الكفاءة الإدارية

المؤلفات | سياسة شرعية | 11 صفحة
صفحة 9 من 11 الفصل السادس: تحريم إسناد الأمر إلى غير أهله مع وجود أهله

الفصل السادس: تحريم إسناد الأمر إلى غير أهله مع وجود أهله

الفصل السادس: تحريم إسناد الأمر إلى غير أهله مع وجود أهله
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: خيانة من ولى غير كفء مع وجود الكفء
المبحث الثاني: أسباب اختيار غير الكفء مع وجود الكفء..
المبحث الثالث: طالب الولاية لا يولى..

المبحث الأول: خيانة من ولَّى غير كفء مع وجود الكفء

إن إسناد الأمور إلى أهلها أمانة في عنق ولي الأمر، فإذا ما أسندها إلى غير أهلها، مع وجود أهلها، فقد خان تلك الأمانة. وقد أمر الله بأداء الأمانات، فقال سبحانه وتعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً}. [النساء: 58].
قال ابن تيمية رحمه الله سبحانه وتعالى: "أما أداء الأمانات ففيه نوعان:
أحدهما الولايات، وهو كان سبب نزول الآية، فإن النبي صلى الله عليه وسلم، لما فتح مكة، وتسلم مفاتيح الكعبة من بنى شيبة، طلبها منه العباس، ليجمع له بين سقاية الحاج وسدانة البيت.. فأنزل الله هذه الآية، فدفع مفاتيح الكعبة إلى بنى شيبة..
فيجب على ولي الأمر أن يولي على كل عمل من أعمال المسلمين أصلح من يجده لذلك العمل".. [مجموع الفتاوي (28/246) وراجع كتاب الجامع لأحكام القرآن (5/255-257)].
وكما أمر الله سبحانه وتعالى بأداء الأمانة إلى أهلها، فإنه سبحانه وتعالى نهى عن الخيانة التي تتضمن إسناد الأمر إلى غير أهله..
كما قال سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}. [الأنفال: 27].
ومن أعظم الخيانات إسناد الأمور إلى غير أهلها، لما في ذلك من الظلم للأكفأ بعدم وضعه في موضعه وإسناد الأمر إليه، ولغير الأكفأ الذي أسندت إليه الأمور وهو غير قادر على القيام بها، وللأمة التي تصطلي بنار التدابير السيئة الصادرة من غير الأكفاء، ولولي الأمر نفسه الذي أسند الأمر إلى غير أهله..
فهو يتحمل إثم إسنادها إلى غير أهلها..
وإثم حرمان الكفء مما يجب أن يسند إليه..
وإثم ضرر الأمة من تدبير غير الكفء السيئ..
[s3]
الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة..
وتزداد خيانة ولي الأمر الذي يسند الأمور إلى غير أهلها، إذا علم أن الأكفاء نادرون بين البشر، فإذا وجد هذا النادر واختير غيره من الجهلة أو الخونة أو الضعفاء، كان ذلك دليلاً أن الخيانة في تارك الكفء إلى غيره متأصلة فيه، وأنه لا يريد للأمة خيراً، وإنما يريد لها الشر، وإنزال الفساد بساحها، إشباعاً لرغبات شريرة فيه وأهواء فاسدة وجلباً لمصالح شخصية.
وقد شبه الرسول صلى الله عليه وسلم الرجل الكفء بنجيب الإبل الذي إذا وجده المسافر أمن في سفره على نفسه وعلى متاعه، لأنه قوي صبور متمرس على الحمل والسفر وتحمل المشاق.. [وهو قليل بين الإبل الكثيرة].
وهكذا الرجل الكفء يأمنه ولي الأمر الذي اختاره، وتأمنه الأمة على ضروراتها ومصالحها، أما غير الكفء فهو شبيه بالإبل الكثيرة التي يلتمس الراكب منها، واحدة صالحة فلا يجدها.. وهكذا البشر الذين ليسوا أكفاء كثيرون..
روى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الناس كإبل مائة لا يوجد فيها راحلة)) .. [مسلم (4/1973)].
وقد خص الإمام مسلم رحمه الله بهذا الحديث كتاب فضائل الصحابة في صحيحه، وكأنه يشير بذلك إلى أمرين:
الأمر الأول: قلة الصالحين الأكفاء...
والأمر الثاني: ندرة صفات قرن الصحابة رضي الله عنهم بين القرون في التاريخ كله.

المبحث الثاني: أسباب اختيار غير الكفء مع وجود الكفء

إن السبب الرئيس في كل ما يخالف أمر الله سبحانه وتعالى هو اتباع الهوى الذي يُرجِّح عند فاقد الإيمان أو ضعيفه ما يهواه هو على ما يحبه الله ورسوله..
كما قال سبحانه وتعالى: {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}. [القصص: 50].
لذلك كان متبع هواه من أهل الجحيم، ومتبع هدى الله من أهل جنة النعيم..
قال سبحانه وتعالى: {فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى}. [النازعات: 37-41].
وإذا غلب على المرء اتباع هواه أرداه في مهاوي الهلاك وهو يظن أنه يبني لنفسه المجد الشامخ.
ومظاهر اتباع الهوى تتجلى في اختيار قريبه، وإن كان جاهلاً ضعيفاً خائناً، كابنه وأخيه ونحوهما، أو صديقه مجاملة له، وتعاوناً معه على محاباة كل منهما الآخر..
أو لاتفاق في الهوى والصفات، كأن يكون أحدهما يميل إلى اللين أكثر، فيختار من يوافقه في هذه الصفة، لأنه بلينه الزائد قد ألف نمطاً معيناً من معاملة الناس، والشديد قد يغير من ذلك النمط.. أو يكون شديداً عنيفاً، ألف البطش بالناس وعدم الرحمة واللين وطلاقة الوجه مع رعيته، فيختار من يوافقه على ذلك، حتى تصبح رعيته ذليلة لا تعصي له أمراً وإن كان فيه هلاكها..
مع أن الذي ينبغي عمله هو العكس، فيختار اللين من الأكفاء من يميل إلى الشدة ليعتدل أمر الناس باعتدال ولي الأمر ونائبه، حيث يخفف هذا من شدة هذا ويعدل هذا لين ذاك..
وإذا كان ولي الأمر شديداً اختار بجانبه من يميل إلى اللين، ليخفف من شدته، وبذلك تعتدل الأمور، وهذا ما جرى عليه السلف الصالح رضي الله عنهم.
قال ابن تيمية رحمه الله : "لأن المتولي الكبير إذا كان خلقه يميل إلى اللين، فينبغي أن يكون خلق نائبه يميل إلى الشدة، وإذا كان خلقه يميل إلى الشدة، فينبغي أن يكون خلق نائبه يميل إلى اللين ليعتدل الأمر.
ولهذا كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يؤثر استنابة خالد، وكان عمر رضي الله عنه يؤثر عزل خالد واستنابة أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنهم، لأن خالداً كان شديداً، كعمر ابن الخطاب، وأبا عبيدة كان ليناً، كأبي بكر، وكان الأصلح لكل منهما أن يولي من ولاه ليكون أمره معتدلاً..
ولهذا لما تولى أبو بكر وعمر، رضي الله عنهـما، صارا كاملين في الولاية، واعتدل منهما ما كانا ينسبان فيه إلى أحد الطرفين في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، من لين أحدهما وشدة الآخر.. حتى قال فيهما النبي صلى الله عليه وسلم: ((اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر)) . [مجموع الفتاوى (28/256-257) والحديث رواه أحمد في المسند، برقم (23293) والترمذي، برقم (3662) من حديث حذيفة بن اليمان، ورواه وأخرجه الحاكم في المستدرك، ثم قال: "فثبت بما ذكرنا صحة هذا الحديث وإن لم يخرجاه، وقد وجدنا له شاهدا بإسناد صحيح من حديث عبد الله بن مسعود "ورواه الترمذي من حديث ابن مسعود، برقم (3805) وقال: "هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه"].
فظهر بهذا أن ولي الأمر الذي يريد للأمة الخير يولي من يخالفه في بعض صفاته، لما يرى في مخالفته له من المصالح العامة وأن صاحب الهوى لا يولي إلا الذي يوافقه في صفاته التي تحقق له مصالحه الخاصة، وإن كان فيها ضرر على عامة الناس.
وقد يكون اختياره لغير الكفء، لأنه من بلده أو من جنسه، أو يتكلم بلغته أو يوافقه في مذهبه أو طريقه، وقد يترك الكفء حسداً له، أو لما بينهما من عدم الانسجام أو غير ذلك.
وقد يختار غير الكفء لموافقته له في الفسق، من أجل أن يعينه على فسقه، أو لأنهما ظالمان، ويريده أن يعينه على ظلمه، أو غير ذلك من الأسباب، وكلها أسباب لا تخوله أن يختار غير الكفء ويترك الكفء، لما في ذلك من الخيانة..
ولهذا قال ابن تيمية رحمه الله: "فإن عدل عن الأحق الأصلح إلى غيره، لأجل قرابة بينهما أو ولاء أو عتاقة أو صداقة أو موافقة في بلد أو مذهب، أو طريقة، أو جنس، كالعربية والفارسية، والتركية، والرومية، أو لرشوة يأخذها منه من مال أو منفعة، أو غير ذلك من الأسباب، أو لضغن في قلبه على الأحق، أو عداوة بينها، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين..
ودخل فيما نهى عنه في قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ}. [الأنفال: 27-28].
فإن الرجل لحبه لولده، أو لعتيقه، قد يؤثره في بعض الولايات، أو يعطيه ما لا يستحقه، فيكون قد خان أمانته، وكذلك قد يؤثره في ماله أو حفظه بأخذ ما لا يستحقه، أو محاباة من يداهنه في بعض الولايات، فيكون قد خان الله ورسوله وخان أمانته".. [مجموع الفتاوي (28/248-249)].
وبين في موضع آخر: أن من أهم الأسباب التي تجعل ولي الأمر يولي غير الكفء .. طمعه في معاونته له وإعانته إياه على ما لا يعينه عليه الكفء الأمين..
وأنه إنما يفعل ذلك قصدَ العلو في الأرض الذي لا يحصل عليه إلا إذا أعانه عليه من يوليهم من غير الأكفاء، وأنه على الرغم من قصده العلو في الأرض يخضع لمن يوليهم ليعينوه حتى يصير ـ وهو رئيسهم ـ مستعبداً لهم، قال: "كذلك طالب الرئاسة والعلو في الأرض، قلبه رقيق لمن يعينه عليها، ولو كان في الظاهر مَقدمهم والمطاعَ فيهم، فهو في الحقيقة يرجوهم ويخافهم، فيبذل لهم الأموال والولايات، ويعفو عنهم، ليطيعوه ويعينوه، فهو في الظاهر رئيس مطاع، وفي الحقيقة عبد مطيع لهم".. [المرجع السابق (10/189)].
هذه هي بعض الأسباب التي تجعل ولي الأمر يولي غير الكفء.

المبحث الثالث: طالب الولاية لا يولى:

المقصود من الولاية والإمارة: إعلاء كلمة الله، وإقامة دينه في أرضه، والواجب أن يتخذها صاحبها ديناً وقربة إلى الله سبحانه وتعالى، كالصلاة والصيام والحج والزكاة.
قال ابن تيمية رحمه الله سبحانه وتعالى: "فالواجب اتخاذ الإمارة ديناً وقربة يتقرب بها إلى الله، فإن التقرب إليه فيها بطاعته وطاعة رسوله من أفضل القربات".. [مجموع الفتاوي (28/391)].
قلت: ومما يدل على ذلك قول الله سبحانه وتعالى: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ}. [الحج: 41].
ولما كان أغلب الناس يتطلعون للإمارة والرئاسة من أجل الحظ الدنيوي، من عز وجاه ومال، وتسلط على رقاب الناس.. ورد في الشرع النهي عن طلب الإمارة، لأن طالبها - بدون ضرورة - يغلب عليه قصد حظ نفسه..
وإذا غلب عليه حظ نفسه ضعف قيامه بمقصودها، وهو إقامة دين الله وأداء حقوق عباده، يضاف إلى ذلك أنه لو أُذن للمسلمين أن يطلبوا الإمارة ويحرصوا عليها - بدون ضرورة - لحصل بينهم التنافس والتزاحم على الوظائف والولايات..
وترتب على ذلك وجود عداوات وحزازات، وتحزب وتكتل، وقد يفضي ذلك إلى التقاطع والحرب، وهذا ما حدث للمسلمين بسبب تنافسهم في الولايات لحظ أنفسهم، مع أن المطلوب من المسلمين الإيثار والمحبة وعدم التنافس على مطامع الدنيا، فكان من حكمة الشارع أن ينهي المسلم عن طلب الإمارة.
روى عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها)).. [البخاري (8/106) ومسلم (3/1456)].
وأخبر صلى الله عليه وسلم أن كثيراً من أمته سيحرص على الإمارة، بسبب الحظ العاجل الذي يناله فها طالبها، وأن عاقبة ذلك الندم يوم القيامة، لما فيها من تبعات.
روى أبو هريرة رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إنكم ستحرصون على الإمارة، وستكون ندامة يوم القيامة، فنعم المرضعة، وبئست الفاطمة)) . [البخاري (8/106)].
ودلت السنة أيضاً أن ولي الأمر لا يولي من طلب الإمارة..
كما روى أبو موسى الأشعري رضي الله عنه، قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم أنا ورجلان من قومي، فقال أحد الرجلين: أمِّرْنا يا رسول الله، وقال الآخر مثله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنا لا نولي هذا الأمر من سأله، ولا من حرص عليه)) . [البخاري (8/107) ومسلم (3/1456)].
ولما سأله أبو ذر، فقال: ألا تستعملني يا رسول الله؟ قال له صلى الله عليه وسلم: ((يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها)). [مسلم (3/1457)].
وفي قوله صلى الله عليه وسلم: ((إلا من أخذها بحقها)).
وقوله: ((وإنها يوم القيامة خزي وندامة)) دليل على أن من حرص على الإمارة لحظ نفسه وفرح بها في الدنيا وتقمص شرفها وعزها واختال بها على الناس، يجازيه الله بضد ذلك كله يوم الحساب، فيندم بدل الفرح، ويذل بدل العز والشرف والاختيال، لأن الغالب على الحريصين على الإمارة لحظوظ أنفسهم، ظلم الناس وهضم حقوقهم.
وقد بين العلماء رحمهم الله، سبب النهي عن طلب الإمارة ومنع طالبها منها، فذكر الشاطبي أن السبب في ذلك قصد طالبها في الغالب حظ نفسه منها..
قال: "فإن عز السلطان وشرف الولايات، ونخوة الرياسة، وتعظيم المأمورين للآمر، مما جبل الإنسان على حبه، فكان الأمر بها جارياً مجرى الندب، لا الإيجاب، بل جاء ذلك مقيداً بالشروط المتوقع خلافها.. وإن النظر في مخالفة الداعي فجاء كثير من الآيات والأحاديث في النهى عما تنزع إليه النفس..
كقوله سبحانه وتعالى: {يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ}. [سورة ص، آية: 26].
وفي الحديث: ((لا تطلب الإمارة، فإنك إن طلبتها باستشراف نفس وكلت إليها)). [سبق بمعناه قريباً من حديث عبد الرحمن بن سمرة].
وجاء النهي عن غلول الأمراء، وعن عدم النصح في الإمارة.
لما كان هذا كله على خلاف الداعي من النفس، ولم يكن هذا كله دليلاً على عدم الوجوب في الأصل.. بل الشريعة كلها دالة على أنها في مصالح الخلق من أوجب الواجبات".. [الموافقات (2/182) بتحقيق عبد الله دراز].
وذكر ابن تيمية رحمه الله أن أكثر الناس تفسد أحوالهم في الإمارة بسبب ابتغاء الرئاسة والمال بها. فقال: "وإنما يفسد فيها حال أكثر الناس لابتغاء الرئاسة والمال بها، وقد روى كعب ابن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ما ذئبان جائعان أرسلا في زريبة غنم، بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه)).. قال الترمذي: حديث حسن صحيح.. فأخبر أن حرص المرء على المال والرئاسة يفسد دينه مثل أو أكثر من فساد الذئبين الجائعين لزريبة الغنم".. [مجموع الفتاوي (28/392-393) والحديث في سنن الترمذي (4/588].
ومعنى هذا إن ذئاب الغنم أخف ضرراً من ذئاب الرئاسة على البشر، وهذا الحديث يحكي حالة أكثر الناس الذين يسعون لتولي أمور المسلمين، فإنهم على الضد من المقصود بالولايات في الإسلام..
إذ الأصل أن يقوم ولي الأمر برعاية مصالح المسلمين، مثل راعي الغنم الذي يتتبع به مواقع العشب والري، ويجنبه مواقع الجدب والقحط، والأماكن التي تكثر فيها الذئاب..
وإذا ما رأى ذئباً يريد أن يفترس إحداها، دفعه عنها وحماها منه، وإذا رجع بها من مكان رعيها حفظها في زريبة لا تقدر الذئاب على دخولها..
وكذلك الذي يتقلد ولاية المسلمين يرعى مصالحهم ويحميها، ويدفع عنهم المفاسد، ويسهر ليله ويكدح نهاره من أجل سعادتهم وأمنهم وحفظ حقوقهم، وهذا لا يطلب الإمارة من غير ضرورة لشدة خوفه من تبعاتها.
أما الذي يطلب الولاية من أجل الرئاسة والمال والشرف، فإنه كالذئب الجائع الذي وجد مدخلاً لزريبة غنم، فأخذ يقتل كل واحدة منها على حدة، فإذا فرغ من قتلها كلها أكل ملء بطنه وفر هارباً.. فإذا لم يقدر على قتل الغنم كله قتل ما قدر على قتله..
وهكذا طالب الرئاسة والمال، يفسد على الناس أحوالهم بنهب أموالهم، والاعتداء على نفوسهم وأعراضهم، يعيث في الأرض فساداً، وإفساده لمصالح المسلمين ودينهم أشد من إفساد الذئب الجائع لزريبة غنم.
[s3]
لكن قد يتعين على المرء طلب الرئاسة..
هذا، وليعلم أن النهي عن طلب الإمارة والحرص عليها، ومنع طالبها منها، إنما هو في الأحوال العادية، وهي التي يوجد فيها من يقوم بها ممن تتوافر فيهم شروط الكفاءة..
أما إذا لم يوجد للولاية إلا كفء واحد، إذا تأخر عنها حصل بتولي غيره ضرر على المسلمين، فإنه يصبح توليه فرض عين عليه، بطلب منه أو بتعيين من ولي الأمر، وإذا طلبها وجب على ولي الأمر الاستجابة لطلبه، لأن المصلحة حينئذ تقتضي ذلك.
وعلى هذا حمل العلماء طلب يوسف عليه السلام الولاية على خزائن الأرض من ملك مصر عندما أمنه وأصبح عنده ذا مكانة..
كما قال الله عنه: {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ}. [يوسف: 55].
مع أن يوسف عليه السلام لم يطلب ذلك إلا بعد أن أخبره الملك مصر بحاجته إليه.
قال القرطبي رحمه الله : "ودلت الآية أيضاً على جواز أن يطلب الإنسان عملاً يكون له أهلاً، فإن قيل: فقد روى مسلم عن عبد الرحمن بن سمرة" وساق حديثه المتقدم قريباً.. وحديث أبي موسى - وتقدم أيضاً -.. ثم قال: "فالجواب أن يوسف عليه السلام إنما طلب الولاية، لأنه علم أنه لا أحد يقوم مقامه في العدل والإصلاح، وتوصيل الفقراء إلى حقوقهم، فرأى أن ذلك فرض متعين عليه، فإنه لم يكن هناك غيره..
وهكذا الحكم اليوم، لو علم إنسان من نفسه أنه يقوم بالحق في القضاء أو الحسبة، ولم يكن هناك من يصلح ولا يقوم مقامه، لتعين ذلك عليه ووجب أن يتولاها، ويسأل ذلك ويخبر بصفاته التي يستحقها بها من العلم والكفاءة، وغير ذلك.. كما قال يوسف عليه السلام".. [الجامع لأحكام القرآن (9/215-216)].
والمؤسف أن كثيراً من المسلمين في هذا الزمان يطلبون الإمارة ويلحون في طلبها، وهم غير أكفاء لها، فإذا لم ينجحوا في الطلب بأنفسهم توسلوا إلى ولي الأمر بأهل الجاه والمنصب ممن لهم تأثير عليه..
فإذا نال طالب الولاية الوظيفة، أفسدها وأفسد أحوال العاملين فيها حباً للعلو، ورغبة في الظهور، وطمعا في أوساخ الدنيا، بدون عمل يذكر..
فاجتمع في ولايات المسلمين طلبها من جهة الموظف، والموافقة من قبل ولاة الأمر، مع عدم كفاءة الطالب.. وما بقى إلا أن نقول: يالَلَّه للمسلمين.
والغالب أن الذي يحرص على الإمارة ويلح في طلبها يفشل في إمارته..
تحقيقاً لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((فأنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها))..
والغالب أنه يقال من ولايته وهو حريص على البقاء فيها، وقلبه يتقطع من سلبها منه، فيدخل في الولاية مسروراً مغروراً، ويخرج منها حزيناً كئيباً..
والمقصود أن طالب الإمارة الحريص عليها من غير ضرورة لا يعد كفؤاً لها، فلا يجوز لولي الأمر أن يوليه، فإن ولاه فقد خان الله والرسول وخان المؤمنين بإسناد الأمر إلى غير أهله.
[s3]
هل يمكن تطبيق هذه القاعدة في هذا العصر؟
إن كثيراً من القراء سيصيبهم الذهول والعجب، من هذه الأفكار التي تعود بهم من القرن الخامس عشر الهجري، القرن الحادي والعشرين الميلادي وما سبقه من قرون كثيرة، إلى القرن السابع الميلادي وما تلاه من قرون قليلة.
القرن الواحد والعشرون [وقرون كثيرة سبقته]. الذي قامت فيه دولة المؤسسات، والذي تفتخر فيه الدول بتعدد الأحزاب فيها وتنافسها في الوصول إلى الحكم، باتخاذ كافة الوسائل المتاحة، وبتنافس زعماء الحزب الواحد في رئاسته ورئاسة وزارته عند فوزه في الانتخابات.
ولا يمكن وصول جماعة أو حزب إلى الحكم إلا بالتنافس الذي يصل أحياناً إلى الصراع، بل إلى الانقلابات العسكرية التي دمرت حياة المسلمين في كثير من بلدانهم.
والذي لا ينافس غيره في الوصول إلى الوظيفة، إما بترشيح نفسه في الانتخابات أو بالوساطة، أو بالرشوة، لا يمكنه تبوء أي منصب أو ولاية، فكيف يؤمر بعدم طلب الولاية في هذه الحال؟
هذا مع ما هو معروف من أن التنافس يمكن الأحزاب والزعماء من تداول سلمي للسلطة، والتسابق إلى تقدم الدول وتطويرها، سياسياً واقتصادياً وتجارياً، وإعلامياً وتعليمياً، وعسكرياً، واتصالات ومواصلات، لأن كل حزب أو زعيم يحاول أن يجتهد في اتخاذ الوسائل المتاحة لتقدم شعبه وجلب أكبر قد من المصالح له، ودفع المفاسد عنه، ليتمكن من الاستمرار في الحكم.
وليس الأمر كذلك في حال استئثار حزب واحد أو زعيم واحد على الحكم، فإنه سيهتم بمصالحه الخاصة ومصالح حزبه أو أسرته، ولا يهتم بأمور الشعب ومصالحه، لعلمه بأنه سيبقى على رأس إدارة بلده، بدون منازع....
أما القرن الأول الهجري، السابع الميلادي وما تلاه من قرون مفضلة قليلة، فكان الأصل فيمن يتولى شئون الأمة العامة، أن تجتمع فيه شروط الكفاءة التي سبق الكلام عنها، وهو لا يستأثر بالأمر ولا يميل في حكمه وتصرفاته إلى حزب أو قرابة مهدرا بذلك حقوق غيرهم، بل يبحث لوظائف الدولة عن الأكفأ والأصلح، ويؤثره على غير الكفء ولو كان هذا من أقرب المقربين إليه، فلم يكن الكفء في حاجة إلى طلب الولاية، ولا إلى منافسة غيره عليها، لا بترشيح نفسه ولا بوساطة ولا برشوة....
فهل يمكن تطبيق ما كان معمولاً به في القرون الأولى، في هذه القرون المتأخرة، مع تلك الفوارق الظاهرة بين الزمنين؟
إن الله لا يدع المسلم يقعد عن الإصلاح في الأرض، في أي ظرف من ظروف حياته، بل كلفه الله سبحانه وتعالى القيام بعبادته وبالإصلاح في الأرض من يوم كان أهلاً للتكليف، حتى يلقى ربه، في حدود قدرته التي يعلم الله سبحانه وتعالى أنه يملكها.
ولبيان هذا الأمر، نتكلم على المسائل الآتية:
[s3]
المسألة الأولى: الإصلاح في الأرض من أهم وظائف المؤمن:
والإصلاح جزء من عبادة الله التي لا ينفك عنها المسلم في حياته كلها.
كما قال سبحانه وتعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}. [الذاريات (56)].
وقال سبحانه وتعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ}. [الحجر (99)].
وقال سبحانه وتعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْراً لأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ}. [التغابن (16)].
وقال: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا}. [البقرة (286)].
فمن أهم وظائف الأنبياء والرسل ومن تبعهم على هدى الله سبحانه وتعالى، الإصلاح في الأرض ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، وقد أبرز ذلك شعيب صلى الله عليه وسلم لقومه، كما حكى الله لك عنه في كتابه، فقال: {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}. [هود (88)].
فالإصلاح في الأرض من أهم مقاصد الشريعة..
يتبين ذلك من كثرة ذكره في القرآن الكريم، ثناء به على أهله.
كما قال سبحانه وتعالى: {وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ}. [الأعراف (170)].
وقال سبحانه وتعالى: {لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً}. [النساء (114)].
وأمراً لهم بالقيام به،كما قال سبحانه وتعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}. [الحجرات: 9-10].
وطلبهم من ربهم الفوز به في زمرة عباده الصالحين، كما قال سبحانه وتعالى: {وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ}. [النمل (19)].
وقال سبحانه وتعالى: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنْ الْمُسْلِمِينَ}. [الجاثية (15)].
فإذا استطاع المسلم أن يقوم بالإصلاح في الأرض، بدون طلب الولاية والإمارة وبدون ثنائه على نفسه ليمكن من ذلك، فالأصل ألا يثني على نفسه ولا يطلب الولاية لنفسه، كما مضى.
فإن لم يوجد من يقوم بذلك الإصلاح قياما كافيا غيره، ولم يرشحه غيره ويذكر للناس صفاته التي تؤهله للولاية، ولم يجد طريقا إلى الإصلاح إلا بالثناء على نفسه وإبراز صفاته لمن يجهلها، وطلب الولاية للقيام بالإصلاح، فإنه يتعين عليه إبراز صفات كفاءته وطلب الولاية التي يستطيع بها الإصلاح الممكن، قل أو كثر، لأن من مقاصد الشريعة جلب ما أمكن من المصالح، ودفع ما أمكن من المفاسد.
وهل يليق بمسلم أو جماعة إسلامية أو حزب إسلامي أن يتأخروا عن هذا الأمر الخطير لمن يحارب الإسلام وتطبيق شرع الله في الأرض وهم قادرون على منافسته، لإقامة شرع الله، أو التخفيف من الشر والزيادة في الخير؟
وسبق أن المقصود بالولاية التقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى، كالصلاة والصيام والحج، وإنما نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن طلبها، لما جبل عليه الناس من قصدهم بها حظوظ نفوسهم.
والحكم يدور مع علته إثباتا ونفيا، فإذا أصبحت الولاية متعينة على المسلم، لكونها السبيل الوحيد إلى الإصلاح الذي يقصد القيام به، انتفى حظ النفس منها، فانتفى النهي عن طلبها...
وقد استدل العلماء على ذلك بطلب يوسف عليه السلام من ملك مصر الولاية على خزائن الدولة، كما قال سبحانه وتعالى: {وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (54) قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ}. [يوسف: 54-55].
ويكفي ذكر نصين من نصوص المفسرين على الآية الكريمة:
الأول: للقرطبي رحمه الله.
والثاني: للزمخشري رحمه الله.
قال القرطبي: "الثالثة ودلت الآية أيضا عن جواز أن يخطب الإنسان عملا يكون له أهلا. فإن قيل: فقد روى مسلم علي عبد الرحمن بن سمرة قَال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها علي مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها علي غير مسألة أعنت عليها)).
وعن أبي بردة قال قَال أبو موسى: أقبلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعي رجلان من الأشعريين، أحدهما علي يميني والآخر علي يساري، فكلاهما سأل العمل، والنبي صلى الله عليه وسلم يستاك.
فقال: ((ما تقول يا أبا موسى أو يا عبد الله بن قيس؟)) قال قلت والذي بعثك بالحق ما أطلعاني عن ما في أنفسهما، وما شعرت أنهما يطلبان العمل.
قال وكأني أنظر إلى سواكه تحت شفته وقد قلصت، فقال: ((لن أو لا نستعمل عن عملنا من أراده)) وذكر الحديث خرجه مسلم أيضا وغيره
فالجواب أولا: أن يوسف عليه السلام إنما طلب الولاية، لأنه علم أنه لا أحدا يقوم مقامه في العدل والإصلاح وتوصيل الفقراء إلى حقوقهم، فرأى أن ذلك فرض متعين عليه فإنه لم يكن هناك غيره.
وهكذا الحكم اليوم، لو علم إنسان من نفسه أنه يقوم بالحق في القضاء أو الحسبة، ولم يكن هناك من يصلح ولا يقوم مقامه، لتعين ذلك عليه ووجب أن يتولاها، ويسأل ذلك ويخبر بصفاته التي يستحقها به من العلم والكفاية وغير ذلك كما قال يوسف عليه السلام.
فأما لو كان هناك من يقوم بها ويصلح لها وعلم بذلك، فالأولى ألا يطلب لقوله عليه السلام لعبد الرحمن: ((لا تسأل الإمارة))، وأيضا فإن في سؤالها والحرص عليها مع العلم بكثرة آفاتها وصعوبة التخلص منها، دليل على أنه يطلبها لنفسه ولأغراضه، ومن كان هكذا يوشك أن تغلب عليه نفسه فيهلك، وهذا معنى قوله عليه السلام ((وكل إليها)) ومن أباها لعلمه بآفاتها ولخوفه من التقصير في حقوقها فر منها ثم إن ابتلي بها، فيرجى له التخلص منها وهو معنى قوله أعين عليها". [الجامع لأحكام القرآن (9/215)].
وقال الزمخشري: "المسألة الثانية لقائل أن يقول لم طلب يوسف الإمارة والنبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الرحمن بن سمرة: ((لا تسأل الإمارة)).
وأيضاً فكيف طلب الإمارة من سلطان كافر؟
وأيضا لِمَ لم يصبر مدة ولِمَ أظهر الرغبة في طلب الأمارة في الحال؟
وأيضا لِمَ طلب أمر الخزائن في أول الأمر، مع أن هذا يورث نوع تهمة؟
فنقول الأصل في جواب هذه المسائل، أن التصرف في أمور الخلق كان واجبا عليه، فجاز له أن يتوصل إليه بأي طريق كان. إنما قلنا إن ذلك التصرف كان واجبا عليه لوجوه:
الأول: أنه كان رسولاً حقاً من الله سبحانه وتعالى إلى الخلق، والرسول يجب عليه رعاية مصالح الأمة بقدر الإمكان.
والثاني: وهو أنه عليه السلام علم بالوحي أنه سيحصل القحط والضيق الشديد الذي ربما أفضى إلى هلاك الخلق العظيم، فلعله سبحانه وتعالى أمره بأن يدبر في ذلك ويأتي بطريق لأجله يقل ضرر ذلك القحط في حق الخلق.
والثالث: أن السعي في إيصال النفع إلى المستحقين ودفع الضرر عنهم أمر مستحسن في العقول.
وإذا ثبت هذا فنقول إنه عليه السلام كان مكلفا برعاية مصالح الخلق من هذه الوجوه، وما كان يمكنه رعايتها إلا بهذا الطريق، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فكان هذا الطريق واجبا عليه". [الكشاف (2/455) و على هذا الرأي عامة المفسرين، ويمكن مراجعة كتب التفسير الآتية: التسهيل لعلوم التنزيل للكلبي (2/122) التفسير الكبير للرازي (18/128) تفسير أبي السعود (4/286) تفسير ابن كثير (2/482) تفسير البيضاوي (3/295) فتح القدير للشوكاني (3/35) تفسير السعدي (1/401، 1(/410)].
بل استحسن ابن تيمية رحمه الله تولي من يخفف من ظلم الظالم الشديد باحتمال الظلم الأخف، إذا دخل المتولي بهذه النية فقال: "بل لو كانت الولاية غير واجبة وهي مشتملة على ظلم، ومن تولاها أقام الظلم حتى تولاها شخص قصده بذلك تخفيف الظلم فيها ودفع أكثره باحتمال أيسره، كان ذلك حسنا مع هذه النية وكان فعله لما يفعله من السيئة بنية دفع ما هو اشد منها جيدا ... وهذا باب يختلف باختلاف النيات والمقاصد..."
إلى أن قال: "ومن هذا الباب تولي يوسف الصديق على خزائن الأرض لملك مصر، بل ومسألته أن يجعله على خزائن الأرض، وكان هو وقومه كفارا... ومعلوم أنه مع كفرهم لا بد أن يكون لهم عادة وسنة في قبض الأموال وصرفها على حاشية الملك وأهل بيته ورعيته، ولا تكون تلك جارية على سنة الأنبياء وعدلهم.
ولم يكن يوسف يمكنه أن يفعل كل ما يريد، وهو ما يراه من دين الله، فإن القوم لم يستجيبوا له، لكن فَعَل الممكن من العدل والإحسان، ونال بالسلطان من إكرام المؤمنين من أهل بيته ما لم يكن يمكن أن يناله بدون ذلك، وهذا كله داخل في قوله: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}. [التغابن: 16 ومجموع الفتاوى (20/55-57)].
وقال في موضع آخر: "والنجاشي ما كان يمكنه أن يحكم بالقرآن، فإن قومه لا يقرونه على ذلك، وكثيرا ما يتولى الرجل بين المسلمين والتتار قاضياً، بل وإماماً وفي نفسه أمور من العدل يريد أن يعمل بها فلا يمكنه ذلك، بل هناك من يمنعه ذلك، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها.." . [مجموع الفتاوى (19/218)].
[s3]
المسألة الثانية: أن وجوب الإصلاح على الجماعة أشد من وجوبه على الفرد:
لأن أثر الجماعة في الإصلاح أعظم من أثر الفرد، وقد أمر الله سبحانه وتعالى المسلمين بالتعاون على البر والتقوى، كما قال سبحانه وتعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}. [المائدة:2].
فإذا لم يستطع الفرد من القيام بإصلاح ما فسد في الأرض، و تمكنت جماعة من المسلمين من التعاون على ذلك، وجب عليها القيام بذلك، والذي يتأخر عن التعاون مع الجماعة وهو قادر على ذلك فهو آثم، ما لم تكن الجماعة كافية للقيام بالإصلاح بدونه؛ لأن هذا التعاون من فروض الكفاية الذي لا يسقط عن الأمة إلا إذا وجد من يقوم به قياما كافيا.
والمقصد من هذا أنه إذا انتشر الفساد في أي بلد من بلدان المسلمين أو غيرهم، وكان إمكان الإصلاح فيه متاحا للمسلمين، بقيام جماعة أو حزب منهم لا مندوحة للإصلاح إلا به، وجب على المسلمين إقامة جماعة أو حزب منهم للتصدي للإصلاح.
وليس هذا من التحزب المذموم شرعا، لأن التحزب المذموم شرعا، هو التحزب الذي يوالي بعض أعضائه بعضا بالحق وبالباطل، فلا يقبلون الحق إذا جاء من عند غيرهم، ولا يتركون الباطل الذي يتفقون عليه، أو يكون التحزب سياسيا، في دولة إسلامية تحكم بشرع الله، يترتب عليه تفريق كلمة المسلمين وتنازعهم المؤدي إلى الفشل.
والمسلمون اليوم يعيشون واقعا استشرى فيه الفساد وتسلط فيه المفسدون، وتعددت فيه الأحزاب والجماعات ذات الاتجاهات المتنوعة التي يحارب كثير منها الإسلام وتعتبره غير صالح للعصر، يوجد في هذه الأحزاب اليهود والنصارى والوثنيون والعلمانيون الغلاة...
فهل يجوز للمسلمين أن يقعدوا في بيوتهم أو يعتكفوا في زوايا مساجدهم، ويتركوا تلك الأحزاب والجماعات تعيث في الأرض فسادا، بحجة أن التحزب يفرق الناس ويحدث الفتن والتشقق؟ هذا ما يتمناه المعارضون لشرع الله ومحاربة دينه، ليتمكنوا من الاستفراد بقيادة الشعوب على أساس استبعاد منهج الله...
إن الناس متفرقون في تحزبهم، والنزاع بينهم على أشده، وكلهم يزعم أنه على الحق وغيره على الباطل، والحزب الذي يتولى أمر الأمة لا يزيد الفساد إلا فسادا، كما قال سبحانه وتعالى: {وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ}. [البقرة: 204-205].
وقد جربت الأحزاب المتعاقبة في البلدان الإسلامية، كل مبدأ من المبادئ الأرضية، شرقية وغربية وغيرها، فلم تزد هذه الأمة إلا خسارا...
[s3]
الفرق بين التحزب الممدوح والتحزب المذموم..
نعم التحزب المذموم هو الذي يكون المقصود منه التناصر على الحق والباطل، أو يكون المقصود به صدع المسلمين وتشتيت شملهم وإضعافهم، فإن ذلك لا يجوز بحال من الأحوال، أما حينما يكون الهدف منه مناصرة الحق ضد الباطل، فلا يكون مذموماً، إذ المقصود منه أن يكون المتحزبون المسلمون كلهم صفا واحدا ضد الباطل.
وقد بين علماء الإسلام ذلك بيانا شافيا، فقد ذكر ابن تيمية رحمه الله سبحانه وتعالى أن التآخي والتحزب بين المسلمين من أجل التعاون على البر والتقوى، إذا كان ذلك في مجتمع قد تحققت فيه الأخوة الإيمانية العامة التي عقدها الله ورسوله بينهم في الكتاب والسنة، بَيَّنَ رحمه الله أن فيها نزاعاً فقال:
"وإنما النزاع في موآخاة يكون مقصودهما بها التعاون على البر والتقوى، بحيث يجمعهما طاعة الله، وتفرق بينهما معصية الله، كما يقولون: تجمعنا السنة وتفرقنا البدعة فهذه التي فيها النزاع.
فأكثر العلماء لا يرونها، استغناء بالمؤاخاة الإيمانية التي عقدها الله ورسوله، فإن تلك كافية محصلة لكل خير، فينبغي أن يجتهد في تحقيق أداء واجباتها، إذ قد أوجب الله للمؤمن على المؤمن من الحقوق، ما هو فوق مطلوب النفوس، ومنهم من سوغها على الوجه المشروع، إذا لم تشتمل على شيء من مخالفة الشريعة". [الفتاوى (35/96)].
وبين في موضع آخر معنى حزب الحق، ومعنى حزب الباطل فقال: "وأما رأس الحزب فإنه رأس الطائفة التي تتحزب أي تصير حزبا.
فإن كانوا مجتمعين على ما أمر الله به ورسوله من غير زيادة ولا نقصان، فهم مؤمنون لهم مالهم وعليهم ما عليهم.
وإن كانوا قد زادوا في ذلك ونقصوا، مثل التعصب لمن دخل في حزبهم بالحق والباطل، والإعراض عمن لم يدخل في حزبهم سواء كان على الحق والباطل، فهذا من التفرق الذي ذمه الله سبحانه وتعالى ورسوله.
فإن الله ورسوله أمرا بالجماعة والائتلاف، ونهيا عن التفرقة والاختلاف، وأمرا بالتعاون على البر والتقوى، ونهيا عن التعاون على الإثم والعدوان".. [مجموع الفتاوى (11/92)].
والخلاصة:
أن التحزب السياسي في دولة تقيم أحكام الإسلام وتذب عنه وتنصر دين الله ولا تمكن من يعادي الإسلام من الهجوم عليه أو تحريفه، هو تحزب مذموم يجب على المسلمين البعد عنه وعدم الوقوع في شركه، وعليهم أن يتعاونوا مع الدولة على نصر الحق وهدم الباطل، وإذا وقع في الدولة ما يخالف الحق، ففي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الشرعيين مندوحة عن التحزب.
أما إذا كانت الدولة علمانية لا تحكم بشرع الله أو غير مسلمة، وأتيحت فيها الفرصة لإقامة أحزاب متنافسة للوصول إلى الحكم، لكل حزب مناهجه وأهدافه، فإن وجود حزب للمسلمين ينافس غيره بمنهاج الله، هدفه تحكيم شريعته وإقامة العدل والمساواة بين الناس، أمر متعين لا يجوز التأخر عنه، لما في ذلك من إتاحة الفرص لمن يريد إبعاد الإسلام عن حياة الناس، الذين يعتبر الإسلام الضرورة الأولى من ضرورات حياتهم.
ومعلوم أنه يوجد في بعض البلدان الإسلامية أحزاب معادية لتطبيق الشريعة الإسلامية، من يهود ونصارى وملحدون ومنافقون، وهذا يحتم على المسلمين أفرادا وجماعات، السعي الجاد في اتخاذ الوسائل المشروعة المتاحة للتعاون مع من يكون كفؤا لتولي شئون الأمة في أي موقع من مواقع الولاية.
[s3]
المسألة الثالثة: السعي إلى الوصول إلى مصادر القرارات:
والتي تترتب عليها جلب مصالح الأمة أو أضرارها، إذا ترجحت في ذلك مصلحة، مثل المجالس النيابية، ومجالس الوزراء، ونحوها، فإن وصول المسلمين إلى هذه المصادر قد يتيح لههم فرصة التكثير من الصلاح والتقليل من الفساد، وبخاصة إذا كان عددهم أو نوعيتهم ذات تأثير في القرار...
وأقل ما يمكن أن يقوموا به في هذه المواقع، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الحجة على من بيدهم القرار.
ومعلوم أن مباشرة حوار أهلِ الحق أهلَ الباطل، أجدى نفعا وأشد تأثيرا، إضافة إلى نشر الوعي بين عامة المسلمين، الذين قد لا يصل إليهم صوت الجماعة أو الحزب الإسلاميين وصولا كافيا، إلا عن هذا الطريق.
وهذا ما دعا بعض الجماعات والأحزاب الإسلامية إلى خوض الانتخابات في هذا العصر. ولهذا نرى أن طلب المسلم للولاية سواء كان فرداً مستقلاً أو كان في حزب يعين على التخفيف من الفساد والزيادة في الصلاح، عن طريق هذه المواقع أمر مشروع، لأنه يحقق من المصالح فيها ما لا يحققه بعيداً عنها.
وعلى الجماعات و الأحزاب الإسلامية أن يبذلوا كل جهد ويتخذوا كل سبب يتمكنون به من وصول المصلحين إلى سدة الحكم في البلدان الإسلامية، سواء كان هؤلاء المصلحون من تلك الجماعات أو من غيرها، وسواء كانت الأسباب المحققة لذلك عن طريق الانتخابات أو غيرهما من الوسائل السلمية الشرعية المتاحة...
[s3]
هل يشرع الدخول في الانتخابات؟
وإذا أصبحت الانتخابات أمراً واقعاً في بعض البلدان الإسلامية، ولا يتمكن المصلحون من الإصلاح إلا عن هذا الطريق، تعين عليهم خوض غمارها قاصدين بها تحقيق الإصلاح، وسد أبواب الفساد أمام المفسدين.
والقعود عن ذلك بحجة أن الانتخابات أمر محدث غير سديد، لأن وسائل السياسة الشرعية ليس لها صيغ تعبدية محددة يجب الالتزام بها، بل هي داخلة في نطاق المباح تابعة لما تحققه من مقاصد وأهداف.
ومعلوم أن الفتوى تقدر زماناً ومكاناً وحالاً وشخصاً، كما ذكر العلماء، مادامت في دائرة الاجتهاد المسَوِّغ، وهذه المسألة هي من المسائل الاجتهادية التي يمكن أن يتحاور فيها المختلفون، مع الالتزام بأدب الخلاف وقواعده التي بينها العلماء في أصول الفقه.
ولهذا يرى طالب العلم في عامة مسائل كتاب "بداية المجتهد ونهاية المقتصد" لابن رشد رحمه الله، ذكر أسباب الخلاف، سواء تعلقت بالتعارض الظاهري للأدلة من الكتاب والسنة وآثار الصحابة، أو بدعوى الإجماع أو القياس.
وللإمام الشافعي رحمه الله تنبيهات مهمة في أبواب متفرقة من كتابه الجليل "الرسالة" في هذه المسألة، وألف بعض العلماء رسائل خاصة بينوا فيها أسباب الخلاف ومسوغاته، ومنهم الشيخ ولي الله الدهلوي رحمه الله في رسالته "أسباب الخلاف" والشيخ ابن تيمية رحمه الله في رسالة: "رفع الملام عن الأئمة الأعلام"
ولهذا قال الإمام الشاطبي رحمه الله: "وإنما يعتد في الخلاف الأقوال الصادرة عن أدلة معتبرة في الشريعة، كانت مما يقوى أو يضعف، وأما إذا صدرت عن مجرد خفاء الدليل أو عدم مصادفته فلا، فلذلك قيل: إنه لا يصح أن يعتد بها في الخلاف، كما لم يعتد السلف الصالح بالخلاف في مسألة ربا الفضل والمتعة ومحاشي النساء وأشباهها من المسائل التي خفيت فيها الأدلة على من خالف فيها..
فإن قيل: فماذا يعرف من الأقوال ما هو كذلك مما ليس كذلك؟ فالجواب: أنه من وظائف المجتهدين، فهم العارفون بما وافق أو خالف. وأما غيرهم فلا تمييز لهم في هذا المقام، ويعضد هذا المخالفة للأدلة الشرعية على مراتب فمن الأقوال ما يكون خلافاً لدليل قطعي من نص متواتر أو إجماع قطعي في حكم كلي ومنها ما يكون خلافاً لدليل ظني والأدلة الظنية متفاوتة كأخبار الآحاد والقياس الجزئي فأما المخالف للقطعي فلا إشكال في اطراحه ولكن العلماء ربما ذكروه للتنبيه عليه وعلى ما فيه لا للاعتداد به.
وأما المخالف للظني ففيه الاجتهاد، بناء على التوازن بينه وبين ما اعتمده صاحبه من القياس أو غيره". [الموافقات (4/172) ومعنى محاشي النساء: "المحشاة بنصب الميم والجمع المحاشي، وهي المبعر من الدواب، وقال: إياكم وإتيان النساء في محاشيهن، فإن كل محشاة حرام. وفي الحديث (محاشي النساء حرام) قال ابن الأثير هكذا جاء في رواية وهي جمع محشاة، لأسفل مواضع الطعام من الأمعاء فكنى به عن الأدبار، قال ويجوز أن تكون المحاشي جمع المحشى بالكسر وهي العظامة التي تعظم بها المرأة عجيزتها فكنى بها عن الأدبار" لسان العرب، والنهاية في غريب الحديث (1/193)].
والحديث قال عنه في الدر المنثور: "وأخرج أبو بكر الأشرم في سننه وأبو بشر الدولابي في الكنى عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((محاشي النساء عليكم حرام))..
وأخرج ابن أبي شيبة والدارمي والبيهقي في سننه عن ابن مسعود، قال: ((محاشي النساء عليكم حرام)) قال ابن كثير هذا الموقوف أصح، قال الحافظ في جميع الأحاديث المرفوعة في هذا الباب وعدتها نحو عشرين حديثاً: كلها ضعيفة لا يصح منها". [الدر المنثور (1/634) ].
فالمسائل التي ينكر فيها العالم على نظيره، هي الأحكام الشرعية القطعية التي جمعت بين الدليل القطعيِّ الثبوت، والقطعيِّ الدلالة، أما ما كان ظني الدلالة أو ظني الثبوت، فللمجتهدين فيهما سعة، والذين لهم حق الاجتهاد أو الإنكار هم علماء الأمة المعتبرون، وليس من يخطفون بعض النصوص خطفا بدون فقه مبني على قواعد العلوم وأسسها ومفاتيحها، وبدون أخذها عن أهلها المتخصصين فيها، فإن الطالب الذي لا يسلك في طلب العلم سبيل أهله لا يكون أهلا للفتوى ولا للإنكار على العلماء في المسائل الاجتهادية...
وفي هذا المعنى قال الشاطبي رحمه الله: "من أنفع طرق العلم الموصلة إلى غاية التحقق به، أخذه عن أهله المتحققين به على الكمال والتمام.. وللعالم المتحقق بالعلم أمارات وعلامات:
إحداها: العمل بما علم، حتى يكون قوله مطابقاً لفعله، فإن كان مخالفاً له، فليس بأهل لأن يؤخذ عنه، ولا أن يقتدى به في علم..
والثانية: أن يكون ممن رباه الشيوخ في ذلك العلم لأخذه عنهم، وملازمته لهم، فهو الجدير بأن يتصف بما اتصفوا به من ذلك، وهكذا شأن السلف الصالح.
فأول ذلك ملازمة الصحابة رضي الله عنهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذهم بأقواله وأفعاله واعتمادهم على ما يرد منه، كائناً ما كان، وعلى أي وجه صدر..
وصار مثلُ ذلك أصلاً لمن بعدهم، فالتزم التابعون في الصحابة سيرتهم مع النبي صلى الله عليه وسلم، حتى فقهوا ونالوا ذروة الكمال في العلوم الشرعية، وحسبك من صحة هذه القاعدة أنك لا تجد عالماً اشتهر في الناس الأخذ عنه، إلا وله قدوة اشتهر في قرنه بمثل ذلك.
وقلما وَجَدتَ فرقة زائفة ولا أحدا مخالفا للسنة، إلا وهو مفارق لهذا الوصف".. [من كتاب الموافقات في أصول الشريعة (1/91ـ95) بتحقيق الأستاذ محمد عبد الله دراز ].
ولعل في الطريقة التي أوصى بها عمر رضي الله عنه في اختيار الخليفة بعده، وما سلكته الهيئة التي كلفها القيام بذلك، ما يشير إلى مشروعية الانتخابات في الجملة، ويمكن القارئ الاطلاع على الجمل الآتية التي تضمنها كتابنا "الشورى":
"ولما طعن عمر رضي الله عنه، طلب منه أصحابه أن يستخلف كما استخلف أبو بكر، رضي الله عنه، فاتخذ أسلوباً آخر في الشورى لاختيار الخليفة من بعده، فاختار للناس ستة، توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ، كما قال عمر، وهم: علي وعثمان والزبير وطلحة وسعد وعبد الرحمن ابن عوف، وقال: "ما أجد أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر".
وأوصى من استخلف بعده بالمهاجرين والأنصار وأهل الأمصار خيراً، وبأهل الذمة. "فلما فرغ من دفنه اجتمع هؤلاء الرهط، فقال عبد الرحمن: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم، فقال الزبير: قد جعلت أمري إلى علي، فقال طلحة: قد جعلت أمري إلى عثمان، وقال سعد: قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن بن عوف.
فقال عبد الرحمن: أيكما تبرأ من هذا الأمر فنجعله إليه، والله عليه والإسلام لينظرن أفضلهم في نفسه؟ فأسكت الشيخان، فقال عبد الرحمن: أفتجعلونه إلي، والله علي أن لا آلو عن أفضلكم؟ قالا: نعم.
فأخذ بيد أحدهما فقال: لك قرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقدم في الإسلام ما قد علمت، فالله عليك لئن أمَّرتك لتعدلن، ولئن أمَّرت عثمان لتسمعن ولتطيعن؟ ثم خلا بالآخر فقال مثل ذلك، فلما أخذ الميثاق، قال: ارفع يدك يا عثمان فبايعه، فبايع له علي، وولج أهل الدار فبايعوه". [البخاري (4/204)].
وهذه الرواية المختصرة هنا في كيفية بيعة عثمان، رضي الله عنه، قد يظن من لا يعلم تفاصيلها أن المشاورة على اختيار الخليفة اقتصرت على هؤلاء الستة، والواقع أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، سهر ليالي وهو يستشير الناس، يخلو بهم ويسألهم.
وقد فصل ذلك في رواية أخرى تدل على اجتهاده رضي الله عنه في الأمر، ثم مبايعة الناس عامة لعثمان رضي الله عنه: "فلما ولوا عبد الرحمن أمرهم، فمال الناس على عبدالرحمن حتى ما أرى أحدا من الناس يتبع أولئك الرهط، ولا يطأ عقبه، ومال الناس على عبد الرحمن يشاورونه تلك الليالي حتى إذا كانت الليلة التي أصبحنا منها فبايعنا عثمان.
قال المسور: طرقني عبد الرحمن بعد هجع من الليل، فضرب الباب حتى استيقظت، فقال: أراك نائماً، فوالله ما اكتحلتُ هذه الليلة بكبير نوم، انطلق فادع الزبير وسعداً، فدعوتهما له، فشاورهما، ثم دعاني، فقال: ادع لي علياً، فدعوته، فناجاه حتى ابْهارَّ الليل، ثم قام علي من عنده وهو على طمع، وقد كان عبد الرحمن يخشى من علي شيئاً.
ثم قال: ادع لي عثمان، فدعوته، فناجاه حتى فرق بينهما المؤذن بالصبح، فلما صلى الصبح، واجتمع أولئك الرهط عند المنبر، فأرسل إلى من كان حاضراً من المهاجرين والأنصار، وأرسل إلى أمراء الأجناد، وكانوا وافوا تلك الحجة مع عمر، فلما اجتمعوا تشهد عبد الرحمن، ثم قال: "أما بعد يا علي إني قد نظرت في أمر الناس، فلم أرهم يعدلون بعثمان، فلا تجعلن على نفسك سبيلاً، فقال: أبايعك على سنة الله ورسوله والخليفتين من بعده، فبايعه عبد الرحمن، وبايعه الناس: المهاجرون والأنصار وأمراء الأجناد والمسلمون".. [البخاري (8/123)].
يتضح من هذا النص: أن الخليفة عمر رضي الله عنه، جعل الأمر إلى أفضل الموجودين من أصحابه، وهم النفر الستة، لعلمه بأنهم سيبذلون غاية جهدهم لجعل الخلافة في الرجل الأكفأ، وأن الستة قد اختصروا العدد حتى آل الأمر إلى واحد منهم يستشير الناس، بعد أن تنازل هو عن تولى هذا الأمر، وأنه قد بذل كل ما في وسعه وطاقته في مشاورة الناس، أفرادا وجماعات حتى علم رغبتهم.
ثم دعا كل من قدر على دعوته لحضور البيعة، وأعلن أمام الملأ أن الناس قد اختاروا عثمان رضي الله عنه، فبايعه وبايع الناس من ارتضوه خليفة عليهم، ولو كان الناس لم يختاروا عثمان أثناء مشاورة عبد الرحمن إياهم، لردوا على عبد الرحمن قوله: فلم أرهم يعدلون بعثمان، فكانت بيعة عثمان عامة، وكان اختياره من أهل الحل والعقد الذين أمكن حضورهم من أهل المدينة وغيرها من البلدان الإسلامية، هذا مع أن علياً رضي الله عنه كفؤاً للخلافة، ولكن الصحابة فضلوا عليه عثمان رضي الله عنه.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "قال الطبري: لم يكن في أهل الإسلام أحد له المنزلة في الدين والهجرة والسابقة والعقل والعلم والمعرفة بالسياسة، ما للستة الذين جعل عمر الأمر شورى بينهم". وقال: "وفيه أن من أسند إليه ذلك يبذل وسعه في الاختيار ويهجر أهله وليله اهتماماً بما هو فيه حتى يكمله".. انتهى. [الفتح (13/198ـ199)].
فعلى كل المسلمين في البلدان الإسلامية أن يتعاونوا مع من يكون أهلا لتولي أمرهم ويغلب على ظنهم أنه يحقق مصالحهم بتطبيق الإسلام الذي يحقق لهم العدل والمساواة ويأمنون في ظله على ضرورات حياتهم وما يكملها...
فلا ينتخبون إلا من وثقوا في دينه وأمانته وقوة إرادته للإصلاح، فإن ذلك داخل في الأمانة التي أمر الله بها هذه الأمة، كما سبق في قوله سبحانه وتعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً}. [النساء: 58].
والذين ينتخبون من يعلمون أو يغلب على ظنهم أنه يعارض تطبيق شريعة الإسلام، أو لا تتوفر فيه شروط الكفاءة الإدارية اللازمة، هم داخلون في خيانة الله ورسوله والمؤمنين التي نهى الله عنها في قوله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}. [الأنفال: 27].

خاتمة: ما يترتب على اختيار الكفء أو اختيار غيره:

أما ما يترتب على اختيار الكفء فإن فصول هذا الكتاب الماضية كافية في إيضاحه..
وخلاصة ذلك أنه يترتب على اختيار الكفء آثار طيبة..
تعود على ولي الأمر الذي اختاره..
وعلى الكفء نفسه الذي وضع في مكانه..
وعلى الأمة التي تولي شؤونها..
فمما يعود على ولي الأمر الذي اختار الكفء براءة ذمته بذلك، وطمعه في أن يكون من أئمة العدل المقسطين عند الله سبحانه وتعالى، لأنه يطمئن قلبه ويرتاح نفسه لوجود من يأتمنه على حقوق رعيته وتدبير شئونها، وهو بذلك يخفف، الأعباء عن ولي الأمر الذي اطمأن على أمانته وخبرته وقدرته على القيام بأعمال رعيته في حدود ولايته.
ومن الآثار الطيبة التي تعود على الكفء نفسه بذل جهده وطاقته في مصالح الناس لتمكينه من ذلك، وبذلك تستغل طاقات الأكفاء في الدولة الإسلامية، فلا تبقى الكفاءات مجمدة مع حاجات المجتمع إليها.
ومن الآثار التي تعود على الأمة التي يُولَّى فيها الأكفاء اطمئنانهم على حقوقها التي لا يحول بينهم وبينها ظلم ولا هوى ولا جهل ولا ضعف، فلا يعتدي على عرض ولا مال ولا دم..
وإذا اعتدى بعضهم على بعض في ذلك قام الكفء بإنصاف المظلوم ونصره، وبكف الظالم ومجازاته وأخذ الحق منه، فيحصل بذلك العدل والاطمئنان والرضا عند ولي الأمر وولاته ورعيته..
وقد أشار ابن القيم رحمه الله إشارة موجزة إلى الأئمة الأكفاء وولاتهم وما يحصل بهم من خير في العالم، فقال:
"الطبقة الخامسة أئمة العدل وولاته الذين تؤمن بهم السبل، ويستقي بهم العالم، ويستنصر بهم الضعيف، ويذل بهم الظالم، ويأمن بهم الخائف، وتقام بهم الحدود، ويدفع بهم الفساد، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويقام بهم حكم الكتاب والسنة، وتطفأ بهم نيران البدع والضلالة".. [طريق الهجرتين وباب السعادتين ص620 طبع إدارة الشؤون الدينية بدولة قطر].
والخلاصة.. أن اختيار الأكفاء للولايات الإسلامية يترتب عليه سعادة ولي الأمر وولاته ورعيته، ويعم بسببه الرخاء وينتشر العدل، ويستتب الأمن، وتستقر أمور الناس وتزدهر معايشهم ويكثر عمرانهم.

أما ما يترتب على اختيار غير الكفء فيتبين في الأمور الآتية:

الأمر الأول: غش ولي الأمر الذي اختاره، وفساد سريرته التي دل عليه اختيار غير الكفء لا يريد لأمته الخير، وإنما يريد لها الشر مع وجود الكفء.
الأمر الثاني: ظلمه للكفء بعدم إسناد الأمر إليه، ولغير الكفء لوضعه في غير مكانه، وللأمة التي تجني أثار اختياره السيئ.
الأمر الثالث: ظلمه لنفسه وتعرضه لوعيد الله الشديد لولي الأمر الذي يموت وهو غاش لرعيته، كما روى معقل بن يسار، رضي الله عنه، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من عبد يسترعيه الله يموت يوم يموت، وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة).
الأمر الرابع: فقد ولي الأمر ثقة رعيته فيه، الأكفاء منهم وغير الأكفاء، أما الأكفاء فلظلمه إياهم بإبعادهم عما يمكنهم القيام بمصالح الناس العامة فيه، وأما غير الأكفاء فلعلمهم بأنه إنما يولي تبعاً لهوى نفسه، وليس للمصلحة، وإن استفادوا هم من ذلك مادياً.
الأمر الخامس: إيجاد الإحن والضغائن في نفوس رعيته عليه، وفي نفوس بعضهم على بعض، لأن الكفء يمقت ولي الأمر ويمقت ولاته غير الأكفاء، كما أن الأمة تمقت ولي الأمر ومن ولاه كذلك..
والذين تولوا المناصب بغير كفاءة يحرصون على بقائها بأيديهم، فيجتهدون في إيذاء الأكفاء والتحريش عليهم واتهامهم بالتهم الكاذبة..
وهكذا يبقى الناس في صراع دائم وأحقاد وتحاسد بسبب جناية ولي أمرهم عليهم وعلى نفسه.
الأمر السادس: أن غير الأكفاء يصبحون بطانة لولي الأمر وغير الكفء لا يذكره إذا نسي، ولا يعينه إذا ذكر، ولا يأمره بمعروف ولا ينهاه عن منكر، بل على العكس من ذلك يزينون له القبيح، ويقبحون له الحسن.
الأمر السابع: أنهم يحجبونه عن رعيته، ويمنعون وصول شكاواهم إليه، لأن كثيراً منها قد يكون فيه إدانة لهم، ويستأثرون بوقته..
وينقلون إليه الأمور على غير حقيقتها، فيطمئنونه بأن العدل مستتب في الرعية، والرعية يعانون من ظلمهم أو ظلم بعضهم بعضاً ولا يجدون من ينصفهم..
وأن الأمن يظلل البلاد والعباد، مع أن الناس ليسوا آمنين على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم..
وأن الرخاء قد عم الأرض، وكثير من الرعايا لا يجدون المسكن والملبس والغذاء.. وأن الرعية راضون عنه يلهجون بالثناء عليه وعلى عهده، والرعية يدعون عليه ويتمنون زوال ولايته.
الأمر الثامن: أن ولي الأمر الذي يختار غير الأكفاء إنما يختارهم ليتعاونوا معه على غير طاعة الله، وهو بذلك ينصب نفسه غرضاً لمن يظن أنهم أصدقاء له، لاتخاذه مطية يصلون بها إلى أغراضهم.. ولو أفسدوا حياته الدنيا وحياته في الآخرة، ويوقع نفسه في عبودية مذلة لهم..
كما ينصب نفسه غرضاً لأعدائه كذلك، لأنهم لا يرضون بتدبيره الذي يكدر عليهم حياتهم بتولية غير الأكفاء عليهم، فيتكتلون ضده وضد ولاته محتجين بظلمه لهم واحتجابه عنهم وإيثاره فئة معينة من الناس بخيرات بلادهم وتسلطها عليهم، وبخاصة إذا كممت الأفواه من التظلم، وملئت السجون بمن رفعوا أصواتهم منكرين على ولي الأمر سوء تدبيره، وقتلت الناس بالتهم الكاذبة، أو بالاغتيالات الخائنة..
فَيَصْلَى ولي الأمر نارين:
نار ولاته الذين يقضون به مآربهم، فإذا رأوا المصلحة في التآمر عليه مع غيره لم يتورعوا عن ذلك..
ونار رعيته الذين يرون في ولايته الأثرة عليهم والتسلط وتولية غير الأكفاء عليهم، فينقلب الصديق عدواً إذا انقطع أمله من تحقيق أغراضه، والعدو ينقلب صديقاً إذا طمع في تحقيق أغراضه..
قال ابن تيمية رحمه الله : " فأصدقاء الإنسان يحبون استخدامه واستعماله في أغراضهم حتى يكون كالعبد لهم، وأعداؤه يسعون في أذاه وأضراره، وأولئك يطلبون منه انتفاعهم وإن كان مضرا له مفسدا لدينه لا يفكرون في ذلك وقليل منهم الشكور.
فالطائفتان في الحقيقة لا يقصدون نفعه، ولا دفع ضرره، وإنما يقصدون أغراضهم، فإن لم يكن الإنسان عابداً لله، متوكلاً عليه، موالياً فيه ومعادياً، وإلا أكلته الطائفتان، وأدى ذلك إلى إهلاكه في الدنيا والآخرة..
وهذا هو المعروف من أحوال بني آدم وما يقع بينهم من المحاربات والمخاصمات والفتن، قوم يوالون زيداً ويعادون عمرواً، وآخرون بالعكس، لأجل أغراضهم، فإذا حصلوا على أغراضهم ممن يوالونه وما هم طالبون من زيد انقلبوا إلى عمرو، وكذلك أصحاب عمرو، كما هو الواقع بين أصناف الناس".. [مجموع الفتاوى (10/602)].
فولي الأمر الذي لا يتقى الله في اختيار ولاته من الأكفاء، وإنما يولي من يعاونه على تحقيق أغراض نفسه، يذل نفسه لولاته وينصب نفسه غرضاً لهم، وإن كانوا في الظاهر أصدقاءه يقضون به حاجاتهم وإن أفسدوا عليه ديناه وآخرته..
وينصب نفسه غرضاً لأعدائه الذين ولى عليهم من لا يخاف الله فيهم ولا يرحمهم، ولو أن ولاة أمور المسلمين اعتبروا بحوادث التاريخ التي تنذر بالخطر كل من ولى على الأمة غير الأكفاء، وتبشر بالخير كل من ولى الأخيار، لما حابوا أحداً لقرابة ولا صداقة ولا لهوى، ولقد نصح علماء المسلمين ولاتهم وسجلوا نصائحهم في كتبهم، كما مضى من كلام بن تيمية رحمه الله..
وقال تلميذه ابن القيم رحمه الله في ذلك: "فأجناد الملوك، وعبيد المالك، وأجراء المستأجر، وأعوان الرئيس، إنما يسعون في نيل أغراضهم"..
ومما يبين ذلك أن غالب الخلق يطلبون إدراك حاجاتهم بك، وإن كان ذلك ضرراً عليك، فإن صاحب الحاجة لا يرى إلا قضاءها، لا يبالون سيرتك، إذا أدركوا منك حاجتهم، بل لو كان فيها هلاك دنياك وآخرتك لم يبالوا بذلك..
وهذا إذا تدبره العاقل علم أنه عداوة في صورة صداقة، وأنه لا أعدى للعاقل اللبيب من هذه العداوة..
فهم يريدون أن يصيروك كالكير، ينفخ بطنك، ويعصر أضلاعك في نفعهم ومصالحهم، بل لو أبيح لهم أكلك لجزروك كما يجزرون الشاة...
وهم يذبحونك كل وقت بغير سكين لمصالحهم..
وهم اتخذوك جسراً ومعبراً وأنت لا تعلم، وربما علمت..
وهم الذين بعت حظك من الله بحظوظهم منك ورحت صفر اليدين..
وهم فوتوا عليك من مصالح الدارين وقطعوك عنها وحالوا بينك وبينها، وقطعوا طريق سفرك إلى منازلك الأولى ودارك التي دعيت إليها.. وقالوا لك: نحن أحبابك وخدمك وشيعتك وأعوانك والساعون في مصالحك.
وكذبوا والله، إنهم لأعداء في صورة أولياء، وقطاع طرق في صورة أعوان..
فواغوثاه ثم واغوثاه بالله الذي يغيث ولا يغاث.. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}. [التغابن: 14، وانظر طريق الهجرتين وباب السعادتين ص 108-109وقوله "منازلك الأولى ودارك التي دعيت إليها" يقصد الجنة التي أخرج إبليس منها آدم عليه السلام.].
الأمر التاسع: ما يحصل من فوضى في البلاد بسبب وضع الأمور في غير موضعها..
حيث يصبح لئام الناس رؤساء لخيارهم، وجهالهم سادة لعلمائهم..
وضعفاء العقول والأحلام قادة لحكمائهم..
وصغار الأسنان أئمة لكبارهم..
والفسقة حكاماً للصالحين العدول..
والأذلة الأوغاد آمرين لأعزة القوم وعليتهم..
ويصبح الأصل في المجتمع نصر الباطل ومعاداة الحق، وحب الظلم وكراهة العدل..
يؤتمن على دماء الناس وأعراضهم وأموالهم الخونةُ، ويُخَوَّن الأمناءُ..
يأمن الظالم وقاطع الطريق، ويخاف العدل الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر..
تنهب أموال الناس بكل السبل: سبيل القوة، وسبيل الاحتيال، وسبيل الارتشاء، حتى يصيب الغنىَ الفاحشَ الخاملُ الكسولُ، وينزل الفقر المدقع بالكادح العامل، فتتعطل بذلك التجارة والزراعة والصناعة، وتقل أسباب الرزق، ويفقد الناس كثيراً من معايشهم كما يفقدون الأمن على أرواحهم.
وتقود ثعالب الغابة وقرودها، أسودها، كما قال الشاعر: [كتاب الإسلام في وجه الزحف الأحمر للغزالي ص150].

ضاق على الضرغام يوماً غابُهوانقطعت من رزقه أسبابُه
فقال للفهد أشر بما ترىفقال إن الخير في ترك الشرى
فمشيا في الأرض حتى وجداغاباً حوى من الوحوش عددا
وبصُرا بالقرد وهو يحكميومئ باللحظ ولا يكلم
منتفخ كالليث وهو قردمنفرد بالحكم مستبد
له بطانة بها الحمارمدخر للرأي مستشار
والبغل فيها الشاعر المقدموقنفذ الجُحرِ الكَمِيْ المُعَلمُ
والبوم للبشرى بكل خيروالببغاوات لحفظ السر
والضفدع الصداح والمغنيوالذئب قائم بأمر الأمن
والجرذ القائم بالإصلاحوالهر طاهي اللحم في الأفراح
والدب للزمر وقرع الطبلوالفيل للألعاب فوق الحبل

وتلك نتيجة طبيعية لخيانة الله ورسوله والمؤمنين، اتباعاً للهوى وظلماً للنفس وللأمة.. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}. [الأنفال: 27].
{وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ}. [المؤمنون: 71].
{مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}. [آل عمران: 117].
ومن هنا نعلم تأكيد الله سبحانه وتعالى على أداء الأمانات إلى أهلها ونهيه عن خيانة الأمانة، وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بإسناد الأمور إلى أهلها وتحذيره الشديد من إسنادها إلى من لا يستحقها.
{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً}. [النساء: 58].
سبحانك اللهم وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك وأسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلا، أن ترحم عبادك المؤمنين بهدايتهم إلى صراطك المستقيم، واتباع سنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، لتسعد البشرية بقيادتهم وحسن تدبيرهم، كما سعدت بقيادة سلفهم الصالحين عندما اهتدوا بهداك فوضعوا كل شيء في موضعه، كما أمرتهم..
لا إله إلا أنت سبحانك.. اللهم أستغفرك لذنبي، وأسألك رحمتك.
اللهم زدني علماً، ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، وهب لي من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب..
وصلى اللهم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه ومن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين..