الباب الأول: دور المؤسسات الأربع في تربية الصغار.
الباب الأول: دور المؤسسات الأربع في تربية الصغار.
الفصل الأول: دور الأسرة في تربية الصغير.
الفصل الثاني: دور المدرسة في التعليم والتربية.
الفصل الثالث: دور المجتمع في التعليم والتربية.
الفصل الربع: دور الدولة في التعليم والتربية.
الفصل الأول: دور الأسرة في تربية الصغير.
المبحث الأول: اختيار الزوج الصالح المرأة الصالحة.
المبحث الثاني: تعاون الزوجين على تربية الأولاد.
المبحث الثالث: الأثر المترتب على سلوكهما في التربية.
[s3]
المبحث الأول: اختيار الزوج الصالح المرأة الصالحة.
إن الأساس الأول في صلاح الأسرة هو صلاح الزوجين، ولذلك جاء الأمر للزوج بأن يختار المرأة الصالحة ذات الدين والخلق.
فقد ذكر صلى الله عليه وسلم الصفات التي تدعو الزوج لاختيار المرأة التي تتوافر فيها كلها أو بعضها، ولكنه أمر باختيار ذات الدين إن لم تتوافر في المرأة بقية الصفات، أي إن ذات الدين التي لا توجد فيها بقية الصفات، يجب أن تختار دون من توافرت فيها الصفات الأخرى، غير الدين.
كما في حديث أبي هريرة، رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: ((تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك)). [متفق عليه، وهو في جامع الأصول (11/429)].
وفي حديث عمر، رضي اللّه عنه، عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: ((ألا أخبرك بخير ما يكنـز المرء؟ المرأة الصالحة، إذا نظر إليها سرته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته)). [مسلم، وهو في جامع الأصول (11/428)].
وكذلك يجب أن يختار للمرأة الرجل الصالح، وقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أولياء المرأة، أن يزوجوها من يرضون دينه وخلقه، وحذر من مخالفة أمره، والمخالفة تشمل أمرين ذُكرا في الحديث:
الأمر الأول: تزويج الأولياء ولياتهم ممن لا يرضون دينه وخلقه، المفهوم من منطوق الحديث.
والأمر الثاني: الامتناع عن تزويج من رضوا دينه وخلقه، لما يترتب عليهما من الفساد كما في حديث أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : ((إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلاّ تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض)). [الترمذي، وهو في جامع الأصول (11/465) وقال المحشي: وهو حديث حسن].
فقد أمر صلى الله عليه وسلم الزوج أن يختار المرأة ذات الدين والخلق، كما أمر أولياءها ـ وهي مأمورة بذلك أيضاً ـ أن يختاروا لها الزوج المرضي دينه وخلقه، فإذا وُجد الزوجان الصالحان وجدت نواة الأسرة الصالحة بإذن اللّه.
والدين والخلق إنما يوجدان فيمن اتصف بالعلم النافع ولو بحده الأدنى، الذي يؤدي به صاحبه حقوق اللّه وحقوق عباده على بصيرة، وبالعمل الصالح الذي هو أداء حقوق اللّه وحقوق عباده.
فالجاهل بالأمر لا يمكن أن يؤديه كما أمر اللّه به، والعالم الذي لا يعمل بعلمه ليس متصفاً بالصلاح، بل هو إلى الفساد أقرب.
[s3]
المبحث الثاني: تعاون الزوجين على تربية الأولاد.
من سنن اللّه الكونية أن يتناسل الخلق، ليبقي الجنس والنوع على وجه الأرض ولا ينقرضا، ومع كون ذلك من سنن اللّه الكونية، فهو مطلوب شرعاً من الإنسان، الذي كلَّفه اللّه تعالى عمارة الأرض، ومن هنا كان حفظ النسل من الضرورات التي لا حياة مستقرة بدونها للبشر.
وقد شرع اللّه تعالى الترغيب في النكاح، وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم به أمراً حمله بعض العلماء على الوجوب بالنسبة للقادر كما في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم شباباً لا نجد شيئاً فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا معشر الشباب من استطاع الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء)). [الحديث في الصحيحين وغيرهما، وراجع المحلى، لابن حزم (9/440)].
وحذَّر صلى الله عليه وسلم من رغب عن النكاح تحذيراً شديداً، وجعل ذلك رغبةً عن سنته، وأن الراغب عن سنته ليس ممن سلك نهجه واتبع سنته واقتدى به، كما في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، يقول جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أُخبروا كأنهم تقالُّوها، فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟
قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبداً، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً.
فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟! أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني)). [الحديث في الصحيحين].
ورغَّب في كثرة الذرية وأمر بتزوج المرأة التي يكثر منها النسل فقال صلى الله عليه وسلم: ((تزوَّجوا الولود الودود، فإني مكاثر بكم)). [أبو داود، وهو في جامع الأصول (11/428)].
وأنكر اللّه تعالى أشد النكير على من يقتل الأولاد خشية الفقر أو خشية العار، كما قال تعالى: {ولا تقْتُلُوا أولادَكُمْ مِنْ إمْلاقٍ نحْنُ نرْزُقكُمْ وَإياهُمْ}. [الأنعام: 151].
وإذا كان حفظ النسل ضرورة من الضرورات البشرية، والشرعية لتحقيق عمارة الأرض مادياً ومعنوياً كما أراد اللّه تعالى، فإن عمارتها التي أرادها اللّه، لا تكون إلا من ذوي الصلاح والهُدى الذين يصلحون في الأرض ولا يفسدون، فقد وجب على الزوجين الصالحين أن يقوما بتربية أبنائهما تربية إسلامية تجعلهم من أهل الصراط المستقيم، بكل الوسائل التي توصل إلى ذلك، تربية الجسم بالغذاء والتنظيف والحفظ، وتربية العقل بالفكر والتعليم، وتربية الروح بالطاعة والعبادة، تلقينا وقدوة.
والقدوة في تربية الصغار أهم من غيرها بكثير، فإن القدوة التي ينشأ فيها الطفل، هي التي تحدد نشاطه وتصرفاته واتجاهاته في مستقبل حياته في الأعم الأغلب، بإذن اللّه؛ لأن ما يثبت في نفسه في صغره، وينمو معه في منزل أبويه يُصبح عادة متمكنة فيه، يصعب تغييرها، لذلك كان الواجب على الوالدين أن تكون تصرفاتهما كلها قدوة حسنة لأولادهما، مع التوجيه النظري والتعليم، وإذا ساءت القدوة لم ينفع التعليم، فإن الفعل يتمكن في النفس أكثر من التعليم، وبخاصة نفس الصغير الذي وُلد على الفطرة، فإنه يعتاد على ما يشاهد من الأفعال، وما يسمع من الأقوال، لا سيما إذا كثرت أمامه حتى أصبحت عادة.
ولهذا ذكَّر اللّه المسلمين بأهمية القدوة الحسنة في رسولهم صلى الله عليه وسلم، وبيَّن لهم ما يعينهم على الاقتداء به، فقال: {لَقَد كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّه أسْوَةٌ حَسنَة لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللّه وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ الّله كَثيرا}. [الأحزاب: 21].
وكان صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه بالقول والفعل، الذي يعتبر المظهر الأول للقدوة، فقال في الاقتداء به في الصلاة: ((صَلّوا كما رأيتموني أصلي)). [متفق عليه وهو في جامع الأصول (5/576)].
وقال في الاقتداء به في الحج: ((خذوا عني مناسككم)). [مسلم وأبو داود، وهو في جامع الأصول (3/285)].
قال الأستاذ محمد قطب: "ومرة واحدة من القدوة السيئة تكفي، مرة واحدة يجد أمه تكذب على أبيه، أو أباه يكذب على أمه، أو أحدهما يكذب على الجيران، مرة واحدة، كفيلة بأن تدمر قيمة الصدق في نفسه، ولو أخذا كل يوم وساعة، يرددان على سمعه النصائح والمواعظ والتوصيات بالصدق، مرة واحدة كفيلة بأن تدمر قيمة الاستقامة في نفسه، ولو انهالت إلى سمعه التعليمات، مرة واحدة يجد في هؤلاء المقربين إليه نموذجاً من السرقة، كفيل بأن تدمر في نفسه قيمة الأمانة.. وهكذا في كل القيم والمباديء التي تقوم عليها الحياة الإنسانية السوية". [انظر منهج التربية الإسلامية (2/118) مع تصرف يسير].
[s3]
المبحث الثالث: الأثر المترتب على سلوك الوالدين في التربية.
إن سلوك الوالدين الصالحين أو الفاسدين له أثره العظيم في صلاح أبنائهما أو فسادهم، وهذا الأثر له خمسة جوانب:
الجانب الأول: استمرار أثر سلوكهما في الأسرة، بحيث يتبع كل مولود في الأسرة من هو أكبر منه من إخوانه، فإذا كانت تربية أخيه الكبير طيبة أثر الأخ الكبير في أخيه الصغير، واكتسب الجديد من القديم صفاته وأخلاقه الصالحة في الغالب، لتأثره به، وإن كانت تربية الكبير سيئة انتقلت تربيتهُ السيئة إلى أخيه الجديد كذلك، فتتكون الأسرة من أفراد فاسدين، لفساد تربية الأبوين، وتتكون من أفراد صالحين، لصلاح تربية الأبوين.
الجانب الثاني: أن الوالدين الصالحين ينالان من أبنائهما الصالحين، مثل ثواب أعمالهم الصالحة، تحقيقاً لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((من سن سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من أجورهم شيء)). [مسلم وهو في جامع الأصول (6/357)].
ولقوله صلى الله عليه وسلم : ((الدال على الخير كفاعله)). [الترمذي، وهو في جامع الأصول (9/567ـ568) قال المحشي: حديث حسن].
الجانب الثالث: أنهما يستقبلان من أولادهما دعواتهم الصالحة وهما يرقدان في البرزخ إلى أن تقوم الساعة، لقوله صلى الله عليه وسلم: ((إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)). [مسلم وأبو داود والترمذي، وهو في جامع الأصول (11/180)].
الجانب الرابع: أن الآباء ينعمون بطاعة أولادهم لهم وأدبهم معهم في الدنيا بخدمتهم وبرهم، طاعةً لربهم التي ربوهم عليها، وتنفيذ أوامره واجتناب نواهيه؛ لأن الله تعالى أمر ببر الوالدين وحسن معاملتهم، ونهاهم عن معصيتهم وسوء الخلق معهم.
كما قال تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً...} . [النساء: 36]. وأمثال الآية كثير.
وقال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً}. [الإسراء: 24].
وفي حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، يقول: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنه في الجهاد، فقال: ((أحيٌّ والداك؟)).
قال: نعم.
قال: ((ففيهما فجاهد)). [الحديث في الصحيحين وغيرهما].
فقرن الله تعالى حق الآباء بحقه في الآيات، وقدم حقهم في الحديث على الجهاد ـ غير العيني ـ.
كما أن الوالدين الفاسدين ينالان مثل جزاء أبنائهما الفاسدين، جزاء على فساد تربيتهما، وتحقيقاً لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((ومن سن في الإسلام سنة سيئة، كان عليه مثل أوزار من عمل بها إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من أوزارهم شئ)). ويفهم من قوله صلى الله عليه وسلم : ((الدال على الخير كفاعله)) أن الدال على الشر كفاعله أيضاً. [سبق تخريج الحديثين قريباً].
الجانب الخامس: أنه يترتب على تربية الوالدين لأبنائهما، سعادة المجتمع الأبناء الصالحة؛ لأنهم يسعون لتحقيق كل ما فيه صلاح للمجتمع، وفي دفع ما فيه فساد له، تحقيقاً للولاء الإسلامي بين المؤمنين، المستلزم للإيثار وعدم الإضرار بالغير.
كما أن المجتمع يشقى بتربية الأبناء الفاسدة؛ لأنهم بسبب فساد تربيتهم يسعون فساداً في الأرض، وتتحكم فيهم الأنانية والأهواء، وبصلاح الأسر يصلح المجتمع، وبفسادها يفسد المجتمع؛ لأن المجتمع إنما يتكون من الأسر.
الفصل الثاني: دور المدرسة في التعليم والتربية.
وفيه تمهيد وأربعة مباحث:
المبحث الأول: المنهج المحقق للهدف من التربية والتعليم في الإسلام والملائم لمستويات الطلبة.
المبحث الثاني: المعلم الْمُزَكِّي الكفء.
المبحث الثالث: المشرفون الأكفاء.
المبحث الرابع: التعاون مع الأسرة على تربية الأبناء.
[s3]
تمهيد عن المدرسة.
إن الإنسان لا يستغنى مطلقاً عن التَّعلُّم، فهو في أشد الحاجة إلى التعلم لتستقيم حياته، إنه في حاجة إلى التعبير عما في نفسه للآخرين، كما أنه في حاجة لفهم ما في نفوس الآخرين، ووسيلتهم إلى فهم التعبير إما اللسان ـ ولا بد أن يشتركوا في لغة التخاطب ـ وإما الكتابة ـ وهي كالتعبير باللسان لا بد أن يشترك الكاتب والقارئ في لغة الكتابة ـ وإما الإشارة؛ وهى التي لا يحتاج فيها الناس إلى فهم اللغة، ولا الكتابة، ولكن مجال التفاهم بالإشارة ضيق، إذ لا بد أن يكون المشير، والمشار له، والمشار إليه، في مكان واحد يمكن فيه للمشير والمشار له أن يرى كل منهما الآخر، وأن يريا المشار إليه، ولابد أن يكون كل منهما مبصراً كذلك.
ومن هنا كان التخاطب باللسان والكتابة، أمراً ضرورياً لا غنى عنه للأفراد والأمم.
ويظهر ذلك في امتنان اللّه سبحانه وتعالى على آدم وذريته بتعليمهم أسماء الأشياء ومسمياتها، وتعليمهم البيان الذي هو الإعراب عما في نفوسهم، وفهم ما في نفوس غيرهم.
قال تعالى: {وَعلمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا}. [البقرة: 31].
وقال تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلّمَ الْقُران، خلق الإنسانَ. عَلَّمَهُ الْبيَانَ}. [الرحمن: 1ـ4].
وامتن عليهم كذلك بالقراءة والكتابة، كما امتن عليهم بالتعليم فقال تعالى: {اقْرَأ بِاسْم رَبك الذي خلَقَ. خلَقَ الإنسانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرأ وَرَبُّك الأكرم الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَم عَلَّمَ الإنسَانَ مَا لَمْ يعلم}. [العلق: 1ـ5].
ولعل في اقتران المنة بالخلق والمنة بالتعليم، إشارة إلى أن التعليم ضرورة كضرورة الخلق.
فلا غنى للبشر عن التَعلُّم والتَّعليم، والمدرسة إنما تنشأ لذلك ـ وإن اختلفت أهداف كل أمة عن الأخرى من التعليم ـ لأن المؤهلين للتعليم لا يوجدون غالباً في كل بيت، حتى تستغني كل أسرة بمعلمها في بيتها، لندرة المعلم، وندرة التعليم في بعض جوانب الحياة، فاقتضت الضرورة أن يشترك عدد من الناس في مكان واحد لتلقي التعليم؛ لأن المعلم الواحد يمكنه أن يعلم عدداً من الناس ـ مجتمعين ـ ولكنه لا يقدر على تعليم عدد كبير، كل فرد منهم على حدة.
والمدرسة تتكون من مكان يجتمع فيه الدارسون والمدرسون، ليُعلِّم هؤلاء أولئك، ومن منهج يوضع لتحقيق هدف معين، ولا بد أن يكون المنهج ملائماً لمستوى الدارسين، ومن دارسين يتعلمون، ومدرسين يعلمون، ومشرفين ينظمون الدراسة، ويديرون المدرسة، ويذللون الصعاب التي تعترض التعليم.
والمدرسة المعنية ـ هنا ـ هي المدرسة الإسلامية، والدور الذي تقوم به هو التعليم والتربية.
[s3]
المبحث الأول: المنهج المحقق للهدف من التعليم والتربية في الإسلام، والملائم لمستويات الطلبة.
وفي هذا المبحث فرعان:
الفرع الأول: بيان الأهداف المطلوب تحقيقها في المدرسة:
إن الهدف العام للتعليم في الإسلام، هو رضا اللّه سبحانه وتعالى بعبادته التي خلق الخلق من أجلها، وعمارة الأرض بتطبيق شريعته التي تسعد البشرية كلها في ظلها بالعدل والإحسان والسلام.
كما قال تعالى: {وَمَا خلَقت الجِنَّ وَالإنسَ إلا لِيعْبُدُونِ}. [الذاريات: 56].
وقال تعالى: {قُل إن صلاتي ونسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للّه رَبّ الْعَالَمِينَ لاشَرِيك لَهُ وَبذَلِك أمرت وَأنا أوَّلُ المسلمين}. [الأنعام: 62ـ63].
فعبادة الله تعالى شاملة لنشاط الإنسان كله: نشاط قَلبه من قصد وتصديق، ومحبة وإنابة وغيرها، ونشاط جوارحه من أداء شعائر تعبدية، كالصلاة والصيام والحج والزكاة والجهاد وغيرها، ونشاط لسانه، كالنطق بالشهادتين والذكر وقراءة القران، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وغيرها.
وبهذا الشمول عرف شيخ الإسلام ابن تيمية العبادة في الإسلام، فقال رحمه الله: "العبادة اسم جامع لكل ما يحبه اللّه من الأقوال والأفعال الباطنة والظاهرة". [العبودية ص38، طبع المكتب الإسلامي، بيروت].
إذا عُلم هذا، وجب أن يكون هذا الهدف ـ وهو رضا اللّه تعالى بتحقيق عبادته ـ هو الأساس الذي تدور حوله جميع الأهداف الفرعية، وكل الوسائل الموضوعة للتعليم والتربية في المدرسة، بل وفي غيرها من مناشط الحياة.
وهناك أهداف فرعية مرتبطة بهذا الهدف العام ومحققة له، ومنها: تثبيت الإخلاص للّه سبحانه وتعالى في عبادته، بحيث يكون قصد العبد وجه اللّه والتجرد له تعالى، لا يشوب قصده شيء من الأشياء، لا جاه، ولا مال ولا منصب، ولا سمعة تحقيقاً لقول اللّه تعالى: {وَما أمِرُوا إلا ليَعْبُدُوا اللّه مُخلِصِينَ لَهُ الدِيّنَ حُنَفَاَءَ وَيقيموا الصلاةَ وَيُؤتُوا الزّكَاةَ وَذَلِك دِينُ القَيّمَة}. [البينة: 5].
وقوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالحا وَلا يُشْرك بِعِبَادَةِ رَبّهِ أحَدا}. [الكهف: 110].
وقوله تعالى في الحديث القدسي: ((مَنْ عَمِلَ عَمَلا أشْرَكَ مَعي فِيهِ غَيْري تَرَكتهُ وَشِركَه)). [مسلم، وهو في جامع الأحوال (4/545)].
ومنها: تحقيق الاتباع للرسول صلى الله عليه وسلم، الذي تتحقق به محبة اللّه ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم.
كما قال تعالى: {قل إنْ كُنْتُمْ تحِبُّونَ اللهّ فَاتبعُونِي يُحْبِبْكمْ اللهّ ويغَفِرْ لَكُمْ ذنوبَكُمْ وَاللهّ غَفُور رَحِيم}. [آل عمران: 31].
ومعنى تحقيق الاتباع للرسول صلى الله عليه وسلم، أن لا يختار قول أحد يعارض قوله، ولا يقدم على شريعته أي قانون أرضي يخالفها، وأن يجعل هواه تابعاً لأمره.
كما قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤمِنٍ ولا مُؤمِنَةٍ إذَا قَضَى اللّه وَرَسولُه أمْراً أنْ يكون لَهُمُ الخِيْرَةُ مِنْ أمْرِهِمْ، ومَنْ يعصِ اللهّ وَرَسُولَه فَقد ضَلَّ ضَلالاً مُبيناً}. [الأحزاب: 36].
وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت)). [الأربعون النووية، راجع جامع العلوم والحكم لابن رجب ص338].
والمقصود من الإخلاص والاتباع، هو تحقيق معنى الشهادتين: ((شهادة أن لا إله إلا اللّه)) التي يتحقق بها الإخلاص، وشهادة ((أن محمداً رسول اللّه)) التي يتحقق بها الاتباع.
ومن الأهداف الفرعية تعليم كل فرد من أفراد المسلمين، فروض العين التي فرضها اللّه على الناس كلهم، بحيث لا تسقط عن أحد لقيام غيره بها، حتى يؤدي كل واحد ما فرض الله تعالى عليه عن علم وبصيرة؛ لأن شرط قبول العمل موافقته للشرع، والموافقة لا تتحقق إلا بالعلم بما يشرع الله فيه، كالصلاة والزكاة والحج والصيام التي فرضها الله سبحانه وتعالى فرضاً عاماً على كل مسلم، بلا سبب ظاهر بخلاف ما وجب لسبب، فإنه يجب على من وجد السبب في حقه كالكفارات والنذور ونحوها.
ومنها فروض الكفاية، كإمامة الصلاة، وخطب الجمع، وكذا القضاء، والإفتاء، وإتقان بعض الصنائع التي يحتاج إليها الناس، كالبناء، والطب، والجغرافيا، وتعلم الفروسية إعداداً للمستطاع، لجهاد أعداء اللّه، وغيرها، كل ذلك من أجل القيام بعبادة اللّه وعمارة الأرض بطاعته معنوياً ومادياً، إذ لا يمكن أن يعبد الله في الأرض حق عبادته بدون ذلك، فعباد الله مأمورون بعبادته، والدعوة إليه، والجهاد في سبيله.
وأعداء الله لا بد أن يصدوا أولياءه عن القيام بما فرض الله عليهم، وإذا لم يستكمل أولياء الله عدة الحياة في الأرض للسلم والحرب، فكيف يستطيعون أن يقوموا بما كلفهم الله إياه؟!
وخلاصة القول أن أهداف التعليم والتربية في الإسلام، تقوم على أساس عبادة الله، والدعوة إليه، والجهاد في سبيله، وعمارة الأرض بما يرضيه، فيجب أن يكون منهج المدرسة الإسلامية ـ وهي شاملة لكل مراحل الدراسة ـ شاملاً لكل تلك الجوانب المحققة لتلك الأهداف، حتى يكون المسلمون قادة للناس في الدين والدنيا معاً، قيادة ناشئة عن جدارة وقوة.
ذلك هو المنهج المطلوب للمدرسة الإسلامية. فإذا حصل قُصُور في أي جانب من جوانب المنهج، أثر ذلك في تحقيق الأهداف المطلوبة بمقدار ذلك القصور.
الفرع الثاني: ملاءمَة المنهج لمستويات الدارسين:
إن اللّه سبحانه وتعالى، لم يخلق الناس على مستوى واحد في كل شيء، وإنما خلقهم متفاوتين، منهم الذي يبلغ القمة في الذكاء، ومنهم من يتدنى إلى رتبة الغباء، ومنهم من هو بين الذكاء والغباء، وهى درجات متفاوتة، كما أن منهم من رزقه اللّه صفة الصبر التي تجعله يواصل العمل الشاق مدة طويلة، وهو مرتاح البال مسرور القلب، ومنهم من يفقد تلك الصفة، حتى ليضيق ذرعاً بما هو ميسور لسواه، فلا يستطيع أن يتحمل المشاق، ولا طول مدتها، ومنهم من رزقه اللّه قوة في الجسم التي تمكنه من الكد والقيام بالأعمال التي تحتاج إلى قوة الأجسام، ومنهم ضعيف الجسم الذي يعجز عن القيام بالأعمال الجسمية الخفيفة، وقد يكون أكثر علماً وفهماً وعقلاً من قوى الجسم، وقد يجمع اللّه القوتين في شخص واحد، فيكون قوي العقل كثير العلم، وقوي الجسم.
قال تعالى: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنْ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}. [البقرة: 247].
ثم إن الدارسين يتفاوتون في السن، فمنهم صغير السن الذي لا تمييز عنده، ولا ينفع معه إلا التلقين، أو الحركات، ومنهم من هو فوقه في الإدراك، ومنهم من كبر وبلغ وتمرن على تحصيل العلوم ما يسمع منها وما يقَرأ.
وهذا الاختلاف في المستويات يقتضي أن يختلف المنهج باختلافها، لتتمكن كل فئة من استيعاب ما تدرسه من العلوم؛ لأن القاعدة العامة في الشريعة الإسلامية أن لا يكلف أحد فوق طاقته، كما قال الله تعالى: {فَاتَقوا الله مَا اسْتَطعتُم}. [التغابن: 16].
وإذا وضع منهج واحد لجميع الدارسين، فلا يخلو من أحد أمور ثلاثة:
الأمر الأول: أن يراعي فيه الفئة الأقوى، فيحصل الضرر على الفئة المتوسطة والفئة الدنيا.
الأمر الثاني: أن تراعي فيه الفئة المتوسطة، فيتضرر بذلك الفئة الأقوى، والفئة الأضعف.
الأمر الثالث: أن تراعي فيه الفئة الأضعف، فتتضرر بذلك الفئة الأقوى والفئة الوسطى.
أي إما أن تخسر طاقاتٌ قوية، بسبب ضعف المنهج بالنسبة لها، وإما أن تخسر طاقات ضعيفة، بسبب قوة المنهج بالنسبة لها، وخسارة أي فئة من الفئات، هي خسارة للأمة.
والذي يبدو لي ـ أخذاً من القاعدة العامة التي دلت عليها الآية القرآنية السابقة وغيرها مما في معناها من القرآن والسنة ـ ومما أشار إليه علماء الإسلام، أن المنهج المطلوب يكون على قسمين.
القسم الأول: منهج عام لجميع الدارسين، لا يُستَثنى منه أحد منهم:
وهو ما يشتمل على فروض العين: من الإيمان باللّه تعالى إيماناً مبنياً على الأدلة العقلية والكونية والنصوص القرآنية والحديثية، والإيمان بملائكته، وكتبه ورُسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وكل ما أخبر الله تعالى به أو أخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم مما يتعلق بأصول الإيمان، كالجنة والنار، والحشر والحساب، والصراط والميزان، وغيرها من أمور الغيب، إيماناً يصل إلى درجة اليقين الذي لا تزعزعه الشكوك، ولا تتطرق إليه الأوهام، وهو ما أجمله اللَه تعالى في قوله في أول صفات المتقين: {ألَم ذَلك الْكتِابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدَىً لِلّمُتًقِينَ الَّذِينَ يُؤمِنُونَ بِالغيْبِ}. [البقرة: 1ـ3].
وفصَّل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، أصول الإيمان بالغيب في حديث جبريل المشهور، حيث سأله جبريل عليه السلام عن الإيمان، فقال: ((أن تؤمن باللَه وملائكته وكتبه ورُسُله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره)). [مسلم، وهو في جامع الأصول (1/208)].
وكذا يدخل في هذا القسم: التعرف على حق الله تعالى على العبد، وهو توحيده في ألوهيته، بأن يعلم أنه هو وحده تعالى المعبود الذي لا يعبد سواه، لا ملك مقرب ولا نبي مُرسل، فضلاً عن غيرهما من المخلوقات، من إنس وجن، وشجر وحجر ودواب، وغيرها.
وأن يعلم أن حبه تعالى فرض على كل أحد، بأن يحبه حباً يدفعه إلى القيام بطاعته وترك معصيته، وأن يخشاه ولا يخشى أحداً غيره، وأن يصرف له كل نوع من أنواع العبادة التي أوجبها الله تعالى لنفسه، وأن صرْف أي نوع من أنواع العبادة لغيره من البشر يقدح في عبادته والإيمان الصادق بألوهية الله.
كما يدخل في ذلك التعرف على أسماء اللّه تعالى وصفاته التي أثبتها لنفسه في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فما أثبته لنفسه أثبته، وما نفاه عن نفسه نفاه، دون دخول في تعطيل أو تشبيه أو تأويل، وأن يدرس أسماء الله تعالى وصفاته، ليملأ قلبه إيماناً وخشية وإنابة إلى ربه وحباً وتعظيماً له، ليكثر من التقرب إليه، ويبتعد عن معصيته سبحانه وتعالى.
ويدخل في ذلك أن يعلم أن الله تعالى هو الخالق الرازق المدبر المحي المميت، النافع الضار، الذي إذا أراد شيئاً قال له: { كُنْ فَيَكُونُ}.
وأن يعلم أن الحكم للّه، لا لسواه، فإذا حكم اللّه بحكم في أي في أمر من الأمور، فإن الواجب على كل أحد التسليم لحكمه، وأنه لا إيمان لمن أجاز لأحد أن يشرع من عند نفسه شرعاً لم يأذن به اللّه، ويدخل في ذلك الإيمان بأن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، هو خاتم الأنبياء والمرسلين، ولا نبي بعده، وأن حبه فرض على كل أحد، وأن دليل حبه إتباع ما جاء به من عند ربه.
ويدخل في ذلك تعلم أركان الإسلام الخمسة، وهي شهادة أن لا إله إلا اللّه وأن محمداً رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً، وأن يعلم تفاصيل ما يجب عليه في ذلك من صفة الصلاة، ولوازمها، ووقت الصوم ومفطراته وما يجب أن يجتنبه الصائم، وصفة الحج والعمرة، ومقدار الزكاة في كل نوع من أنواع المال والنصاب الذي تجب فيه، وهكذا معرفة ما يجب عليه وما يحرم من المآكل والمشارب، والمناكح، والملابس وغيرها، من الحقوق والمعاملات التي لا يخلو من ممارستها أحد في الغالب، فإنها فروض عين يجب أن يتعلمها كل مسلم.
والذي يبدو لي أن مرحلة هذا القسم تستغرق ما يسمى بالقسم الابتدائي، والقسم المتوسط، بحيث تكون المواد الدراسية في كلا القسمين ملائمة في كمها وكيفها لسن الدارسين، وأن أولى ما تنبغي العناية به في المرحلة الأولى، وهي مرحلة القسم الابتدائي، هو تحفيظ القرآن الكريم وتجويده، وتحفيظ جزء من الأحاديث النبوية المتعلقة بالآداب والسلوك والفروض، ويختار منها ما قصُر لفظه وعظُم معناه، وكذلك تعلم القراءة والكتابة، وشيء من مبادئ العلوم المتنوعة، كالتوحيد والفقه، والسيرة النبوية وكالحساب، وغيرها مما تمسُّ الحاجة إليه، على أن تراعى السهولة في التأليف، وتقصير المنهج، بحيث لا يكون سبباً في كُره الدارسين للدراسة، لعدم قدرتهم على الاستيعاب أو الحفظ، فإن الدارس إذا أحب الدراسة في هذه المرحلة استمر غالباً في دراسته، وإن كرهها انقطع عنها، وقد تكون بعض العلوم ليست فرض عين في حد ذاتها ولكنها وسيلة إلى معرفة فروض العين، فلا بد منها.
وينبغي استعمال وسائل الإيضاح المعاصرة للدارس، مثل الفيديو والبروجكتر وغيرها.
أما في المرحلة الثانية، وهى المرحلة المتوسطة، فإنه يمكن أن يتوسع في المنهج بتفصيل ما أُجمل في المرحلة الابتدائية لتوسع مدارك الدارس، وقدرته على استيعاب المعاني أكثر ويمكن أن يُزاد في المنهج ما لم يدرسه في المرحلة الأولى من الحلال والحرام وبعض المعاملات.
وينبغي في هذه المرحلة أن يعتني باتجاهات الدارس ورغباته بالنسبة للعلوم، ما يميل إليه منها وما لا يميل إليه، ويمكن أن يدخل في المنهج بعض العلوم التي ليست من فروض العين، بصفة مبسطة وغير مرهقة، لمعرفة ميل الطالب إليها أو عدم ميله، ليوضع بعد ذلك في مكانه المناسب من فروض الكفاية.
القسم الثاني: منهج تخصصي:
بأن توجد في المدرسة أقسام متعددة، كل قسم يشتمل على علم من العلوم، يدرسه الدارسون الذين يرغبون فيه، وقد دلَّت القرائن على تلك الرغبة، ولا بأس أن توجد مع ذلك العلم علوم أخرى اختيارية، وليست إجبارية، يترك للدارس أن يختار منها ما يشاء ويترك ما يشاء، فإذا اختار علماً من العلوم الإضافية امتحن فيه، كالعلم الأساسي، ومنح الدرجة المناسبة، ولا يؤثر على نجاحه سقوطه فيه، بل يواصل دراسته في العلم التخصصي ويحاسب عليه دون غيره، حتى لا يكون ذلك عائقاً عن مواصلة دراسته.
والعلوم التخصصية، التي هي من قسم فروض الكفاية، يجب أن تكون شاملة لكل ما تحتاجه الأمة في كل مجالات حياتها، فالذي يرغب في علوم الشريعة يتخصص فيها، وله أن يختار لتخصصه أي فرع منها، كالقرآن وعلومه، والحديث وعلومه والفقه وعلومه، والتاريخ الإسلامي، والذي يرغب في علوم اللغة له أن يختار أي فرع من فروعها، وهكذا بقية العلوم، كالطب، والفلك، والهندسة، والجغرافيا وغيرها من علوم الصناعة على اختلاف أنواعها.
ولا يُلْزَم أحد في علوم فروض الكفاية بعلم لا يختاره إلا للضرورة، وهي أن يكون ذلك العلم محتاجاً إليه، ولا يوجد من يتقنه في الأمة، بحيث يكفي في القيام به، فإذا لم يوجد من يقوم به على وجه الكفاية، وجب على من يقدر على تعلمه أن يتعلمه ليسقط فرض الكفاية عن الأمة.
وإذا لم يقم به أحد ألزم أولو الأمر من المسلمين من يرونه أصلح الموجودين بتعلمه، حتى يكفي الأمة في ذلك العلم.
وقد نص علماء المسلمين على هذا التقسيم للمنهج في الجملة فقال ابن تيمية، رحمه اللّه تعالى:
"ومن ذلك أن يحتاج الناس إلى صناعة ناس، مثل حاجة الناس إلى الفلاحة والنساجة، والبناية، فإن الناس لا بد لهم من طعام يأكلونه، وثياب يلبسونها ومساكن يسكنونها.. فإذا لم يجلب إلى ناس البلد ما يكفيهم احتاجوا إلى من ينسج لهم الثياب، ولا بد لهم من طعام إما مجلوب من غير بلدهم، وإما من زرع بلدهم، وهذا هو الغالب، وكذلك لا بد لهم من مساكن يسكنونها، فيحتاجون إلى البناء، فلهذا قال غير واحد من أصحاب الشافعي وأحمد بن حنبل، وغيرهم، كأبي حامد الغزالي وأبي الفرج ابن الجوزي، وغيرهم: إن هذه الصناعات فرض على الكفاية، إلا أن يتعين، فيكون فرضاً على الأعيان". [الفتاوى (28، 79ـ 80].
وقال ابن القيم، رحمه الله وكلامه أكثر تفصيلاً في هذا الباب:
ومما ينبغي أن يعتمد حال الصبي، وما هو مستعد له من الأعمال ومهيأ له منها، فيعلم أنه مخلوق له، فلا يحمله على غيره، ما كان مأذوناً فيه شرعاً، فإنه إن حمل على غير ما هو مستعد له لم يفلح فيه، وفاته ما هو مهيأ له، فإذا رآه حسن الفهم، صحيح الإدراك، جيد الحفظ واعياً، فهذه علامات قبوله وتهيؤه للعلم، لِيَنْقُشه في لوح قلبه، ما دام خالياً، فإنه يتمكن فيه ويستقر ويزكو معه، وإن رآه بخلاف ذلك من كل وجه، وهو مستعد للفروسية وأسبابها، من الركوب والرمي بالرمح، وإنه لا نفاذ له في العلم ولم يخلق له، مكنه من أسباب الفروسية والتمرن عليها، فإنه أنفع له وللمسلمين، وإن رآه بخلاف ذلك، وأنه لم يخلق لذلك، ورأى عينه مفتوحة إلى صنعة من الصنائع، مستعداً لها، قابلاً لها، وهي صناعة مباحة نافعة للناس، فليمكنه منها، هذا كله بعد تعليمه ما يحتاج إليه في دينه، فإن ذلك ميسر على كل أحد، لتقوم حجة الله على العبد، فإن له على عباده الحجة البالغة، كما له عليهم النعمة السابغة". [تحفة المودود في أحكام المولود ـ المكتبة العلمية بالمدينة المنورة ص144].
فكل علم مباح شرعاً، سواء ما تعلق بدين الناس أم بدنياهم، فللإنسان أن يتجه له ويتعلمه، وعلى أولي الأمر أن ييسروه له، ما دام الناس في حاجة إليه، ويجب أن يشمله منهج فرض العين، لئلا يفوت تعليمه، ويتضرر الناس بفقده، ولئلا تعطل الطاقات الراغبة فيه بإجبارها على ما لا ترغب فيه.
وإن إجبار الدارسين على منهج واحد على اختلاف طاقاتهم وميولهم، لَمُوجب لانقطاع من لا يرغب فيه أو لا يقدر على استيعاب علومه كلها عن الدراسة، وإذا انقطع عن الدراسة خسر هو وخسرت أسرته ومجتمعه، وقد تكون الخسارة شديدة عندما يتشرد الدارس مع زمرة سوء فاشلة.
وهنا أمر جدير بالتنبيه، وهو أنه ينبغي أن يراعي في المنهج الذي يوضع لدراسة الفتاة ما هي في حاجة إليه، بعد معرفتها فرض العين عليها، وهو ما يناسب طبيعتها، كالطب والتمريض، وتعليم الإناث، وتربية الأولاد، وتدبير المنزل وأن لا تكلف دراسة منهج موحد، مع البنين، قد لا تحتاج إليه ولا تستطيع ممارسة وظيفته في مجتمعها الذي يجب أن يضعها في مكانها اللائق بها شرعاً، بحيث لا تختلط بالرجال، أو لا تستطيع مزاولته لعدم ملاءمته طبيعتها الأنثوية وبسط الكلام لا يتسع له المقام هنا؛ لأن المقصود هنا الإشارة إلى ما ينبغي أن يكون عليه المنهج من قدرته على استغلال الطاقات البشرية، كل فيما ينفع فيه.
ملحوظة: إن اقتراح أن تكون المرحلتان: الابتدائية والمتوسطة، مختصة بفرض العين هو من باب التقريب، قد تؤيده التجربة إذا عمل به، وقد تُثبت التجربة الحاجة إلى مدة أقل، ولكن الذي يجب أن يراعي هو السن الذي يعي صاحبه فيه الفرض الذي هو مكلف به، وسنه في المرحلة الأولى قد لا يتمكن معه من الاستيعاب، وهذا هو رأيي الخاص في الموضوع واللّه أعلم.
[s3]
المبحث الثاني: المعلم المزكي الكفء.
لقد نزل القرآن الكريم للتعليم والتزكية والتطهير، والإسلام كله: علم نافع وعمل صالح، فمهمة المعلم: تعليم الجاهل العلم النافع الذي أساسه كتاب اللّه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وتزكية الدارس بالعمل الصالح، وتطهيره من الأعمال الفاسدة التي ترهقه بالذنوب والآثام، وتورثه سخط الله عز وجل، وتجعله يعتدي على حقوق اللّه وحقوق عباده.
وقد وردت نصوص صريحة بوظيفة المعلم في الإسلام، وهي ما ذكر قبل، من ذلك قوله تعالى: {كَمَا أرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً منكم يَتْلُوا عَلَيكُمْ آيَاتِنَا وَيزكّيكُمْ وَيُعَلّمُكمْ الْكِتَابَ والْحِكْمَةَ ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون}. [البقرة: 151].
وكان ذلك استجابة اللّه لدعاء إبراهيم عليه السلام لهذه الأمة، كما قال تعالى عنه: {رَبنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيهم آيَاتكَ وَيُعَلِمُهُم الكِتَابَ وَالْحِكْمَة وَيُزَكّيهِمْ إِنكَ أنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم}. [البقرة: 129].
ودلت الآيات القرآنية أن المعلم المزكي بشرع اللّه تعالى يهدي الضال ويرشد الحائر، وتلك منة من اللّه على عباده الذين يهيئ لهم من يعلمهم ويزكيهم، قال تعالى: {لَقَد مَنَّ اللّه عَلَى الْمُؤمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِن أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين}. [آل عمران: 164].
وقال تعالى: {هُوَ الذي بَعَثَ فِي الأمِّيّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتلُو عَلَيهِمْ آيَاتِهِ وَيزكِيّهِم وَيُعَلِمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وإن كَانوا مِنْ قبل لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ}. [الجمعة: 2].
والذي ينبغي التنبيه عليه من هذه الآيات الأمور الخمسة الآتية:
الأمر الأول: أن القصد من بعث الرسول صلى الله عليه وسلم إلى هذه الأمة، هو تعليمهم ما يجهلون من دين اللّه تعالى، وتطهيرهم من الدنس والإثم بالعمل الصالح، لإخراجهم من ظلمات الضلال والكفر إلى نور الإيمان والهداية.
الأمر الثاني: أن التعليم الذي يزكي ويطهر ويهدي من الضلال، إنما هو التعليم بكتاب اللّه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهي الحكمة، وليس بسواهما، فمن أراد أن يهدي الضال ويعلم الجاهل، ويطهره من الإثم بتعليمه غير الكتاب والسنة، فقد اتبع غير ما قرر اللّه في كتابه وبعث به رسوله صلى الله عليه وسلم .
الأمر الثالث: أنه يجب على المعلم الذي يريد هداية الناس وتربيتهم، أن يستقي توجيهاته في كل باب من أبواب هداية الإنسان من الكتاب والسنة، وأن لا يُقَدِّم على ما دل عليه القرآن والسنة قول أحد كائناً من كان؛ لأن فيما دلاَّ عليه الحق، وفي كل ما خالفه الضلال.
الأمر الرابع: أن المعلم لا بد أن يكون عالماً بما يريد تعليمه غيره، والجاهل لا يُعَلِّم بالجهل، وإنما يعلم العالِمُ الجاهلَ بعلمه.
الأمر الخامس: لا بد أن يكون المعلم قدوة حسنة، اقتداء بالمعلم المزكي الأول: وهو رسول اللّه صلى الله عليه وسلم الذي كان قدوة في كل ما يدعو الناس إليه، كما قال تعالى: {لَقَد كَانَ لَكُم فِي رَسوُل الله أسوَة حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يرجُوا الله وَاليوم الآخِرَ وَذَكَر اللّه كثَيِراً}. [الأحزاب: 21].
وعندما سُئلت عائشة، رضي اللّه عنها عن خلقه صلى الله عليه وسلم قالت: "كان خلقه القرآن".
أي أنه صلى الله عليه وسلم كان يطبق على نفسه ما يعلمه الناس، فيزكي نفسه قبل أن يدعو الناس إلى تزكية أنفسهم.
والمعلم غير القدوة أدعى إلى الإفْسَاد منه إلى الإصلاح، لذلك يجب أن يكون كفؤاً في علمه وعمله وخلقه، وفي كل باب من أبواب الخير.
وليس المقصود هنا بسط الكلام في هذه الموضوعات؛ لأن ذكرها إنما هو لبيان ترابط المؤسسات التربوية.
ومما يدل على أن التزكية ذات أهمية بالغة، مع التعليم أنه لا فلاح في الدنيا والآخرة إلا لمن حازها، كما قال تعالى: {قدَ أفْلَحَ مَنْ زكَّاهَا وَقد خابَ مَنْ دَسَّاهَا}. [الشمس: 9-10].
وقال تعالى: {قدَ أفْلَحَ مَن تزَكَّى} [الأعلى: 14].
ومعنى هذا أنه إذا كان يجب على المعلم أن يعلم ويزكي، فإن على المتعلم أن يتلقى التعليم بجد وأن يتزكى، حتى يتم المقصود.
وطريقة التعليم السليم الذي يزكي به المعلمُ الدارسين، أن يسلك بهم ما كان يسلكه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بأصحابه، حيث كان يتلو عليهم القرآن ويعلمهم معناه، ويحثهم على العمل به، بل كان يفسر القول بالعمل، ليقتدوا به، كما كان يصلى بهم ويأمرهم أن يصلوا كما رأوه يصلى، وأمرهم في حجة الوداع أن يأخذوا عنه مناسكهم..
ولم يكن أصحابه رضي اللّه عنهم يحرصون على كثرة العلم بدون تطبيق فِعْلي لما تعلموه، فكان يتلو عليهم الآيات ويعلمهم معناها ويعملون بها قبل أن ينتقلوا إلى تعلم غيرها، فما كانوا يتجاوزون عشر آيات من القرآن، حتى يقرءوهن، ويتعلموا معناهن، ويعملوا بهن، وهذا هو المنهج التربوي الجدير بالاتباع، فإن الذي يسلكه يألف العمل والتطبيق، بخلاف من انهمك في العلم واستكثر منه بدون عمل، فإنه يألف القراءة والتعلم، ولكنه لا يألف العمل، بل يتساهل فيه.
فعلى المعلم المزكي أن يسلك مسلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في التعليم والتزكية، لتكون تربيته ناجحة، وعلى الدارس أن يقتدي بأصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في التَّعَلُّم وتزكية النفس.
[s3]
المبحث الثالث: المشرفون الأكفاء.
إن كل موظف في أي عمل من الأعمال، لا بد أن تتوافر فيه شروط ثلاثة عامة، تندرج فيها صفات كثيرة تجعله ناجحاً في وظيفته، مؤدياً ما أوجب اللّه تعالى عليه.
وكل موظف في الدولة الإسلامية، هو مؤتمن على ثغرة من ثغور الإسلام، يجب أن يحرص أن لا يُؤتَى المسلمون من قبله.
والشروط الواجب توافرها في الموظف هي:
(1) الأمانة:
فإن الأمين يثق فيه الناس، في أداء حقوقهم، ولا يخشون منه خيانة، بخلاف الخائن، فإنه لا يثق فيه أحد، والخيانة من صفات المنافقين، كما أن الأمانة من صفات المؤمنين.
وقد ورد في الأمانة نصوص كثيرة في كتاب اللّه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، منها قول اللّه تعالي: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً}. [النساء:58].
وقوله تعالى: عن بنت الرجل الصالح الذي لجأ إليه موسى فاراً من بطش فرعون، قبل رسالته: { قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ }. [القصص: 26].
وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ((آية المنافق ثلاث)).. وفيها: ((وإذا اؤتمن خان)). [البخاري (1/14)، ومسلم (1/78)].
وفي حديثه ـ أيضاً ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة)) فسئل عن إضاعتها فقال: ((إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة))..
(2) القوة:
أي أن يكون الموظف قادراً على القيام بعمله المسند إليه، باتخاذ القرار المفيد في وقته المناسب، وبتخطي العقبات، وبقيادة من يتبعه في الوظيفة إلى تحقيق الهدف وغير ذلك.
وفي آية القصص الماضية جمع بين القوة والأمانة: {إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ}..
وقد نصح الرسول صلى الله عليه وسلم أبا ذر، عندما طلب استعماله أي توظيفه وجعله من عُمَّاله صلى الله عليه وسلم، فقال له: ((يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها)). [مسلم (3/1457].
والموظف الضعيف ـ وإن كان أميناً وخبيراً ـ تضيع في وظيفته الحقوق، وتختل الواجبات، بسبب ضعفه، فلا يجوز أن يلي وظيفةً لا يقدر على القيام بها، مع وجود من هو أقدر على القيام بها.
(3) الخبرة:
وهي أخص من العلم؛ لأنها تكتسب عن طريق المراس والتدريب، وعلمه إنما يصقل خبرته ومراسه، بحيث تكون خطواته كلها سائرة عن علم ودراية مؤدية إلى الهدف المرسوم، ولا يجهل شيئاً من عمله، يؤدي إلى الفشل في تحقيق الهدف.
وقد أخبر اللّه تعالى عن يوسف عليه السلام الذي طلب منه ملك مصر أن يلي له بعض أمره لأمانته، أخبر عنه أنه طلب من ملك مصر أن يجعله على الخزائن، لأمرين: الأمر الأول الحفظ، وهو يشمل القوة والأمانة، والأمر الثاني العلم، وتدخل فيه الخبرة، قال تعالى: {وَقَالَ الْمَلِكُ ائتونِي بِهِ أسْتَخلِصهُ لِنفْسِي، فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إنك اليومَ لَدينَا مَكين أميِنٌ قَالَ اجعَلْنِي عَلَى خزَائِنِ الأرض إني حَفِيظ عَلِيم}. [يوسف: 54-55].
هذه الشروط الثلاثة العامة في الموظف هي عوامل نجاحه في عمله، وبها يأمنه الناس على دمائهم وأعراضهم وأموالهم، فإن توافرت كاملة كان النجاح تاماً، وإن عدمت كانت الخسارة كاملة، وإن نقصت فبمقدار نقصها تكون الخسارة، وبمقدار توافرها يكون النجاح.
وإن من أولى الناس بتوافر هذه الشروط، هو الموظف الذي يقصد منه الإشراف على من يربي الأجيال ويقوم على هدايتهم وقوة صلتهم باللّه تعالى، وقيامهم بحقوق اللّه وحقوق عباده، وهو الذي تأمنه الأمة على توجيه فَلذات أكبادها، توجيهاً تترتب عليه السعادة في الدارين، أو الشقاء فيهما.
ويدخل في ذلك الإخلاص في العمل، واللين والشفقة والقدوة الحسنة والحكمة وحُسن المعاملة والصبر، وغيرها من الصفات التي تندرج تحت الشروط الثلاثة المذكورة. [راجع مجموع الفتاوي، لشيخ الإسلام بن تيمية (28/253)].
[s3]
المبحث الرَابع: التعاون مع الأسرة على تربية الأبناء.
إذا كانت الأسرة هي أولى المؤسسات المربية للصغير، وتأثرُه بها أشد من تأثره بغيرها، لنشأته فيها، وطول مكثه بين أفرادها، حيث يرى ويسمع منهم أكثر مما يرى ويسمع من غيرهم، فإن للمدرسة ـ أيضاً ـ تأثيرها الشديد على الصغير؛ لأنها المؤسسة الثانية التي يقضي فيها وقتاً طويلاً من عمره، إذْ يقضي فيها أغلب أيام الأسبوع.
وهي مؤسسة متفرغة لتعليمه وتربيته، وإمكاناتها أكثر من إمكانات الأسرة، إذ يوجد بها منهج منظم، وفصول دراسية، يجتمع فيها ذوو الأعمار المتقاربة، ويوجد بها مدرسون أعدوا لهذا الغرض، وتوجد بها كتب ألفت لهذا الهدف، لهذا كانت المدرسة ذات أهمية بالغة في حياة الصغار؛ لأنها إذا وُفِّقَت في التعليم والتربية المفيدين، أخرجت مجموعة من البشر، يكون بعضهم لبعض جلساء خير وصلاح.
ولما كان الدارس يتردد على المدرسة يومياً، ويعيش بين أفراد أسرته غالب وقته كل يوم، ويرافق زملاءه وأقرانه في أوقات أخرى للعب ونحوه، فإنه يكتسب من أفراد الأسرة أخلاقاً وعادات، ويتصف بصفات، ويتعلم في المدرسة العلوم التي أعدت له، ويرى في موظفي المدرسة ومعلميها أخلاقاً وآداباً وصفات، قد تتفق مع أخلاق الأسرة وآدابها وصفاتها، وقد تختلف كما أنه يتدرب عملياً على آداب وأخلاق وصفات أخرى مع أترابه وأقرانه، وقد تتضارب هذه مع تلك..
وهنا تبرز أهمية اتصال المدرسة بالأسرة واتصال الأسرة بالمدرسة، لتَعلم كل مؤسسة ما عند الأخرى من أمور إيجابية، أو سلبية ليتم التعاون بين المؤسستين على تكميل الخير، وعلى محو الشر بالأساليب المتاحة لهما.
وينبغي أن لا يشعر الدارس بمتابعة المؤسستين له عن اتفاق؛ لأنه قد ينفر من ذلك، وبخاصة إذا كان التوجيه الصادر منهما ضد هواه ورغباته، فإذا تضافرت جهودهما في التوجيه دون أن يشعر بالاتفاق فقد يؤثر فيه ذلك، وليس هذا بشرط، بل قد يقتضي الأمر إشعاره باتفاقهما ومتابعتهما، ولكلا الأمرين مقامه المناسب.
وقد يكون أفراد الأسرة جهالاً، لا يحسنون التوجيه والمدرسة قادرة على نصحهم وتعريفهم بالأساليب المناسبة في التوجيه، فإذا أحسن توجيههم ارتاح الدارس لذلك واستجاب، وذهبت الجفوة التي كانت بينه وبين أفراد أسرته بسبب سوء التوجيه، وقد يساء تأديب الدارس في المدرسة، إما مادياً، كالضرب الزائد عن الحاجة، أو أدبياً كالتبكيت والسب من بعض المدرسين، فيحصل له تعقيد نفسي وينفر من الدراسة، فإذا علمت الأسرة ذلك أمكنها أنّ تتصل بالمدرس أو الموظف المسؤول، وتتفاهم معه في الأمر تفاهماً يؤدي إلى الوصول إلى حالة مناسبة مع الدارس، تجعله ينسى ما فات ويستأنف الدراسة بروح طيبة.
وقد يتصف بسلوك يظهر للأسرة، ولا يظهر للمدرسة أو بالعكس، والسلوك إذا لم يظهر للموجه، لا يمكنه علاجه، وإذا ظهر له تمكن من متابعة صاحبه وتوجيهه بالحكمة، وإذا تعاونت المؤسستان على التوجيه في سلوك واحد، كان ذلك أقوى أثراً في الغالب.
ويشمل ذلك كله قوله تعالى: {وَتعَاونوا عَلَى الْبِر والتَّقْوَى وَلا تعَاونوا عَلَى الإثمِ وَالْعدوَانِ، واتَقُوا اللّه، إنَّ الله شَدِيدُ الْعِقَابِ}. [المائدة: 2].
ومن أهم الأمور التي ينبغي أن تعنى بها المدرسة، بعد التعليم والتربية السلوكية، تنظيم أوقات للعب الصغار، يشرف عليها بعض المربين الصالحين، لما في ذلك من إشباع رغبة الصغار من اللعب، ولما فيه من الإشراف عليهم وتوجيههم وضبط سلوكهم، فإن ذلك أفضل من لعبهم بدون إشراف، لما قد يحصل من تأثر بعضهم ببعض في سلوك سيء.
الفصل الثالث: دور المجتمع في التعليم والتربية.
وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: الجار الصالح.
المبحث الثاني: الجليس الصالح.
المبحث الثالث: الشارع النظيف.
المبحث الرابع: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
[s3]
المبحث الأول: الجار الصالح.
إن أقرب من يحتك بهم الصغير من المجتمع، هم الجيران وليس بخافٍ تأثير الجيران في الجيران، سواء كان ذلك التأثير خيراً أم شراً؛ لأن ما يقوله الجار أو يعمله يتكرر سماعه ورؤيته، لقربه، ولذلك اهتم الإسلام بالجار اهتماماً بالغاً.
فقد أوصى اللّه سبحانه وتعالى بالجار، فقال: {واعبُدوا اللهّ، ولا تشركُوا بِهِ شَيئاً، وَبِالوَالِدينِ إحسَاناً، وَبِذِي القُربَى، وَاليتَامَى، وَالمَسَاكينِ، وَالجَارِ ذِي القربى وَالجَارِ الجنبِ وَالصَّاحِبِ بِالجنبِ، وَابنِ السبيلِ، وَمَا مَلَكَت أيمَانكُم، إنَّ اللّه لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مختَالاً فخوراً}. [النساء: 36].
وروت عائشة، رضي اللّه عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال: (((ما زال جبريل يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه سيورثه)). [البخاري (7/78)].
ونفى صلى الله عليه وسلم كمال الإيمان الواجب عن الجار الذي لا يأمن جاره غشه وغائلته، مؤكداً ذلك باليمين ثلاثاً، كما في حديث أبي شريح رضي اللّه عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ: ((والله لا يؤمن، واللّه لا يؤمن، واللّه لا يؤمن)) قيل: ومن يا رسول اللّه؟ قال: ((الذي لا يأمن جاره بوائقه)). [البخاري (7/78)].
فإذا كان الجار صالحاً هو وأسرته أثروا في جيرانهم بالصلاح، يؤثر الرجل في الرجل، وتؤثر المرأة في المرأة، ويؤثر الصغير في الصغير، وإن كانوا فاسدين أثروا في الجيران بفسادهم، وأولى الجيران تأثراً بجيرانهم هم الصغار، لسرعة استجابتهم وميلهم إلى ما يشاهدونه في أصدقائهم.
وكم من صغير ومراهق تعب أبواه الصالحان في تربيته على الدين والخُلق انحرف انحرافاً خطيراً، متأثراً بالمنحرف من أبناء الجيران؟ لذلك ينبغي للجار الصالح أن يسارع إلى التأثير بصلاحه في الجار الفاسد، وإلا سبق هذا فأفسد ما أصلح ذاك.
وقد يظن كثير من الناس أن اهتمام الإسلام بالجار، يتعلق بالإحسان إليه مادياً: يشبعه إذا جاع، ويكسوه إذا عري، ويكف عنه شره فقط، والحقيقة أن هذه مطلوبة، ولكن الإحسان إليه بالتربية والتعليم والقدوة الحسنة في الدين والأخلاق، أهم وأولى، والكمال في الجمع بينهما.
[s3]
المبحث الثاني: الجليس الصالح.
إن المرافقة ـ في الغالب ـ تقتضي الموافقة، فإذا كان أحد الرفيقين صالحاً، والآخر فاسداً، فإما أن يؤثر الصالٍح في الفاسد، فيصبح صالحاً مثله، أو يؤثر الفاسد في الصالح فيصبح فاسداً مثله، فإن لم يؤثر أحدهما في الآخر، فمآلهما الافتراق وانقطاع الصحبة في الغالب، لعدم التماثل والتجانس بينهما.
فالصغير أو المراهق الذي يهيئ اللّه له جليساً صالحاً ينتفع بمجالسته، فإن كان ـ في الأصل صالحاً ـ استمر محافظاً على صلاحه، وإن كان فاسداً أصلحه اللّه بجليسه الصالح، والذي يُهيأ له جليس فاسد يقوده إلى الفساد والانحراف عن جادة الصواب، ولقد حكى اللّه تعالى ندم من ترك الجليس الصالح وهدايته، ورافق الجليس الفاسد وقَبِل فساده، حيث لا ينفعه الندم؟.
قال تعالى: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً (27) يَا وَيْلَتِي لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنْ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولاً}. [الفرقان: 27ـ29].
وصوَّر النبي صلى الله عليه وسلم أثر الجليس الصالح والجليس الفاسد تصويراً بديعاً، كما في حديث أبي موسى الأشعري رضي اللّه عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((مثل الجليس الصالح والسوء، كحامل المسك، ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يُحْذِيَك ـ يعطيك ـ وإِما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير، إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحاً خبيثة)). [البخاري (6/231) وهو في مسلم أيضاً].
[s3]
المبحث الثالث: الشارع النظيف.
إن ما يحصل في الشارع من خير أو شر، هو ثمرة لما يحصل في الأسرة والمدرسة، وسائر فئات المجتمع، فإذا كان المجتمع نظيفاً في أخلاقه ومعاملاته، انعكس ذلك على الشارع، والمقصود بالشارع أماكن تجمعات الناس العامة، كالطرقات والأسواق ووسائل المواصلات ومراكز التصنيع وأماكن السياحة والاستجمام وغيرها.
وللشارع تأثيره على الصغير، كغيره، فقد يربى الصغير تربية طيبة في المدرسة والأسرة، ولكنه إذا خرج إلى الشارع وجد فيه من الفساد والمغريات الداعية إليه، ما يهدم تربيته الصالحة، لذلك كان الشارع محل اهتمام الرسول صلى الله عليه وسلم بما أوحى اللّه تعالى إليه.
من ذلك أمر اللّه سبحانه وتعالى النساء بالقرار في البيوت وعدم الخروج لغير حاجة، فإذا احتجن للخروج، خرجن غير متبرجات لما في تبرجهن من الفتنة لهن ولغيرهن، قال تعالى لنساء النبي وغيرهن مثلهن في الأحكام إلا ما خصه الدليل: {وَقَرْنَ فِي بُيوتِكُنّ ولا تبرجنَ تبَرُجَ الجَاهِلِيّةِ الأولَى وَأقِمْنَ الصّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأطِعْنَ اللّه وَرَسُولَه}. [الأحزاب: 33].
وقال تعالى: {يَا أيهَا النَّبيُّ قُل لأزْوَاجك وَبَنَاتك وَنِسَاءِ الْمُؤمِنينَ يُدنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابيبهن، ذَلِك أدْنى أنْ يُعْرَفْنَ فلا يُؤذَيْنَ وَكَانَ اللّه غَفُوراً رَحَيما}. [الأحزاب: 59].
وحذَّر النبي صلى الله عليه وسلم من الجلوس في الشارع لغير حاجة، فإن دعت الحاجة إلى ذلك، وجب عمل ما يكون به الشارع نظيفاً من القاذورات الحسية والمعنوية.
روى أبو سعيد الخدري رضي اللّه عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إياكم والجلوس على الطرقات)).
فقالوا: ما لنا بدُّ إنما هي مجالسنا، نتحدث فيها.
قال: ((فإذا أبيتم إلا المجالس فأعطوا الطريق حقها)).
قالوا: وما حق الطريق؟
قال: ((غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر)). [البخاري (3/103)].
ولا شك أن الصغير، إذا خرج إلى الشارع، فوجد المنكر منتشراً فيه من الكبار والصغار، تأثر به وانحرف، وإن كان يجد في أسرته ومدرسته تربية تخالف ذلك، بخلاف ما إذا وجد الشارع نظيفاً، يتورع الناس فيه عن المنكر، أو ينكرونه إذ حدث، فإن ذلك يؤثر فيه بالكره للمنكر.
ومن عَجَبٍ أن نجد نشاطات جادة، تعقد لها المؤتمرات، وتكون لها المنظمات العالمية والمحلية، تهتم بالبيئة، في الجو والبر والبحر، وفي المدن والحارات، وفي المحيطات المتجمدة الشمالية والجنوبية في الكرة الأرضية، وقمم الجبال، والغابات، تعد لها المواصلات وترصد لها الميزانيات، وتتوالى الاحتجاجات على من يخالف المحافظة على البيئة الحسية المادية فيها.
وهذا كله أمر محمود؛ لأن الله تعالى خلق ما في السماوات وما في الأرض لهذا الإنسان، وما ينفعه من حيوان، وزروع وغابات، ومياه، ووسائل مواصلات... فالحفاظ عليها أمر فطري، وإفسادها أمر شاذ لا يجوز إقراره.
ولكن العاقل يعجب ولا ينتهي عجبه، أن يرى هذا الحرص على المحافظة على البيئة الحسية المادية، ويجد نقيض ذلك في ما يخص البيئة الدينية والأخلاقيه، بل يجد تشجيع الأخلاق الفاسدة بشتى الوسائل: وسائل الإعلام التي خصصها المسؤولون عنها للأخلاق الفاسدة وكل أنواع الفحش والمنكر التي تصد شباب الأمة عن دين الله وعن عمارة الأرض بما يرضي الله، وقد عمت منكراته البر والبحر والجو، وفي كل مكان على وجه الأرض، وتدعم ذلك دول، فتنتشر السيئات في المنازل والأسواق، وفي المدارس والنوادي، وتعاونت بعض المؤسسات التعليمية مع المؤسسات الإعلامية على نشر الفساد الأخلاقي وصرف شباب الأمة عن معالي الأمور إلى سفاسفها.
ويقع في مستنقعاتها الكبير والصغير، والأسرة والمجتمع... فينشأ الأطفال والمراهقون في تلك البيئة المنتنة، التي تحول بين المسلمين، وبخاصة الصغار وبين التزكية القلبية بالإيمان الصادق والعلم النافع والعمل الصالح، فيألفون المسارح والمراقص، وأماكن الدعارة والخمارات والمخدرات، ويعزفون عن حلقات العلم النافعة في المدارس، وعن ارتياد المساجد التي هي منطلقات العلم والإيمان، ومحاضن الفكر الصافي والأدب.
فكيف يطلب من المسجد، أن يصلح الشاردين عنه وعن أهله؟
وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر؟
[s3]
المبحث الرَابع: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
إن البشر غير معصومين من الزلل، إلا الأنبياء. فكون البشر قد تحصل منهم بعض المعاصي والمنكرات، وترك بعض الطاعات ليس غريباً، وخطورة ذلك إنما تشتد عندما يجاهر بعض الناس بالمعصية وترك الطاعة، ثم لا يوجد من ينكر على فاعل المنكر؛ لأن المنكر إذا استقر في أمة وتفشي فيها أصبح عادة مألوفة غير منكرة، فيكثر بذلك الانحراف في الكبار ويقتدي بهم الصغار.
أما إذا وجد الصغير في أسرته، وفي جيرانه وفي مدرسته، وفي سوقه من ينكر المنكر، فإن ذلك يغرَس في ذهنه ويثبت في نفسه أن ما ينكره عقلاء الناس وصالحوهم لا يليق وجوده، ويكون سبباً في استقامته على المعروف الذي يؤمر به، وبعده ونفوره عن المنكر الذي ينهى عنه، ولهذا كان الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر قاعدة من قواعد الإسلام، التي يتماسك بها المجتمع، ويتطهر من الدنس والإثم، وكان تركه بلاء يعم الصالح والطالح.
إن أصول الإيمان وفروعه، لا تستقر في المجتمع، إلا إذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قائماً فيه، وإن الولاء الحق بين المؤمنين يعتمد على قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
قال تعالى: {وَالمُؤمنُونَ وَالمُؤمِنَات بعضُهم أولياءُ بعض يَأمُرُونَ بِالمَعرُوفِ وينهونَ عَنِ المنُكَرِ ويقيمُونَ الصلاةَ ويَؤتونَ الزَّكَاةَ وَيُطيعُونَ الله وَرَسُولَهُ أولَئِك سيرحَمُهُمُ الله إن الله عَزيز حَكيم}. [التوبة: 71].
وإذا فُقِد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أي مجتمع، كان أساس ولاء بعضهم لبعض هو النفاق، وليس الإيمان، وكان العصيان شعارهم، والفسق قائدهم إلى لعنة اللّه وأليم عقابه، بدلاً من تلك الرحمة التي وعد اللّه بها الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر.
كما قال تعالى: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمْ الْفَاسِقُونَ (67) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمْ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ}. [التوبة: 67ـ68].
وإذا فُقَد الأمرُ بالمعروف والنهي عن المنكر في أمة من الأمم استحقت العقاب العام والطرد عن رحمة اللّه، وكثر فيها الانحراف، كما قال تعالى: {لُعِن الَّذِينَ كَفَروُا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاودَ وَعِيسىَ بِنْ مَرْيَمَ ذَلك بمَا عَصَوْا وَكَانوا يَعْتَدُونَ كَانوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَر فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانوَا يَفْعَلُونَ}. [المائدة: 78ـ79].
ولا فرق بين هذه الأمة وبين بني إسرائيل، في استحقاق وعيد الله، إذا تحقق سببه، فما يوجب الفسق في بني إسرائيل، يوجبه في هذه الأمة، وما يوجب الكفر في بني إسرائيل، يوجبه في هذه الأمة، فليس لأي أمة قرابة من الله، توجب لهم عنده مالا توجبه لغيره، كما ادعى ذلك اليهود والنصارى: { وَقَالَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ}. [المائدة: 18].
وقد خاطب الله من كفر به وبرسالة نبيه محمدٍ صلى الله عليه وسلم، من هذه الأمة، بما يؤكد التسوية بينها وبين غيرها، من الأمم السابقة، فقال تعالى: { أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ }. [القمر: 43]
قال القرطبي رحمه الله: "قوله تعالى: { أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُوْلَئِكُمْ } خاطب العرب وقيل أراد كفار أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل استفهام وهو استفهام إنكار، ومعناه النفي أي ليس كفاركم خيراً من كفار من تقدم من الأمم الذين أهلكوا بكفرهم. { أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ } أي في الكتب المنزلة على الأنبياء بالسلامة من العقوبة، وقال ابن عباس: أم لكم في اللوح المحفوظ براءة". [الجامع لأحكام القرآن: 17/145].
والأرض عندما يُفقَد فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، سفينة هلاك، كما أنها إذا أقيم فيها الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر قارب نجاة، وقد صوَّر ذلك أبلغ تصور حديث النعمان بن بشير رضي اللّه عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((مثل القائم على حدود اللّه والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا :لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذِ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا، هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً)). [صحيح البخاري، رقم (2361)].
وبهذا يعلم أن انحراف الأحداث إنما يحصل إذا تخلى المجتمع عن الاستقامة، ووقاية الصغار بالتربية والتزكية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الفصل الرابع: دور الدولة في التعليم والتزكية.
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: تحلي ولاة الأمر بالقدوة الحسنة لرعاياهم.
المبحث الثاني: حظر المحرمات ووسائل الإغراء بالانحراف، وحمل المجتمع على الطاعة، وزجره عن المعصية.
المبحث الثالث: إعداد الشباب لأهداف عليا ـ كالجهاد ـ تشغله بالطاعة عن المعصية.
[s3]
المبحث الأول: تحلي ولاة الأمر بالقدوة الحسنة لرعاياهم.
إن ولي الأمر في رعيته، كالأب في أسرته، تحاكيه الرعية وتقلده، كما يحاكي الأبناء آباءهم ويقلدونهم في الغالب، فإن رأوا في سلوكه خيراً قلدوه، وإن رأوا فيه شراً اتبعوه كذلك، ولهذا بعث اللّه تعالى رُسله أسوة حسنة لقومهم، ليقتدوا بهم، ولتقوم عليهم الحجة بأقوالهم وأعمالهم معاً.
قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم، بعد أن ذكر له بعض أنبيائه ورُسُله الكرام عليهم السلام: {أولَئِك الَّذِينَ هَدى اللّه فَبِهُداهُمُ اقتدهْ}. [الأنعام: 90].
وقال تعالى لهذه الأمة: {لَقَد كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّه أسْوَة حَسَنَة لِمَنْ كَانَ يرجُوا اللّه وَاليومَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللّه كثيرا}. [الأحزاب: 21].
وقال شعيب عليه السلام لقومه، مبيناً لهم أنه قدوة حسنة لا يخالف ما يدعوهم إليه، ولا يليق به وهو قدوة حسنة لهم، أن يخالفوه: {ومَا أرِيدُ أنْ أخالِفَكم إلَى مَا أنهَاكُمْ عَنْهُ إنْ أرِيد إلا الإصلاح مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوفِيقِي إَلا باللّه عَلَيْهِ توَكَّلْتُ وإليه أنِيب}. [هود: 88].
ولهذا كانت العبادة وإقام الصلاة، أول صفات ولاة الأمور الذين يمكن اللّه تعالى لهم في الأرض، ليقتدي بهم رعاياهم في ذلك.
كما قال تعالى: {الذِينَ إن مَّكَّنَّاهم فِي الأرض أقَامُوا الصّلاةَ وَآتوُا الزَّكَاةَ وأمرُوا بِالْمعرُوفِ وَنهَوا عَنِ المُنْكر وَللّه عَاقبة الأمُور}. [الحج: 41].
أشار سبحانه وتعالى بإقام الصلاة إلى أدائهم حقوق ربهم وقيامهم بعبادته، وأشار بإيتاء الزكاة إلى قيامهم بأداء حقوق رعاياهم.
وقال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ}. [النور: 55].
وليس المقصود هنا ذكر صفات ولاة الأمر وواجباتهم وإنما المقصود ذكر ما يؤثر في رعيتهم من الخير، فالإيمان والعمل الصالح وعبادة اللّه الشاملة، وأداء حقوق الرعية صفات ذات أثر كبير في اقتداء الرعية بولي أمرهم، وتأثيره في رعيته الكبار يؤثر على الصغار؛ لأن الكبار يقتدون بالراعي، والصغار يقتدون بالكبار، وقد شبه العلماء ولي أمر المسلمين، بالقلب الذي إذا صلح صَلح الجسد كله، وإذا فسد فَسد الجسد كله، وهو ما عناه الشاعر:
[s3]
المبحث الثاني: حظر وسائل الإغراء بالانحراف، وحمل المجتمع على الطاعة، وزجره عن المعصية.
إن ولاة الأمور الذين تتحقق فيهم القدوة الحسنة، لا تَرضَى نفوسهم أن يروا المجتمع يعيش في مستنقع آسن من الشهوات والمعاصي، والبُعد عن طاعة اللّه سبحانه وتعالى، بل يُثقل كاهلَهم رؤيةُ الفواحش والمنكرات ووسائل الإغراء بها، رأفة بأمتهم وإشفاقاً عليها من أن تلقى ربها بالذنوب والآثام.
كما قال تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم، وهو قدوة أمته، ولاتِهم ورعيتِهم: {لَقَد جَاءَكم رَسُولٌ مِنْ أنفُسِكُمْ عَزيز عليه مَا عَنِتُّمْ حَريص عَلَيكم بِالمُؤمِنِينَ رءوف رَحِيم}. [التوبة: 128].
وقد ضرب صلى الله عليه وسلم مثلاً يبين شدة شفقته على أمته من الوقوع في المعاصي، فَمَثَّلَ المعاصي بالنار، ومثَّلَ أمته بالفَراش يقع في النار، ومثل نفسه برجل ينزعهن عن النار، وهن يغلبنه بالوقوع فيها، كما روى أبو هريرة، رضي الله عنه، أنه سمع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول: ((إنما مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد ناراً، فلما أضاءت ما حوله، جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها، فجعل الرجل ينزعهن ويغلبنه، فيتقحَّمْن فيها، فأنا آخذ بحجزكم عن النار، وهم يقتحمون فيها)). [البخاري (7/186) ومسلم (4/1789].
وهكذا كان خلفاؤه الراشدون، رضي اللّه عنهم يشفقون على رعيتهم، ويزعونهم عن المعاصي، حتى يتطهر المجتمع من الفواحش، فلا يجد من يريد الانحراف ما يعينه على ذلك، بل يجد ما يصده عنه.
ويظهر من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، أن إرادة ولي الأمر الخير لرعيته، ليس في الاستجابة لرغباتهم وأهوائهم؛ لأن في ذلك ضلالهم ووقوعهم في مساخط اللّه، بل إن إرادة الخير لهم وحُسن النية لهم، أن يحملهم على طاعة اللّه، ويمنعهم عن معاصيه، ولو خالف بذلك ميولهم ورغباتهم.
ولهذا قال اللّه تعالى: {وَاعلَمُوا أنَّ فِيكُم رَسُولَ اللّه، لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كثير مِنَ الأمْرِ لَعَنِتم وَلَكِنَّ اللّه حَبَّبَ إَليكُمُ الإيمَانَ وَزيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرهَ إلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالفُسُوقَ وَالعِصيَانَ أولَئِك هُمُ الرَّاشدونَ، فَضلاً مِنَ اللّه ونِعْمة وَاللّه عَلِيمٌ حَكِيمٌ}. [الحجرات: 7ـ8].
والأصل في أولياء أمور المسلمين، أن يريدوا لرعيتهم ما يريده اللّه لهم شرعاً، والذين يريدون غير ما أراد اللّه للمسلمين، هم الذين يرغبون فيِ إعناتهم وإبعادهم عن الله وميلهم عن هديه، وهم الذين يمهدون سبل الانحراف عن دين اللّه، وعن سنن المجتمع المسلم.
كما قال اللّه تعالى: {يريد الله لِيُبَيّنَ لَكُمْ وَيهديكم سننَ الذِينَ مِنْ قبلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللّه عَلِيمٌ حَكِيمٌ، وَالله يريد أنْ يَتُوبَ عَلَيكُم ويريد الذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أنْ تمِيلُوا مَيْلاً عَظِيما}. [النساء: 26ـ27].
ومما يسبب الوقوع في المعاصي والآثام ترك الناس، يرتكبون المحرمات علناً، في الأسواق والنوادي والمسارح، ووسائل الإعلام، كشرب الخمر وبيعها علناً، واختلاط الرجال والنساء في المدارس والجامعات، وترك الصلاة، وعرض الأفلام الجنسية والخليعة، مما يثير غرائز الشباب، كما هو موجود في كثير من الأقطار الإسلامية.
والواجب على ولاة أمور المسلمين أن لا يأذنوا بشيء من ذلك، بل عليهم أن يمنعوه منعاً باتاً قطعاً، للفتنة وحسماً للإغراء، كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يفعل.
فقد كان الفضل بن العباس راكباً وراءه في حجة الوداع، فمرت نساء يسألن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فأخذ الفضل ينظر إليهن، فوضع الرسول صلى الله عليه وسلم يده على وجه الفضل، ليحول بينه وبين النظر إلى النساء، فحول الفضل وجهه ينظر من الشق الأخر، فحول الرسول صلى الله عليه وسلم يده على وجهه من الشق الآخر، ليحول بينه وبين النظر إليهن. [صحيح مسلم (2/891)].
إن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وضع لأولياء الأمور منهاجاً يسيرون عليه، وهو أن يحولوا بين رعيتهم وبين المعاصي بكل وسيلة، حتى لو اقتضى الأمر أن يقوم ولي أمر المسلمين بذلك بنفسه مباشرة، فكيف يكون الأمر عندما يدخل أولياء أمور المسلمين أسباب المعاصي والانحراف إلى بيوت رعيتهم بصورة دائمة وشاملة ومنظمة، كما هو الحال في أغلب بلدان العالم الإسلامي؟ أليس ذلك وحده كافياً في انحراف الشباب وبُعدهم عن دين اللّه وقواعد سلوك المجتمع؟!
والشباب الذي يُراد له الاستقامة، ويُؤمر بغض بصره عن المحرمات، يجب أن يُعان بما يحقق له تلك الاستقامة وذلك الغض، بعدم عرض ما يثير غرائزه من وسائل الإغراء بالمعاصي المختلفة، وإلا فكيف يطلب منه أن يستقيم مع وجود تلك المثيرات؟
وكيف يطلب منه أن يبتعد عن الإجرام، كجرائم القتل وجرائم السرقة في وقت تعرض عليه وسائل الإعلام تلك الجرائم وطرق ارتكابها في أغلب بلدان العالم الإسلامي؟! أليس ذلك وحده كافياً لانحراف الشباب وبعدهم عن دين الله وقواعد سلوك المجتمع؟
أعود مرة أخرى فأقول: إن إرادة الخير للرعية ليست في الاستجابة لرغباتهم وميولهم، وإن خالفت دين الله، وإنما هي سياستهم بدين الله، وإن كرهته نفوسهم؛ لأن ذلك هو المصلحة المحققة لهم في دينهم ودنياهم.
كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "فليس حسن النية بالرعية والإحسان إليهم أن يفعل ما يهوونه، ويترك ما يكرهونه، فقد قال اللّه تعالى: {وَلَو اتبعَ الحَقُّ أهواءَهم لَفَسدتِ السَّمَاوَات وَالأرضُ وَمَنْ فِيهنّ}. [المؤمنون: 71].
وقال تعالى للصحابة: {وَاعلَمُوا أن فيكم رَسوُلَ الله لو يطيعكم فِي كثير مِنَ الأمر لَعنتم}. [الحجرات: 7].
وإنما الإحسان إليهم أن يفعل ما ينفعهم في الدين والدنيا، ولو كرهه من كرهه، لكن ينبغي أن يرفق بهم فيما يكرهونه، ففي الصحيحين، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا كان العنف في شيء إلا شانه)). [مسلم (4/2004) من حديث عائشة رضي الله عنها].
[s3]
المبحث الثالث: إعداد الشباب لأهداف عليا ـ كالجهاد ـ تشغلهم بالطاعة عن المعصية.
إن الشاب الذي ينشأ في أمة وضعت لنفسها أهدافاً سامية، تُسَخِر كل إمكاناتها وطاقاتها، لتكون وسيلة لتحقيق تلك الأهداف العليا، يُشرب قلبُه حَب تلك الأهداف، وتلك الوسائل، فيسلك سبيل أمته حرصاً على تحقيق تلك الأهداف، بكل ما أوتي من قوة وفي ذلك حفظ لطاقاته من أن تتبدد، ولنفسه من أن تنحرف، إلى ما لا يرضاه اللّه سبحانه وتعالى وعباده المؤمنون.
وإن من أعظم الأهداف التي يجب على ولاة الأمور أن يضعوها نصب أعين رعيتهم وشبابهم، هي إعدادهم للجهاد في سبيل اللّه، بمعناه الشامل، لإعلاء كلمة اللّه، فإن الأمة المجاهدة لا تجد فراغاً من الوقت لتنحرف، ولا يجد شبابها مجالاً للانحراف، بل يجدون المجتمع يِقودهم إلى جهاد أنفسهم وأهوائهم، وشيطانهم، مجتهدين في التعلم والتعليم، ومساعدة المحتاجين، وييممون وجوهم شطر الرجولة والفروسية، وإعداد العدة بكل معانيها عدة الإيمان بالتقرب إلى اللّه، وعدة المصانع الجهادية من صناعة نعل الجندي إلى صناعة قوافل المقاتلات الأرضية والبحرية والجوية، إلى تقوية الأجسام التي تُعَد للمعارك الفاصلة، تحقيقاً لقول اللّه سبحانه وتعالى: {وَأعدوا لَهُم مَا اسْتَطعتُمْ مِنْ قوة وَمِنْ رِبَاطِ الخيل ترهبونَ بِهِ عدو الله وعدوكم وَآخرِينَ مِنْ دُونهِمْ لا تعلَمُونهُم الله يَعْلمهم، وَمَا تنفقُوا مِنْ شَيءٍ فِي سَبيِلِ اللّهَ يوف إليكم وَأنتم لا تظْلَمُونَ}. [الأنفال: 60].
ولما كان هذا الهدف قائماً في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجه الكمال، كانت الاستقامة كاملة ـ والشذوذ لا يخالف القاعدة العامة ـ وهكذا في عهد خلفائه الراشدين، وإذا قلبتَ صفحات التاريخ، وجدت أن الأمة المجاهدة، قليلة الانحراف، كثيرة الخير والهدى، وأن الأمة القاعدة عن الجهاد كثيرة الانحراف، قليلة الخير والهدى.
والشاب الذي ينشأ في أمة وضعت له أهدافاً هابطة، ووسائل تلائم تلك الأهداف، يُشْرَب قلبه حبَّ تلك الأهداف وتلك الوسائل، فيسلك سبيل أمته، في نطاق الهابطين وقد تشغله وقتاً من الزمن، ولكنه يسأمها ويحاول أن يحدد لنفسه أهدافاً غيرها، بوسائل أخرى، ثم يسأم تلك وهذه، فلا يجد أمامه إلا الانحراف الذي يجرفه إلى الهاوية، فيصبح الانحراف هو القاعدة، والاستقامة هي الاستثناء، والأمة المنحرفة تعد لقمة سائغة للأعداء، يهجمون عليها بقوة السلاح، ليحتلوا أرضها، ويستغلوا خيراتها، ويستعبدوا أبناءها، كما يشهد بذلك التاريخ وينطق به الكتاب العزيز: {مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ (38) إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. [التوبة: 38ـ39].
وعذاب الله للأمة عندما تترك الجهاد في سبيل الله وتتوانى عن تنفيذ أمره بالنفير، ليس خاصا بعذاب الآخرة، بل يشمل ـ أيضاً ـ عذاب الدنيا، بما يصيبها من الذل والانحطاط، وسيطرة عدوها على بلدانها وخيراتها، وجعلها تابعة مقودة، بدلاً من كونها متبوعة قائدة، كما هو حالنا اليوم: اغتُصبت بلداننا، وقُتل إخواننا رجالاً ونساءً، شيباً وشباناً، ودُنِّست مقدساتنا، كما هو الحال في الأرض المباركة "فلسطين" وفيها قبلتنا الأولى المسجد الأقصى، ولا توجد بلدة من بلدان المسلمين غير مهددة من أعدائها اليوم، وفي احتلال الصليبيين واليهود للعراق وأفغانستان عبرة، إنه عذاب الدنيا قبل عذاب الآخرة!
فكما يعذب الله تعالى أعداءه بأيدينا، إذا قمنا بالجهاد في سبيله، فإنه يعذبنا بأيدي أعدائنا، إذا تركنا الجهاد في سبيله، جزاءً وفاقاً، قال تعالى: { قُلْ هَلْ تَتَربَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمْ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ }. [التوبة: 52].
ثم إن قوله تعالى: { وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ } دليل كاف على أن الذين يتركون الجهاد في سبيل الله، يستبدل الله بهم قوماً غيرهم، إذ يكونون في حال لا يصلحون لإقامة حياتهم على منهج الله لسيطرة عدوهم عليهم، إضافة إلى ما يبتليهم الله به من التفرق والنزاع؛ لأن الأمة الإسلامية إذا تركت الجهاد تغرق غالباً في النزاع المؤدي إلى الفشل فيما بينها، وهو الذي يهيئها للذلة والاستعباد لها من قبل أعدائها، وأي عذاب يعدل هذا العذاب في الدنيا؟
قال ابن تيمية رحمه الله: وقوله تعالى{ إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ }: "قد يكون العذاب من عنده، وقد يكون بأيدي العباد، فإذا ترك الناس الجهاد في سبيل الله، فقد يبتليهم بأن يوقع بينهم العداوة، حتى تقع بينهم الفتنة، كما هو الواقع، فإن الناس إذا اشتغلوا بالجهاد في سبيل الله، جمع الله قلوبهم وألف بينهم، وجعل بأسهم على عدو الله وعدوهم، وإذا لم ينفروا في سبيل الله، عذبهم الله بأن يلبسهم شيعاً ويذيق بعضهم بأس بعض". [زاد المسير (15/44،45)].
وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم أن المسلمين، يتركون الجهاد عندما ينصرفون إلى الدنيا، ويشتغلون بطلب الرزق من أي وجه، حلالاً كان، أو حراماً، وأنهم بذلك يزيغون عن دينهم الحق، ويضعف في نفوسهم ضعفاً يدعوهم إلى مراجعته، وينالون الذل الذي لا يفارقهم حتى يرجعوا إلى دينهم، ويرفعوا راية الجهاد في سبيل الله.
روى ابن عمر رضي الله عنهما، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: ((إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً، لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم)). [سنن أبي داود (3/274) وسنن البيهقي (5/316)].
نقل في الترغيب والترهيب عن ابن القطان، أن هذا الحديث غير صحيح، ولكن له طرق أخرى صحيحة، قال: "فالحديث ... لا يصح، ولكن للحديث طريق أحسن من هذا، رواه الإمام أحمد في كتاب الزهد.. عن عطاء بن أبي رباح، عن بن عمر، قال: أتى علينا زمان وما يرى أحدنا أنه أحق بالدينار والدرهم من أخيه المسلم، ثم أصبح الدينار والدرهم أحب إلى أحدنا من أخيه المسلم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: ((إذا ضن الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله، أنزل الله بهم ذلاً فلم يرفعه عنهم، حتى يراجعوا دينهم)).. انتهى قال: وهذا حديث صحيح ورجاله ثقات". [نصب الراية (4/16)].
ولا يشترط في اشتغالهم بالدنيا، أن تكون وسائل حرثهم البقر، ولا أن يكون الذي يلهيهم عن الدين والجهاد في سبيل الله، الزرع والبيع والشراء، حلالاً كان أو حراماً، فتلك كلها أمثلة لما يشغل المسلمين عن العناية بدينهم، ومنه الجهاد في سبيل الله.
فالواجب على ولاة أمور المسلمين أن ينصبوا لشباب الأمة الأهداف العليا، التي نصبت لهم في العصور الإسلامية المفضلة، التي من أهمها رفع راية الإسلام في الأرض بالجهاد في سبيل اللّه إعداداً معنوياً ومادياً، ودعوة إلى اللّه وغزواً في سبيله، وأن لا يصرفوا ذلك الشباب إلى ما يشغله عن تلك الأهداف، بأهداف أخرى هابطة تبعده عن دينه، ورجولته وتَطَّلعه للعزة الربانية، التي ساد بها أجداده الأوائلُ أممَ الأرض بالهدى ودين الحق.
ففي نصب الأهداف العليا للشباب وصرفه عن الأهداف الهابطة تكمن العزة والكرامة، وفي عكس ذلك تكمن الذلة والمهانة والخضوع لأعداء اللّه، كما هو حال أكثر الشعوب الإسلامية في هذا العصر، وإن ذلك لمما يؤذن بالدمار الساحق لهذه الأمة، إذا لم تتدارك شبابها بهدى الله، فعليها وعلى ولاتها تدارك الأمر قبل فوات الأوان.
ولعل في هذه الإشارات الموجزة في الفصول السابقة التي لا يتسع المقام لأكثر منها، ما يكفي في بيان مسؤولية هذه المؤسسات الأربع في تزكية الشباب ووقاية الأحداث من الانحراف.