الفصل الخامس: الحذر من الكفاءات الوهمية
الفصل الخامس: الحذر من الكفاءات الوهمية
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول : الاجتهاد في معرفة الأصلح.
المبحث الثاني : الحذر من تصنع المخادعين
المبحث الثالث : عدم قبول تزكيات غير الثقات.
المبحث الأول: الاجتهاد في معرفة الأصلح
إن من أهم ما يجب أن يجتهد فيه ولي الأمر هو معرفة الأصلح لكل ولاية..
ولمعرفة الأصلح ثلاث وسائل:
الوسيلة الأولى: معرفة مقصود الولاية.
الوسيلة الثانية: معرفة الطريق المؤدية إلى المقصود.
الوسيلة الثالثة: معرفة الشخص الكفء الصالح للولاية..
فمعرفة مقصود الولاية هو الأساس، ومعرفة الوسيلة المؤدية إلى المقصود تابعة له، وهذه تؤدي إلى معرفة الشخص الكفء الذي يتصف بالصفات المناسبة لتلك الولاية.
ويتبين ذلك بذكر بعض الأمثلة:
[s3]
المثال الأول: ولاية القضاء:
إن مقصود هذه الولاية هو الفصل بين الناس وفض النزاع والخصومات بينهم بحكم الله سبحانه وتعالى.
والخصومات تقع في الدماء والأموال والأغراض، وسائر الحقوق.
فإيصال الحقوق إلى أهلها بالحكم على الظالم المعتدي للمظلوم المعتدي عليه، مقصود ولاية القضاء.
والوسيلة المؤدية إلى ذلك المقصود، هي أن يكون القاضي بين الناس على علم بأحكام القضايا المعروضة عليه، وأن يكون متصفاً بالعدل والورع، ليحكم بين الناس بالحق غير متبع لهوى أو طامع في غرض آخر غير رضا الله سبحانه وتعالى.
فإذا عرف ولي الأمر مقصود الولاية، والوسيلة المؤدية، إليها استطاع أن يعرف الشخص الكفء لتلك الولاية، وهو من اتصف بالصفات التي بها يحقق المقصود.
قال سبحانه وتعالى: {يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ}. [ص: 26].
وفي حديث بريدة بن الحصيب رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((القضاة ثلائة: واحد في الجنة، واثنان في النار فأما الذي في الجنة، فرجل عرف الحق وقضى به، ورجل عرف الحق فجار فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار)) .. [أبو داود (4/5) والترمذي (3/604) والحاكم في المستدرك، برقم (7012) وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وله شاهد بإسناد صحيح على شرط مسلم" وهو في جامع الأصول (10/166-167) وقال المحشي عليه: ورواه أيضاً الطبراني وأبو يعلى من حديث ابن عمر، وإسناده صحيح].
وقال ابن تيمية رحمه الله : "ويقدم في ولاية القضاء: الأعلم الأورع الأكفأ".. [مجموع الفتاوى (28/258) وراجع المغني لابن قدامة (10/36-37) وأدب القاضي للماوردي (1/633) وكذا الأحكام السلطانية له ص 66، وتاريخ قضاة الأندلس ص9 لأبي الحسن النباهي الأندلسي].
فقد دل القرآن والسنة وكلام أهل العلم أن العلم والعدل والورع هي وسيلة تحصيل مقصود ولاية القضاء، وإن كانت هناك وسائل أخرى تضاف إلى هذه الأمور فإن هذه هي الأسس.. فكل من توافرت فيه هذه الأمور كان كفؤاً لولاية القضاء، لما يرجى من تحصيل المقصود من ولايته، وعلى ولي أمر المسلمين أن يبحث عمن تتوفر فيه هذه الصفات لهذه الولاية.
[s3]
المثال الثاني: ولاية الجهاد:
ومقصود هذه الولاية مقارعة الأعداء وكسر شوكتهم، ورفع راية الإسلام في الأرض، وطريق هذه الولاية الإخلاص وإعداد القوة، وهى تشمل شجاعة القلب، والخبرة بالحرب، ومخادعة العدو، والقدرة على أنواع القتال واستعمال أنواع السلاح في كل عصر بحسبه..
قال سبحانه وتعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ}. [الأنفال: 60].
فإذا عرف ولي الأمر مقصود هذه الولاية، ووسيلتها، عرف من هو كفء لها ممن توافرت فيه صفات الجندية الجهادية فقدمه على غيره فيه، وإن كان غيره أفضل منه في سواها.. ولهذا قدم النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد في هذا المجال، وتبعه على ذلك أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وليس في الإمكان حصر أمثلة الولايات التي يحتاج كل ولي أمر، إلى معرفة الوسائل الثلاث فيها، وهي معرفة مقصود الولاية، ومعرفة الطريق المؤدية إلى المقصود، و معرفة الشخص الكفء الصالح للولاية، ويضعه في مكانه المناسب.
فولي الأمر العام يحتاج إلى معرفة ولايات وزرائه، ومعرفة مقصود كل وزارة، ومعرفة شخص كل وزير لكل وزارة، وهكذا كل وزير يحتاج إلى معرفة ولايات وكلائه، ومقصود ولاية كل وكيل، ومعرفة الشخص الصالح لكل وكالة...
والوكلاء يحتاجون إلى معرفة ولايات المديرين العامين، ومعرفة مقصود ولاياتهم، ومعرفة شخص كل مدير عام تتوفر فيه الكفاءة للقيام بولايته... وهكذا يجب تطبيق هذه القاعدة على جميع ولاة الأمر، من أكبر من موظف إلى أصغر موظف. ولو أن ولاة الأمر في البلدان الإسلامية طبقوا هذه الوسائل ووضعوا في كل وظيفة الأصلح لها، لتقدمت هذه الأمة تقدما يكسبها العزة والسعادة، ولكانت في الموضع الذي أراده الله لها: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً}. [البقرة (143)]
{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}. [آل عمران (110)].
المبحث الثاني: الحذر من تصنع المخادعين:
إن كثيراً من الناس قد يتصنعون التلبس ببعض الصفات، ويتظاهرون بها ليخدعوا بها غيرهم ليصلوا إلى أغراضهم، وهم في الحقيقة يتصفون بأضدادها..
فقد يوهمون الناس بالصلاح والتقوى والعدل والورع، والصدق والقوة والأمانة والعلم والخبرة وغيرها من الصفات التي تجعل صاحبها كفؤاً لإسناد بعض ولايات المسلمين إليه.
وقد يحسن هؤلاء المتصنعون التزلف إلى ولي الأمر أو إلى بعض ولاته الذين يثق فيهم، بالثناء عليهم وعلى تصرفاتهم وينصحهم بالاستمرار في تلك التصرفات وبإسناد الأمور إلى من هو جدير بالقيام بها..
ويتظاهرون بأنه أكفاء لذلك، وإن لم يصرحوا، وقصدهم من ذلك أن يثق فيهم ولي الأمر أو بعض ولاته.. وإذا لم يحتط ولي الأمر ويتثبت من صدق أولئك بل كذبهم وخداعهـم، فإنه قد يوليهم بعض أمور المسلمين وهو لا يدري، فيحصل بذلك ضرر عظيم وخطب جسيم.
لهذا يجب على ولي الأمر أن يتثبت ويحذر من أمثال هؤلاء أن يتولوا أمور المسلمين فيعيثوا في الأرض فساداً. ولقد بين الله سبحانه وتعالى لعباده المؤمنين صفات المنافقين والتواءاتهم في القرآن الكريم ليحذروهم.
ومن صفاتهم أنهم يتظاهرون للمؤمنين بالإيمان، وإذا وجدوا عدوهم - أي عدو المؤمنين - تآمروا على المؤمنين معه..
كما قال سبحانه وتعالى عنهم: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ}. [البقرة: 14].
ومن صفاتهم حسن مظاهرهم وحلاوة ألسنتهم، وهم ذووا مكر وخبث لا تتفق نياتهم مع حديثهم، ولذلك حذر الله سبحانه وتعالى منهم، فقال سبحانه وتعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ}. [المنافقون: 4].
كما حذر النبي صلى الله عليه وسلم من المتظاهرين بالصلاح، لاتخاذه وسيلة إلى تحقيق مآربهم الدنيوية، ليخدعوا بذلك من يُخدَع بهم ويمكنهم مما يريدون، وهم خباث القلوب..
كما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((يخرج في آخر الزمان رجال يَخْتِلُون الدنيا بالدين، يلبسون للناس جلود الضأن من اللين، ألسنتهم أحلى من السكر، وقلوبهم قلوب الذئاب يقول الله عز وجل: أبى يغترون أم علي يجترئون؟ فبي حلفت لأبعثن على أولئك منهم فتنة تدع الحليم منهم حيران)).
وفي حديث ابن عمر، رضي الله عنهما: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله سبحانه وتعالى قال: لقد خلقت خلقاً ألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم أمر من الصِّبر، فبي حلفت لآتينهم فتنة تدع الحليم منهم حيران، فبي يغترون أم علي يجترئون)) . [الحديثان في سنن الترمذي (4/604-605) قال في حديث ابن عمر: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وحديث أبي هريرة في جامع الأصول أيضاً (4/544-545) قال المحشي عليه: وهو حديث حسن].
وهؤلاء الذين يلبسون جلود الضأن وقلوبهم قلوب الذئاب، يتقلبون مع ولاة الأمور تقلب الحرباء. فإذا رأوا ولي الأمر محباً للدين تقربوا إليه مظهرين له حب ما يحب وأظهروا الغيرة الشديدة على الدين، لينالوا منه مالاً وجاهاً ومنصباً، ويفسدون في دين الله من حيث لا يعلم، متعاونين مع من يكره الدين.. {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ}. [البقرة: 14].
وإذا رأوه يكره دين الله حسنوا له ذلك الكره وتقربوا إليه بكرهه، وبالغوا في إرضائه بهدم بنيان الإسلام والتنكيل بأهله.
وهكذا يتقربون إليه بإظهار محبة ما يحب ومن يحب، وكره ما يكره أو من يكره، وهم في كل ذلك كاذبون، وإن أحبوا ما يحب من الشر وكرهوا ما يكره من الدين فليس ذلك حباً له ولما يحب هو ولا كرهاً لما يكره..
وإنما يفعلون كل ذلك اتباعا لأهوائهم، بدليل أنه لو تولى غيره لتقربوا إلى خلفه بإظهار حب ما يحب وكره ما يكره، وإن كان ذلك مخالفاً لسلفه.
ولقد صبر النبي صلى الله عليه وسلم على المنافقين، وعاملهم على ظواهرهم في كثير من أحكام الإسلام، ولكنه صلى الله عليه وسلم لم يسند إليهم الولايات التي يصرفون فيها أمور الأمة، لفقدهم الأمانة والصدق والعدل، وتآمرهم مع أعداء المسلمين عليهم.
ولعل في ذلك تنبيهاً منه صلى الله عليه وسلم للولاة على الحذر منهم، وعدم إسناد مناصب الدولة الإسلامية إليهم، لما علم من حقدهم على الإسلام والمسلمين وقصدهم هدم كيانه وهد بنيانه.
وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد انتقل إلى جوار ربه وهو الذي كان ينزل عليه الوحي فيعرفه ببعض أشخاص المنافقين، أو سيماهم، وليس كذلك أمته من بعده..
فإن الله سبحانه وتعالى قد وضع للأمة ميزاناً بيناً يفرقون به بين الصادق والكاذب، ألا وهو الاستقامة على أمر الله وطاعته والعمل بكتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم..
والكاذب مهما تصنع الطاعة والاستقامة، فإنه لا يستطيع الاستمرار على ذلك، بل لابد أن يفضحه طبعه فيظهر على حقيقته.. والمهم هو اختباره ومتابعة مواقفه المختلفة..
ولقد نبه عمر بن الخطاب رضي الله عنه على هذا الميزان، أي ميزان الاستقامة على طاعة الله، والفسوق عنها، فقال: "يا أيها الناس ألا إنا إنما كنا نعرفكم إذ بين ظهرينا النبي صلى الله عليه وسلم، وإذ ينزل الوحي، وإذ يُنْبِئْنا الله من أخباركم..
ألا وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد انطلق، وقد انقطع الوحي، وإنما نعرفكم بما نقول لكم، من أظهر منكم خيراً ظننا به خيراً، وأحببناه عليه، ومن أظهر منكم لنا شراً ظننا به شراً وأبغضناه عليه، سرائركم بينكم وبين ربكم..
ألا وإنه قد أتى عليّ حين، وأنا أحسب أن من قرأ القرآن يريد الله وما عنده، فقد خيل إلي بآخرة.. ألا إن رجالاً قد قرؤوه يريدون به ما عند الناس، فأريدوا الله بقراءتكم وأريدوه بأعمالكم..." .. [أخرجه أحمد في المسند مطولا (1/41) وأصله في سنن أبي داود (4/674) ورواه الحاكم في المستدرك، برقم (8356) وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"].
ومما يذكر من التملق وختل الدنيا بالدين، لخداع ولي الأمر بذلك أن بلالاً بن أبى موسى الأشعري جاء إلى عمر بن عبد العزيز، مهنئاً له بالخلافة وألقى أمامه كلمة، جاء فيها: "من كانت الخلافة يا أمير المؤمنين شرفته فقد شرفتها، ومن كانت زانته فقد زنتها، وأنت والله كما قال مالك ابن أسماء:
فشكره عمر، ولزم بلال المسجد يصلي، ويقرأ القرآن ليله ونهاره وبلال بالإضافة إلى تقواه وعلمه - أي الظاهران - كان حفيداً لأبي موسى الأشعري، العالم الورع، ولذلك هم عمر بتوليته العراق.. ولكنه عزم على اختباره اختباراً أعمق من الانخداع بالمظاهر، فأرسل العلاء بن المغيرة، ليختبر كنهه وسره..
قال العلاء: فذهبت إليه وقلت له، تعرف مكانتي من أمير المؤمنين، فإن أنا أشرت عليه بأن يوليك العراق، فماذا تجعل لي؟
قال بلال: لك عمالتي سنة، وذهب العلاء إلى عمر بخبر بلال واستعداده لدفع رشوة.. فسخط عليه عمر، وعرف بلال ذلك، ففر إلى الكوفة، فأرسل الخليفة لوالي الكوفة يحذره حتى لا يخدع بمظاهر التقوى في بلال.. قائلاً: "أما بعد فإن بلالاً غرنا بالله فكدنا نغتر، فَسَبَكْناهُ فوجدناه خبثاً كله. و السلام".. [دراسات في الحضارة الإسلامية (3/146) لأحمد شلبي، نقلاً عن الكامل للمبرد. قال الحافظ صفي الدين الخزرجي في الخلاصة: عن بلال هذا، قال عمر بن شبة: كان ظلوماً توفي بعد العشرين ومائة، المطبعة الخيرية، الطبعة الأولى ص45].
ولعل أهل الخداع والخبث والكذب الذين يتخذون التملق وإظهار النصح، وسيلة لنيل المناصب والوظائف يدخلون في قوله سبحانه وتعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ}. [البقرة: 204-205].
فإن كثيرا ممن يظهرون التزكية لأنفسهم ثم يصيرون ولاة ينفذون ما يريدون يستبدون بالأمر ويفسدون بالظلم ويخربون العمران ويكونون آفة في البلاد على العباد".. [راجع تفسير المنار (2/248)].
المبحث الثالث: عدم قبول تزكيات غير الثقات
مما يجب الحذر منه تزكيات من يتظاهرون بالنصح والغير ة على ما يغار عليه ولي الأمر، فإذا اختبرهم وتتبع أحوالهم، وجد كثيرا منهم لا يتصفون بالعدالة والصدق.. ووجد من يزكونه لا يستحق التزكية.. بل على عكس ذلك إما أن يكون جاهلاً أو خائناً أو ضعيفاً أو متصفاً بهذه الصفات كلها..
فقد يسمع المزكِّي إشاعات كاذبة تشيد بالشخص وتصفه بصفات الكفاءة، وهو غير متصف بها، وقد يكون مصدر تلك الإشاعات واحداً.. وقد يغتر كثير من الناس بالإشاعات ويتناقلونها معتقدين أنها صحيحة، وقد يعرف كثير منهم أنها غير صحيحة، ولكنها توافق أهواءهم فينقلونها مع علمهم بعدم صحتها.
وقد جاء في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم النهي عن الحديث في شيء بدون علم، وأن الذي يتحدث عن شيء مسؤول عنه أمام الله سبحانه وتعالى..
كما قال سبحانه وتعالى: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً}. [الإسراء: 36].
في هذه الآية نهى عن أن يقول الإنسان ما ليس له به علم سواء كان تزكية أو ذماً، فهي شاملة لمن يزكي أحداً بما ليس فيه وهو يعلم كذب نفسه، ولمن يسمع ثناء على أحد إشاعة، دون تثبت فينقله كأنه حقيقة واقعة.
وشاملة أيضاً من باب أولى لتصديق ولي الأمر تزكية من لا يثق فيه، أو من لم تثبت عدالته عنده. وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع)) .. [مسلم (1/10)].
وعن عثمان النهدي رحمه الله، قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "بحسب المرء من الكذب أن يحدث بكل ما سمع".. [المصدر السابق (1/11)].
وكثير من الناس لا يتورعون عن الحديث بكل ما سمعوا، وهم يعلمون عدم ثبوته، أو يجهلون ذلك.
فإذا صدق ولي الأمر تزكيات أمثال هؤلاء فقد بني تصديقه على تزكية من حدث بكل ما سمع.. والغالب أن تجد أمثال هؤلاء يكثر فيما يحدثون به الكذب.
قال النووي رحمه الله سبحانه وتعالى: "وأما ما معنى الحديث والآثار التي في الباب، ففيها الزجر عن التحديث بكل ما يسمع الإنسان، فإنه يسمع في العادة الصدق والكذب، فإذا حدث بكل ما سمع فقد كذب لإخباره بما لم يكن..
وقد تقدم أن مذهب أهل الحق أن الكذب هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو، ولا يشترط فيه التعمد، لكن التعمد شرط في كونه إثماً".. [شرح النووي على مسلم (1/75)].
وتزكية من لا يستحق التزكية، داخلة في شهادة الزور، وهي من كبائر الذنوب، وقبول ولي الأمر شهادة المزكي الذي لم تثبت عدالته، أو من لم يتثبت من صحة تزكيته، إقرار لشهادة الزور وعمل بها، فهو شريك في الإثم بل قد يكون أكبر إثما من شاهد الزور، لأنه يسلط من يوليه على ضرورات الأمة وحقوقها، وهو قادر على وقايتهم من ذلك...
فقد روى أنس بن مالك رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الكبائر أو سئل عن الكبائر، فقال: ((الشرك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين)) فقال: ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟)) قال: ((قول الزور)) أو قال: ((شهادة الزور)) . [البخاري، برقم (5632) ومسلم، برقم (88) ].
والزور هو الكذب، والكذب كما يقول كثير من العلماء، هو الإخبار بخلاف الواقع، والذي لا يتثبت في شهادته لا يؤمن أن يخبر بخلاف الواقع، والذي يصدقه ويعمل بإخباره أو تزكيته، شريك له في ذلك...
[s3]
تحري الفاروق في التزكية..
والتحري من صدق المخبر والتثبت من الثناء الآتي عن طريق الإشاعات من صفات السلف الصالح، رحمهم الله..
قال الشيخ إسماعيل بن محمد العجلوني، رحمه الله: "فعند أبي القاسم البغوي بإسناد حسن والخطيب في الكفاية وغيرهم عن خرشة بن أبحر قال: شهد عند عمر بن الخطاب رجل شهادة، فقال له: "لست أعرفك، ولا يضرك أن لا أعرفك، فأت بمن يعرفك"
فقال رجل من القوم: أنا أعرفه.
فقال: "بأي شيء تعرفه"؟ قال: بالعدالة والفضل.
قال: "فهو جارك الأدنى الذي تعرف ليله ونهاره ومدخله ومخرجه"؟ قال: لا.
قال: "فمعاملك في الدينار والدرهم اللذين يستدل بهما على الورع"؟ قال: لا.
قال: "فرفيقك في السفر الذي يستدل به على مكارم الأخلاق"؟ قال: لا.
قال: لست تعرفه. ثم قال للرجل: ائت بمن يعرفك.
ورواه ابن أبي الدنيا في الصمت، بلفظ: أن عمر رأى رجلاً يثني على رجلٍ فقال: أسافرت معه؟ قال: لا. قال: "خالطته"؟ قال: لا.
قال: "والله الذي لا إله إلا هو ما تعرفه". [كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس، برقم (1479) ].
تأمل هذا التحري وهذا الحوار من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، من اجل التثبت من صحة تزكية هذا الرجل لصاحبه، وقس عليه ما يجري في الشعوب الإسلامية من التساهل الشديد في التركيات الهائمة، بل في تولية من يعرف عنه عدم الكفاءة لإدارة أعمال الأمة...
وفي قواعد الجرح والتعديل العادلة مخرج..
ولعلماء المسلمين قواعد عظيمة في الجرح والتعديل [والتزكية تعديل]. ينبغي أن يأخذ بها ولي أمر المسلمين في تزكية الأشخاص الذين يريد أن يوليهم على رعيته، وأن لا يستعجل في قبول التزكيات التي لا يعضدها البرهان، وإن خالفت الشهادة الرواية في بعض الأمور.
قال ابن الصلاح رحمه الله : "أجمع جماهير أئمة الحديث والفقه، على أنه يشترط فيمن يحتج بروايته أن يكون عدلاً، ضابطاً لما يرويه..
وتفصيله: أن يكون مسلماً، بالغاً، عاقلاً، سالماً من أسباب الفسق وخوارم المروءة، متيقظاً غير مغفل، حافظاً إن حدث من حفظه، ضابطاً لكتابه، إن حدث من كتابه، وإن كان يحدث بالمعنى، اشترط فيه مع ذلك أن يكون عالماً بما يحيل المعاني".. [علوم الحديث ص94، نشر المكتبة العلمية بالمدينة المنورة].
وإذا كانت هذه الشروط ذكرت في روايات السنة النبوية، فإن الذين يزكون الناس لتولي أمور المسلمين والبت في شؤونهم المتعلقة بالدماء والأموال والنفوس جديرون بها.
والتزكية تعتبر شهادة بصلاح من زُكِّي لإسناد الولاية إليه، وللعلماء في قبول الشهادة شروط.. وهي: أن يكون مسلماً بالغاً، عاقلاً، عدلاً، ذا مروءة، وأن تنتفي موانع قبول شهادته.. [راجع المغني لابن قدامة (10/144-146)].
فالواجب على ولي الأمر أن يتثبت من التزكيات، وأن لا يولي أحداً أمور المسلمين بتزكيات قوم قد يكونون سمعوها هم أصلاً عن طريق الإشاعات غير الثابتة، أو تعمدوا شهادة الزور.
قال ابن الأزرق رحمه الله، مبيناً وجوب الحذر من الاغترار بالمظاهر، والثناء غير الممحص: "فكثير ممن اشتهر وَبَعُدَ صيته، وليس هناك، وكثير ممن اشتهر بالشر، وهو بخلافه، وكثير ممن تجاوزت عنه الشهرة، وهو أحق بها، وقد تصادف موضعها وتكون طبقاً على صاحبها..
وسبب ذلك أن الشهرة والصيت إنما هي بالأخبار..
والأخبار يدخلها الذهول عن المقاصد عند التناقل..
ويدخلها التعصب، والتشيع، والأوهام، والجهل بمطابقة الحكايات للأحوال، لخفائها بالتلبس والتصنع، أو بجهل الناقل..
ويدخلها التقرب لأصحاب الجاه والمراتب الدنيوية بالثناء والمدح وتحسين الأحوال وإشاعة الذكر بذلك..
والنفوس مولعة بحب الثناء، والناس متطاولون في الدنيا وأسبابها من جاه أو ثروة، وليسوا في الأكثر براغبين في الفضائل، ولا متنافسين في أهلها، وأين مطابقة الحق مع هذه كلها؟! فتحصل الشهرة عن أسباب خفية من هذه، وتكون غير مطابقة، وكل ما يحصل بسبب خفي فهو المعبر عنه بالبخت".. [بدائع السلك في طبائع الملك (1/171)].
وقد جمع شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ما تضمنه هذا الفصل في قوله:
"وأهم ما في هذا الباب معرفة الأصلح، وذلك إنما يتم بمعرفة مقصود الولاية، ومعرفة طريق المقصود، فإذا عرفت المقاصد والوسائل تم الأمر".. [الفتاوي (28/260)].