره ووعيه، ترجيحاً للمنفعة التي يحصل عليها على المضرة التي تلحقه بسببها..
الأمر الثالث: أن أسباب الجريمة عائدة إلى عوامل جغرافية.
الأمر الرابع: أن الأسباب وراثية أو عرقية..
الأمر الخامس: أن الأسباب عائدة إلى اختلاف في وظائف بعض الأعضاء في الجسم.
الأمر السادس: أن الأسباب تعود إلى عاهات وأمراض جسدية.
الأمر السابع: أن السبب صغر العمر في سن معينه..
الأمر الثامن: أن الأسباب تعود إلى الجنس فالذكر أكثر إجراماً من الأنثى.
الأمر التاسع: أن الأسباب تعود إلى عوامل نفسيه.
الأمر العاشر: أنها عوامل اجتماعية.
الأمر الحادي عشر: أنها عوامل سياسية.
وقد سبق شيء من التفصيل لهذه الأسباب، وليس الغرض استقصاءها والإسهاب في معانيها وذكر جزئياتها؛ لأن ذلك سيطيل البحث ويخرجه عن موضوعه الرئيس، وهو: بيان الأسباب الصحيحة التي خالق الإنسان ـ الذي يصدر منه الإجرام ـ أعلم به وبدوافعه من نفسه ومن غيره من بنى البشر.
تناقضات واعترافات:
لهذا سنختصر الكلام في هذا المبحث أيضاً، بذكر اعتراض بعض أولئك العلماء على بعض، ودحض بعضهم نظريات بعض، واعترافهم بأنهم لم يصلوا إلى سبب علمي يقطعون به في هذا الباب، وإن زعموا في عناوين كتبهم وبحوثهم أن هذا الموضوع ـ الذي تضاربت فيه أقوالهم ـ أصبح علماً.
إن كثيراً من تلك الآراء تعتمد على الإحصاءات والمسح، وهما غير صالحين ليكوناً أساساً للقطع بأسباب الجريمة باعتراف علماء الإجرام أنفسهم.
الاعتماد في سبب الجريمة على الإحصاءات:
فقد قالوا في الإحصاء: إن رقمه ضئيل جداً بالنسبة لرقم الجريمة الحقيقي، وإن الرقم الحقيقي للجريمة يسمى الرقم الأسود أو الرقم المظلم، لجهالته..
وإليك النص في هذا الموضوع: "تعتمد ـ أي الطريقة الإحصائية ـ على الإحصاءات الرسمية، وهى لا تمثل الحقيقة... والحجة في ذلك أن الإحصاءات الرسمية لا تتضمن إلا حجم الإجرام القضائي والإجرام الظاهر، أما حجم الإجرام الحقيقي فلا تحتويه؛ لأنه غير معروف لديها ومن الصعوبة معرفته..
فألوف الجرائم تقع ولا يكتشف أمرها، إما لغموض الجريمة، أو لقدرة الفاعل على إخفائها، أو لأن الضحية لم يكتشفها، أو يكتشفها ولكنه لا يبلغ عنها، تجنباً لإجراءات المحاكم الطويلة أو خشيته الجاني، أو مداراة للفضيحة..
ويطلق بعض العلماء على رقم الجرائم التي تظل مجهولة: "الرقم الأسود" أو الرقم المظلم. [علم الإجرام وعلم العقاب ص:138ـ139 ويراجع كتاب أسباب الجريمة وطبيعة السلوك الإجرامي ص: 50 وما بعدها..].
الاعتماد على المسح الاجتماعي:
أما طريقة المسح الاجتماعي، وهى دراسة حالة معينة في بيئة معينة لمعرفة زيادة الجريمة ونقصانها، مع مراعاة ما يحيط بصاحب الجريمة أو أصحابها من أوضاع اقتصادية وثقافية ودينية وأسرية .... فقد وجه إليها ما وجه إلى غيرها من النقد.
واقرأ في ذلك هذا النص: "ولكن هذه الطريقة لا تسلم من النقد، وفيما يلي أهم الانتقادات الموجهة إليها..
(1) أكثر ما يخشى من هذه الطريقة هو خروج الباحث عن الموضوعية، وانطلاقه في عمله من معايير معينة يستمدها من اتجاهه الأساسي ومواقفه السابقة، فيطبع اختياراته بطابع شخصي يخرج بحثه عن مضامينه الحقيقة وأهدافه المتجردة.
(2) أن المعلومات والمعطيات التي يصل إليها الباحث عن الظاهرة الإجرامية بطريقة المسح الاجتماعي، لا يقابلها في الغالب معلومات كافية عن الظواهر الإنسانية المشابهة، فالباحث قد يتوصل إلى عدد العاطلين عن العمل من بين المجرمين في منطقة معينة، أو عدد الفقراء، أو عدد المشردين.. ولكنه لا يعرف بالمقابل عدد هؤلاء جميعاً بين مجموع سكان المنطقة..
(3) لا تعطى عملية المسح الاجتماعي لبعض الجرائم، كجريمة الرشوة مثلاً نتائج يمكن تعميمها على جميع حالات الرشوة؛ لأن عدد المرتشين الموجودين في السجون أو الذين تدينهم المحكمة، لا يعادل إلا جزءً صغيراً من عدد المرتشين الحقيقي.. فضلاً عن أن المرتشين الكبار نادراً ما يكتشف أمرهم ويقعون في قبضة العدالة. [علم الإجرام وعلم العقاب ـ ص:145].
الاستناد إلى مبدأ حرية الاختيار:
ورفضوا الاستناد إلى مبدأ حرية الاختيار في تفسير السلوك الإجرامي، وقالوا:
"إن الإنسان ليس حر الإرادة بمجرد أن يكون بالغاً عاقلاً، بل إن وراء كل اختيار يقوم به الفرد دوافع بيولوجية ونفسية واجتماعية واقتصادية لا يجوز إغفالها حين تقيم أفعاله.. ولقد دفعت هذه الاعتراضات عدداً من منكري المدرسة التقليدية، إلى التراجع عن المغالاة في مواقفهم وإلى التعاون مع مفكرين آخرين على إعادة صياغة آراء هذه المدرسة. [نفس المرجع ـ 163 ـ 164].
الاعتماد على العوامل الجغرافية:
أما العوامل الجغرافية فقد قالوا فيها: إنها لم تفلح في تفسير الجريمة تفسيراً علمياً كاملاً. [أسباب الجريمة وطبيعة السلوك الإجرامي ص: 94].
وقالوا فيها: "لم يطل عهد النظرية الجغرافية، أو سرعان ما تداعت أركانها، وأدخلت متحف التاريخ، وفي تقديرنا أن حقيقتين أساسيتين هما اللتان هدمتا النظرية الجغرافية.
أولاً: جاءت بعض الدراسات مؤيدة لتأثير البيئة الجغرافية في السلوك الإجرامي، وجاءت بقدرها دراسات أخرى تنقضها وتنتهي إلى نتائج مخالفة لها.. فقد تبين في بعض المناطق على خلاف القانون الحراري للجناح عدم وجود أي ارتباط بين معدلات الجريمة وفصول السنة والمناطق الحارة والباردة، كما بين عدم وجود اختلاف له دلالته في معدلات الجريمة بين الشمال "شمال أوربا كالسويد" والجنوب "جنوب أوربا كايطاليا"..
وأن كثيراً من الإحصاءات أكدت أن نسبة الإجرام في الداخل تفوق أحياناً نسبة الإجرام في الساحل، وأن نسبة الإجرام في السهول المنبسطة كثيراً ما تزيد على نظيرتها في المناطق الجبلية. [علم الإجرام وعلم العقاب ص:177ـ178].
وماذا عن تأثير اختلال وظائف الأعضاء؟
هذا هو جوابهم: "والواقع أن الدراسات التي قام بها علماء الفسيولوجيا الجنائية لمعرفة دور الغدد الصماء في تكوين السلوك الإجرامي، لم تكن كافية ومقنعة إلى الحد الذي يدفعنا إلى قبول جميع النتائج التي توصلت إليها..
فالكشف عن وجود اضطرابات غدية عند بعض المجرمين، لا يسمح لنا بتعميم هذه النتيجة، إلا إذا عرفنا عدد الأسوياء الذين يعانون من هذه الاضطرابات.. ومما يقلل من أهمية النتائج التي توصل إليها علم الإجرام الغُدِّي أن دراساته أجريت على مجرمين أمضوا مدة طويلة في السجن، ولا يوجد ما ينفي تأثير حياة السجن على وظائف أعضائهم وأحداث خلل فيها.. وفضلاً عن ذلك فإنه من غير الممكن وصف نتائج علم الإجرام الغدي بأنها حاسمة، طالما أن العلم لم يتوصل حتى هذا اليوم إلى معرفة كاملة بوظائف الغدد الصماء وبدورها في حياة الفرد في سلوكه العام"..
وهذا نص آخر: "وعلى الرغم مما تيسر لنا من الدراسات العلمية المتعددة التي تناولت بحث مثل هذه العلاقة، فإننا لا نجد من بينها من يقدم الدليل العلمي القاطع على وجود علاقة سببية بين الجريمة وبين إفرازات هذه الغدد". [أسباب الجريمة وطبيعة السلوك الإجرامي ص: 147].
وما نصيب تأثير العاهات والأمراض الجسدية؟
وقالوا في تأثير العاهات والأمراض الجسدية: "ويظهر من كل ما تقدم أن موضوع العلاقة بين العاهات وبين الجريمة، هو الآخر لا زال يفتقر إلى المزيد من الدليل العلمي المقبول.. فليس هناك ما يثبت لنا صحة وجود علاقة سببية بين الجريمة وبين العاهة.. فليس لدينا ما يثبت أن كل ذي عاهة، أو كل مريض منحرف الصحة لا بد وأن يكون مجرماً..".
وهذا نص آخر فيه ما ينقض القول بتأثير العاهات والأمراض بذاتها، وأن الكثرة الغالبة من المجرمين من ذوي الخلقة الطيبة والصحة الجيدة: "والعيب الرئيس الذي يشوب هذه النظرية هو القصور المنهجي، فعمليات القياس والتشخيص والمقارنة التي استعملت في البحث عن أثر العاهات والأمراض في السلوك الإجرامي، أعطت نتائج غير متسقة ولا ثابتة، تعذر تعميمها على جميع الحالات..
كما أن أكثر قضايا النظرية تفتقر إلى البحث عن أثر العاهات والأمراض في سلوك غير المجرمين، وعن نسبة المشوهين والمرضى في المجتمع عموماً للمقارنة بين العينات على مختلف أنواعها.
وفضلاً عن هذا فقد عجزت النظرية الفسيولوجية عن إيجاد تفسير للكثرة الغالبة من المجرمين الذين يتمتعون بخلقة طيبة وصحة جيدة، وللعدد الكبير من المشوهين والمرضى الذين يتميزون بسلوك سوى..
وخاصة إذا عرفنا أن بعض الدراسات انتهت إلى أن نسبة المرضى وذوى العاهات بين المجرمين، هي أقل من نسبتهم بين غير المجرمين. [علم الإجرام وعلم العقاب ص: 222ـ223].
عامل تأثير صغر السن في الجريمة:
وقالوا في تأثير صغر السن في الجريمة: "وفى جميع الأحوال، فإن التفسير الفسيولوجي، لارتباط الجريمة بالسن رغم أهميته لا يمكن التسليم بصحته كحقيقة ثابتة، فالإحصاءات الجنائية أساساً لا تمثل الواقع وهى في هذا الموضوع أكثر بعداً عن الواقع؛ لأن أجهزة العدالة الجنائية معروفة بتساهلها مع الأطفال والشيوخ، وإذا كانت الجرائم تكثر من ناحية ثانية في مرحلتي المراهقة والشباب، فذلك عائد إلى أن هاتين المرحلتين تتصفان بعدم الاستقرار الاجتماعي. [نفس المرجع ص: 226 وراجع معه "كتاب أسباب الجريمة، وطبيعة السلوك الإجرامي" ص: 153 وما بعدها].
عامل تأثير الجنس في الجريمة:
أما إعادة التأثير إلى الجنس، وأن إجرام الرجال أكثر من إجرام النساء، فقد عارضوا ذلك أيضاً وذكروا لكثرة جرائم الرجال عن النساء أسباباً أخرى غير الجنس..
فقالوا في ذلك: "وإنما يعود ـ أي الاختلاف ـ إلى تلك الظروف والأبعاد الاجتماعية التي تقرر مجال نشاط المرأة وحدود منزلتها الاجتماعية في المجتمع.. فالمرأة في الغالب تعيش حياة لا يتاح لها فيها فرصة الاختلاط والاحتكاك بمتطلبات الحياة الاجتماعية، الأمر الذي يضعف من ملاءمة بعض الظروف التي تشجع على تكوين الموقف الإجرامي الذي يؤدي إلى ارتكاب الجريمة..
ولذلك فإن قابلية المرأة نحو ارتكاب الجريمة ترتفع كلما أتيحت لها حرية الاختلاط والعمل..!!
هذا إذا أضفنا إلى هذه العوامل عاملاً مهما يتصل بموقف المجتمع من إجرام المرأة.. إذ أن غالبية الدوائر المختصة لا تظهر الجدية اللازمة في تسجيل الشكاوى المتعلقة بالمرأة..
ولذلك فقد تضيع نسبة كبيرة من جرائم المرأة حيث لا تظهر في الإحصائيات الجنائية العامة للدولة. [نفس المرجع ص 151-152 وراجع كتاب "علم الإجرام وعلم العقاب ص 228 وما بعدها].
وما دور الوراثة في الجريمة؟
وقالوا عن الوارثة التي جعلها بعض الباحثين هي السبب في الجريمة: "ولذلك باتت هذه الفرضية" أي ما تسمى بقوانين (مندل)، وهى من أبرز النظريات الوراثية، كبقية فرضيات الوراثة الأخرى في حقل السلوك الإجرامي، يعوزها الدليل العلمي الثابت، وينقضها المنهج العلمي الصحيح، لجعل السلوك الإجرامي صفة من الصفات الجنائية التي يمكن انتقالها بطريق الوراثة". [أسباب الجريمة وطبيعة السلوك الإجرامي ص: 162، وراجع كتاب علم الإجرام وعلم العقاب ص: 241 وما بعدها..].
عامل العرق في الجريمة:
وكذلك انتقدوا أن يكون العرق هو سبب الجريمة، فقالوا: "والواقع أن النظريات التي تفرق بين عرق وعرق آخر، لم تتمكن من الصمود في وجه الانتقادات الكثيرة التي وجهت إليها، فانهارت جميعها منذ أوائل الخمسينات انهياراً كاملاً". [نفس المرجع ص 230]
تأثير العوامل النفسية في الجريمة:
وأما العوامل النفسية فالمجال فيها أوسع من غيرها، وكل فئة تأخذ عاملاً من العوامل التي تعرض للنفس وتجعله أساساً للجريمة، فمنهم من يتمسك بالأمراض العقلية، ومنهم من يبرز العامل الجنسي..
وهم مختلفون فيما بينهم، ولذلك قالوا: "أما منشأ الأمراض النفسية والأمراض العقلية، بوجه خاص، فهو لا زال موضع خلاف كبير بين العلماء لم ينته الجدل فيه بعد.. إذ من العلماء من يرد هذه الأمراض إلى عامل الوراثة.. ومنهم من يرى أن منشأها اجتماعي، يرجع إلى أثر العوامل الاجتماعية.. وقد يرجع بعض المصلحين الاجتماعيين أسباب زيادة هذه الأمراض إلى ضعف الوازع الديني، أو إلى عجز النظم والمؤسسات التربوية عن القيام بدورها التربوي في عملية تنشئة الفرد الاجتماعية". [أسباب الجريمة وطبيعة السلوك الإجرامي ص: 162 وراجع كتاب علم الإجرام وعلم العقاب ص: 241وما بعدها].
أثر العوامل الاجتماعية في الجريمة:
وأما العوامل الاجتماعية فقد نالت ما نال غيرها من النقد..
فانتقد عامل الفقر أن يكون سبب الإجرام، وقالوا فيه: "ولكن هذه الدراسات لم تسلم من النقد، وخاصة بعد أن توصلت العديد من الدراسات الأخرى إلى نتائج معاكسة تؤكد على ضعف الرابطة بين الفقر والجريمة..
ونشير أخيراً إلى أن بعض الدول النامية مثل الهند وسيلان والحبشة، أكثر دول العالم فقراً، ويموت فيها عشرات الألوف سنوياً من الجـوع والمرض، ومع ذلك، ففيها أقل نسبة إجرام في العالم، وخاصة منها الجرائم على الأموال..
أثر عامل انعدام الاستقرار الاقتصادي:
وانتقد عامل انعدام الاستقرار الاقتصادي أن يكون سبب الإجرام، وقالوا فيه: "ولكن على الرغم من أن للدراسات التي ربطت بين الجريمة وانعدام الاستقرار من قيمة علمية وأثر مقنع على الكثير من المهتمين بقضايا الجريمة، فإنها لم تصمد أمام معارضيها، وخاصة بعد أن قدموا نتائج مناقضة لها تماماً لا تقل عنها دقةً والتزاماً بالمنهج العلمي". [علم الإجرام وعلم العقاب ص: 293ـ294].
أثر عامل عدم التنظيم الاجتماعي:
وانتقد عامل عدم التنظيم الاجتماعي، الذي يحمل أفراد الطبقات الفقيرة على الخروج على القانون بالتماس الجريمة، بأن مثل هذه الطبقات قد تظل غالباً في حدود القانون، لعدم تهيؤ الفرص لخروج أفرادها على القانون.. وأن الجريمة تنشأ عن ظروف مهيئة لجو ارتكابها، وقد لا تتهيأ مثل هذه الظروف لكل الأفراد بصورة واحدة. [أسباب الجريمة وطبيعة السلوك الإجرامي ص:226].
أثر السياسة في الجريمة:
وانتقد رد الجريمة إلى أسباب سياسية، كما ذهب إلى ذلك النظام الماركسي.
وقال العلماء في ذلك: "ولكن لا بد من الإشارة إلى أن نظرية "رواسب الماضي" أو "بقايا البورجوازية" كتفسير للجريمة في الاتحاد السوفيتي، فقد نقدها وعارضها عدد غير قليل من العلماء.. ومن هؤلاء على سبيل المثال: سليابو شنيكوف، الذي يرى بأن هذه النظرية تحوى على مفاهيم بالية. [علم الإجرام وعلم العقاب 354].
هذا وقد اقتصرت على شيء قليل جداً من الأفكار المسماة بالنظريات ـ بل اقتصرت في كثير من الأحيان على أمثلة منها ـ لإيضاح عدم ثبوت أي نظرية منها باستقلال في هذا الباب.. وآثرت أن أنقل النصوص بذاتها، ليطلع القارئ على آرائهم بنصها.
وهنا أسجل أمرين:
الأمر الأول: أن الكتب التي نقلت عنها لسانها عربي، ومؤلفوها عرب، ولكن أفكارها ونظرياتها وانتقاداتها منسوبة في نفس تلك الكتب لعلماء الغرب بأسماء أفرادهم ومدارسهم المختلفة..
فالذين ادعوا السببية هم أهل الغرب.. والذين نقضوها هم أهل الغرب. والعرب الذين كتبوا إنما هم ناقلون مترجمون، ويندر أن تكون لهم آراء مستقلة، وقد اكتفيت بكتابين من تلك الكتب نجد اسميهما في الحواشي، مع أن الكتب المؤلفة في هذا الباب كثيرة جداً، وعندي شيء منها.
الأمر الثاني: أن هؤلاء الكتاب العرب إذا ذكروا الدين أو أشاروا إليه، إنما يذكرونه بمفهومه المعروف عند علماء الغرب مقصور على شعائر دينية وتهذيب خلقي قد يكون نافعاً في تقويم المجرمين..
وهو على أهميته عند بعض الكتاب من الأمور الذاتية الشخصية التي قلما يتهيأ للباحث الحاذق كشف صدق الدراسات التي عنيت بعلاقته بالجريمة بأي أسلوب علمي موضوعي.
وهذه دعوى صحيحة إذا أريد بالأسلوب العلمي الموضوعي معامل المختبرات المادية، فإنها غير قادرة على ذلك..
أما إن أريد بها التجربة للواقع التاريخي للدين، فإنها دعوى مجانبة للحقيقة إلا إذا أريد بالدين الأديان المحرفة التي نشأت أغلب دراسة ظاهرة الجريمة وما يتعلق بها في بيئاتها فالدعوى في محلها..
بخلاف دين الإسلام، فإن نصوص أصْلَيْهِ الكتاب والسنة وواقعه التاريخي، تكشف للباحث لو عاد إليها ما يروي غليله في السبب الأصيل للجريمة..
وليت أولئك الكتاب أعطوا نصوص القرآن والسنة في هذا الباب، في كل خمسمائة ساعة قضوها في نظريات البشر، خمس ساعات ليروا ما دلت عليه تلك النصوص..
ثم يدرسوا تاريخ الإسلام ليطبقوا ما دلت عليه على الواقع، فإن الإسلام لم يطبق في عصر من العصور إلا شهد واقعه له بأنه أساس السعادة..
ولكني أقول: إن أولئك الكتاب أجانب عن هذا المعنى؛ لأنهم يفقدونه، وفاقد الشيء لا يعطيه، ولعل الحقيقة تتضح في الفصل الآتي إن شاء الله جلية، لمن نوَّر الله بصيرته وهداه إلى سبيله من المسلمين، ولمن أنصف وتابع البحث من غيرهم..
فإلى المبحث الثالث من الفصل الأول..
المبحث الثالث: دلالة الواقع على بطلان دعوى تلك الأسباب
وننبه إلى أربعة أمور:
الأمر الأول: أن المقصود إنكار أن تكون تلك الأسباب أسباباً مستقلة، بإنشاء الجريمة أو أن يكون السبب المدَّعَى أصلاً لإنشائها، أما كون بعض تلك الأسباب فرعاً من الفروع التي قد تساعد على ارتكاب الجريمة، فهذا ليس محل إنكارنا، فالفقر قد يكون من الأسباب المؤدية إلى ارتكاب الجريمة، ولكنه ليس سبباً مستقلاً بها ولا هو أصل ارتكابها.
الأمر الثاني: أن علماء الإجرام الذين عنوا بأسباب الجريمة، هم من أهل الغرب الذين لا يعيرون الإسلام اهتماماً، وبخاصة مناهجه المنظمة لحياة البشر على أساسه، والدالة على أن السعادة ملازمة لتطبيقه، والشقاوة ملازمة للبعد عنه..
والسبب في موقف علماء الغرب ـ في الغالب ـ هو الحقد الشديد على الإسلام وكراهة انتشاره وانتشار مبادئه، ولذلك يهملون ذكره إلا على سبيل الطعن فيه حيث أمكنهم ذلك، وقد يكون السبب في ذلك جهل بعضهم بحقيقة الإسلام.
وإن الأمانة العلمية التي يدعونها هم كانت تفرض عليهم أن يبحثوا في الإسلام كما بحثوا في غيره عن أسباب الجريمة.. ولكن هذه الأمانة المدعاة تفقد عندهم، إذا ذُكر لهم الإيمان بالغيب الذي يعتبرونه خرافة ويطلقون عليه "ميتافيزقا" والعلم عندهم لا يطلق إلا على ما يدخل في عالم المادة.
الأمر الثالث: أن علماء الإجرام اعترفوا أن الأسباب التي ذكروها كلها، غير صالحة للاستقلال في سببية الجريمة؛ لأنها تفسيرات جزئية غير مؤهلة لأن تكون نظريات تفسيريه عامة..
فقالوا: "فالحقيقة أن أي تفسير مهما كان جديداً.. أو حديثاً في صياغة فرضيات علمية جديدة، لا يقوى على مجابهة هذه الظاهرة المتعددة التي ندعوها بالجريمة، والتي لا تخضع لأي منطق سببي يقوم على تفسير جزئي واحد، ليكون نظرية تفسيرية عامة في مجال سببية السلوك الإجرامي وعلة الجريمة. [أسباب الجريمة وطبيعة السلوك الإجرامي ص: 168، ومعلوم أن الجديد عندهم يرجى منه ما لا يرجى من القديم، بسبب توافر البحوث والإمكانات التي سبقته، والأساليب الحديثة المستخدمة فيه].
الأمر الرابع: أن المتتبع لتلك الأسباب التي ذكرها علماء الإجرام، يرى أن كثيراً منها يخالف الواقع في كل أجزاء الأرض، حارها وباردها، غنيها وفقيرها، سواء كان أصل أهلها مجرمين أو أسوياء، مرضى أو أصحاء، مهاجرين أو مستقبلين في بلادهم للمهاجرين، بشرط واحد فقط وهو أن يطبق دين الله في تلك الأجزاء من الأرض..
والشاهد على هذا ما كان عليه العرب في الجزيرة، من التناحر والتقاتل والنهب والسلب والإغارة، بل وأد الأطفال أحياء..
فلما جاء الإسلام ودخلوا فيه، أصبحوا دعاة إصلاح وقادة خير، وأصبح منهم المهاجرون والأنصار الذين شهد التاريخ لهم بما لم يسبق له مثيل من الحب والإيثار والتعاون على البر والتقوى..
وهاجر الكثير منهم إلى بلاد الشرق والغرب، فاتحين فكانوا في بلدان مختلفة الأجواء من حرارة وبرودة وغنى وفقر، ومختلفة السلالات وبها من الجرائم ما لا يعد ولا يحصى..
ولكنهم ما إن وطئت أقدامهم تلك البلدان، حتى شيدت المساجد وارتفع ذكر الله، وعمَّ الإخاء، وثبت الإيثار والحب، واختفت الجرائم إلاَّ ما لا بدَّ منه بسبب فقد الإيمان أو ضعفه، عند بعض الأفراد أو الفئات كما سيأتي.
وإنك لترى شخصاً مجرماً في وقت غناه، فإذا سكن الإيمان في قلبه تحول إلى محسن إلى الناس، كما ترى آخر فقيراً مجرماً، فإذا خالط الإيمان قلبه أصبح زاهداً ورعاً..
وترى من ينتقل من بلده مهاجراً إلى بلد آخر وهو مجرم كذلك، فإذا خالط أهل البلد الذي هاجر إليه فتأثر بالإيمان، أصبح من أولياء الله، وكذلك يهاجر الرجل المؤمن الصالح إلى بلد يكثر في أهله الإجرام، فيؤثر فيهم فيتحولون إلى مصلحين.
وشواهد التاريخ على ذلك لا تحصى، وهذا كله يدل على أن تلك النظريات المدعاة في أسباب الجريمة غير صحيحة، بل إن الواقع التاريخي يخالفها..
ولعل في هذا ما يكفى لننتقل إلى الفصل الثاني الذي هو مقصود هذا البحث.