شرك الوالدين لا يسقط حقهما:
شرك الوالدين لا يسقط حقهما:
ومن عدل الشريعة الإسلامية الغراء، أنها تعطي صاحب الحق حقه، ولو كان مشركاً يدعو إلى الشرك ولا يجوز إسقاط حقه بسبب شركه..
كما قال تعالى على وجه العموم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}. [المائدة: 8]. ولذلك أمر الله سبحانه وتعالى الولد أن يقوم بحق والديه من الإحسان إليهما والبر بهما والإنفاق عليهما ومصاحبتهما بالمعروف مع بقائهما على الشرك، ولا يجوز له أن يعصيهما إلا إذا أمراه بمعصية الله تعالى، فإذا أمراه بمعصية الله، فلا طاعة لهما عليه في ذلك؛ لأن المقصود من طاعتهما الحصول على ثواب الله، وطاعتهما في المعصية يترتب عليها عكس ذلك وهو العقاب.
والقاعدة العامة: ((لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)). [راجع صحيح البخاري (8/105) ومسلم (3/1469)].
وقد أوضحت الآيات القرآنية ذلك إيضاحاً تاماً.
قال تعالى: {وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}. [العنكبوت: 8]. وقال تعالى: {وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}. [لقمان:15].
وروى مسلم في صحيحه: أن هاتين الآيتين من سورة لقمان نزلتا في حق سعد بن أبي وقاص عندما حلفت أمه وكانت مشركة ألا تكلمه، ولا تأكل ولا تشرب حتى يكفر بدينه، وقالت له: زعمت أن الله وصاك بوالديك وأنا أمك وأنا آمرك بهذا.
فمكثت ثلاثاً حتى غشي عليها من الجهد، فقام ابن لها يقال له عمارة، فسقاها فجعلت تدعو على سعد فأنزل الله عز وجل في القرآن هذه الآية: {وَوَصَّيْنَا الإنسان …}. [انظر تفسير ابن كثير ج3 ص405-445].
وقد دلت السنة أن حق الوالدين آكد على ولدهما من الجهاد. [إذا كان تطوعاً، وبعضهم يرى ذلك ولو كان فرض عين، إذا كان في تركهما ضياع لهما].
ففي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: "جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنه في الجهاد فقال: ((أحي والداك؟)) قال: نعم. قال: ((ففيهما فجاهد)). [البخاري (7/69) ومسلم (4/1975) من حديث ابن عمر].
ودلت قصة جريج وهي في الصحيحين أيضاً على أن الولد إذا دعته أمه، وهو يصلي ـ تطوعاً ـ وجب عليه إجابتها قبل أن يتم صلاته. [البخاري (4/140) ومسلم (4/1976) عن أبي هريرة].
والأحاديث في ذلك كثيرة أكتفي منها بالحديث الآتي الدال على أن عقوقهما من أكبر الكبائر..
ففي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر)) ـ ثلاثاً ـ؟ فقالوا: بلى، قال: ((الإشراك بالله وعقوق الوالدين)). وكان متكئاً فجلس فقال: ((ألا وقول الزور)). [البخاري (7/70) ومسلم (1/91) من حديث أبي بكرة].
ويُنَبَّه على أن القرآن ذكر حقوقهما الواجبة مع حقوق الله، والسنة قرنت بين عصيانهما بعصيان الله، وكفى بذلك دلالة على وجوب البر والإحسان إليهما.