الفصل الرابع: وجوب اختيار الكفء للعمل المناسب
الفصل الرابع: وجوب اختيار الكفء للعمل المناسب
المبحث الأول: وجوب اختيار ولي الأمر الأكفاء من الوزراء.
المبحث الثاني: وجوب اختيار الوزراء الأكفاء للأعمال التابعة لهم.
المبحث الأول: وجوب اختيار ولي الأمر الأكفاء من الوزراء
إن ولي الأمر العام هو المسؤول الأول عن مصالح المسلمين وجلبها ودرء المفاسد عنهم، والأصل أن يقوم هو باختيار موظفي الدولة..
لكن لما كان من الصعب عليه أن يباشر اختيار جميع الموظفين في ولايته وجب عليه أن يباشر اختيار ذوى الرتب العالية فيها كالوزراء ونحوهم، وأن يحسن اختيارهم، ويبحث لكل ولاية من الولايات الكبيرة عن أصلح الناس للقيام بها، وأن لا يألو جهداً في البحث والاختيار، لأن نجاحه في اختيارهم يترتب عليه نجاحه في سياسته، وإخفاقه في اختيارهم يترتب عليه فشله في سياسته.
وأعلى المراتب في الدولة وأكثرها خطراً هي التي يكون أصحابها بطانة لولي الأمر وأهل شوراه، في أغلب الأوقات وفي أهم القضايا، وهي تتمثل في مجالس الشورى والوزراء ورئيسهم، لأنهم أهل الشورى هم أهل الحل والعقد، وهم الذين يقرون مناهج الحكم "الدساتير" وهم الذين يوجهون سياسة الدولة، ويضعون الأهداف العامة لها، ويقرون الأوامر والقوانين، والوسائل الموصلة إليها.
والوزراء ينفذون الخطط والأنظمة ويديرون الشئون الداخلية والخارجية، في السلم والحرب، وهم الذين يأمرون وينهون، لذلك كان الاهتمام بأهل هذه هاتين المرتبتين من أوجب الواجبات على ولي الأمر وأشدها مسئولية.. [راجع الأحكام السلطانية للماوردي ص21 وما بعدها].
وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو رسول الله، ينزل عليه الوحي من ربه، ليهديه للتي هي أقوم، يهتم بمشاورة كبار أصحابه، وكان أفضلَهم في ذلك أبو بكر الصديق رضي الله عنه، لأنه كان أكفأهم عنده.
قال سعيد بن المسيب، رحمه الله: " كان أبو بكر الصديق، رضي الله عنه من النبي صلى الله عليه وسلم، مكان الوزير، فكان يشاوره في جميع أموره..[أي فيما لم ينزل به وحي]. وكان ثانيه في الإسلام، وكان ثانيه في الغار، وكان ثانيه في العريش في بدر، وكان ثانيه في القبر، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقدم عليه أحداً"... [المستدرك (3/66) وقال الذهبي: في رواته مجهول. قلت: لكن معناه صحيح؛ لأن ما ذكر فيه تضمنته نصوص أخرى متفرقة].
وقد نهى الله سبحانه وتعالى عن اتخاذ بطانة سوء، وهي التي لا تألو جهداً في إفساد حال المسلمين سواء كانوا من الكفار أو من المنتسبين إلى الإسلام الذين لا يحكمون شرع الله، كما هو حال المنافقين؛ لأن النتيجة واحدة وهي إفساد حياة المسلمين، بإبعادهم عن دين الله سبحانه وتعالى أو ظلمهم. قال سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ}. [آل عمران: 118].
وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم أن الأنبياء والخلفاء تتجاذب كل واحد منهم طائفتان: إحداهما تدعوه إلى الخير وتحضه عليه.. والأخرى تدعوه إلى الشر وتحضه عليه..وأن المعصوم من عصمه.
فعن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة، إلا كانت له بطانتان بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه، فالمعصوم من عصم الله سبحانه وتعالى)) . [صحيح البخاري (6773) ].
لذلك ينبغي لولي أمر المسلمين مع حرصه على اتخاذ البطانة الصالحة، أن يحذر من تدسيس بطانات السوء، ويدعو الله أن يعصمه منهم، ويطلب من الصالحين أن يدعو له بذلك.
وعن عائشة رضي الله عنهـا قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا أراد الله بالأمير خيراً جعل له وزير صدق، إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه، وإذا أراد الله به غير ذلك جعل له وزير سوء، إن نسي لم يذكره، وإن ذكر لم يعنه)) . [أبو داود، برقم (2932) والهيثمي في مجمع الزوائد (5/210) وقال: "رواه أحمد والبزار، ورجال البزار رجال الصحيح" وهو في جامع الأصول (4/73) قال المحشي: وإسناده صحيح وراج شرح السنة للبغوي (10/75)].
وقد بين ابن خلدون رحمه الله، عظم هذه المرتبة وخطرها فقال: "إلا أن الأرفع منها ـ أي من الولايات ـ ما كانت الإعانة فيه عامة، فيما تحت يد السلطان من ذلك الصنف، إذ هو يقتضي مباشرة السلطان دائماً ومشاركته في كل صنف من أحوال ملكه".. [المقدمة ص237].
ولما كان ولي الأمر لا يباشر اختيار جميع الموظفين في ولايته لعدم قدرته على ذلك، وجب عليه أن يحسن اختيار أفراد الرتب العليا التي يباشر اختيار أفرادها، ليحسنوا هم الاختيار فيما يتعلق بولاياتهم..
قال ابن تيمية رحمه الله: "فيجب علي ولي الأمر أن يولي على كل عمل من أعمال المسلمين أصلح من يجده لذلك العمل، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من ولي من أمور المسلمين شيئاً، فولى رجلاً، وهو يجد أصلح للمسلمين منه فقد خان الله ورسوله))..وفي رواية: ((من ولى رجلاً على عصابة، وهو يجد في تلك العصابة من هو أرضي لله منه فقد خان الله ورسوله وخان المؤمنين)). [رواه الحاكم في صحيحه. وروى بعضهم أنه من قول عمر، روى ذلك عنه برقم (7023) من حديث ابن عباس، وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"].
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "من ولي من أمر المسلمين شيئاً، فولى رجلاً لمودة، أو قرابة بينهما، فقد خان الله ورسوله والمسلمين".
"وهذا واجب عليه، فيجب عليه البحث عن المستحقين للولايات من نوابه على الأمصار، من الأمراء الذين هم نواب السلطان والقضاة، ونحوهم، وأمراء الأجناد، ومقدمي العساكر الصغار والكبار، وولاة الأموال من الوزراء والكتاب والسعاة على الخراج والصدقات، وغير ذلك من الأموال التي للمسلمين"... [مجموع الفتاوى (28/247)].
فإذا اجتهد ولي الأمر في اختيار ذوي الرتب العليا، بحيث اختار أفضل من وجد في رعيته، فقد أدى ما عليه وقام بما أمر به، ولم يبق عليه إلا توجيه هؤلاء الولاة إلى ما فيه مصلحة الأمة، من اختيار كل والٍ لولايته الأكفاء الصالحين للأعمال المنوطة بهم.
المبحث الثاني: وجوب اختيار ذوي الرتب العليا الأكفاء لأعمالها
إذا اجتهد ولي الأمر في البحث عن أفضل من يجد في رعيته للولايات الكبرى التي يستطيع هو مباشرة اختيار أهلها، فولى كل واحد منهم ما يرى في ولايته المصلحة للمسلمين، فقد أدى الواجب الذي عليه في هذه الولايات..
وعليه أن يوصي ولاته بأن يجتهدوا في اختيار العاملين في ولاياتهم، اختياراً يحقق الهدف من العمل حسب الاستطاعة.
ويجب، على كل من ولي أمراً من أمور المسلمين أن يبذل جهده وطاقته في اختيار العاملين في ولايته، وأن لا يقصر في ذلك، لأن كل ولي أمر في ولايته بمنزلة ولي أمر المسلمين العام، فإذا ولَّى أحداً في أمر من أمور المسلمين، وهو يجد من هو أرضى لله سبحانه وتعالى لتلك الولاية، فهو خائن لله ولرسوله ولولي الأمر الذي ولاه وللمسلمين عامة..
ولذلك قال ابن تيمية رحمه الله - بعد أن ذكر ما يجب على ولي الأمر العام من اختيار الولاة الأكفاء للوظائف المهمة-: "وعلى كل واحد من هؤلاء أن يستنيب ويستعمل أصلح من يجده، وينتهي ذلك إلى أئمة الصلاة، والمؤذنين، والمقرئين، والمعلمين، وأمراء الحج، والبُرُد، والعيون الذين هم القصاد، وخزان الأموال، وحراس الحصون... -إلى أن قال-: فيجب على كل من ولي شيئاً من أمر المسلمين، من هؤلاء وغيرهم أن يستعمل فيما تحت يده في كل موضع أصلح من يقدر عليه".. [مجموع الفتاوى (28/247)].
ومع ذلك فإنه يجب على ولي الأمر العام أن يسأل عن أحوال الناس، وأن يبحث عن مصالحهم، فإذا وجد أحدَ ولاتِه اختار لولايته غير الكفء مع وجود الكفء وجب عليه أن يعزل غير الكفء ويستبدل به كفؤاً، لأن ولي الأمر وإن برئت ذمته باختيار الكفء الذي يباشر هو اختياره، لا تبرأ ذمته بتصرف ولاته غير السليم إذا اطلع عليه، لمسؤوليته العامة.
[s3]
عدم قبول ولي الأمر الطعن في من ظهر صلاحه بدون حجة..
وإذا تبين لولي الأمر العام أو من دونه من ذوى الولايات الكبيرة، أن شخصاً ما كفء لأي عمل من الأعمال وجب أن يوليه ذلك العمل، وأن لا يصغي للطعن فيه، ولا يصدق الطاعنين بدون ذكر حجج واضحة تبين سبب الطعن وتثبت وجود ذلك السبب..
فقد يطعن في الكفء ذو هوى وحقد وهو كاذب، وقد يطعن فيه من قصر إدراكه لكفاءته، والواجب على ولي الأمر أن يرد على الطاعنين ما دام متيقناً من كفاءة المطعون فيه.
فقد روى ابن عمر رضي الله عنهـما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بعثاً وأمَّر عليهم أسامة بن زيد، فَطُعِن في إمارته، فقال: ((إن تطعنوا في إمارته، فقد كنتم تطعنون إمارة أبيه من قبله، وأيم الله إن كان لخليقاً للإمرة، وإن كان لمن أحب الناس إلي، وإن هذا لمن أحب الناس إلي بعده)) .. [البخاري (8/117) ومسلم (4/1884)].
وقد كان أسامة بن زيد من صغار الصحابة رضي الله عنهم، حيث توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمره ثمان عشرة سنة وقيل عشرين سنة، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم ولاه مع صغره لأنه كان كفؤاً لهذه الإمرة..
و كان يوجد في الصحابة من هو أكبر منه وأكفأ، إلا أن الرسول صلى الله عليه وسلم أراد أن يربي أصحابه على قبول إمرة الكفء وإن كان أصغر سناً..
وإذا كان الطاعنون في أسامة بن زيد ممن قصر إدراكهم لكفاءته، وليس عن حقد وهوى، كما رجح ذلك بعض العلماء، فإن بعض أهل الكوفة طعنوا في إمرة سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه بالكذب واتباع الهوى..
وقد بعث عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلاً إلى أهل الكوفة يسأل عنه الناس في المساجد، فأثنوا عليه كلهم خيراً، إلا رجلاً اتهمه بالكذب، فقال: إن سعداً كان لا يسير بالسرية، ولا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية..
فقال سعد: أما والله لأدعون بثلاث: اللهم إن كان عبدك هذا كاذباً، قام رياء وسمعة، فأطل عمره، وأطل فقره، وعرضه بالفتن، قال: وكان بعد إذا سئل يقول: شيخ كبير أصابتني دعوة سعد..
قال عبد الملك - أحد رواة الحديث: فأنا رأيتهُ بعدُ قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، وإنه ليتعرض للجواري في الطريق، يغمزهن". [راجع صحيح البخاري، برقم (722)].
وإذا كان عمر، رضي الله عنه قد عزل سعداً قبل أن يرسل معه ذلك الرجل يسأل عنه، فإنه إنما عزله فيما يبدو لأمرين:
الأمر الأول: كفَّ الفتنة والأذى..
والأمر الثاني: الاحتياط من الشكوى..
وقد يكون الأولى عدم عزله، وبخاصة أن عمر رضي الله عنه كان يظن به خيراً على رغم الشكوى التي وقعت ضده..
لأن سعداً عندما رد على الشكوى وذكر أنه قائم بالأمر على سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، قال له عمر: ذاك الظن بك يا أبا إسحاق.. [راجع فتح الباري (13/180)].
ومعلوم أن عمر كان شديداً في محاسبة العاملين والميل إلى عزلهم، كما سبق في طلبه من أبي بكر عزل خالد رضي الله عنه، وقد عزله في ولايته بعد وفاة أبي بكر.
وفي قصة سعد عبرة لمن اعتبر..
قلت: وفي طعن أهل الكوفة في سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، عبرة لمن اعتبر من ولاة أمور المسلمين سواء كانوا في الولايات الكبيرة أو الصغيرة.
لقد كان سعد بن أبي وقاص من أوائل الداخلين في الإسلام، حتى قال عن نفسه: لقد رأيتني وأنا ثلث الإسلام". [أي ثالث ثلاثة دخلوا في الإسلام.. راجع البخاري (4/212) وفتح الباري (7/83-84)].
وقال: "جمع لي النبي صلى الله عليه وسلم أبويه يوم أحد" أي قال له: ((فداك أبي وأمي)) .. [البخاري (4/212) ومسلم (4/1876)].
وهو الذي حرس النبي صلى الله عليه وسلم عندما قدم المدينة، بعد أن قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ليت رجلاً صالحاً من أصحابي يحرسني)) .. [مسلم (4/1875)].
وهو الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: ((ولعلك تُخَلَّف حتى يُنْفعُ بك أقوام ويُضر بك آخرون)) .. [مسلم (3/1251)].
وقد نفع الله به المسلمين في الفتوحات الإسلامية، وَضُرَّ به أعداءُ الله الكافرون ويكفيه تزكية من الرسول صلى الله عليه وسلم إنه أحد العشرة المبشرين بالجنة.. [راجع الترمذي (5/647-648)].
ومع ذلك طعن فيه من طعن بالتهم الكاذبة التي أشهر الله كذب صاحبها في الدنيا قبل الآخرة.
قلت: إن في ذلك لعبرة لولاة أمور المسلمين أن لا يصدقوا الطاعنين في الذين ظاهرهم الخير من ولاتهم لمجرد الطعن الذي لا تسنده حجة ولا برهان..
وعلى ولاة الأمور أن يدركوا أن رجالاً يلبسون ثوب النصح ليضللوهم ويوهموهم بصدقهم ونصحهم، وهم في الواقع متلبسون بداء الحقد والحسد ويسمون الغيبة والبهتان نصحاً، والكذب والزور إرادة للخير..
والغالب أن يكون لهم مصالح يريدون الحصول عليها، فلا يجدون سبيلاً متاحاً إليها، فيسلكون ذلك السبيل الدنيء..
وقد قال الله سبحانه وتعالى للرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}. [الحجرات: 6].
إن تثبت ولي الأمر وتبينه الأمر بالبحث والتمحيص والسؤال، هو الدواء الشافي الذي يبرئه أمام ربه من أن يأخذ أحداً بظنه أو يتساهل في أمر الأمة: {فَتَبَيَّنُوا}. وكم من بريء اعْتُدِيَ على نفسه وماله وعرضه، بسبب الطعن الصادر من كاذب ظالم ظهر عند ولاة الأمور بمظهر الصادق الناصح، فكان وبالاً على الأمة بظلمها، وعلى ولاة الأمور بغشهم وخداعهم؟! {أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}. [الحجرات: 6].
فإذا قام ولي الأمر باختيار الأكفاء لولاياته، دون محاباة، بل بإخلاص وتجرد، ثم قام ولاته بذلك في ولاياتهم سدد الله خطاهم جميعاً وأعانهم على أعمالهم، ونال الرعية حقوقهم بقدر صلاح من تولى عليهم، وسعدوا بالأمن..
[s3]
وخلاصة القول:
أن ولي الأمر إذا اختار الرجال الأكفاء، واختار هؤلاء الأكفاء في أعمالهم، أمنت الأمة على ضروراتها ومصالحها، وعم الرخاء والإخاء، وانتفت الضغائن والأحقاد، وانقطع طمع المفسدين من نشر فسادهم..
لأن ولي الأمر ومن يعينه على ولايته يحققون معنى قول الله سبحانه وتعالى: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ}. [الحج: 41].
وبذلك يكون لولي الأمر وولاته بطانة صالحة، يذكرونهم بالخير إذا نسوا ويعنونهم إذا ذكروا، ويأمرونهم بالمعروف ويطيعونهم فيه، وينهونهم عن المنكر ولا يطيعونهم فيه، وينفذون ما أنيط بهم بأمانة وإخلاص، ويرونهم حقائق أحوال رعاياهم الصالحة منها والفاسدة، ويسهلون للرعية الوصول إلى ولاتهم بمطالبهم، وتظلماتهم، ونصائحهم..
فيكون ولاة الأمر على علم بأحوال رعيتهم وكل ما يدور بينهم، من المصالح التي يسعون لتثبتها وزيادتها، والمفاسد التي يسعون لإزالتها والتخفيف منها..
وترتفع بذلك الكلفة بين ولاة الأمور ورعيتهم، ويحب بعضهم بعضاً، وتقف الرعية مع ولاتها في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وتستقر بذلك أحوال البلاد، ويطمئن العباد، وتصل الحقوق إلى أهلها ويؤخذ على يد الظلمة والمعتدين.
[s3]
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا..
هذا مع التنبيه على أن ولي الأمر لا يجب عليه في الاختيار إلا ما يستطيعه من تولية أحسن الموجود لكل ولاية، لأن وجود الكفء الكامل من كل وجه عزيز نادر، فعليه أن يجتهد في معرفة الأصلح ويوليه.
قال ابن تيمية رحمه الله: "إذا عرف هذا، فليس عليه أن يستعمل إلا الأصلح الموجود، وقد لا يكون في موجوده من هو أصلح لتلك الولاية، فيختار الأمثل فالأمثل في كل منصب بحسبه.. وإذا فعل ذلك بعد الاجتهاد التام، وأخذه للولاية بحقها، فقد أدى الأمانة وقام بالواجب في هذا، وصار في هذا الموضع من أئمة العدل المقسطين عند الله، وإن اختل بعض الأمور بسبب من غيره إذا لم يمكن إلا ذلك. فإن الله سبحانه وتعالى يقول: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}. [البقرة: 286]. ثم بين رحمه الله أنه يجب أن يجتهد ولي الأمر في إيجاد الأصلح، ولا ينبغي أن يرضى بالموجود الناقص بدون اجتهاد. [مجموع الفتاوى (28/259)].