أثر فقه عظمة الله في الخشوع له

المؤلفات | تربية | 36 صفحة
صفحة 18 من 36 الحكمة في عدم استئصال هذه الأمة كلها تعود إلى أمرين:

الحكمة في عدم استئصال هذه الأمة كلها تعود إلى أمرين:

الحكمة في عدم استئصال هذه الأمة كلها تعود إلى أمرين:
الأمر الأول: أن هذه الأمة لا بد أن يبقى فيها من يعبد الله لا يشرك به شيئاً، ويطيع أوامره وينتهي عما نهاه الله تعالى عنه، كما جاء في حديث المغيرة بن شعبة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين، حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون) [رواه البخاري (3/1330) ومسلم (6/335).]
الأمر الثاني: أنه يترتب على استئصال هذه الأمة خلو الأرض ممن يعمرها معنوياً بعبادة الله؛ لأن الإسلام هو خاتم الأديان، والرسول صلى الله عليه وسلم، هو خاتم الرسل، وهذه الأمة هي آخر الأمم، وقد أخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم، أنه (لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله، الله) [صحيح مسلم (2/146).]
فإذا عُلم أن الله تعالى يعاقب من عصاه، ويثيب من أطاعه، ولا يساوي بين الفريقين، أحدث ذلك للإنسان العاقل، وبخاصة المسلم الخشية من عقاب ربه يوم لقائه، والخشية والرهبة والخوف منه تعالى من أهم أسباب الخشوع والإخبات له، كما قال تعالى: {وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً (59)} [الإسراء]
ومعلوم أن العصاة الكفرة لا يخافون عقاب الله، وإنما يخافه عباده المؤمنون، وهل يستوي هؤلاء وأولئك؟: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ (9)} [الزمر]
وتأمل الآيتين الآتيتين، كيف ذكر الله تعالى فيهما أن القرآن لو أنزل على أصلب ما في الأرض، وهي الجبال، لخشعت وتصدعت، من خشيته والرهبة منه، بعد أن نفى استواء أصحاب النار وأصحاب الجنة؟!
فقال تعالى: {لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ الْفَائِزُونَ (20) لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (21)} [الحشر]
فيجب أن يستحضر المؤمن دائماً عقاب الله لمن عصاه في الدنيا والآخرة، ليحدث عنده الخوف والخشية والرهبة منه، كما يطمع في رحمته وثوابه، ليعينه ذلك على الخشوع والإخبات له: {إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (165)} [الأنعام] {فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (40)} [العنكبوت]
ولكنه تعالى لا يعاقب أمة من الأمم ولا ينتقم منها في الدنيا والآخرة إلا بعد إقامة الحجة عليها، كما قال تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ(59)} [القصص]
وقال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً (15)} [الإسراء]
تلك إشارات يسيرة قُصِد بها التنبيه على أن استحضار عظمة الله تعالى من تدبر كتابه المقروء، والإكثار من التعبد له بأسمائه وصفاته، والتفكر في كتابه الكوني المفتوح، إن من استحضر تلك العظمة يكون دائم الإخبات والخشوع له في كل وقت وحين.