عظمة الله في الملك:
عظمة الله في الملك:
إن تدبر العقلاء أسماء الله تعالى وتدبر بعض ما يدخل في كل اسم منها من معان مما يظهر للمتدبر، ليظهر من عظمة الله تعالى ما يجعل القلوب تخشع وتذل له سبحانه وتوجل هيبة ورهبة وخشية من جلاله، ورغبةً إليه ومحبةً له وطمعاً في رحماته وتوفيقه وهداه.
إن رجلا يُمَلِّكه الله تعالى قطعةً في الأرض تشتمل على خيرات من الأرزاق في ظاهرها وباطنها، يتربع على سرير الرئاسة أو الملك يسيطر على شعب متنوع الأصناف: فقير وغني وجاهل وعالم، وقوي وضعيف، يحيط به الجيوش الكثيرة، والخدم والحشم الوفيره، يتسابقون في السمع له والطاعة، تجد الناس ينظرون إليه نظرة احترام وهيبة، وخوف ورهبة، لا يعصون له أمراً، ولا يرتكبون له زجراً، يرجون منه الكرم والفضل، ويخافون الحرمان والعزل، يدعونه بصاحب الفخامة أوالجلاله احتراماً له وتعظيماً، وتقرباً إليه وتسليماً، مع أن ملكه مجاز وليس حقيقة؛ لأن الذي منحه ذلك الملك هو خالقه ومالكه الذي يعطي ويمنع ويعز ويذل، ويميت ويحيي، الذي قال لنبيه ولكل من يصلح لتوجيه الخطاب إليه: {قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26)} [آل عمران]
وملك غير الله من المخلوقين مع كونه نسبياً في الزمن الذي قد يمتد لصاحبه مدة حياته، وقد يسلب منه قبل ذلك، هو نسبي في المضمون كذلك؛ لأنه مهما عظم في نظر المخلوق يعد شيئاً ضئيلاً بجانب الملك الخالق العظيم، فهو ملك مضمحل باطل في حقيقة الأمر؛ لأن الله تعالى مالك كل شيء في الدنيا وفي الآخرة، وغيره مالك ما ملَّكه الملك الحق في وقت دون وقت، كما قال تعالى عن نفسه: {فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ...(114)} [طه]
قال الشيخ السعدي رحمه الله في تفسير الآية: "أي وجوده وملكه وكماله حق، فصفات الكمال، لا تكون حقيقة إلا لذي الجلال، ومن ذلك: الملك، فإن غيره من الخلق، وإن كان له ملك في بعض الأوقات، على بعض الأشياء، فإنه ملك قاصر باطل يزول، وأما الرب، فلا يزال ولا يزال ملكاً حياً قيوماً جليلاً". انتهى.
فهو تعالى وحده الذي يخفض ويرفع، ويهب ويمنع، ويذل ويعز، لا يملك أحد من خلقه شيئاً إلا ما ملكه إياه تمليكاً مؤقتاً يهبه متى شاء لمن يشاء على ما يشاء، ويسلبه متى شاء.
هذا في الدنيا؛ أما في الآخرة فهو تعالى وحده مالك يوم الدين، يخاطب فيه عباده الذين برزوا من قبورهم للجزاء العادل الذي لا يتميز فيه أحد عن أحد، بل ينال كل منهم جزاء ما قدم، كما قال تعالى: {يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (16) الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (17)} [غافر]
ترى ألا تجعل عظمة الله تعالى في ملكه في الدنيا والآخرة، جلود العقلاء من البشر تقشعر، وقلوبهم ترتجف وتخبت وتخشى وتخشع لهذا الرب العظيم؟
كررت في هذا البحث ذكر "عقلاء البشر" عن قصد، مع أن المسلمين وحدهم هم المنتفعون بعقولهم التي تجعلهم يؤمنون بالله واليوم الآخر، ويخبتون لله تعالى؛ لأن آيات الله الكونية قد أخضعت عقول كثير من علماء الكون غير المسلمين من ذوي التخصصات المتنوعة، من فلك وطب وجيولوجيا وفيزياء، إلى الإيمان بأن هذا الكون لا بد له من خالق مدبر، إذ أدهشهم ما في الكون العلوي والسفلي من دقة ونظام، دال على أنه من المستحيل أن يكون هذا الكون وُجد بدون خالق، ومن البحوث التي ألفت في ذلك كتاب "العلم يدعو إلى الإيمان". وقد أسلم بعض هؤلاء العلماء بناء على ذلك، وبعضهم اعترف بوجود الله بعد أن كان ملحداً.
وقد دعا هذا بعضَ المسلمين، أن يزعموا أن هؤلاء العلماء من غير المسلمين، من أشد الناس خشيةً لله تعالى، لعلمهم قدرة الله تعالى، وذكر عدداً منهم لم يدخلوا في الإسلام، قال: "ولو حاولت تتبع بعض سير مؤسسي العلوم الحديثة فستجد أن معظمهم ـ إن لم نقل كلهم ـ من أشد الناس خشية لله تعالى ولو عُرض عليهم الإسلام بصورته الصحيحة لما ترددوا في اعتناقه أمثال: نيوتن وكابلر وليوناردو دافنشي وآينشتاين".
http://www.55a.net/firas/arabic/?page=show_det&id=979&select_page=13.
ونحن نسلم بأن كثيراً من أولئك العلماء قد أثَّر فيهم دقة الكون ونظامه وأخضع عقولهم ونفوسهم، للاستسلام لخالق مدبر، وأن الذين أسلموا من هؤلاء وتمكنوا من الفقه في أصول الدين فقهاً صحيحاً، قد عرفوا الله حق المعرفة، وأن هؤلاء قد يكونون أشد خشيةً وخضوعاً وخشوعاً لله؛ لأنهم جمعوا بين الفقه الشرعي والعلم الكوني الذي يزيد صاحبه إيماناً، أما من تأثروا بالعلوم الكونية تأثراً لا يجعلهم يؤمنون بخالق لهذا الكون، فإيمانهم بالخالق إيمان عام، لم يعرفوا حقيقة أوصاف هذا الخالق الشرعية التي لم تعد توجد إلا في كتاب الله وسنة رسوله، ولم يعرفوا ما لهذا الإله على خلقه من عبادته، فلا يصح القول: إن هؤلاء من أشد الناس خشية.
عظمته في علمه المحيط بكل شيء:
وتتجلى عظمته تعالى في علمه الميحط بكل شيء من جزئيات الكون، لا تخفى عليه منه خافية، لا غيب عنده من خلقه، بل هو يعلم ما هو غيب عن عباده أو شهادة على السواء، وهذه الصفة العظيمة يعبر عنها بعدد من أسمائه التي ذكرها لنا في كتابه: مثل عالم وعليم وخبير وسميع وبصير...
قال تعالى: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (59)} [الأنعام]
{عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (73)} [الأنعام، والتوبة: (94) (105) والرعد: (9) والمؤمنون: (92) والسجدة: (6) والزمر]
{وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (11)} [فاطر]
{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ(7)} [المجادلة]
{يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (19)} [غافر]
{وَلَقَدْ خَلَقْنَا ?لإِنسَـ?نَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ?لْوَرِيدِ} [ق]
أما خلقه تعالى، مهما بلغوا من العلم، فما أحقر علمهم بجانب علم الخالق سبحانه: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ...(255)} [القرة]
{وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (6) يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنْ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنْ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ(7)} [الروم]
{وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوْ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (13) أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14)} [الملك]
ولشمول علمه تعالى بكل شيء في الكون أطلق العلماء عليه تعالى مصطلح: "الواعظ الأكبر والزاجر الأعظم" وقد ألفت رسالة في هذا المعنى، فاستحضار عظمته تعالى في علمه المحيط بكل شيء أكبر معين للعبد على الخوف والخشية والرهبة والخشوع لهذا الرب العظيم، وفي نفس الوقت من أعظم ما يعين على محبته تعالى غاية المحبة؛ لأن علمه بما يقدم المسلم من الأعمال الصالحة، يحفظ له تلك الأعمال ويثيبه عليها يوم الدين.
عظمته في رحمته:
من أسماء الله تعالى: الرحمن الرحيم، ورحمته تعالى كغيرها من صفاته، شاملة لجميع خلقه في سماواته وأرضه، والإنسان الذي أوجده الله تعالى في هذه الأرض، يرى آثار شمول رحمته في كل ما حوله من حيوان ونبات، فالإنسان نفسه سبق الكلام على نعم الله عليه في ذاته وفيما سخره له من السماوات ومن الأرض، والتسخير كله رحمة من الله تعالى.
إن الإنسان الذي يلحقه ضرر من أخيه الإنسان، لو استطاع لأنزل به من الضرر ما يفوق ما أصابه من ضرر أضعافاً مضاعفة، بل لو أن إنساناً استقل بملك خزينة من خزائن الله تعالى تشمل مصالحها غيره من المخلوقات، لبخل بها عليهم وأمسكها عنهم، ولو هلكوا بذلك: {أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنْ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً(53)} [النساء]
{قُلْ لَوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنفَاقِ وَكَانَ الإِنْسَانُ قَتُوراً (100)} [الإسراء] والسبب في ذلك بخل هذا الإنسان بما يملك خشية نفاده؛ لأنه فقير فقراً ذاتياً مهما عظم ملكه؛ ولأنه يفقد الرحمة التي تدفعه إلى الإنفاق على غيره، وتزجره من منعه عنه.
بخلاف الخالق الغني الكريم الرحمن الرحيم، فإنه لا يخشى الفقر؛ لأنه غنيٌّ غنىً ذاتياً له خزائن السماوات والأرض وخزائنه لا تنفد: {مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ....(96)} [النحل]
{هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (38)} ( ).
رحمته شاملة في الدنيا والآخرة:
قال تعالى: {فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنْ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (147)} [الأنعام]
هذه السعة في رحمته تعالى شاملة لكل حي في الدنيا، سواء كان من أوليائه المطيعين، أم من أعدائه العصاة الكافرين والفاسقين؛ لأن الله تعالى خلقهم جميعاً، فلا يحرم أحداً منهم من رحمته التي منها رزقهم الذي يكون سبباً في بقاء حياتهم المحدودة: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنْ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126)} [القرة]
قال سيد قطب رحمه الله، وهو يتفيأ في ظلال آية البقرة هذه: {قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}: "فقل ربكم ذو رحمة واسعة بنا, وبمن كان مؤمناً من عباده, وبغيرهم من خلقه. فرحمته ـ سبحانه ـ تسع المحسن والمسيء; وهو لا يعجل على من استحق العقاب; حلماً منه ورحمة. فإن بعضهم قد يثوب إلى الله.. ولكن بأسه شديد لا يرده عن المجرمين إلا حلمه, وما قدره من إمهالهم إلى أجل مرسوم. وهذا القول فيه من الإطماع في الرحمة بقدر ما فيه من الإرهاب بالبأس. والله الذي خلق قلوب البشر; يخاطبها بهذا وذاك; لعلها تهتز وتتلقى وتستجيب". انتهى.
ومن آثار سعة صفة رحمته تعالى منحه مخلوقاته ما خلقه فيهم من التراحم الشامل فيما بينهم، كما روى أبو هريرة رضي الله عنه، عن النبي ‘ قال:(إن لله مائة رحمة.. أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام.. فبها يتعاطفون.. وبها يتراحمون.. وبها تعطف الوحش على ولدها.. وأخَّر الله تسعاً وتسعين رحمة.. يرحم بها عباده يوم القيامة) [رواه مسلم (17/61)].وفي حديث جندب بن عبد الله البجلي رضي الله عنه: (إن الله عز وجل خلق مائة رحمة فأنزل رحمة يتعاطف بها الخلق جنها وإنسها وبهائمها، وأخَّر عنده تسعاً وتسعين رحمة..).
وإنا لنشاهد ذلك التراحم والحنان بين بني الإنسان، فنرى كلاً من الزوجين يرحم زوجه ويكن له من الود والرأفة ما يحقق بينهما السكن والاطمئنان، كما قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ(21)} [الروم]
كما نرى تلك الرحمة ماثلة في حنان الآباء على أولادهم كباراً وصغاراً، مع تخصيص صغارهم بغاية الرحمة، لشدة حاجتهم إليها أكثر من الكبار الذين شرعوا في الاستقلال بالقيام بشئونهم.
والأم أوفر حظاً من الأب في الرحمة على أولادها والعناية بهم، لكثرة صلتها بهم حملاً وولادةً وغذاءً وتربيةً وتنظيفاً، يظهر ذلك فيما تعانيه مدة الحمل من مشقة وضعف ووهن، وصعوبة الولادة بهم التي قد تفقد حياتها بسببها أو تكاد، فإذا وضعت حملها وجدتها شديدة الحرص على رؤية وليدها وضمه إلى صدرها لشدة حبها له ورحمتها به: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنْ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14)} [لقمان]
ولهذا كانت أولى ببرهم ورحمتهم من الأب، وإن وجب عليهم برهما جميعاً، كما قال تعالى: {..وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً (24)} [الإسراء]
نعم مع وجوب بر الأولاد بآبائهم وأمهاتهم جميعاً، فقد خصَّ الله الأمهات بالأولوية في ذلك كما روى أبو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: "يَا رَسُولَ الله! مَنْ أَحَقُّ الناس بِحُسْنِ صَحَابَتِي"؟ قَالَ: (أُمُّكَ) قَالَ: "ثُمَّ مَنْ"؟ قَالَ: (أُمُّكَ) قَالَ: "ثُمَّ مَنْ"؟ قَالَ: (أُمُّكَ) قَالَ: "ثُمَّ مَنْ"؟ قَالَ: (ثُمَّ أَبُوكَ) [متفق عليه]
هذه الرحمة الأبوية كما أودعها الله تعالى في عقلاء مخلوقاته، جبل عليها حيواناتهم العجماء، فنرى أنثاها عندما تضع حملها، تلتفت إليه بمجرد نزوله من رحمها بعطف وحنان شديدين، متخذة لسانها أداة لتنظيفه مما علق به من الأوساخ حتى تنظفه، ثم تحاول بجهد تمرينه على التقام ثديها ليرضع من لبنها، والحرص على سلامته، فتمرنه على الحركة والمشي، وتحميه بنفسها وحياتها إذا اقتضى الأمر من عاديات الحيوانات الأخرى فتقربه منها حتى لا يبعد عنها، من أجل حمايته، بل إنك لترى اللبؤة الشديدة الضراوة العظيمة الهجوم والفتك، تأخذ جراءها الصغار بين فكيها بلطف وتودعها في أماكن تأمن عليها من الكهوف والحفر خشية من وصول الوحوش الأخرى إليها عندما تذهب هي لاصطياد ما تغذي به الجراء الصغار.
وترى بعض الحيوانات كالقرود تحمل أولادها الصغار على ظهورها لمسافات طويلة، أو تضمها إلى صدورها لتتمكن من الرضاع منها في حال سيرها، أو لإخفائها من عاديات حيوانان أخرى عليها، وخلق تعالى لبعض الحيوانات أكياساً حول بطونها تضع فيها أولادها، مثل الكانجرو؛ لأن ذلك أحفظ لأولادها الصغار عند مشيها، لأنها تقفز في سيرها قفزاً كما هو معروف.
وإنك لترى القطط الأليفة الوديعة، والدجاج الهادئ تتوحش إذا أحست أن أحداً يريد الاعتداء على أولادها، فترى جسمها يقشعر، وشعرها ينتفش استعداداً للدفاع عنها، وهكذا سائر الحيوانات.
ولقد أخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم، أن الله تعالى يغفر كبائر ذنوب العصاة بسبب رحمتهم للحيوان، كما روى أبو هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (غُفِر لامرأة مومسة، مرت بكلب على رأس ركي، يلهث) قال: (كاد يقتله العطش، فنزعت خفها، فأوثقته بخمارها، فنزعت له من الماء، فغفر لها بذلك).[متفق عليه]
تخصيص عباده المؤمنين بالرحمة الدائمة في الدنيا وفي الآخرة:
تلك إشارة موجزة إلى سعة صفة رحمة الله تعالى اللائقة بجلاله، التي كان من آثارها خلق مائة رحمة أنعم على مخلوقاته كلها منها في الدنيا بجزء واحد يتراحم به جميع مخلوقاته في الدنيا، ويجعلهم يتراحمون بها فيما بينهم، وأبقى تسعة وتسعين جزءً منها عنده مدخرة لعباده المؤمنين في الآخرة، فالمؤمنون يجمع الله لهم بين الرحمة في الدنيا وفي الآخرة، بل أشار الله تعالى أنهم أحق برزقه في الدنيا من غيرهم، كما قال تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ.... (32)} [الأعراف] وبيَّن خصوصيتهم بالرحمة الرضوانية، أي رضاه عنهم، وجزاؤهم الدائم في جناته التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وهي الخالصة المذكورة في الآية.
وإنما خصهم الله تعالى برحمته لأنهم آمنوا بها وجاهدوا في الله حق جهاده في الدنيا راجين منه تلك الرحمة التي آمنوا بها، ملحين صادقين في طلبها، حذرين خائفين من حرمانهم منها وسخطه عليهم وعذابه لهم، بخلاف من كفروا بها ممن جهل عظمته وقدره، كما قال تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ (9)} [الزمر]
وقال تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ(156)} [الأعراف]
وقال تعالى: {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً (43)} [الأحزاب]
قال ابن كثير رحمه الله: "{وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً} أي في الدنيا والآخرة, أما في الدنيا فإنه هداهم إلى الحق الذي جهله غيرهم, وبصَّرهم الطريق الذي ضلَّ عنه وحاد عنه من سواهم من الدعاة إلى الكفر أو البدعة وأتباعهم من الطغاة, وأما رحمته بهم في الآخرة فأمنهم من الفزع الأكبر، وأمر ملائكته يتلقونهم بالبشارة بالفوز بالجنة والنجاة من النار وما ذاك إلا لمحبته لهم ورأفته بهم".
وأخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم، أن الله تعالى لشدة رحمته بعباده عظيم الفرح بتوبة من عصاه عن عصيانه كما روى أَنَس بن مَالِكٍ الأَنْصَارِيِّ خَادِمِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، رضي الله عنه قال: قال رسول الله ‘:(للَّهُ أَفْرحُ بتْوبةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ سقطَ عَلَى بعِيرِهِ وقد أَضلَّهُ في أَرضٍ فَلاةٍ...) [متفق عليه]