الفصل الثاني: الصفات اللازمة في الكفاءة
الفصل الثاني: الصفات اللازمة في الكفاءة
إن الصفات التي يجب أن يتحلى بها ولاة أمور المسلمين، ليكونوا مؤهلين لتلك الولايات كثيرةٌ جداً، والتفصيل فيها يحتاج إلى كتاب مستقل.. ولكنا سنختار ما لا تقوم ولاياتهم على الوجه المطلوب بدونها.....ونجملها في المباحث الآتية:
المبحث الأول: في الإخلاص.
المبحث الثاني: في التواضع.
المبحث الثالث: في الحلم والصبر.
المبحث الرابع: في اللين.
المبحث الخامس: في العفو.
المبحث السادس: في سلامة الصدر.
المبحث السابع: في القدرة على التوجيه والتعليم.
المبحث الثامن: في الصدق.
المبحث التاسع: في المشاورة.
المبحث العاشر: في تحديد الاختصاصات للعاملين.
المبحث الحادي عشر: الإشراف المستمر والمحاسبة.
المبحث الثاني عشر: الاعتراف بالخطأ وعدم الإصرار عليه.
المبحث الثالث عشر: الدهاء المحقق للمصالح المشروعة.
المبحث الأول: الإخلاص:
المراد بالإخلاص هنا معناه الشرعي الذي ينال المسلم العامل المتصف به ثواب الله سبحانه وتعالى في الآخرة، وإن أخذ على عمله في الدنيا أجرا ماديا، وهو تصفية الإنسان عمله من شوائب إرادة غير وجه الله سبحانه وتعالى، أي أن يقصد بعمله وجه ربه ولا يقصد به أحداً سواه، فيتجرد له ولا يلتفت إلى سواه، والذي يتصف بهذه الصفة يؤدي عمله بإتقان في سره وعلنه مراقبا ربه في ذلك، ويحرص كل الحرص أن يتقن ما أسند إليه من مصالح المسلمين، لأنه يعتبر ذلك عبادة لربه يثيبه على ما أتقن ويحاسبه على ما قصر فيه، ونجاحه في عمله من السعي في نصر دين الله، وتقصيره فيه مضر بنفسه وبمجتمعه....
وقد تعبدنا الله سبحانه وتعالى بالنصح له ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم..
قال سبحانه وتعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ}. [البينة:5].
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه)) . [البخاري (1/2) ومسلم (3/1515)].
والذي يتولى أمور المسلمين لغرض آخر، كالطمع في الجاه أو المنصب أو التقرب إلى من هو أعلى منه من المسؤولين عن الأمة، وليس قصده إرضاء ربه بقيامه بمصالح الأمة، لا يؤمن تقصيره في عمله إذا ما حصل على بغيته، بل إذا رأى أن تقصيره قد يحقق له بعض المكاسب المادية في بعض الأحيان قد يتعمد ذلك التقصير، وإذا خلا عن المراقبة البشرية لا يبالي بمصالح الناس، بخلاف المخلص لله المتجرد لرضاه..
فإنه كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك)) . [البخاري (6/20) من حديث أبي هريرة. ومسلم (1/37) من حديث عمر بن الخطاب..].
فهو محسن عمله في كل الأحوال لأنه يتقي الله، ويخاف مقامه بين يديه.
كما قال سبحانه وتعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى}. [النازعات: 40-41].
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((اتق الله حيثما كنت)) . [الترمذي (4/355) من حديث لأبي ذر، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والدارمي في سننه (2/231) وقال محققه: رواه أيضاً أحمد والبيهقي والترمذي والحاكم، وصححه الذهبي].
ولقد ابتليت الأمة الإسلامية بمن يـلي أمورها في ولاياتها الكبرى والصغرى من غير المتقين المخلصين أعمالهم لربهم والمراقبين له في سرهم وعلنهم..
بل بذوي المطامع والأهواء الذين لا يقصدون بولاياتهم إلا تحقيق مآربهم، من جاه ومنصب وجمع مال وتسلط علي رقاب الناس، إلا من شاء ربك وقليل ما هم.
ولهذا ظهرت في الأمة الخيانات المالية والسياسية والعسكرية والإدارية، وتعطلت الأعمال ومنع الناس من حقوقهم وقل النتاج..
كل ذلك بسبب فقد الإخلاص أو ضعفه الشديد وحلول المطامع الشخصية محله.
ولقد أصبح بعض من يتصدون للكتابة في شؤون الإدارة يتمنى وجود الإخلاص في العمل، ولكنه لم يهتد إلى الميزان الذي يوزن به إخلاص الموظف عند الله وعند رسوله وعباده المؤمنين..
بل نظر إلى الإخلاص للعمل نفسه، ثم جزم بأنه يستطيع أن يحكم على الشخص بأنه مخلص بمقابلته في أول لقاء، معتمداً على النظرات والإيماءات والتعبيرات..
فقال: "الإخلاص أعظم قوة في العالم، إنه نور يشع في الأعين وقوة تبدو في الصوت، لذلك إذا تقابل اثنان معاً لأول مرة، فإنه يمكن لكل منهما أن يحكم على الآخر حكماً عادلاً اعتماداً على نظراته وإيماءاته وتعبيراته، إنني استطع دائماً أن أتعامل مع الشخص المخلص بصرف النظر عما إذا كان مخطئاً أم مصيباً لأنني أعرف موقفه تمام المعرفة". [القيادة الإدارية الحديثة لأحمد الشنتاوي ـ الطبعة الأولى ـ دار المعرفة ـ القاهرة ص26].
إن كون المخلص محل ثقة الناس أمر مسلم لا شك فيه، لكن يجب أن يعلم أن المخلص الذي يكون محل ثقة الناس هو المخلص لله الذي يطمع في ثوابه ويخاف من عقابه.. وليس من يقال عنه إنه مخلص للزعيم أو للشركة أو للعمل، فإن خيانة هذا متوقعة؛ لأن الذي أخلص له في زعمهم لا قدرة له على مراقبته في كل مكان حتى يتقيه ويخلص له حيثما كان، بخلاف من أخلص لله فإن مراقبته له دائمة في كل مكان.
أما الحكم على الإنسان بالإخلاص أو عدمه والثقة به أو عدمها بمجرد مقابلته أول مرة، اعتماداً على التعبيرات والإيماءات والنظرات، فإن ذلك غير مسلم، مهما أوتي الإنسان من الذكاء والفراسة..
فإن كثيراً من الناس عندهم القدرة على تلبس ما يجعله محل الثقة، من تصنع الصدق في الحركة والانفعال العاطفي، وهو بخلاف ذلك، وإنما يظهر الإخلاص في الإنسان بالمخالطة الطويلة والتجربة..
وقد قال الله سبحانه وتعالى عن المنافقين: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ}. [المنافقون: 4].
والذي لا يرزق خلق الإخلاص لا يجد ما يزن به تصرفاته إلا هواه، وهو متقلب بتقلب شهواته ورضاه وغضبه..
فالأمر الذي يراه اليوم وينصر أهله ويقف ضد من عاداه، ينقلب عليه غداً فيكرهه ويكره مَن يعمله ويقف ضد من يراه، لا يستقر في آرائه على قرار، ولا يوثق بكلمته في شيء، لشدة اضطرابه بسبب اضطراب هواه وشهواته.. وهو إذا ولى أمراً من أمور الأمة وبال على الأمة.
قال ابن تيمية رحمه الله: "قوم لا يقومون إلا في أهواء نفوسهم فلا يرضون إلا بما يعطونه، ولا يغضبون إلا لما يحرمونه.
فإذا أُعطِيَ أحدهم ما يشتهيه، صار الأمر الذي كان عنده منكراً ينهي عنه ويعاقب عليه ويذم صاحبه ويغضب عليه، مَرْضِياً عنده وصار فاعلاً له وشريكاً فيه ومعاوناً عليه ومعادياً لمن نهى عنه.. وهذا غالب في بني آدم يرى الإنسان ويسمع من ذلك مالا يحصيه". [الفتاوى (28/147). راجع أيضاً نفس الكتاب (28/361)].
وننبه بعد هذا على أن من يتقن عمله الإداري ـ أو غيره من الأعمال غير العبادية ـ ويقوم به على الوجه المطلوب، ويعطي كل ذي حق حقه بلا تأخير ولا مماطلة ولا يقصد به ثواب الله، بل يقوم به في مقابل ما يناله من أجر أو جاه أو منصب...
أقول: ننبه على أن من يتقن عمله بهذه الصفة ينبغي أن يشكر على إتقان عمله وأدائه حقوق من تولى شئونهم الإدارية، لما يترتب على إحسان العمل وإتقانه من تقدم وتفوق لشعبه، لاطمئنان الناس على نيل حقوقهم بدون حيف ولا غش، فيدفعهم ذلك إلى العمل الجاد كل فيما يجيده....
وما تَقَدُّمُ كثيرٍ من الدول والشعوب الغربية - وهي غير مسلمة - في الصنائع و التجارات والعلوم وغيرها من الحضارة المادية، إلا ثمرة من ثمار إتقان الأعمال تطبيقا للأنظمة والقوانين الإدارية الضابطة لكل من يتولى أمرا من أمور الناس، من أعلى رتبة إلى أدناها.
والذي يقيم في الدول الغربية أو يزورها ويقارن بين ما يجري فيها في المجال الإداري، وبين ما يجري الشعوب الإسلامية، يصاب بالدهشة والعجب، ويضيق صدره من تصرفات المديرين الكبار والصغار في بلاده التي كان أهلها أولى بإتقان العمل من غيرهم، لأن دينهم هو دين الإحسان والعدل والرحمة وإعطاء كل ذي حق حقه....
وليس من يتقن عمله الإداري من المسلمين وإن لم يرد بإتقانه ثواب الله، معرضا للإثم وإن حرم من ثواب الله لعدم إرادته ذلك، مثله مثل صاحب أي مهنة من المهن العادية يتقن مهنته ولا يقصد بإتقانه وجه الله، بل يقصد به ما يناله من وراء لك من أجر مادي أو ثناء من الناس، كالنجار والمزارع والتاجر والمهندس وغيرهم....
والخلاصة أن إرادة المسلم من عمله العادي الذي يتقنه ثواب الله سبحانه وتعالى، ينقلب إلى عمل عبادي بتلك الإرادة فيثاب على نيته، ويرجى منه الاستمرار في إتقان أعماله، بسبب اتصافه بتلك الصفة التي تجعله يستمر في إتقان عمله في كل الأحوال، لإخلاصه لربه ومراقبته في عمله، لأن المسلم يحرص أن يكون نشاطه كله عبادة لله سبحانه وتعالى، كما قال عز وجل: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ}. [الأنعام: 163].
وبهذا الفهم الشامل فَهِم السلفُ الصالِحُ معنى العبادة، فلم تشذ حركة أو سَكْنَة في حياة المسلم، من الواجبات التي تؤدَى، وكذلك المندوبات والمباحات -إذا قصد بها وجه الله - والمحرمات التي تترك، وكذلك المكروهات، لم تشذ عن العبادة التي هي معنى وجود الإنسان، ولهذا كان السلف يرجون ثواب الله على نشاطهم كله، كما قال معاذ بن جبل رضي الله عنه: "والله إني لأحتسب نومتي، كما أحتسب قومتي". [البخاري رقم الحديث 4342، فتح الباري (8/60)، ومسلم (3/1456)]. أي أرجو بنومي على سريري ثواب الله، كما أرجو ذلك من قيامي الليل]].
وعرف شيخ الإسلام ابن تيمية العبادة حسب هذا الفهم الواسع بقوله: "اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة". [مجموع الفتاوى (10/149)].
فما من أمر ينوي الإنسان فعله، من الطاعات أو المباحات، قاصداً به وجه الله، ثم يفعله، أو لا يفعله، لعدم قدرته على فعله إلا كتبه الله في ميزان حسناته، فهو عبادة.
وما من أمر ينوي المؤمن تركه من المحرمات والمكروهات والمباحات، قاصداً بتركه وجه الله، ثم يتركه، إلا كتب الله له تركه في ميزان حسناته، فهو عبادة أيضاً، بل إذا هم بسيئة ثم تركها لله كتبها الله له حسنة.
فحياة المؤمن كلها عبادة، ولذلك يستكثر من الطاعات سواء كان في الإدارة أو المسجد أو في السوق، في المصنع أو في الدكان، في المنزل أو خارجه، نائماً أو مستيقظاً: "والله إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي".
وإن الله سبحانه وتعالى ليأجر المسلم حتى على اللقمة يضعها في فم امرأته، كما في حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: ((وإنك لن تنفق نفقة إلا أجرت عليها حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك...)) . [صحيح البخاري، برقم (6352) ومسلم، برقم (1628)].
وقال النووي رحمه الله: "وفيه أن المباح إذا قصد به وجه الله سبحانه وتعالى، صار طاعة ويثاب عليه، وقد نبه على هذا بقوله : حتى اللقمة تجعلها فِي في امرأتك، لأن زوجة الإنسان هي من أخص حظوظه الدنيوية وشهواته وملاذه المباحة". [شرح النووي على مسلم(11/77)].
و قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "قال بن دقيق العيد: فيه أن الثواب في الإنفاق مشروط بصحة النية وابتغاء وجه الله، وهذا عسر إذا عارضه مقتضى الشهوة، فإن ذلك لا يحصل الغرض من الثواب حتى يبتغي به وجه الله وسبق تخليص هذا المقصود مما يشوبه". [فتح الباري (5/367) ].
بل يؤجر الرجل على إتيان امرأته ليحصنها ويحصن نفسه، ويطلب بذلك الولد صدقة يثاب عليها..
كما في حديث أبي ذر رضي الله عنه، أن ناساً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم.
قال: ((أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدقون؟ إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهى عن منكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة)).
قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: ((أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر)) . [صحيح مسلم، برقم 1006) ].
قال النووي رحمه الله: "قوله صلى الله عليه وسلم ((وفي بضع أحدكم صدقة)) .... وفي هذا دليل على أن المباحات تصير طاعات بالنيات الصادقات، فالجماع يكون عبادة إذا نوى به قضاء حق الزوجة ومعاشرتها بالمعروف الذي أمر الله سبحانه وتعالى به، أو طلب ولد صالح أو إعفاف نفسه أو إعفاف الزوجة، ومنعهما جميعا من النظر إلى حرام أو الفكر فيه أو الهم به، أو غير ذلك من المقاصد الصالحة ". [شرح النووي على مسلم (7/92)].
ولا شك أن ولي أمر المسلمين أولى بنيل ثواب الله على عمله الإداري الذي يقضي به حوائج رعيته، ممن يأتي امرأته لأن هذا مدفوع بدافع قوي وهو حظ نفسه وقضاء شهوته، بخلاف الأول الذي يدعوه حظه إلى الراحة وقلة الاهتمام يشئون الأمة، إن لم يكن حريصا على رضا ربه بعمله.
المبحث الثاني: التواضع
إن تواضع المسلم وخفض جناحه لأخيه المسلم من الصفات التي وصف الله بها عباده المؤمنين عموماً.
كما قال سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}. [المائدة: 54].
قرن الله تواضع المؤمنين بعضهم لبعض بمحبتهم لله وجهادهم في سبيله وعدم خوفهم من لامهم في ذلك..
فالتواضع من الصفات العالية التي لا يليق بالمسلم أن يفرط فيها.
ولقد جعل الله سبحانه وتعالى صفة التواضع هذه أول صفات عباده المؤمنين في موضع آخر.. كما قال: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً}. [الفرقان: 63].
والذي يخفض جناحه للمؤمنين هو في حقيقة الأمر متواضع لله الذي جعله من عباده المؤمنين وربط بينهم بأخوة الإيمان ولا يتواضع إلا رفيع النفس عزيزها..
ولهذا روى أبو هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً، وما تواضع أحد لله إلا رفعه)) . [مسلم (4/2001)].
إذا علم هذا فإن تواضع ولاة أمر المؤمنين للمؤمنين من أهم صفاتهم التي تؤهلهم لقيادتهم والسير بهم نحو ما يرضي الله سبحانه وتعالى..
ولهذا، أمر الله به رسوله صلى الله عليه وسلم، فقال سبحانه وتعالى له: {لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ * وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ}. [الحجر: 88-89].
وقال سبحانه وتعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}. [الشعراء: 214-215].
تأمل قوله سبحانه وتعالى: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} إن المأمور بخفض الجناح هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل من ولي أمور المؤمنين داخل في هذا الأمر..
والذين أمر بخفض الجناح لهم، هم الأتباع، أي هم رعية ولي الأمر من المؤمنين ويتأكد هذا الأمر لسببين:
السبب الأول: أن ولي الأمر الذي أصبح مسؤولاً عن الأمة، قد تأخذه العزة بالإثم – حاشا رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيتعالى على الناس، بخلاف من ليس له ولاية فإنه لا يوجد لتعاليه على الناس الداعي الموجود عند ولي الأمر.
السبب الثاني: أن تواضع ولي الأمر لرعيته، مجلب لمحبتهم له والتفافهم حوله وطاعتهم إياه، وإذا حصل ذلك عم الود والاطمئنان واستتب الأمن في البلاد.
أما إذا تكبر عليهم، فإنه بذلك يستجلب كراهتهم له، بل واحتقارهم إياه ونفورهم منه، وعدم تنفيذ أوامره إلا مكرهين..
وفي هذا ما فيه من التباغض والشقاق والتربص وعدم الاستقرار والأمن بين ولي الأمر ورعيته. ولقد طبق رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الصفة - صفة التواضع - مع أصحابه في مجالات شتى قولاً وعملاً.
وليس هذا البحث قابلاً لاستقصاء أبواب تواضعه مع الأسرة في البيت، ومع صغار السن في البيت والمسجد والطريق، ومع المرضى والفقراء واليتامى والأرامل والضيف والسائل عن الدين أو طالب النوال أو غير ذلك.
لهذا نكتفي بالإشارة إلى بعض الأمثلة.
فمن تواضعه صلى الله عليه وسلم أنه كان يكره الإطراء في الألقاب، ويعتبر تجاوز ما لقبه الله به إطراء لا يليق بالناس أن يتعاطوه.
كما روى مطرف بن عبد الله ابن الشخير - رضي الله عنهم - قال: قال أبي: انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلنا: أنت سيدنا فقال: ((السيد الله)) قلنا: وأفضلنا فضلاً وأعظمنا طولاً، فقال: ((قولوا بقولكم أو بعض قولكم ولا يستجرينكم الشيطان)). [أبو داود (5/154-155) وقال عبد القادر الأرناؤوط في تخريج أحاديث فتح المجيد، شرح كتاب التوحيد: "رواه أبو داود، وإسناده صحيح، ورواه أيضاً أحمد في المسند (4/25)"].
وروى ابن عباس أن عمر رضي الله عنهم يقول على المنبر: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبده فقولوا: عبد الله ورسوله)) . [البخاري (4/142)].
وفي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: أن رجلاً قال: يا محمد يا سيدنا وابن سيدنا، وخيرنا وابن خيرنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((يا أيها الناس عليكم بتقواكم ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد ابن عبد الله، عبد الله ورسوله، والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل)) . [أحمد (3/153،241) وقال الأرناؤوط في تخريج أحاديث فتح المجيد شرح كتاب التوحيد، وهو حديث صحيح].
لقد شدد الرسول صلى الله عليه وسلم على مخاطبيه أن يقتصروا في ندائه على وصفه الذي وصفه الله به، وهو عبد الله ورسوله، ونهى عن الإطراء فيه مع أنه قد وصف نفسه أنه سيد ولد آدم وإمام النبيين يوم القيامة...
ففي حديث أبي هريرة قالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من ينشق عنه القبر وأول شافع وأول مشفع)) . [صحيح مسلم (2278) ].
وعن أبي بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((مثلي في النبيين كمثل رجل بنى داراً فأحسنها وأكملها وجملها وترك منها موضع لبنة فجعل الناس يطوفون بالبناء ويعجبون منه ويقولون لو تم موضع تلك اللبنة وأنا في النبيين بموضع تلك اللبنة)) وبهذا الإسناد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا كان يوم القيامة كنت إمام النبيين وخطيبهم وصاحب شفاعتهم غير فخر)) . [سنن الترمذي، برقم (3613) وقال: "هذا حديث حسن" والحاكم في المستدرك، برقم (241) وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.." ].
إن الذي شرفه الله بأن يكون عبداً له، وأنزله منزلة هي اللائقة به عنده سبحانه وتعالى، يجب أن يعلم أنه ليس هناك وظيفة أشرف له من تلك الوظيفة، وهي العبودية لله، ولا أعلى من تلك المنزلة التي أنزله الله إياها..
فإذا ما وَليَ أمراً من أمور المسلمين، فليلقب بلقب تلك الولاية ولا ينبغي أن يرضى بالغلو والإطراء بألقاب يعلم أنها ليست له..
فقد شرف الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بصفتين:
الصفة الأولى يشترك فيها مع سائر البشر، وإن كان هو أعلاهم منزلة فيها، وهي العبودية..
والصفة الثانية الرسالة، وهي التي يختص بها هو ومن أكرمه الله بها من رسله، وإن كان هو صلى الله عليه وسلم أرفعهم منزلة فيها..
وبهاتين الصفتين أَمَر الناسَ أن يلقبوه بها ويدعوه ولا يزيدوا.
وينبغي لأولياء أمور المسلمين أن يقتدوا برسولهم صلى الله عليه وسلم، فيأمروا الناس أن يدعوهم بوظائفهم التي لا غلو فيها.. {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً}. [الأحزاب: 21].
ومعلوم أنه لا يرضي بالإطراء إلا من شعر بفقد المعاني التي يستحق بها التكريم، فيلجأ إلى تكميل نفسه بالألقاب التي يعلم أنها لا تمنحه الكمال، لأن العبرة بالمعنى وليس بمجرد اللفظ، ولو كانت الألفاظ وحدها كافية للتكريم لكان كل الناس مكرمين، إذ لا يعوز أحداً أن يطلق على نفسه لفظاً يكرم به ولكن {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}. [الحجرات: 13].
ومن تواضعه صلى الله عليه وسلم دخوله المنازل المتواضعة التي يأنف عن دخولها كثير من الناس الذين ابتعدوا عن الاقتداء به، وهو يدخلها تفقداً لمن فيها من أقاربه أو غيرهم..
كما روى أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "ما رأيت أحداً كان أرحم بالعيال من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كان إبراهيم مسترضعاً في عوالي المدينة، فكان ينطلق ونحن معه فيدخل البيت وإنه ليدخن وكان ظئره قيناً، فيأخذه فيقبله ثم يرجع"... [مسلم، برقم (2316)].
ومن تواضعه صلى الله عليه وسلم ملاطفته الصغار في الطريق..
كما روى جابر ابن سمره رضي الله عنه وكان من صغار الصحابة - قال: "صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة الأولى، ثم خرج إلى أهله وخرجت معه فاستقبله ولدان، فجعل يمسح خَدَّي أحدهم واحداً واحداً، قال: وأما أنا فمسح خدي، قال: فوجدت ليده برداً أو ريحاً، كأنما أخرجها من جؤنة عطار". [مسلم (4/1814) وجؤنة العطار "سلته الصغيرة التي يحفظ فيها عطره"].
ومن تواضعه أنه كان يزور المرضي من أصحابه ويتفقدهم ويواسيهم.
كما روى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني عام حجة الوداع من وجع اشتد بي". [البخاري (2/82) ومسلم (2/1250)].
وكان عنده صلى الله عليه وسلم غلام يهودي يخدمه فمرض فأتاه يعوده فقعد عند رأسه فقال له: ((أسلم)) فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال له: أطع أبا القاسم صلى الله عليه وسلم فأسلم، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: ((الحمد لله الذي أنقذه من النار)) . [البخاري (2/97)].
ومن تواضعه صلى الله عليه وسلم أنه كان يتبع جنائز أصحابه ويقعد عند القبر ويقعدون حوله ويذكرهم بالله.
كما روى علي رضي الله عنه قال: "كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا النبي صلى الله عليه وسلم فقعد وقعدنا حوله.." الحديث. [البخاري (2/99)].
ومن أبلغ ما ذكر في تواضعه ما رواه أنس رضي الله عنه: أن امرأة كان في عقلها شيء فقالت: يا رسول الله إن لي إليك حاجة فقال: ((يا أم فلان انظري أي السكك شئت حتى أقضي لك حاجتك)) فخلا معها في بعض الطرق حتى فرغت من حاجتها". [مسلم (4/1812-1813) قال النووي رحمه الله أي وقف معها في طريق مسلوك ليقضي حاجتها ويفتيها في الخلوة، ولم يكن ذلك من الخلوة بالأجنبية، فإن هذا كان في ممر الناس ومشاهدتهم إياه وإياها، لكن لا يسمعون كلامها، لأن مسألتها مما لا يظهره.. والله أعلم].
ويشبه ذلك ما رواه أنس – أيضاً - قال: "كانت الأمة من إماء أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنطلق به حيث شاءت". [البخاري (7/90)].
ومن تواضعه صلى الله عليه وسلم لرعيته إصغاؤه لمن يحدثه في أذنه سراً وبقاؤه معه حتى يفرغ محدثه من حديثه، وإبقاء يده في يد من أخذ بيده صلى الله عليه وسلم حتى يكون آخذ يده هو الذي يدعها.
كما روى أنس رضي الله عنه قال: "ما رأيت رجلاً التقم أذن النبي صلى الله عليه وسلم فينحي رأسه، وما رأيت رجلاً أخذ بيده فترك يده، حتى يكون الرجل هو الذي يدع يده".
وفي رواية: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا استقبله الرجل - فصافحه لا ينزع يده من يده حتى يكون الرجل ينزع يده، ولا يصرف وجهه عن وجهه حتى يكون الرجل هو يصرفه، ولم ير مقدماً ركبتيه بين يدي جليس له". [أبو داود (5/146-147) والترمذي (4/654-655) وقال هذا حديث غريب، وقال الأرناؤوط في تعليقه على الحديث في جامع الأصول (11/250) وهو حديث حسن].
ولعل فيما تقدم كفاية لبيان تواضع الرسول صلى الله عليه وسلم مع أصحابه، وفيه صلى الله عليه وسلم القدوة الحسنة لولاة الأمر بعده..
[s3]
تواضع أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم اقتداءً به..
وقد تبعه خلفاؤه الراشدون وبقية الصحابة رضي الله عنهم على ذلك، فتواضعوا مع رعاياهم اقتداء به، وقد رفعهم الله سبحانه وتعالى بذلك وخلد ذكرهم وأعزهم وأنزل المحبة لهم في قلوب الناس في حياتهم وبعد مماتهم.
ولنذكر بعض الأمثلة لتواضع بعض خلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم..
فمن تواضع أبو بكر رضي الله عنه ما ذكرته عنه ابنته عائشة رضي الله سبحانه وتعالى عنها وعن أبيها.. قالت: "كان منزل أبي بالسنح عند زوجته حبيبة بنت خارجة، فأقام هنالك ستة أشهر، بعد ما بويع له وكان يغدو على رجليه إلى المدينة، وربما يركب فرسه فيصلي بالناس، فإذا صلى العشاء رجع إلى السنح. [السُّنْح، بضم السين وسكون النون: موضع بعوالي المدينة، فيه منازل بني الحارث، وهو على ميل من المسجد النبوي، وقد بلغ أبا بكر وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمنزله فيه، انظر كتاب وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى لنور الدين علي بن أحمد السمهودي (4/1237) ].
وكان إذا غاب صلى بالناس عمر، وكان يغدو كل يوم إلى السوق فيبيع ويبتاع وكانت له قطعة غنم تروح عليه، وربما خرج هو بنفسه فيها، وربما رعيت له وكان يحلب للحي أغنامهم.
فلما بويع بالخلافة قالت جارية منهم: الآن لا يحلب لنا منائح دارنا فسمعها فقال: "بلى لعمري لأحلبنها لكم، وإني لأرجو أن لا يغير بي ما دخلت" فيه فكان يحلب لهم. [انظر تاريخ الأمم والملوك للطبري (3/432) والكامل لابن الأثير (2/424)].
أبو بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم يغدو إلى المدينة ليحل مشكلات رعيته بهم على رجليه.
أبو بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم يذهب إلى السوق، ليبيع ويبتاع مثل أفراد رعيته ليكسب لقمة عيشه.
أبو بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم يرعى غنمه بنفسه.
أبو بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم يحلب منائح رعيته بعد أن كان خليفة لهم. ويقول: "وإني لأرجو أن لا يغير بي ما دخلت فيه"..أي أنه يرجو من ربه أن يوفقه للتواضع مع رعيته وهو خليفتهم كما كان متواضعاً معهم وهو مثل فرد من أفرادهم.
هذه هي الأصالة أن لا يغير سلوكَ المسلم الحسنَ منصبُه وجاهه!
وكان السبَّاقَ إلى الخير من رعية أبي بكر وزيرُه عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه، ولكن أبا بكر كان يسبقه في أعمال الخير الاجتماعية..
فقد كان – عمر - يتعهد عجوزاً كبيرة عمياء في بعض حواشي المدينة من الليل، فيسقي لها ويقوم بأمرها، فكان إذا جاءها وجد غيره قد سبقه إليها فأصلح ما أرادت..
فجاءها غير مرة كي لا يُسبق إليها، فرصده عمرُ فإذا هو بأبي بكر الذي يأتيها - وهو يومئذ خليفة - فقال عمر: أنت هو لعمري". [تاريخ الخلفاء للسيوطي صفحة 80].
خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم: يتعهد امرأة عجوزاً عمياء كبيرة السن، ويسبق غيره من رعيته إلى خدمتها.
إنه تواضع من يشعر بالمسؤولية أمام الله سبحانه وتعالى.
ومن تواضع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما ذكره عنه أسلم – مولاه - قال:
"وخرج عمر إلى حرة واقم وأنا معه، حتى إذا كنا بصرار إذا نار تسعر فقال: انطلق بنا إليهم، فهرولنا حتى دنونا منهم. فإذا بامرأة معها صبيان لها وقدر منصوبة على نار وصبيانها يتضاغون..
فقال عمر: السلام عليكم يا أصحاب الضوء، وكره أن يقول يا أصحاب النار..
قالت: وعليك السلام..
قال: أدنو؟ قالت: أدن بخير أو دع..
فدنا فقال: ما بالكم؟ قالت: قصر بنا الليل والبرد.
قال: فما بال هؤلاء الصبية يتضاغون؟ قالت: من الجوع..
قال: وأي شيء في هذه القدر؟ قالت: ما لي ما أسكتهم حتى يناموا، فأنا أعللهم وأوهمهم أني أصلح لهم شيئاً حتى يناموا، الله بيننا وبين عمر..
قال: أي رحمك الله ما يدرى بكم عمر.. قالت: يتولى أمرنا ويغفل عنا..!
فأقبل عليَّ وقال: انطلق بنا، فخرجنا نهرول حتى أتينا دار الدقيق فأخرج عدلاً فيه كبة شحم.. فقال: احمله على ظهري قال أسلم: فقلت: أنا أحمله عنك مرتين أو ثلاثاً، فقال أخر ذلك: أنت تحمل عني وزري يوم القيامة لا أم لك..!
فحملته عليه فانطلق وانطلقت معه حتى انتهينا إليها، فألقى ذلك عندها، وأخرج من الدقيق شيئاً فجعل يقول لها: ذري علي وأنا أحرك لك..
وجعل ينفخ تحت القدر وكان ذا لحية عظيمة، فجعلت انظر إلى الدخان من خلال لحيته حتى أنضج ثم أنزل القدر فأتته بصحفة فأفرغها فيها ثم قال: أطعميهم وأنا أسطح لك فلم يزل حتى شبعوا، ثم خلا عندها فضلُ ذلك، وقام وقمت معه.
فجعلت تقول: جزاك الله خيراً أنت أولى بهذا الأمر من أمير المؤمنين..
فيقول: قولي خيراً فإنك إذا جئت أمير المؤمنين وجدتني هناك إن شاء الله.
ثم تنحى ناحية ثم استقبلها وربض مربض السبع، لا يكلمني حتى رأى الصبية يضحكون ويصطرعون ثم ناموا وهدأوا فقام وهو يحمد الله.. فقال: يا أسلم الجوع أسهرهم وأبكاهم فأحببت أن لا أنصرف حتى أرى ما رأيت منهم". [انظر تاريخ الأمم والملوك (4/205-206) والكامل في التاريخ (3/57-58)].
إن تفقد ولي أمر المسلمين رعيته أمر طبيعي، وقد يكون فرضا عليه وإن قضاءه حاجاتهم أمر طبيعي، وهو من وظائفه التي كلفه الله إياها..
لكن ذلك التفقد المقترن بالتواضع الذي جعل خليفة المسلمين عمر بن الخطاب يباشر الأعمال التي يمكنه أن يكلف غيره القيام بها، هو الذي يبرز رفعة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
يحمل الدقيق ولا يرضى أن يحمله عنه مولاه.
ويطبخ للمرأة وينفخ النار تحت القدر حتى يتخلل الدخان لحيته العظيمة، وكان يكفي أن يوصل إليها الدقيق الذي حمله.
يفرغ الطعام لها من القدر في الصفحة ويطلب منها أن تطعم صبيانها وهو يسطح لها الطعام في الصفحة، ليكون ذلك أسرع لبرودة الطعام وتغذية الأطفال.
ثم يسمع منها الطعن في أمير المؤمنين، ولا يزيد أن يأمرها بأن تقول خيراً ويشير لها من بُعد أنه هو حتى لا تفهم ذلك خشية من إبطال عمله.
ولابد هنا من الإشارة إلى أمر مهم جداً أشارت إليه تلك المرأة، وهي من أفراد رعية عمر رضي الله عنه، وهو إنه لا يستحق أن يلي أمور المسلمين من غفل عن قضاء حاجاتهم، وإنما يصلح لذلك من اهتم برعيته وتفقد أحوالهم وتواضع معهم..
فقد قالت المرأة في أول لقاء عمر بها: " الله بيننا وبين عمر " فلما سألها ومن يدري عمر بها وبأولادها؟ قالت: "يتولى أمرنا ويغفل عنا"..
ثم قالت بعد أن قضى حاجتها: " أنت أولى بهذا الأمر من أمير المؤمنين"..
أي بسبب تفقدك أحوال الناس وقضاء حاجاتهم وتواضعك معهم، فأقرها عمر على ذلك.
فإذا أراد ولاة أمور المسلمين، أن ينالوا محبة رعاياهم وثناءهم عليهم والتفافهم حولهم، فليتواضعوا معهم وليتفقدوا أحوالهم، وليقضوا حاجاتهم، كما كان يفعل خلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم...
ولا يشترط في ذلك التواضع وذلك التفقد، أن يباشروه بأنفسهم كما كان يفعل أبو بكر وعمر، لأنهم قد لا يستطيعون ذلك، بسبب اتساع البلدان وكثرة الأعمال... بل يكفي أن يشرفوا على ذلك ويكلفوا ذلك وزراءهم فمن دونهم.
وكم في البلدان الإسلامية من فقراء وأيتام وأرامل ومرضى ومعوقين، وذوي حاجات، لا يجدون من يهتم بهم ممن تولوا أمرهم من قمتهم إلى قاعدتهم؟ فلا تواضع ولا تفقد ولا سؤال ولا قضاء حاجات!
[s3]
ولا بد في ختام هذا المبحث من التنبيه إلى أمر عظيم وهو:
أن التواضع الحق هو التواضع النابع من الإخلاص لله سبحانه وتعالى، فيتواضع ولي الأمر لرعيته، وهو يقصد بتواضعه وجه الله ورضاه..
كما قال صلى الله عليه وسلم: ((وما تواضع أحد لله إلا رفعه))..
وهو شبيه بمن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فإنه هو الذي يكون قتاله في سبيل الله.
وليس هو التواضع المصطنع المزيف الذي يدعيه صاحبه قولاً ويفقده فعلاً، فيرى فيه رعيته الكبر في تصرفاته فإن ذلك ينطبق عليه قول الباري عز وجل: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ}. [الصف: 2-3].
ويترتب على التواضع الصادق محبة الرعية ولي أمرها وقربها منه وطاعتها له وسرورها بلقائه وشرفه ورفعته عندها، تواضع معها لله فرفعه الله عندها..
بخلاف المتكبر فإنه يجلب بكبره بغض رعيته له وبعدهم عنه واحتقارهم إياه، عكس ما قصد جزاء وفاقاً.
قال ابن تيمية رحمه الله- وهو يعدد أقسام الرؤساء والملوك بالنسبة للتواضع والكبر-:
"القسم الأول: يريدون العلو على الناس والفساد في الأرض، وهو معصية الله، وهؤلاء الملوك والرؤساء المفسدون، كفرعون وحزبه، وهؤلاء هم شر الخلق..
قال سبحانه وتعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ}. [القصص: 4].
وروى مسلم في صحيحه عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر، ولا يدخل النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان)) . [مسلم (1/93)].
إلى أن قال: "وأما القسم الرابع فهم أهل الجنة الذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً، مع أنهم قد يكونون أعلى من غيرهم..
كما قال سبحانه وتعالى: {وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}. [آل عمران: 139].
ثم قال: "فكم ممن يريد العلو ولا يزيده ذلك إلا سفولاً، وكم ممن جعل من الأعلين، وهو لا يريد العلو والفساد". [الفتاوى (28/392-393)].
وإن التواضع الصادق لدليل على قوة صاحبه،كما أن الكبر والعلو يدلان على ضعف صاحبهما، وإنما يتصف بهما لشعوره بالنقص. [راجع القيادة الإدارية الحديثة صفحة 27 أحمد الشنتاوي، وراجع كتاب بدائع السلك في طبائع الملك (1/512) وما بعدها..].
المبحث الثالث: الحلم والصبر..
عُرِّف الحلم بأنه: "ضبط النفس والطبع عن هيجان الغضب". [المفردات للراغب صفحة 128 الطبعة الباكستانية].
وعُرِّف الصبر بأنه: "حبس النفس على ما يقتضيه العقل والشرع أو عما يقتضيان حبسها عنه". [نفس المرجع السابق صفحة 274].
إن صفة الحلم من الصفات التي امتدح الله سبحانه وتعالى بها نفسه في القرآن الكريم فسمى نفسه "الحليم".. وصفات الباري سبحانه وتعالى لائقة به ليس بينها وبين صفات المخلوقين أي مشابهة، وإن أطلق اللفظ وصفاً لبعض المخلوقين فإنه لائق بالمخلوق..
والفرق بين صفة الخالق وصفة المخلوق كالفرق بين الخالق والمخلوق..
{فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجاً يَذْرَأُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}. [الشورى: 11].
ولكن الله الخالق هو الذي منح المخلوق الصفات المحمودة كما منحه الوجود في هذه الحياة. ومن الصفات المحمودة المطلوبة في الإنسان صفة الحلم الملازمة للصبر، وهما صفتان يكتسب بهما المرء قوة التحمل وسعة الصدر، وهما محمودان سواء وجدا في مؤن أو كافر.. ولكن المؤمن أولى بهما من غيره، بل لا يوجدان على التمام الذي يثنى به إلا في المؤمن.
وإن ولي أمر المسلمين أحوج إلى التحلي بصفة الحلم والصبر من غيره لأمور:
الأمر الأول: مسؤوليته عن الناس الذين ولاه الله أمرهم، وهم ليسوا سواء في الصلاح والتقوى والصبر والتحمل وحسن الخلق والاستجابة السريعة لطاعة الله ورسوله وأولي الأمر فيهم، بل منهم من هو كذلك، ومنهم من هو دون ذلك، وقيادتهم إلى الخير تحتاج إلى سعة صدر وحلم وصبر من ولي الأمر، ليتمكن من قيادتهم بالحكمة والصبر، وليس بكاف أن يستعمل قوته ويعسفهم على الحق عسفاً في كل الأحوال..
فقد تنفع الشدة أحياناً وقد ينفع الصبر والحلم أحياناً أخرى، ولو لم يكن ولي الأمر حليماً لأذاق الناس سوء العذاب في أغلب أوقاته.
الأمر الثاني: تمكن ولي الأمر من استعمال القوة في أغلب الأحيان، فلو لم يكن حليماً لأزهق أرواح الناس في أوقات غضبه في أمور قد يندم على تعاطيها إذا زال غضبه..
ويتكرر ذلك منه فيحصل بينه وبين رعيته الحقد والشقاق والكراهية، وتلك مؤدية إلى التنازع والفشل وعدم الاستقرار..
بخلاف الحليم الصبور فإنه قد يسيء إليه بعض رعيته فيكظم غيظه ويصبر ويحلم، فيكون ذلك سبباً لتأليف قلوبهم..
لأن الرعية إذا رأت ولي أمرها يحلم عليها وهو قادر أن ينتقم منها، بسبب وجود القوة بيده، فاءت إلى رشدها وعلمت أنها أساءت إلى من أحسن إليها فيكون ذلك سبباً في إقلاعها عن الإساءة إليه، وفي زيادة محبته وإزالة كراهته من قلوبها.
وسنذكر بعض النصوص الواردة في الحلم مدحاً له ولأهله أو اتصافاً به.
فقد مدح الله سبحانه وتعالى نبيه ورسوله وخليله إبراهيم عليه السلام بالحلم.. فقال سبحانه وتعالى : {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأبِيهِ إِلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ}. [التوبة: 114].
وقال: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ}. [هود: 75].
ولما طلب إبراهيم من ربه أن يرزقه ولداً صالحاً، بشره الله باستجابته له ورَزَقه ولداً وصفه بالحلم، وفيه إشارة إلى أن من أهم صفات الصالحين الحلم..
وظهر ذلك الحلم في ذلك الولد الصالح عندما أخبره أبوه أنه أمر بذبحه، فقد سلم نفسه لمولاه وذكر لأبيه أنه سيكون من الصابرين، واتضح بذلك ملازمة الصبر للحلم..
قال سبحانه وتعالى: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ}. [الصافات: 100-102].
وقد أثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم على من اتصف بالحلم..
كما روى ابن عباس وأبو سعيد الخدري رضي الله عنهم: أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لأشج عبد القيس: ((إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة)) . [مسلم (1/48)].
وكان هو صلى الله عليه وسلم قدوة للأمة في هذه الصفة - كغيرها من الصفات الحميدة - وبخاصة ولاة أمور الأمة الذين هم أحوج إليها من غيرهم..
وإذا كان الله عز وجل لم يصف رسوله بالحلم في القرآن الكريم،كما وصف أباه إبراهيم وابنه الذبيح إسماعيل عليهما السلام، فقد وصفه الله سبحانه وتعالى بأوصاف كثيرة تؤدي معنى الحلم وغيره..
مثل قوله سبحانه وتعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ}. [التوبة: 128]. وغيرها من الآيات.
وأَمْرٌ آخر وهو أن كل صفة من صفات الخير اتصف بها الأنبياء والرسل قبله، فله منها النصيب الوافر، لأن الله سبحانه وتعالى قد أمره أن يقتدي بهدي من سبقه من الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام..
كما قال سبحانه وتعالى بعد ذكره طائفة من رسله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ}. [الأنعام: 90].
وإذا كان صلى الله عليه وسلم قد أثنى على صفة الحلم التي اتصف بها غيره وبين أن الله يحبها وهو صلى الله عليه وسلم يحبها، فإنه صلى الله عليه وسلم أولى من يتصف بها. ويؤكد ذلك كله ويوضحه أنه صلى الله عليه وسلم كان خلقه القرآن.. كما ذكرت ذلك عائشة رضي الله عنهـا عندما سئلت عن خلقه. [مسلم (1/513)].
وإذا كان الحلم من الصفات التي مدحها الله وأثنى عليها.. والرسول صلى الله عليه وسلم كان خلقه القرآن فإن اتصافه بتلك الصفة أمر مقطوع به. وليس أدل على ذلك من سيرته صلى الله عليه وسلم مع أصحابه - أهل بيته وغيرهم - في مجالات مختلفة.
[s3]
ذكر بعض الأمثلة الدالة على حلمه صلى الله عليه وسلم:
المثال الأول: ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: "كنت أمشى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة، حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذته.. ثم قال: يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ضحك، ثم أمر له بعطاء". [البخاري (7/40].
المثال الثاني: ما رواه أنس ـ أيـضاً ـ رضي الله عنه: "أن يهودية أتت النبي صلى الله عليه وسلم بشاة مسمومة، فأكل منها، فجيء بها، فقيل: ألا نقتلها؟ قال: ((لا)) فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله صلى الله عليه وسلم"... [البخاري (3/141) ومسلم (4/1721)].
المثال الثالث: ما رواه جابر بن عبد الله رضي الله عنهـما: "أنه غزا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فأدركتهم القائلة في واد كثير العضاه - يستظلون بالشجر، فنزل النبي صلى الله عليه وسلم تحت شجرة فعلق بها سيفه، ثم نام..
فاستيقظ وعنده رجل وهو لا يشعر به فقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((إن هذا اخترط سيفي، فقال: من يمنعك؟ قلت: الله، فشام السيف، فها هو ذا جالس)) ثم لم يعاقبه. [البخاري (3/229-230) ومسلم (4/178)].
المثال الرابع: ما رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال: "بينا النبي صلى الله عليه وسلم يقسم جاء عبد الله بن ذى الخويصرة التميمي فقال: اعدل يا رسول الله"..
فقال: ((ويلك من يعدل إذا لم أعدل؟))..
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: دعني أضرب عنقه.
قال: ((دعه فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاته وصيامه مع صيامه، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر في قذذه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر في نصله فلا يوجد فيه شيء. ثم ينظر في رصافه فلا يوجد فيه شىء، ثم ينظر في نضيه فلا يوجد فيه شيء، قد سبق الفرث والدم)) . [البخاري (8/52-53)].
المثال الخامس: ما وقع من المنافقين من أذى لله ولرسوله وللمؤمنين:
وبخاصة رأس النفاق عبد الله بن أبي الذي آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أهله، وسبه وحرض على إخراجه من المدينة هو وأصحابه، وخذله في جهاد أعدائه، ثم لما توفى هذا المنافق، طلب ابنه عبد الله من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطه قميصه ليكفن فيه، فأعطاه وطلب منه أن يصلي عليه فصلى عليه، حتى نزلت الآية الكريمة..
{وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ}. [الآية من سورة التوبة: 84 وراجع في هذه القضايا المتعلقة بالمنافقين صحيح مسلم (4/2129- 2142)].
والأمثلة في هذا الباب يصعب حصرها في مثل هذا البحث، ويكفي ما ذكر، ولا بأس من الإشارة بإيجاز إلى ما تضمنته هذه الأحاديث من حلمه العظيم صلى الله عليه وسلم.
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إماماً للناس بالرسالة والوحي وهما أعلى ما يمكن تصوره من المؤهلات لإمامة الأمة..
إنه لا يدانيه في ذلك خليفة أو أمير أو ملك مهما أوتي من الصلاح والتقوى والخير، ومع ذلك يأتي جلف من أجلاف رعيته فيجره جراً شديد بردائه حتى يؤثر في صفحة عنقه، ويطلب منه عطاء..
فلم يزد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبتسم ويأمر له بعطاء..
هل يوجد حلم في أحد من البشر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم كحلمه؟
إحدى نساء أعدائه – يهودية – تضع له السم في شاة ثم تهديها له فيأكل وتؤثر فيه، فيستأذن جنده من صحبه أن يقتلوها فلا يأذن لهم في ذلك.
هل يوجد حلم كهذا الحلم العظيم؟!
عدو من أعدائه يغتنم غفلته بالنوم ويأخذ سلاحه ويهم بقتله ويقول له: من يمنعك مني، فيقول: الله ثم لم يعاقبه..
هل يوجد من يحلم هذا الحلم؟!
رجل يتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في عدالته ويطلب منه أحد جنوده أن يقتله فيمنعه من قتله، وهو يعلم أنه أصل لطائفة ستظهر بفتنة المسلمين وإيذائهم.
المنافقون يؤذونه في أهله ويسبونه ويحرضون على إخراجه هو وأصحابه وعدم الإنفاق عليهم ويخذلونه وهو يواجه عدوه في المعركة، ثم لا يعاقبهم بشيء..
هل يوجد في أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحلم ما يداني حلمه؟!
[s3]
أثر حلمه صلى الله عليه وسلم في الناس..
ولقد كان لحلمه صلى الله عليه وسلم تأثيره الشديد في رجوع الشارد عن الله إلى الله، وإلى طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم..
ولذلك أمثلة كثيرة يذكر منها ما يأتي:
المثال الأول: ما رواه معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه قال:
بينما أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عطس رجل من القوم فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم فقلت: واثكل أماه ما شأنكم تنظرون إلي؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم.
فلما رأيتهم يصمتونني لكني سكتُّ، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبأبي هو وأمي ما رأيت مُعَلِّماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه، فوالله ما نهرني، ولا ضربني، ولا وبخني، قال: ((إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن)) . [مسلم (1/381-382)].
تأمل كيف يحدث الحلم بين ولي الأمر ورعيته الحب والود وهما من أهم الأسس التي تنبني عليها طاعة الرعية لولي أمرها.
المثال الثاني: ما رواه أنس رضي الله عنه، قال: بينما نحن في المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: مه.. مه.. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تزرموه دعوه))..
فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاه فقال له: ((إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله عز وجل والصلاة وقراءة القرآن)).
قال: فأمر رجلاً من القوم فجاء بدلو من ماء فشنه عليه". [مسلم (1/237)].
وهذا الأعرابي هو الذي قال: "اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً". [أبو داود (1/264-265)].
وذلك قبل أن يبول في المسجد لشدة محبته للرسول صلى الله عليه وسلم لحسن معاملته وحلمه.. فما بالك به بعد أن بال في المسجد وزجره الصحابة رضي الله عنهم، ونهاهم الرسول صلى الله عليه وسلم وتركه حتى بال وعلمه ذلك التعليم اللطيف؟!.
المثال الثالث: ما رواه أبو أمامة رضي الله عنه قال: "إن فتى شاباً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ائذن لي بالزنا، فأقبل القوم عليه فزجروه وقالوا: مه.. مه..
فقال صلى الله عليه وسلم: ((ادنُ)) فدنا منه قريباً..
قال: ((اجلس)) فجلس.
قال: ((أتحبه لأمك؟)) قال: لا والله جعلني الله فداءك..
قال: ((ولا الناس يحبونه لأمهاتهم))
قال: ((أفتحبه لابنتك؟)) قال: لا والله يا رسول الله جعلني الله فداءك..
قال: ((ولا الناس يحبونه لبناتهم))
قال: ((أفتحبه لأختك؟)) قال: لا والله، جعلني الله فداءك..
قال: ((ولا الناس يحبونه لأخواتهم))
قال: ((أفتحبه لعمتك؟)) قال: لا والله جعلني الله فداءك..
قال: ((ولا الناس يحبونه لعماتهم))
قال: ((أفتحبه لخالتك؟)) قال: لا والله جعلني الله فداءك..
قال: ((ولا الناس يحبونه لخالاتهم))..
قال: فوضع يده عليه.. وقال: ((اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصن فرجه)) فلم يكن بعد ذلك يلتفت إلى شيء". [أحمد (5/256-257) وراجع شيئاً من حلمه صلى الله عليه وسلم في كتاب زاد المعاد في هدي خير العباد (1/165) لابن القيم رحمه الله].
إن ولي الأمر الذي يريد من رعيته أن يطيعوه، لابد أن يكون حليماً معهم، تأمل موقف أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم من هذا الشاب: " فأقبل القوم عليه، فزجروه قالوا: مه مَه".
هل كان زجرهم له جديراً أن يؤثر في سلوكه ويقنعه بخطأ نفسه؟ إنه لم يتقدم بالاستئذان من الرسول صلى الله عليه وسلم إلا وهو يظن إمكان الإذن في ذلك، ومجرد الإنكار عليه غير كاف في تسليمه بخطأ نفسه..
لكن الرسول صلى الله عليه وسلم أمره بالدنو منه، مطمئناً له بأن ما حصل منه لا يحول بينه وبين القرب من الرسول صلى الله عليه وسلم والتحدث معه..
ثم حاوره ذلك الحوار الذي لم ينته منه إلا بعد أن أيقن الشاب بأنه كان مخطئاً في استئذانه، حيث استعمل معه الحجج العقلية والعاطفية في وقت واحد..
فأثر فيه ذلك التأثير الكبير: " فلم يكن بعد ذلك يلتفت إلى شيء"..
[s3]
اقتداء أصحاب الرسول به في حلمه..
ولقد اقتدى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم به في حلمه - كاقتدائهم به في غيره من سنن الهدى - وهم وإن لم يبلغوا مبلغه في حلمه خير من اقترب من تطبيق القدوة الحسنة به صلى الله عليه وسلم.
وقد يعاقب أحدهم من يرى أنه يستحق العقاب، ولكنه إذا ذكر بالله كظم غيظه وحلم كما حصل في قصة أبي بكر الصديق رضي الله عنه مع ابن خالته مسطح الذي شارك في حديث الإفك..
وكان أبو بكر ينفق عليه قبل ذلك، فحلف أن لا ينفق عليه..
فنزل قوله الله سبحانه وتعالى: {وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}. [النور: 22].
فقال أبو بكر رضي الله عنه: "والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: لا أنزعها منه أبداً". [والقصة بطولها في صحيح البخاري، برقم (3910) وصحيح مسلم، برقم (2770) ويراجع الجامع لأحكام القرآن (12/207)].
وقد يعزم أحدهم على عقاب المعتدي، فيذكر بالله وبما يحبه الله ورسوله وهو الحلم، بل بثمرة الحلم وهي العفو فيحلم ويعفو.
كما في قصة عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع عيينه بن حصن التي رواها ابن عباس رضي الله عنهـما قال: "قدم عيينه بن حصن ابن حذيفة بن بدر، فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس بن حصن، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر، وكان القراء أصحاب مجلس عمر ومشورته كهولاً كانوا أو شباناً..
فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي هل لك وجه عند هذا الأمير فتستأذن لي عليه؟ قال: سأستأذن لك عليه، قال ابن عباس: فاستأذن الحر لعيينة.
فلما دخل قال: هي يا ابن الخطاب، والله ما تعطينا الجزل، وما تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر حتى هم بأن يوقع به فقال الحر: يا أمير المؤمنين إن الله سبحانه وتعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}. [الأعراف: 199]. وإن هذا من الجاهلين، فوالله ما جاوزها عمر رضي الله عنه حين قرأها عليه، وكان وقافاً عند كتاب الله سبحانه وتعالى". [البخاري (8/141)].
يؤخذ من هذه القصة إضافة إلى ما مضى أن ولي أمر المسلمين الذي يحب أن يرضي ربه بتصرفاته مع رعيته، ينبغي أن تكون بطانته وأهل شوراه ممن فقههم الله في دينه ووفقهم لحفظ كتابه وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى يذكروه إذا نسى ويأمروه بالمعروف وينهوه عن المنكر.
فقصة عيينة مع عمر رضي الله عنه شبيهة بقصة جد الخوارج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم التي مضت في هذا المبحث..
وفيها قوله لرسول الله صلى الله عليه وسلم: اعدل.. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ويلك من يعدل إذا لم أعدل؟)) وطلب عمر نفسه من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يأذن له في قتله فمنعه.. [سبق في المثال الرابع من أمثلة حلمه صلى الله عليه وسلم].
ويتجلى حلم أبي بكر رضي الله عنه في قصة قتل خالد رضي الله عنه، مالك بن نويرة اليربوعي التميمي الذي تابع سجاح في أول الأمر ثم ندم، ولكنه لم يشترك مع أمراء بن تميم في استقبال خالد وبذْل الزكاة وإظهار السمع والطاعة..
فأسر هو وأصحابه، واختلفت السرية التي أسرته فقال بعضهم: إنه أذّن وصلى هو وأصحابه وقال بعضهم: لم يؤذن ولم يصل، وأمر خالد بقتله، واصطفى امرأته..
فبلغ ذلك أبا بكر، وعَلِم عنه عمرُ، فأخذ عمر يحرض أبا بكر على عزل خالد، ولكن أبا بكر لم يوافقه بل أبقاه ورأى أنه أخطأ عن اجتهاد، فكان حلم أبي بكر رضي الله عنه بارزاً في هذه القصة..
قال ابن كثير رحمه الله: "والمقصود أنه لم يزل عمر بن الخطاب رضي الله عنه يحرض الصديق ويذمره على عزل خالد عن الإمرة، ويقول: إن في سيفه لرهقاً، حتى بعث الصديق إلى خالد بن الوليد، فقدم عليه المدينة وقد لبس درعه التي من حديد، وقد صدىء من كثرة الدماء، وغرز في عمامته النشاب المضمخ بالدماء..
فلما دخل المسجد قام إليه عمر بن الخطاب، فانتزع الأسهم من عمامة خالد فحطمها، وقال: أرياء قتلت امرأ مسلماً ثم نزوت على امرأته؟ والله لأرجمنك بالجنادل، وخالد لا يكلمه، ولا يظن إلا أن رأى الصديق فيه كرأي عمر..
حتى دخل على أبي بكر فاعتذر إليه، فعذره وتجاوز عنه ما كان منه في ذلك، وودى مالك بن نويرة، فخرج من عنده وعمر جالس في المسجد، فقال خالد: هلم إلي يا ابن أم شملة، فلم يرد عليه وعرف أن الصديق قد رضي عنه..
واستمر أبو بكر بخالد على الإمرة، وإن كان قد اجتهد في قتل مالك بن نويرة وأخطأ في قتله.
كما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعثه إلى بني حذيمة، فقتل الأسارى الذين قالوا: صبأنا صبأنا، ولم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فوداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رد إليهم ميلغة الكلب.. ومع هذا لم يعزل خالداً عن الإمرة.
روى ابن عمر رضي الله عنهـما، قال: "بعث النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، فدعاهم إلى الإسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون صبأنا صَبأنا فجعل خالد يقتل منهم ويأسر، ودفع إلى كل رجل منا أسيره حتى إذا كان يوم أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره، فقلت والله لا أقتل أسيري ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره، حتى قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم فذكرناه، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه: ((فقال اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد مرتين)) . [صحيح البخاري، برقم (4084) والبداية والنهاية (6/321-323)].
ولابد هنا من الوقوف عند هذا النص لإبراز بعض فوائده الإدارية التي تكون محلاً للاجتهاد والأخذ والعطاء.
إن خالداً رضي الله عنه قتل مالك بن نويرة اجتهاداً منه مغلباً ظنه ببقائه على الكفر، وإلا فما كان ليجرؤ على قتل رجل مسلم، يستحل غنيمة أمواله وسبي أهله.
وإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه اشتد على خالد وألح على الصديق ليعزله تغليباً منه للاحتياط في قتل نفس محرمة بغير حق.
وإن أبا بكر رضي الله عنه لم يدع الأمر بدون تثبت وتحقيق، فاستدعى خالداً وسأله فاعتذر، فاتضح لأبي بكر أن الذي صدر من خالد كان عن اجتهاد وليس عن عمد، وغَلَّب حسن الظن في خالد رضي الله عنه..
ولذلك قال لعمر وهو يلح عليه في عزل خالد: "لا أشيم سيفاً سله الله على الكفار". [مصنف ابن أبي شيبة (33725) مصنف عبد الرزاق (9412) والبداية والنهاية، كما سبق].
وفي القصة حزم ولي الأمر ومضاؤه فيما يراه صواباً وإن خالفه بعض كبار وزرائه والحوا عليه في التنازل عن رأيه، لأن أبا بكر أبقى خالداً على الإمرة مع إصرار عمر رضي الله عنه على عزله.
وفيها أن وزراء ولي الأمر يسلمون له الأمر إذا أمضاه، وإن كان مخالفاً لرأيهم ما دام في حدود الاجتهاد، لأن عمر لم يجرؤ على مخالفة أبي بكر بعد أن عذر خالداً.
وفيها أن للمظلوم أن يجابه وزراء ولي الأمر ويرد عليهم، إذا عذره ولي الأمر. كما فعل خالد مع عمر بعد أن عذره أبو بكر.
وأما عثمان رضي الله عنه فإن حلمه يتجلى في قصته حصار الثائرين عليه، حيث أمر من كان عنده من المهاجرين والأنصار أن ينصرفوا إلى منازلهم ويدعوه وكانوا قادرين على منعه، وكان حلمه مبنياً على شوقه إلى لقاء ربه، وإرادته حقن دماء المسلمين ولو بقتله.
قال ابن كثير رحمه الله: "كان الحصار مستمراً من أواخر ذي القعدة إلى يوم الجمعة الثامن عشر من ذي الحجة، فلما كان قبل ذلك بيوم، قال عثمان للذين عنده في الدار من المهاجرين والأنصار، وكانوا قريباً من سبعمائة، فيهم عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير والحسن والحسين ومروان وأبو هريرة، وخلق من مواليه، ولو تركهم لمنعوه، فقال لهم: "أقسم على من لي عليه حق أن يكف يده وأن ينطلق إلى منزله".
وعنده من أعيان الصحابة وأبنائهم جمع غفير، وقال لرقيقه: من أغمد سيفه فهو حر، فبرد القتال من داخل وحمى من خارج واشتد الأمر.
وكان سبب ذلك أن عثمان رأى في المنام رؤيا دلت على اقتراب أجله، فاستسلم لأمر الله رجاء موعوده، وشوقاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وليكون خير ابني آدم، حيث قال حين أراد أخوه قتله: {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ}. [المائدة: 29 وانظر البداية والنهاية (7/181)].
قد يقال: كان الأولى أن يأمر عثمان من حوله بقتال المعتدين ردعاً لهم وقضاء على ظلمهم، ولكن عثمان رضي الله عنه صبر ما يقارب شهراً على الحصار ورفض أن يتنازل عن الخلافة عندما طلبوا منه ذلك.. وقال: لا أنزع قميصاً قمصني الله إياه وأترك أمة محمد يعدو بعضها على بعض". [راجع الكتاب المذكور (7/180)].
ولكنه خشي أن يكون سفك الدماء في الدفاع عنه أكثر فساداً من تركه، وكان الأمر كذلك.
وأما علي رضي الله عنه فمعروف بحلمه وصبره وعفوه، ويكفي أن يطلع من يريد الوقوف على ذلك على موقفه من الخوارج الذين تحزبوا ضده وخرجوا عليه وقتلوا النفوس واستحلوا المحرمات وكفروا أمة محمد صلى الله عليه وسلم وفيهم أصحابه..
ويكفي أن ينقل هذا النص القصير للدلالة على حلمه رضي الله عنه.
قال ابن كثير رحمه الله: "وتعرضوا لعلي في خطبه وأسمعوه السب والشتم والتعريض بآيات من القرآن، وذلك أن علياً قام خطيباً في بعض الجمع، فذكر أمر الخوارج فذمه وعابه، فقام جماعة منهم كل يقول: لا حكم إلا لله، وقام رجل منهم وهو واضع أصبعه في أذنيه يقول: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}. [الزمر: 65].
فجعل علي يقلب يديه هكذا وهكذا وهو على المنبر، ويقول: حكم الله ننتظر فيكم ثم قال: إن لكم علينا أن لا نمنعكم مساجدنا ما لم تخرجوا علينا، ولا نمنعكم نصيبكم من هذا الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تقاتلونا". [البداية والنهاية (7/284)].
يتضح من النصوص الماضية أن ولي الأمر معرض للطعن فيه من بعض رعيته بالحق وبالباطل، وأن الأصل فيه أن يكون حليماً لا يسرع إلى العقاب، بل يعفو ويصفح..
وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون، تعرضوا للطعن فيهم فصبروا وحلموا وأثمر صبرهم وحلمهم جمع الكلمة والتفاف أكثر الرعية حولهم، فإن من جاء بعدهم ينبغي أن يقتدوا بهم وأن لا تستثيرهم كلمة سوء تصدر من بعض رعاياهم فيسرعون إلى العقاب.. فإن ذلك مع كونه خلاف ما سار عليه السلف الصالح من ولاة الأمر، وعلى رأسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، يدل على ضيق صدورهم واهتمامهم بشخوصهم أكثر من اهتمامهم بالمصالح العامة التي تستدعي قلوباً واسعة وحلماً كثيراً.. وإلا فإنه يفقدون صفة من أهم صفات الكفاءة في الولايات الإسلامية، ويترتب على فقدها سوء التدبير وبذر الأحقاد في النفوس، وتربص من يصب عليه ولي الأمر جام غضبه به.
وما أكثر شكاوى المسلمين في البلدان الإسلامية ممن تولوا أمورهم الذين فقدوا الحلم والصبر! بل فقدوا العدل الذي يوجب عليهم أداء حقوقهم واحترام آدميتهم.
ولقد رأيت ذات يوم مشهداً لا يليق صدوره من مسلم يعامل به أخاه المسلم، في إحدى الإدارات التي تكثر حاجات الناس إلى خدماتها، فقد دخل أحد المراجعين على مسئول تلك الإدارة، وعرض عليه حاجته، فقال له: اذهب إلى الإدارة الفلانية، فقال له: ذهبت إليهم فأحالوني إليكم، فتحفز المدير على كرسيه الدوار، وقطب وجهه وصاح في وجه الرجل قائلاً: اسمع ما قلت لك، واخرج اقلب وجهك..!
فاغتاظ الرجل ووقف أمام المدير مصوباً إليه عينيه المحمرتين، وظهر من حالته أنه لم يعد يملك نفسه من شدة الغضب، وغلب على الظن أنه سيعتدي على المدير المذكور، ثم انصرف وهو يتلفت تلفت الساخط المغضب، وشعر المدير بالخوف من رجوع الرجل مرة أخرى بنية سوء، فاستدعى أحد حراس إدارته المسلحين، وأمره بالجلوس بجانبه في مكتبه، وقال له: لا تغادر المكتب فقد رأيت في وجه أحد المراجعين شراً...
لقد كان ذلك المدير في غنى عن هذه الغلظة التي ترتب عليها هذا الموقف، بأن يخاطب الرجل خطاباً ليناً ويقنعه بما يريد، إن كان صادقاً أو يتصل بالإدارة الأخرى التي أحالته إلى إدارته، فيخرج الرجل وهو راض مطمئن سليم الصدر، بدلاً من الإهانة لرجل مسلم يطلب قضاء حاجته التي يجب قضاؤها.
هذا، وكما يشرع لولي ولي الأمر الحلم والصبر على رعيته، فإنه يشرع للرعية أن يحترموا ولي الأمر، وسيأتي الكلام عليه في المبحث الخامس "العفو"...
المبحث الرابع: اللين:
اللين ضد الشدة والعنف، وهو مطلوب من كل مسلم مع كل مسلم، بل مع غير المسلم.. قال سبحانه وتعالى لموسى وهارون عليهما السلام في دعوتهما فرعون: {فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً}. [طه: 44].
وقد امتن الله سبحانه وتعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم، بأن رزقه صفة اللين رحمة منه به وبعباده، فقال سبحانه وتعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}. [آل عمران: 159].
أفادت الآية الكريمة أن صفة اللين رحمة من الله يرزقها من شاء من عباده، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد رزق هذه الصفة رحمة من الله به وبعباده الذين بعثه إليهم..
كما أفادت بأن فقد هذه الصفة يترتب عليه انفضاض الناس وتفرقهم وابتعادهم عمن فقدها، لأن فاقدها يكون شديداً عنيفاً قاسي القلب، لا يعامل الناس معاملة حسنة وإذا عاملهم بالشدة تفرقوا عنه..
ويفهم من ذلك أن المتصف باللين يحبه الناس ويلتفون حوله ويقبلون منه ما يأمرهم به أو ينهاهم عنه..
فاللين من الصفات التي لا غنى عنها، وبخاصة ولي الأمر الذي لا ينال محبة رعيته له وطاعتهم إياه طاعة صادقة بدون أن يكون متصفاً بتلك الصفة.
ومما يدل على انفضاض الناس عمن فقد صفة الرفق واللين حديث عائشة رضي الله عنهـا، أن رجلاً استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رآه قال: ((بئس أخو العشيرة، وبئس ابن العشيرة))، فلما جلس تَطَلَّق النبي صلى الله عليه وسلم في وجهه وانبسط إليه..
وفي رواية: ألان له القول، فلما انطلق الرجل قالت له عائشة: يا رسول الله حين رأيت الرجل قلت له كذا وكذا، ثم تطلقت في وجهه وانبسطت إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا عائشة متى عهدتني فحاشاً؟ إن شر الناس منزلة يوم القيامة من تركة الناس اتقاء شره)) . [البخاري (7/81) ومسلم (4/2002)].
فالرفق واللين يجمعان القلوب ويوحدان العاملين، ولا يأتيان إلا بالخير.
كما روى جرير بن عبد الله: عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من يحرم الرفق يحرم الخير)).
وفي حديث عائشة رضي الله عنها: عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه))..
وفي رواية عنها: ((إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطى على سواه)) . [مسلم (4/2003-2004)].
وعنها رضي الله عنهـا قالت: استأذن رهط من اليهود على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: السام عليك، فقلت: بل عليكم السام واللعنة، فقال: ((يا عائشة إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله)) قلت: أو لم تسمع ما قالوا؟ قال: ((قلت وعليكم)) . [صحيح البخاري، برقم: (6528) ومسلم، برقم (2593)].
والذي يفقد الرفق ويحرم الخير، لا خير في ولايته على المسلمين والواقع المشاهد يدل على ذلك..
فما ولي أمر المسلمين من يتصف بالعنف ويفقد الرفق، إلا كان وبالاً على الأمة، لأنه لا يختار في الغالب للولايات التي تحته إلا ذوى العنف والشدة على الرعية، فيكون هو عنيفاً شديداً على ولاته، وولاته أشداء على من تحتهم..
وتتفرق بذلك كلمة المسلمين ويشتد غيظهم - وينفضون من حول ولي أمرهم، بل غالبا ما تكون عاقبته وعاقبة ولاته وخيمة، يعاقبهم الله على ظلمه في الدنيا والآخرة
ولقد أظهر بعض الصحابة رضي الله عنهم لأبى بكر رضي الله عنه خوفهم من شدة عمر رضي الله عنه، عندما استشارهم في استخلافه عليهم..
فأجاب أبو بكر بأن عمر لا يفقد صفة اللين، ولكنه يشتد عندما يراه يلين ويرفق.
قال ابن الأثير رحمه الله: "لما نزل بأبي بكر رضي الله عنه الموت، دعا عبد الرحمن بن عوف فقال: أخبرني عن عمر فقال: إنه أفضل من رأيك، إلا أنه فيه غلظة، فقال أبو بكر: ذلك لأنه يراني رقيقاً، ولو أفضي الأمر إليه لترك كثيراً مما هو عليه، وقد رمقته فكنت إذا غضبت على رجل أراني الرضاء عنه، وإذا لنت له أراني الشدة عليه". [الكامل في التاريخ (2/425)].
فاللين إذاً من الصفات المؤهلة لولاية أمور المسلمين، وفاقد هذه الصفة لا خير في ولايته لهم كما هو واضح من النصوص.
((من يحرم الرفق يحرم الخير)) وإذا حرم هو الخير، حرمت الأمة التي تولى أمرها.
قال النووي رحمه الله: "وفي هذه الأحاديث فضل الرفق، والحث على التخلق (به) وذم العنف، والرفق سبب كل خير، ومعنى ((يعطِي على الرفق)) أي يثيب عليه ما لا يثيب على غيره، وقال القاضي: معناه يتأتى به من الأغراض ويسهل من المطالب ما لا يتأتى بغيره". [شرح النووي على مسلم (16/145)].
ولقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن رفق بأمته من ولاة أمرها، أن يرفق الله به، ودعا على من شق على أمته من ولاة أمرهم، بأن يكافئه الله بأن يشق عليه كما شق عليهم، جزاءً وفاقاً.
كما في حديث عائشة، رضي الله عنهـا، قالت: سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في بيتي هذا: ((اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم، فاشقق عليه ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به)) . [صحيح مسلم، برقم (1828)].
والحديث كما ترى شامل لكل من تولى أي أمر من أمور هذه الأمة صغر أم كبر، لما فيه من العموم المؤكد، بثلاث صيغه:
الصيغة الأولى: "مَن" الموصولة في قوله: "من ولي" في الدعائين.
والصيغة الثانية "أمر" المضاف إلى معرفة في الدعائين أيضا.
الصيغة الثالثة: "شيئا" وهي غاية في العموم في الدعائين كذلك.
فلم يخرج من هذا العموم أي موظف في أي وظيفة من وظائف الأمة، وما أكثر العاملين الذين يشقون على هذه الأمة في إداراتها العامة والخاصة منها، وما أقل العاملين الذين يرفقون بها، وسينال كل جزاءه عند ربه: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه}. [الزلزلة (7،8)].
المبحث الخامس: العفو
إن العفو من الصفات المحمودة المأمور بها في القرآن والسنة، وهو من صفات عباد الله المتقين، وثمرة من ثمار الحلم واللين وكظم الغيظ..
وقد أمر الله سبحانه وتعالى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو قدوة الأمة..
فقال سبحانه وتعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}. [آل عمران: 159].
وقال سبحانه وتعالى في سياق كيد بني إسرائيل وعصيانهم: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلا قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}. [المائدة: 13].
والذي يظهر أن هذا الأمر {فَاعْفُ عَنْهُمْ} غير منسوخ، بل هو محكم، ما لم يحصل منهم اعتداء وإباء عن أداء ما أوجب الله عليهم أداؤه في الإسلام..
قال ابن كثير رحمه الله: "وهذا هو عين النصر والظفر، كما قال بعض السلف: ما عاملتَ من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه، وبهذا يحصل لهم تأليف وجمع على الحق، ولعل الله أن يهديهم، ولهذا قال: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} يعني به الصفح عمن أساء إليك".
ثم ذكر قول قتادة بأن ذلك منسوخ بالآيات الآمرة بالقتال". [تفسير القرآن العظيم (2/33)].
وقال سبحانه وتعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}. [الأعراف ( 199) وراجع عفو عمر رضي الله عنه عن عيينة بن حصن عندما تليت هذه الآية عليه في مبحث الحلم كما مضى].
وقال سبحانه وتعالى: {وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}. [النور: 22].
وقد وصف الله سبحانه وتعالى بالعفو عباده المؤمنين فقال سبحانه وتعالى: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}. [آل عمران: 134].
تأمل تعقيب الله سبحانه وتعالى بقوله: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} في آية المائدة..
وقوله: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} في آية آل عمران هذه..
وقوله: {أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} في آية النور..
وما في ذلك من الترغيب الشديد في العفو عن الناس.
وإذا كان الله سبحانه وتعالى يحب العافين عن الناس بصفة عامة، فإنه سبحانه وتعالى يحب العافين من ولاة أمور المسلمين بصفة خاصة، لما في عفوهم من تطيب الخواطر وجبرها، واستجلاب مودة رعيتهم لهم وحبهم وطاعتهم، وذلك مما يجتمع به الشمل وتتوحد الكلمة..
ولأن العفو مع القدرة دليل على علو المنزلة وسمو الشرف، ولا شك أن ولي الأمر أكثر قدرة من غيره.
وقد يظن بعض من يلون أمور الناس أن البطش والانتقام يرفع قدرهم ويمكنهم في الأرض، وهو خلاف مفهوم الشرع الذي وردت نصوصه آمرة بالعفو مادحة له، واصفة المؤمنين به على سبيل الثناء.
وقد دلت السنة دلالة صريحة على أن الله يمنح من عفا عن الناس العز والسؤدد، كما في حديث أبى هريرة رضي الله عنه:
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً، وما تواضع أحد لله إلا رفعه)) . [مسلم (4/2001) والترمذي (4/376) والدارمي (1/333)].
إن المفهوم الجاهلي في هذه الثلاثة الأمور، يخالف مفهوم الشرع الحنيف..
فالبخيل بماله يظن أن بخله سبب في غناه..
والذي يبطش بالناس يظن أن ذلك سبب في تمكينه في الأرض..
والمتكبر يظن أن ذلك سبب رفعته..
أما المفهوم الشرعي فدل على أن المال لا ينقص بالصدقة بل يزيد وليس المقام هنا مقام تفصيل، في معنى الزيادة فقد تكلم على ذلك شراح الحديث. [راجع شرح النووي على صحيح مسلم (16/141-142)].
والذي يعفو عن الناس وهو قادر على الانتقام يزيده الله عزاً، ومن ذلك العز التفاف رعية ولي الأمر حوله وحبهم له ومناصرته وطاعته، والمتواضع يقدره الناس وترتفع منزلته عندهم.
وللتأديب والعقاب موضعه:
وهنا لابد من الإشارة إلى أن الأصل هو العفو والسماح وعدم العقاب، ولكنه يفضل في بعض الحالات ولبعض الناس العقاب والتأديب، بدل العفو والصفح إذا كانت مصلحة العقاب والتأديب راجحة، كأن يكون الباغي مجاهراً بالمعصية مصراً على الاعتداء، غير مبال بمصالح الناس العامة أو الخاصة، وقد دل على ذلك القرآن الكريم وبعض مواقف الرسول صلى الله عليه وسلم.
أما القرآن الكريم، فإنه أثنى على المؤمنين بصفات، منها انتصارهم على من بغى عليهم بمثل ما فعل إذا كان مباحاً، وأثنى عليهم بصبرهم وصفحهم، ولكل من الصفتين موضعها.
قال سبحانه وتعالى: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ * وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ}. [الشورى: 38-43].
وقال سبحانه وتعالى: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ * إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ}. [الشعراء: 224-227].
وقد ذكر أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي رحمه الله خلاصة في هذا المعنى عن العلماء رحمهم الله فقال:
"قال ابن العربي: ذكر الله الانتصار في البغي في معرض المدح، وذكر العفو عن الجرم في موضع آخر في معرض المدح، فاحتمل أن يكون أحدهما رافعاً للآخر، واحتمل أن يكون ذلك راجعاً إلى حالتين:
إحداهما أن يكون الباغي معلناً بالفجور، وقحاً في الجمهور مؤذياً للصغير والكبير، فيكون الانتقام منه أفضل.. وفي مثله قال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم فيجترئ عليهم الفساق.
الثانية أن تكون الفلتة أو يقع ذلك ممن يعترف بالزلة ويسأل المغفرة، فالعفو ههنا أفضل، وفي مثله نزلت: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}. [البقرة: 237].
وقوله: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}. [المائدة: 45].
وقوله: {وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}. [النور: 22].
قلت - القائل هو القرطبي -: هذا حسن، وهكذا ذكر الطبري في أحكامه، قال: قوله سبحانه وتعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ}. [الشورى: 39].
يدل ظاهره على أن الانتصار في هذا الموضع أفضل، ألا ترى أنه قرنه إلى ذكر الاستجابة لله سبحانه وتعالى وإقام الصلاة..
وهو محمول على ما ذكره إبراهيم النخعي، أنهم كانوا يكرهون للمؤمنين أن يذلوا أنفسهم فيجترئ عليهم الفساق، فهذا فيمن تعدى وأصر على ذلك..
والموضع المأمور فيه بالعفو، إذا كان الجاني نادماً مقلعاً، وقد قال عقيب هذه الآية: {وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ}. [الشورى: 41].
ويقتضي ذلك إباحة الانتصار لا الأمر به وقد عقبه بقوله: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ}. [الشورى:43].
وهو محمول على الغفران عن غير المصر، فأما المصر على البغي والظلم فالأفضل الانتصار منه بدلالة الآية التي قبلها. [الجامع لأحكام القرآن (16/39)].
ولقد كان العفو هو الغالب في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم كلها، وقد مر ذكر بعض الأمثلة في مبحث الحلم، ولكنه كان يغضب لله وينتقم له، إذا انتهكت محارمه..
كما قالت عائشة رضي الله عنهـا: "والله ما انتقم لنفسه في شيء يؤتى إليه حتى تنتهك حرمات الله، فينتقم لله". [مضى في المبحث الثالث من الفصل الأول].
فقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بقتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة، ولم يشفع له وجوده في المسجد الحرام الذي يأمن من دخله؛ لأن الحرم لا يعيذ عاصياً حارب الله ورسوله وأصر على ذلك.
روى أنس بن مالك رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عام الفتح وعلى رأسه المغفر، فلما نزعه جاء رجل فقال: إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال: ((اقتلوه)). [البخاري (2/216) ومسلم (2/990) وراجع السيرة النبوية لابن هشام (2/410-411) وفتح الباري (4/62)].
وقضاؤه صلى الله عليه وسلم في العرنيين الذين أكرمهم عندما أظهروا الإسلام، ثم غدروا واستاقوا إبل الصدقة وقتلوا الراعي وارتدوا عن الإسلام، فأنزل بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عقاب الله الصارم الذي شرعه للمفسدين في الأرض.
كما روى أنس بن مالك رضي الله عنه: أن ناساً من عرينة قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فاجتووها. [أي استوخموها وكرهوها لما أصابهم من المرض].
فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن شئتم أن تخرجوا إلى إبل الصدقة، فتشربوا من ألبانها وأبوالها)) ففعلوا فصحوا، ثم مالوا على الرعاة فقتلوهم، وارتدوا عن الإسلام، وساقوا ذود رسول الله صلى الله عليه وسلم..
فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فبعث في إثرهم فأتي بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم [أي فقأها وأذهب ما فيها، وفي رواية "سمر" أي كحلها بمسامير محمية]. وتركهم في الحرة حتى ماتوا، وفي رواية: "وألقوا في الحرة يستسقون فلا يسقون". [البخاري (8/19) ومسلم (3/1296)].
هذا القضاء فيه حسم لمادة الشر بإنزال العقاب الصارم على من يعبث في الأرض فساداً، والعفو عن أمثال هؤلاء فيه مفاسد عظيمة لا يقرها شرع الله الحنيف.
فمن حكمة الشارع الحكيم أن يشرع العفو عندما تكون فيه مصلحة، ويشرع العقاب كذلك عندما تكون فيه مصلحة، والمصلحة في كلا الحالين راجحة على المفسدة إن وجدت.
قال ابن الأزرق: يصير الانتقام مطلوباً في موضعين:
الموضع الأول: حيث يكون تركه عجزاً ومهانة، وذلك هو الذل الذي تأنف منه ذووا الهمم العالية، وقد قالوا في قوله سبحانه وتعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ}. [سبقت قريباً].
كانوا يكرهون أن يذلوا، وإذا قدروا عفوا، فمدحوا على عفو بعد قدرة، لا على عفو بعد ذل ومهانة.
الموضع الثاني: حيث يترتب على العفو مفسدة تُرْبي على مصلحة شرعاً أو سياسة معتبرة، ومن أمثلته عقاب من استخف بالسلطان..
كما يروى أن رجلاً جاء إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه فقال: احملني، والله لأنا أفرس منك ومن أبيك، وعنده المغيرة بن شعبة، فحسر عن ذراعه وصك به أنف الرجل فسال الدم.
فجاء قومه إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه ولاموه فقالوا: أقدنا من المغيرة، فقال: أنا أقيدكم من وزعة الله أنا لا أقيدكم منه..
وقد علق ابن القيم رحمه الله على القصة بعد أن ساقها فقال:
"فرأى أبو بكر أن ذلك انتصار من المغيرة وحمية لله وللعز الذي أعز به خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ليتمكن بذلك العز من حسن خلافته وإقامة دينه. فترك قوده لاجترائه على عز الله وسلطانه الذي أعز به رسوله ودينه وخليفته". [الروح صفحة 363-374 وقد نقل ابن الأزرق بعض هذه الجمل ولكن فيها تحريفاً، فآثرت نقلها من كتاب الروح مباشرة].
قلت: لكن هذه القصة شبيهة بقصة ذي الخويصرة في اتهامه لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعدم العدل وعفا عنه ولم يعاقبه، وقد استأذنه عمر رضي الله عنه في قتله، بل إن في هذا تطاولاً أكثر على جانب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكذلك قصة عيينه بن حصن مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حيث قال له: والله ما تعطينا الجزل ولا تحكم فينا بالعدل، وعفا عنه بعد أن هم بعقابه عندما تلا عليه الحر قوله سبحانه وتعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}. [سبق ذلك في المبحث الثالث من الفصل الثاني، والآية من سورة الأعراف:199].
والذي يظهر أن البغي هنا متجه لأبي بكر رضي الله عنه، كما أنه في تينك القصتين متجه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر رضي الله عنه، ونفذه المغيرة وأقره عليه أبو بكر..
ويجوز أن يكون هذا الرجل قد كرر البغي، فأصبح مستخفاً بخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان عقابه أولى من العفو عنه.
ومن أشد المواقف على المتمردين والخارجين عن الجادة، موقف علي رضي الله عنه من الذين غلوا فيه فألهوه من دون الله، فخدَّ لهم الأخاديد وأضرم عليهم النار وأحرقهم بها، ولما بلغ ذلك ابن عباس رضي الله عنهـما أنكر على علي إحراقهم لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من النهي عن التعذيب بالنار والأمر بقتل المرتدين. [البخاري (4/21) ومجموع الفتاوى لابن تيمية (35/184-185)].
المبحث السادس: سلامة الصدر:
إن سلامة الصدر من الشرك وما تفرع عنه من المعاصي، و منها الغل والحقد لهي النافعة عند الله سبحانه وتعالى يوم القيامة، ولا نفع عنده لسواها إذا فقدت فلا ينفع مال ولا جاه ولا منصب ولا ولد. كما قال الله سبحانه وتعالى: {يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}. [الشعراء: 88-89].
وقد وصف الله خليله إبراهيم عليه السلام بسلامة صدره فقال: {وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ * إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}. [الصافات: 83-84].
وللرسول صلى الله عليه وسلم وأمته قدوة حسنة في إبراهيم عليه السلام..
{قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ}. [الممتحنة: 4].
وأخبر سبحانه وتعالى أنه سبحانه وتعالى قد صفى قلوب أهل الجنة من الغل، وهو الضغن والحقد والكراهية.. كما قال سبحانه وتعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}. [الأعراف: 43].
ومن صفات الأجيال المؤمنة أن يدعو كل جيل لمن سبقه من الأجيال بالمغفرة، وبسلامة صدورهم من الغل لكل مؤمن.
كما قال سبحانه وتعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ}. [الحشر: 10].
ولقد نبه الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه إلى رجل منهم ووصفه بأنه من أهل الجنة، وفعل ذلك ثلاثة أيام، فتبع بعضهم ذلك الرجل، ليعرف العمل الذي جعله أهلاً للجنة، فوجد أن من أهم أسباب ذلك سلامة صدره من الغش والحسد للمسلمين.
كما في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنا جلوساً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة)) فطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته من وضوئه قد تعلق نعليه في يده الشمال..
فلما كان الغد قال النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك، فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى..
فلما كان اليوم الثالث قال النبي صلى الله عليه وسلم مثل مقالته أيضاً فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأول.
فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم، تبعه عبد الله ابن عمرو بن العاص فقال: إني لاحيت أبي، فأقسمت أن لا أدخل عليه ثلاثاً، فإن رأيت أن تؤيني إليك حتى تمضي فعلت؟.. قال: نعم..
قال أنس: وكان عبد الله يحدث أنه بات معه تلك الليالي الثلاث، فلم يره يقوم من الليل شيئاً، غير أنه إذا تعار وتقلب على فراشه ذكر الله عز وجل وكبر حتى يقوم لصلاة الفجر..
قال عبد الله: غير أني لم أسمعه يقول إلا خيراً، فلما مضت الثلاث ليال وكدت أن احتقر عمله، قلت: يا عبد الله إني لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجر، ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لك ثلاث مرار: ((يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة)) فطلعت أنت الثلاث مرار، فأردت أن آوي إليك لأنظر ما عملك فأقتدي به، فلم أرك تعمل كثير عمل، فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
فقال: ما هو إلا ما رأيت..قال: فلما وليت دعاني فقال : ما هو إلا ما رأيت غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشاً، ولا أحسد أحداً على خير أعطاه الله إياه فقال عبد الله هذه التي بلغت بك، وهي التي لا نطيق". [أحمد (3/166) وهو في شرح السنة للبغوي، وقال المحشي عليه شعيب الأرناؤوط (13/112-114): إسناده صحيح. وانظر مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للهيثمي (8/78) ومجموعة الفتاوى لابن تيمية (10/118) وتفسير ابن كثير رحمه الله (4/7)].
وإذا كانت سلامة الصدر مطلوبة لكل مسلم فإنها آكد في حق ولي أمر المسلمين في الولايات الكبرى والصغرى، وإن كانت الكبرى أولى من غيرها، لأن سلامة صدور الأمة من ضغن بعضهم على بعض، يجعلها تتآخى وتتساند وتتعاون على البر والتقوى..
وسلامة صدر ولي الأمر على أمته يجعله يحبهم ويقبل عليهم ويتفقد أحوالهم ويبتعد عما يقلقهم ويثير الشك في نفوسهم منه، وذلك سبب في غرس حبهم له وقربهم منه وطاعتهم وتعاونهم معه على ما يحقق المصالح العامة للأمة كلها.
ولذلك كان أفضل إمام أولياء أمور الأمة، محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أن يخرج إلى أصحابه وهو سليم الصدر عليهم، لا يحب أن ينقل إليه شيء يحدث في صدره شيئاً على أحد من أصحابه.
روى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: لما قسم النبي صلى الله عليه وسلم قسمة حنين، قال رجل من الأنصار: ما أراد بها وجه الله، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته فتغير وجهه ثم قال: ((رحمة الله على موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر)) وفي رواية: فغضب من ذلك غضباً شديداً واحمر وجهه حتى تمنيت أني لم أذكره له". [البخاري (5/105-106) ومسلم (2/739)].
وفي رواية: ((لا يبلغني أحد عن أحد من أصحابي شيئاً، فإني أحب أن أخرج إليهم وأنا سليم الصدر)) . [أبو داود (5/183) والترمذي (5/710) وقال هذا حديث غريب من هذا الوجه، وقد زيد في هذا الإسناد رجل، وفي عون المعبود شرح سنن أبي داود: وفي إسناده الوليد ابن أبي هشام، قال أبو حاتم الرازي ليس بالمشهور (13/207)].
فهذه الزيادة، وإن كان فيها ضعف في السند، فإن فيها شيئاً من التفسير لغضب الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن غضبه يحتمل أن يكون من قول ذلك الرجل: "ما أراد بها وجه الله"، ويحتمل أن يكون من رفع الحديث إليه، ويحتمل أن يكون منهما، ولعل هذا الاحتمال الأخير أرجح، وإن كان رفع الحديث إليه صلى الله عليه وسلم ليس مكروهاً على إطلاقه.
فقد يكون الأولى رفع الحديث إليه في بعض الأحيان، إذا كان في رفعه مصلحة راجحة.. كما في قصة رفع زيد بن أرقم رضي الله عنه مقالة عبد الله بن أبى رأس المنافقين في بعض الأسفار..
{هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ}. [المنافقون: 7].
ولم ينهه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، بل أقره وطلب ابن أبي فسأله فحلف أنه لم يقل، فأنزل الله في ذلك سورة: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ}. [راجع صحيح مسلم (4/2140)].
إلا أن الأصل عدم رفع ما يقال في ولي الأمر إليه، إذا كان يتناول شخصه ولا خطر عليه ولا على الأمة في ذلك. والذي يدل على هذا هو النهي عن كل ما يخدش في سلامة الصدر من الغيبة النميمة وسوء الظن والتجسس.
كما قال سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ}. [الحجرات: 12 وراجع أبواب الغيبة والنميمة وسوء الظن في صحيح البخاري ص7، 85-88 ومسلم (4/2001-2012)].
وبهذا يظهر أن سلامة الصدر من أهم الصفات التي يفتقر إليها من يلي أمور المسلمين، لما في ذلك من إيجاد الألفة بينه وبينهم، والتعاون على مصالحهم العامة والخاصة. وأن الواجب على ولي الأمر أن يسد كل منفذ من المنافذ المؤثرة على سلامة صدره لرعيته، فلا يأذن للنمامين والوشاة وذوي الوجهين والمغتابين وسيئي الظن، بأن يقعوا في أعراض الناس برفع كلامهم إليه إذا كان يؤذيه ويوجد في قلبه ضغناً على رعيته، ما لم يكن ذلك الكلام فيه خطر على المصالح العامة التي لا يجوز السكوت عليها، كأن تكون من أسباب إزعاج الأمة وإنزال الخوف والضرر بها وفقد أمنها، وخيانتها. كما في قصة زيد بن أرقم السابقة، فإن رفع ذلك إلى ولي الأمر يصبح متعيناً، ليتخذ ما يجب اتخاذه من الوسائل التي تحول بين مريدي الضرر بالأمة وما يريدون إحداثه.
وإن ولي الأمر الذي يصغي لكل ما ينقل إليه من أحاديث الناس، وطعن بعضهم في بعض، وتصديقه لذلك وترتيبه على ما يسمع من الوشاة مواقف معينة ضد الموشى بهم.. إن ذلك الوالي لجدير بأن يفقد ود أغلب رعيته وطاعتهم ومناصرتهم له، وبقائه معزولاً عنهم بالوشاة الذين يصغى إليهم ويصدقهم، لأن الذين ينقلون الكلام ويغتابون الناس يغلب عليهم الزور والكذب وإن تظاهروا بالصدق والإخلاص..
والرعية إذا رأوا ولي أمرهم يصدق الكاذبين وينتقم من البريئين، تثور أحقادهم ويتربصوا بولي الأمر وثلة الوشاة، لشفاء غيظهم منهم والانتقام لأنفسهم.. وإذا لم يقدروا أن يشفوا غيظهم بقوا معه غير راضين بولايته ولا ناصحين له..
وهو حينئذ من الولاة الذين يفقدون كفاءة ولاياتهم، ولقد أنزل الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم الأمر بالتثبت مما ينقله الناقلون إلى أولياء الأمور، خشية من أن يأخذوا الناس بالريبة والظنة وقول الزور.
كما قال سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}. [الحجرات: 6].
إن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة الذي بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني المصطلق لجمع الزكاة منهم، ولكنه خاف منهم فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وادعى أنهم منعوه الزكاة، وأرادوا قتله..
فبعث صلى الله عليه وسلم بعثاً، فلما لقيهم سيد بني المصطلق وأخبروه الخبر الذي بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم، حلف أن الوليد لم يأته ولم يره، فأنزل الله سبحانه وتعالى الآية..
وإذا كانت الآية نزلت فيمن صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمنه رسول الله على ولاية من ولاياته ووصفه الله سبحانه وتعالى بالفسق، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم بالتثبت مما يقوله له..
فما بالنا بمن يلبس ثياب الصدق في هذا الزمان ويرتكب مخالفات الكتاب والسنة، فيغتاب وينم ويشي ويسيء الظن بالناس، ويسعى بالفساد بين ولي الأمر ورعيته ثم لا يتثبت مما يقول؟. [راجع قصة الوليد هذه في الكتب التالية: جامع البيان عن تأويل آي القرآن لابن جرير الطبري (26/123) وما بعدها، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير (4/208 وما بعدها) والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (16/311 وما بعدها) وأحمد في المسند (4/279) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (7/109) "رجاله ثقات"، ومرويات غزوة بني المصطلق لإبراهيم القريبي].
وقد أنكر الرسول صلى الله عليه وسلم على بعض أصحابه طعنهم في إمارة أسامة بن زيد رضي الله عنه كما ثبت في الصحيح. [راجع البخاري (8/117)].
المبحث السابع: القدرة على التوجيه والتعليم
إن من صفات كفاءة ولي الأمر المهمة، أن يكون قادراً على توجيه رعيته توجيهاً مفيداً، وتعليمهم واجباتهم، ونقل آرائه النابعة من علمه وخبرته وتجاربه وممارسته إليهم، حتى يكونوا دائماً في ارتقاء وتكون مداركهم في اتساع لينجحوا في أعمالهم، ويزدادوا هم وأتباعهم بتلك التوجيهات والتعليمات المفيدة خبرة وتجربة.
وهذه الصفة بدهية في الإسلام، فالقرآن الكريم إنما نزل للتعليم والتوجيه والتزكية، والرسول صلى الله عليه وسلم إنما بعث بذلك، وأصحابه الكرام والتابعون لهم بإحسان رضي الله عنهم، تلك هي سبيلهم.
كما قال سبحانه وتعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ}. [الجمعة: 2].
وكان صلى الله عليه وسلم يوجه أصحابه ويعلمهم القرآن والسنة، وكلما جد أمر يحتاج إلى توجيه قام به صلى الله عليه وسلم.
وهكذا كان خلفاؤه الراشدون رضي الله عنهم وأتباعهم كذلك، ولو أراد الباحث أن يتتبع التوجيهات النبوية وتوجيهات الخلفاء الراشدين فقط لكتب سفراً مستقلاً من النصوص المجردة عن التعليق في كل باب من أبواب النشاط الإنساني.
[s3]
بعض الأمثلة الموضحة لذلك:
فمن توجيهات الرسول صلى الله عليه وسلم لولاته ما رواه أبو بردة رضي الله عنه، قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم أبي - وهو أبو موسى الأشعري - ومعاذ بن جبل إلى اليمن فقال: (يسرا ولا تعسرا.. وبشرا ولا تنفرا.. وتطاوعا) وفي رواية: (بشرا ويسرا وعلما ولا تنفرا) . [البخاري (8/114) ومسلم (3/1586)].
فقد أمرهما صلى الله عليه وسلم بأمرين:
الأمر الأول يتعلق بالرعية: وهو الرفق بهم والتيسير عليهم وعدم الشدة في معاملتهم، وتعليمهم ما ينفعهم في دينهم ودنياهم.
والأمر الثاني يتعلق بهما أنفسهما: وهو أن يتطاوعا ولا يختلفا لما في ذلك من استمرار الأخوة والمحبة بينهما، ولما يترتب على ذلك من اجتماع الرعية باجتماعهما..
فإنهما إذا اختلفا اختلفت رعيتهما، إذ الغالب أن يتبع كل واحد من الواليين المختلفين اتباع، وفي ذلك فشل لولاة الأمر ورعيتهم.
قال الحافظ رحمه الله: "وفي الحديث الأمر بالتيسير في الأمور والرفق بالرعية، وتحبيب الايمان إليهم، وترك الشدة لئلا تنفر قلوبهم ولا سيما فيمن كان قريب العهد بالإسلام أو قارب حد التكليف من الأطفال ليتمكن الإيمان من قلبه ويتمرن عليه". [فتح الباري (13/163)].
ومن توجيهات الرسول صلى الله عليه وسلم لولاته، ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما:أن معاذاً قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد إلى فقرائهم، فإن هم أطاعوك كذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)). [البخاري (2/1325) ومسلم (1/50)].
فقد نبه الرسول صلى الله عليه وسلم معاذاً إلى ثقافة القوم الذين سيدعوهم، وأنها تخالف ثقافة قومه الذين كان قد ألفهم وهم عبدة الأوثان الذين لا علم عندهم، ومخاطبة من عنده علم ليست كمخاطبة من لا علم عنده.
فإن الذي عنده علم يحتاج من يتولى عليه أن يعد نفسه لمعرفة ما عنده من الحجج أو الشبهات، ليتمكن من مناقشته ومحاجته وإقناعه، بخلاف الجاهل الذي ليس عنده شيء من ذلك، فإنه لا يحتاج إلا إلى أمره ونهيه وبيان ما يجب عليه..
وهو بين أمرين: إما أن يطيع وإما أن يتمرد بدون بينه ولا حجة..
كذلك بين الرسول صلى الله عليه وسلم لمعاذ الأمور التي كلفه الدعوة إليها مرتبة، لا ينتقل إلى شيء منها إلا بعد التسليم بما قبله.
ففي هذا توجيه من الرسول صلى الله عليه وسلم لمن ولاه أمر الناس إلى ما فيه مصالحهم جميعاً، وتحديد المهمات التي كلفه إياها مرتبة.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "قوله: ((ستأتي قوماً أهل كتاب)) هي كالتوطئة للوصية لتستجمع همته عليها، لكون أهل الكتاب أهل علم في الجملة، فلا تكون العناية في مخاطبتهم كمخاطبة الجهال من عبدة الأوثان". [الفتح (3/358)].
وقال رحمه الله على قوله: ((واتق دعوة المظلوم)) أي تجنب الظلم لئلا يدعو عليك المظلوم، وفيه تنبيه على المنع من جميع أنواع الظلم". [المرجع السابق (3/360)].
ومن ذلك توجيه الرسول صلى الله عليه وسلم أمته في حجة الوداع، التي لم يمكث بعدها إلا زمناً يسيراً فارق بعده الحياة.
كما روى جابر رضي الله عنه ذلك في صفة حجه صلى الله عليه وسلم:
أنه خطب الناس يوم عرفه فقال: ((إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا كل شيء من الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث.. وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربانا: ربا عباس ابن عبد المطلب فإنه موضوع كله.. فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف.. وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله، وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟)).
قالوا : نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت..
فقال بأصبعه السبابة، يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: ((اللهم اشهد، اللهم اشهد)) ثلاث مرات". [مسلم (2/889)].
فقد تعرض صلى الله عليه وسلم في هذا التوجيه لاحترام الحقوق، من الدماء والأموال ونظام الأسرة، وإهدار كل باطل لم يوافق شريعة الله سبحانه وتعالى، وعمم بعد ذلك فوجههم إلى التمسك بكتاب الله الذي فيه تفصيل كل شيء من هدى الله للإنسان.
[s3]
ومن توجيهات الصديق رضي الله عنه:
بيانه المختصر الذي أخبر فيه رعيته بطريق حكمه لهم وسياسته إياهم.. عندما اختير للخلافة..
قال: "أيها الناس قد وليت عليكم، ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ له حقه، والقوى ضعيف عندي حتى آخذ منه الحق إنشاء الله سبحانه وتعالى..
لا يدع أحد منكم الجهاد، فإنه لا يدعه قوم إلا ضربهم الله بالذل..
أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله، فلا طاعة لي عليكم، وقوموا إلى صلاتكم رحمكم الله". [الكامل في التاريخ لابن الأثير (2/332)].
فقد بين للناس منزلته منهم عند نفسه بقوله: "وليت عليكم ولست بخيركم" فهو ولي أمر المسلمين الذي أصبح متحملاً مسؤوليتهم، ولكنه واحد منهم ليس له فضل عليهم، وهذا إشارة إلى أنه سيبقى متواضعاً معهم غير متكبر عليهم.
كما بين لهم أنه لا يستمد طاعتهم له إلا من طاعته هو لله ورسوله، فإذا لم يتصف بذلك فلا يستحق منهم الطاعة، ومعنى هذا أنه منفذ لأمر الله، فإن أحسن في ذلك وجب عليهم أن يعينوه، وإن أساء وجب أن يقوموه..
وفي ذلك إشارة إلى وجوب مراقبة الرعية ولي أمرها وإلزامه بالجادة إذا حاد عنها، تحقيقاً لقاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وبين لهم أنه سيلتزم بالعدل ولا يحابى فيه كبيراً ولا قوياً.
[s3]
ومن توجيهات عمر رضي الله عنه..
ومن توجيهات عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتابه المشهور إلى قاضية أبى موسى الأشعري رضي الله عنه، وفيه تبدو التربية النبوية في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهذا نص الكتاب:
"أما بعد: فإن القضاء فريضة محكمة، وسنة متبعة، فافهم إذا أدلي إليك فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له.. آس بين الناس في مجلسك وفي وجهك وقضائك، حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك.. البينة على المدعى واليمين على من أنكر، والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً أحل حراماً أو حرم حلالاً..
ومن ادعى حقاً غائباً أو بينة، فاضرب له أمداً ينتهي إليه، فإن بينه أعطيته بحقه، وإن أعجزه ذلك استحللت عليه القضية فإن ذلك هو أبلغ في العذر وأجلى للعماء..
ولا يمنعك قضاء قضيت فيه اليوم فراجعت فيه رأيك فهديت فيه لرشدك أن تراجع فيه الحق، فإن الحق قديم لا يبطله شيء، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل.. والمسلمون عدول بعضهم على بعض، إلا مجرباً عليه شهادة زور أو مجلوداً في حد أو ظنيناً في ولاء أو قرابة، فإن الله سبحانه وتعالى تولى من العباد السرائر وستر عليهم الحدود، إلا بالبينات والأيمان.
ثم الفهم الفَهم فيما أدلي إليك مما ورد عليك مما ليس في قرآن ولا سنة. ثم قايس الأمور عند ذلك، واعرف الأمثال، ثم اعمد فيما ترى إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق.
وإياك والغضب والقلق والضجر والتأذي بالناس والتنكر عند الخصومة.. فإن القضاء في مواطن الحق مما يوجب الله به الأجر ويحسن به الذكر..
فمن خلصت نيته في الحق ولو على نفسه، كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تزين بما ليس في نفسه شانه الله، فإن الله سبحانه وتعالى لا يقبل من العباد إلا ما كان خالصاً.. فما ظنك بثواب عند الله في عاجل رزقه وخزائن رحمته. والسلام عليك ورحمة الله". [إعلام الموقعين عن رب العالمين (1/85-86) وقال ابن القيم ـ بعد إيراد النص -: "هذا كتاب جليل تلقاه العلماء بالقبول، وبنوا عليه أصول الحكم والشهادة، والحاكم والمفتي أحوج شنئ إليه وإلى تأمله والتفقه فيه. أ. هـ. وغالب كتاب ابن القيم هذا يدور حول هذا الخطاب العظيم].
لقد بين عمر رضي الله عنه لواليه خطر وظيفته، وحثه على فهم ما يرد عليه في ولايته، وعلى العدل والمساواة بين الناس، حذراً من طمع الأقوياء في ظلمه الضعفاء، ومن يأس الضعفاء من عدله.
وبين له ما يجب اتباعه عند الحكم فيما يتعلق بالمدعي والمدعى عليه، ونصحه باتباع مَخْلَص عظيم وقاعدة من قواعد الشرع الحنيف، وهي الصلح بين الخصوم بشرط العدل.
ووجهه إلى أن يكون الحق هو هدفه ورائده، فإذا ما اجتهد وأخطأه اليوم، ثم وجده غداً، فلا يمنعه قضاؤه الأول من القضاء بالحق.
وَقَعَّدَ له قاعدة تتعلق بالشهود من المسلمين، وذلك أن الأصل فيهم العدالة، فلا ترد شهادتهم إلا لسبب يرجح ردها.
ثم حثه على استعمال عقله وشدة اجتهاده وقياس الشبيه على شبيهه، ليقوى على حل المشكلات التي تعرض له، ولا يقف فيها حائراً لا يدري ما يقول فيها، وأن يُقدم على ما يراه أرضي لله وأحب إليه فيقضي به.
وحذره من بعض الأمور التي تقدح في أدب القاضي أو تعوقه عن القضاء بالحق، كالغضب والتنكر عند الخصومة..
وحثه على الإخلاص في عمله الذي لا يقبل الله عملاً بدونه، وبين له ما يترتب على الإخلاص من أجر في الدنيا والآخرة.
إنها توجيهات عظيمة تدل على ما وصل إليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من حسن السياسة، وتوافر شروط الكفاءة الإدارية الناجحة فيهم. [راجع بعض توجيها عمر رضي الله عنه في تاريخ الأمم والملوك للطبري (4/214-218)].
[s3]
من توجيهات عثمان بن عفان رضي الله عنه..
ومن توجيهات عثمان بن عفان رضي الله عنه ما تضمنته خطبة خلافته..
قال ابن كثير رحمه الله: "وأما أول خطبة خطبها بالمسلمين، فروى سيف بن عمر عن بدر بن عثمان عن عمه، قال: لما بايع أهل الشورى عثمان خرج وهو أشدهم كآبة، فأتى منبر النبي صلى الله عليه وسلم، فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، وقال:
"إنكم في دار قلعة، وفي بقية معمار، فبادروا آجالكم بخير ما تقدرون عليه. فلقد أتيتم صُبِّحْتم أو مُسِّيتم.
ألا وإن الدنيا طويت على الغرور، فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور، واعتبروا بمن مضى ثم جدوا ولا تغفلوا.
أين أبناء الدنيا وإخوانها الذين أثاروها وعمروها ومتعوا بها طويلاً؟ ألم تلفظهم؟ ارموا الدنيا حيث رمى الله بها، واطلبوا الآخرة فإن الله قد ضرب لها مثلاً بالذي هو خير فقال سبحانه وتعالى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً * الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً}. [الكهف: 45-46، البداية والنهاية (7/147-148)].
لقد كان المعنى الذي يدور حوله توجيه الخليفة الثالث رضي الله عنه في هذه الخطبة، هو الحض على الإقبال على الله والزهد في الدنيا..
وهذا هو المناسب لخطبته في ذلك الوقت الذي ألقى فيه الإسلام بجرانه في أقطار المعمورة، وفتحت البلدان وأقبلت الدنيا بنعيمها، وبدأ الناس في التنافس فيها وبخاصة غير أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان المقال مناسباً للمقام.
وهكذا ينبغي أن تكون توجيهات ولاة الأمر في كل زمان بحسبه من أجل استقامة الأمة وسيرها في صراط الله المستقيم.
من توجيهات علي رضي الله عنه..
ومن توجيهات علي رضي الله عنه ما تضمنته خطبة خلافته بعد أن بويع..
قال ابن كثير رحمه الله: "وكان أول خطبة خطبها أنه حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "إن الله سبحانه وتعالى أنزل كتاباً هادياً بين فيه الخير والشر، فخذوا بالخير ودعوا الشر..
إن الله حرم حُرَماً غير مجهولة، وفضل حرمة المسلم على الحرم كلها، وشد بالإخلاص والتوحيد حقوق المسلمين..
والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده إلا بالحق، لا يحل لمسلم أذى مسلم إلا بما يجب..
بادروا أمر العامة وخاصة أحدكم الموت فإن الناس أمامكم، وإنما خلفكم الساعة تحدو بكم فتخففوا تلحقوا، فإنما ينتظر بالناس أخراهم..
اتقوا الله عباده في عباده وبلاده، فإنكم مسؤولون عن البقاع والبهائم ثم أطيعوا الله ولا تعصوه، وإذا رأيتم الخير فخذوا به، وإذا رأيتم الشر فدعوه..
{وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}. [الأنفال: 26، وانظر البداية والنهاية (7/226-227) وراجع أيضاً تاريخ الأمم والملوك (4/436) والكامل في التاريخ (3/194)].
وتوجيهات الإمام علي رضي الله عنه، كانت أيضاً مناسبة لزمنه.
فقد تولى بعد مقتل عثمان رضي الله عنه، وهذه الخطبة قام بها أمام الثوار الذين قتلوا عثمان، فكان المناسب أن يوجه الناس إلى احترام الحرم، ولا سيما حرمة المسلم التي فضلها الله على كل الحرم.
فقد ذكرهم رضي الله عنه بأن المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، وأدى حقوق المسلمين إليهم لاقتضاء الإخلاص والتوحيد ذلك، وأن من طاعة الله ورسوله تقوى الله في العباد والبلاد.
من توجيهات عمر بن عبد العزيز رحمه الله..
ومن توجيهات عمر بن عبد العزيز رحمه الله عندما تولى الخلافة قوله:
"أيها الناس إن لي نفساً تواقة لا تعطي شيئاً إلا تاقت إلى ما هو أعلى منها، وهي الجنة، فأعينوني عليها يرحمكم الله". [البداية والنهاية لابن كثير (9/184)].
وفي هذا التوجيه المختصر للناس إشارة منه رحمه الله إلى أنه سيعمل بما يرضي ربه ليدخله جنته، وإن سخط عليه كل الناس، وهذا ما كان منه مع أمراء بني أمية الذين ألفوا البذخ والترف وسطوهم على حقوق الناس.
فقد بدأ بنفسه فلم يأخذ من بيت المال إلا ما تدعو إليه حاجته، مع الزهد والتقشف ورد المظالم إلى أهلها، ولم يبال من رضي من الناس أو سخط. [راجع البداية والنهاية (9/200)].
قال ابن كثير رحمه الله: "وقال إسماعيل بن عياض عن عمرو بن مهاجر قال: لما استخلف عمر بن عبد العزيز، قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
"أيها الناس إنه لا كتاب بعد القرآن، ولا نبي بعد محمد عليه السلام، وإني لست بقاض ولكني منفذ، وإني لست بمبتدع ولكني متبع، إن الرجل الهارب من الإمام الظالم ليس بظالم، ألا أن الإمام الظالم هو العاصي، ألا لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق عز وجل.. ألا هل أسمعت؟". [نفس المرجع (9/199)].
فقد أعلن للناس تمسكه بالإسلام من مصدره الأول، وهو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن ما تضمنه الكتاب والسنة إنما عمل ولي الأمر فيه هو تنفيذه وليس له أن يخالف نصوص القرآن وما صح من نصوص السنة...
وأنه متبع لهدي الخلفاء الراشدين، وليس مبتدعاً في دين الله شيئاً، ثم بين متى يكون الإمام عاصياً ومتى يكون مطيعاً، وذلك بميزان طاعة الله ورسوله التي لا طاعة لمخلوق خالفها مهما كان.
وخطبته كما مضى تعالج قضايا الساعة التي أهمها الظلم والاعتداء على الحقوق.
وهكذا ينبغي لكل خليفة أولي أمر من أمور المسلمين أن يكون قادراً على توجيه رعيته من منهاج الله وهديه، وما فيه مصلحتهم في الدنيا والآخرة..
والذي يلي أمور الناس، وهو يفقد هذه الصفة لا يكون أهلاً لقيادتهم قيادة صالحة، لأن الذي لا يقدر على التوجيه يسلك مسلك الأمر والنهي المحضين، وهما غير كافيين لقيادة محبوبة مطاعة باختيار ورضا..
ولذلك ترى كُتَّاب الإدارة في هذا العصر، يحضون على أن يتصف المسؤول بهذه الصفة التي لا يستحق أن يكون مسؤولاً عندهم بدونها.
ومن أمثلة ذلك ما قاله بعض الكتاب: "يضع كثير من الكتاب القدرة على تعليم الغير من بين الصفات الواجب توافرها في المشرف، لأن جزءاً كبيراً من عمل المشرف عبارة عن تعليم مرؤوسيه بشكل من الأشكال..
إن مجرد إلقاء الأوامر والتوجيهات عبارة عن صورة من صور التعليم..
إن على المشرف أن يتعلم ويمارس أسس التعليم أو التدريب إبان العلم، وكيفية قيادة المناقشات.
إن الشخص الذي ليس في مقدوره أن يشرح آراءه لغيره من الناس لا يصح أن يكون مشرفاً أو رئيساً". [أحمد الشنتاوي، القيادة الإدارية الحديثة (ص28)].
وكم من جاهل أو عاجز عن التوجيه وضع في غير مكانه، ففشل فشلاً ذريعاً لقيادة الأمة التي لا تخلو من أكفاء قادرين على القيادة والتوجيه السديدين..
وهؤلاء الأكفاء يرون كثيرا ممن يقودون الأمة، قد عبثوا بمصالحها عبث القرود بالثمار اليانعة، لجهلهم وعدم قدرتهم على التعليم والتوجيه...
[s3]
تنبيهات:
التنبيه الأول: يجب أن يكون عند ولي الأمر ما يؤهله لتعليم وتوجيه من يباشر الإشراف الإداري عليه، وكلما علت رتبته اشتدت حاجته إلى إحراز ما يناسب تلك الرتبة من هذا المؤهل، إذ الفرض في من يباشر الإشراف عليهم أن يكونوا مؤهلين لتعليم وتوجيه من دونهم، فهم يتلقون منه تعليمهم وتوجيههم، ومَن دونهم يتلقون التعليم والتوجيه منهم... وهكذا.
التنبيه الثاني: أن التعليم والتوجيه ليسا قاصرين على الشئون الدينية، المتعلقة بالإيمان أو الشعائر التعبدية أو المعاملات المشهورة المدونة في الكتب الإسلامية من تفسير وحديث وفقه وغيرهما...بل هما شاملان لكل ما يدخل تحت إدارة ولي الأمر ومن دونه من مصالح الأمة...
فيدخل في لك الشئون السياسية والإدارية والدبلوماسية والإعلامية، والعلاقات الدولية، والمالية والاقتصادية، والتعليمية والاجتماعية وسائر المصالح المرسلة التي تنظم بها حياة الناس مما لا يخالف الكتاب وصحيح السنة، مما يكون للاجتهاد في مجال...
فولاة أمر الأمة ينبغي أن يكونوا قادرين على تعليم وتوجيه من يباشر ون عليه الإشراف الإداري في هذه المجالات، لأنهم مسئولون عنها جميعا، وكل منهم مسئول عمن دونه...
التنبيه الثالث: أن الشئون الإدارية التي تساس بها الأمة، تختلف في كثرتها وقلتها وخطورتها من عصر إلى عصر، وهذا الاختلاف يقتضي تأهيل ولاة الأمر في كل عصر بما يناسبه من علوم الإدارة وفنونها، ليُضمَن نجاحهم في تحقيق مصالح أمتهم ودفع المفاسد عنها بسهولة ويسر ومساواة وعدل...
ولقد تشعبت شئون الإدارة في عصرنا هذا تشعبا لا مثيل له، لكثرة أصناف الأعمال وتنوعها، يظهر لك في كثرة الوزارات وما يندرج تحت كل وزارة من إدارات كبرى وصغرى، وهي تشمل كل ما تحتاج إليه الأمة من تنظيف شوارعها إلى حفظ ضرورات حياتها وما يتبعها من حاجيات وتكميليات...
التنبيه الرابع: أنه لابد مع كون ولي الأمر ذا ثقافة واسعة، وعلم جم، وعقل مدبر، عنده قدرة على التعليم والتوجيه، أن يجتهد في تأهيل موظفيه وعماله ليكونوا من ذوى الاختصاصات المتعلقة بشئون إدارته، ليقوم كل منهم بعمله على الوجه المطلوب ويعلم ويوجه الموظفين في إدارته.
إذ لا يستطيع ولي الأمر المسئول عن أي إدارة القيام بشئونها بمفرده، مهما كان علمه وثقافته، وإخلاصه وجده واجتهاده، بل لابد له من أعوان يتفرق فيهم ما قد يكون اجتمع فيه من الدين والعلم والخلق والثقافة ليكونوا سنداً له، كل في اختصاصه.
وولي الأمر العام شبيه بالمجدد الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: ((إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها)) . [أبو دواد، برقم (4291) وهو في جامع الأصول (11/319) قال المحشي عليه: "وإسناده صحيح، ورواه أيضاً الحاكم، برقم (8592 وصححه، ووافقه الذهبي"].
وقد علق ابن الأثير رحمه الله على هذا الحديث، وبين فيه أن هذا المجدد لا بد له من أعوان ينهضون معه بالتجديد في كل شئون الحياة، فقال :
"لا يلزم منه أن يكون أراد بالمبعوث الفقهاء خاصة، كما ذهب إليه بعض العلماء، فان انتفاع الأمة وإن كان نفعاً عاماً في أمور الدين، فإن انتفاعهم بغيره أيضاً كثير مثل أولي الأمر، وأصحاب الحديث، والقراء والوعاظ، وأصحاب الطبقات من الزهاد.
فإن كل قوم ينفعون بفن لا ينفع به الآخر، إذ الأصل في حفظ الدين حفظ قانون السياسة، وبث العدل والتناصف الذي به تحقن الدماء، ويتمكن من إقامة قوانين الشرع، وهذا وظيفة أولى الأمر.
وكذلك أصحاب الحديث ينفعون بضبط الأحاديث التي هي أدلة الشرع، والقراء ينفعون بحفظ القراءات وضبط الروايات، والزهاد ينفعون بالمواعظ والحث على لزوم التقوى والزهد في الدنيا.
فكل واحد ينفع بغير ما ينفع به الآخر، لكن الذي ينبغي أن يكون المبعوث على رأس المائة، رجلاً مشهوراً معروفاً مشاراً إليه في كل فن من هذه الفنون". [جامع الأصول (11/320ـ321)].
المبحث الثامن: الصدق
الصدق من الصفات التي يحتاج إليها الناس كلهم في معاملاتهم.. وهي من صفات أولي العزم من الرسل التي يسألهم الله عنها، وكذلك يسأل غيرهم من رسله وعباده المؤمنين..
قال سبحانه وتعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً * لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً أَلِيماً}. [الأحزاب: 7-8].
والصادق الذي يسأله الله فيفوز في صدقه يجزيه الله سبحانه وتعالى على ذلك..
كما قال سبحانه وتعالى: {لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً}. [الأحزاب: 24].
وقد أخبرنا سبحانه وتعالى أن الصدق ينفع صاحبه يوم حاجته إلى ما ينفعه وهو يوم القيامة، كما قال سبحانه وتعالى: {قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}. [المائدة: 119].
وقد أمر الله سبحانه وتعالى المؤمنين بتقواه وبالكون في صف الصادقين كما قال سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}. [التوبة: 119].
والصدق الحق عند الله هو الصدق الذي يوافقه عمل صاحبه..
كما قال سبحانه وتعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ}. [الحجرات: 15].
وإذا كان الصدق من صفات المؤمنين، فإن الكذب من صفات المنافقين.
كما قال سبحانه وتعالى: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ}. [المنافقون: 1].
وذكر النبي صلى الله عليه وسلم علامات النفاق فعد منها: ((الكذب)) . [راجع البخاري (1/14) ومسلم (1/78)].
والصدق بريد الجنة، كما أن الكذب بريد النار، كما روى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً)) . [البخاري (7/95) ومسلم (4/2012-2013) واللفظ له].
وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قيل له: أيكون المؤمن جباناً؟ فقال: ((نعم)) فقيل له: أيكون المؤمن بخيلاً؟ فقال: ((نعم)) فقيل له: أيكون المؤمن كذاباً؟ فقال: ((لا)) . [الموطأ (2/990) قال محققه: مرسل أو معضل، قال أبو عمر: لا أحفظه مسنداً من وجه ثابت، وهو حديث حسن مرسل. وقال المعلق على جامع الأصول (10/598): أقول وقد روي بمعناه مرفوعاً وموقوفاً، والموقوف أشبه، وهو موقوف في حكم المرفوع].
إذا علم أن الله سبحانه وتعالى يحاسب على الصدق، ويسأل عنه يوم القيامة ويجزي عليه، وأنه ينفع صاحبه يوم القيامة، وأنه من صفات المؤمنين التي أمر الله بها، وأنه يهدي إلى الجنة، وأن الكذب من صفات الكافرين والمنافقين وليس من صفات المؤمنين وهو بريد إلى النار..
فاعلم أن اتصاف ولي أمر المسلمين بالصدق ألزم له من غيره، وأن اتصافه بالكذب أقبح فيه من غيره لأمور:
الأمر الأول: أنه قدوة لمتبوعيه، فإذا رأوه يكذب اقتفوا أثره فكذبوا فيكون قدوة سيئة، وإن رأوه يلتزم الصدق اقتدوا به فيكون قدوة حسنة.
الأمر الثاني: أن وظيفة ولي الأمر وظيفة قيادية، أي إنه راع والغالب أنه لا يحتاج إلى الكذب والغش، لأن الذي يكذب قد يكون سبب كذبه الخوف، وولي الأمر يخافه الناس، والأصل أن لا يخاف منهم لأنه صاحب القوة والحكم أو صاحب الأمر والنهي.
الأمر الثالث: أنه إذا تكرر منه الكذب، فقد ثقة الناس في قوله، فلا يصدقونه إذا حدث، ولا يركنون إلى وعده ولا يطمعون في أمانته، وهذا الأمر كاف لإحداث خوف رعيته منه وعدم ركونهم إليه والاطمئنان إلى تصرفاته.
ولقد جعل الرسول صلى الله عليه وسلم ولي أمر المسلمين الكذاب من الثلاثة الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة، كما في حديث أيى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ـ ولا ينظر إليهم ـ ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر)) . [مسلم (1/102-103)].
وإنما كان هؤلاء الثلاثة مستحقين لهذا الوعيد الشديد على معاصيهم هذه، مع أنها معاصٍ أيضاً في حق غيرهم من المكلفين، لقلة داعي تعاطيها عند كل منهم، لأن داعي شهوة الزنا قد ضعف عند كبير السن، فارتكابه لهذه الجريمة دليل على تأصل إرادة المعصية عنده..
وكذلك الفقير الذي يتكبر، لا يوجد داع لكبره لأن منشأ الكبر الغنى أو الجاه أو المنصب، وهذا قد فقدها كلها، فكان الأصل فيه أن يتواضع فتكبره دليل على تأصل حب هذه الصفة في نفسه..
وكذلك الملك الكذاب، فإن الأصل أن لا يكذب على أحد من رعيته لعدم حاجته إلى الكذب عليهم، لكونه هو صاحب القوة فيهم، ويدخل في ذلك كل موظف مسؤول يكذب على رعيته.
قال النووي رحمه الله: "وأما تخصيصه صلى الله عليه وسلم الشيخ الزاني والملك الكذاب والعائل المستكبر بالوعيد المذكور، فقال القاضي عياض: سببه أن كل واحد منهم التزم المعصية المذكورة مع بعدها منه وعدم ضرورته إليها وضعف دواعيها عنده..
وإن كان لا يعذر أحد بذنب، لكن لما لم يكن إلى هذه المعاصي ضرورة مزعجة ولا دواعي معتادة، أشبه إقدامهم عليها المعاندة والاستخـفاف بحق الله وقصد معصية، لا لحاجة غيرها -إلى أن قال -:
وكذلك الإمام لا يخشى من أحد من رعيته، ولا يحتاج إلى مداهنته ومصانعته، فإن الإنسان إنما يداهن ويصانع بالكذب وشبهه من يحذره ويخشى أذاه ومعاتبته أو يطلب عنده بذلك منزلة أو منفعة، وهو غني عن الكذب مطلقاً". [شرح النووي على مسلم (2/117)].
قلت: قد يظن بعض ولاة أمور المسلمين أن الكذب على رعيته، قد ينفعه في بعض تصرفاته، ولكن ذلك الظن يكذبه الشرع والواقع.
أما الشرع فإن ما أمر الله به ومدحه وأثنى على صاحبه هو النافع في الدنيا والآخرة، وإذا ترتب عليه أذى نسبى في الدنيا، فإن ذلك الأذى ليس بشيء في جانب نفعه..
وإذا نهى الله عن شيء وذمه وذم من اتصف به، فإنه هو ضار بيقين، وإذا ترتب عليه نفع نسبى في الدنيا، فإن نفعه ليس بشيء بجانب ضرره.
وأما تكذيب الواقع لذلك الظن فإن التاريخ يدل عليه، ويكفي أن تذكر قصة كعب بن مالك رضي الله عنه عندما تخلف عن تبوك بدون عذر، وصَدَقَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يَكْذِبْهُ كما فعل المنافقون، فأوذي بهجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه له..
ولكنه نال بذلك رضا الله وسر سروراً عظيماً بموقفه، وعلم أن الذي نجاه مما وقع فيه غيره من الإثم والبعد عن الله ورسوله إنما هو صدقه..
وقد قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن نزلت توبته من عند ربه: "يا رسول الله إن الله إنما أنجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقاً ما بقيت قال: فوالله ما علمت أن أحداً من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث، ومنذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا أحسن مما أبلاني الله به، والله ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا.. وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقى -إلى أن قال-: والله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد إذ هداني الله للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا". [مسلم (4/2127)].
ويدل الواقع أيضاً أن كذب ولي الأمر على رعيته مضر به وليس نافعاً له، لأن الرعية إذا تكرر منه الكذب لا يصدقونه في أقواله ولو كان صادقا، ثم إذا رأوه يكذب عليهم عاملوه بالمثل، فيظهرون له ما يريد إظهاره، وهم في الواقع بخلاف ذلك.
وإن من المؤسف حقاً أن يبتعد كثير من ولاة أمور المسلمين عن صفة الصدق التي فيها نجاتهم شرعاً وواقعاً.. وفيها غرس الثقة بينهم وبين رعاياهم، ويتصفوا بصفة الكذب التي فيها خسارتهم في الدنيا والآخرة، وفيها فقد الثقة بينهم وبين رعاياهم، ضاربين بأمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، ودلالة الواقع وراء ظهورهم، مقتدين في الاتصاف بصفة الكذب بأعداء الله المنافقين والكافرين الذين يرون أن الغاية تسوغ الوسيلة. [راجع على سبيل المثال كتاب الأمير لميكافيلي تعريب خيري حماد منشورات المكتب التجاري للطباعة والتوزيع والنشر ـ بيروت ـ الطبعة الثانية ـ 1970م ويقال: إن بعض زعماء العرب الكبار كان لا يفارق هذا الكتاب، بل يضعه تحت وسادته على سرير نومه!].
وبهذا يعلم أن صفة الصدق من الصفات التي لابد أن تتوافر في ولي أمر المسلمين، وبدونها لا يكون كفؤاً لولايتهم.
[s3]
العواقب الوخيمة لكذب من يلي أمور المسلمين..
ولقد أصيبت الأمة الإسلامية بأسوأ العواقب المدمرة التي ترتبت على كذب كثير ممن ولي أمورهم الكبيرة منها والصغيرة، وتأتي خطورة كذب ولي الأمر من الآثار المترتبة عليه، لأنه قد يعد الأمة التي يريد قياداتها بما يحقق لها العز و السعادة في دنياها وأخراها، فتُعلق على وعده آمالا عظيمة، ثم تتبين بعد أن يتمكن من السيطرة على شئونها أنه خدعها، فلم يحقق لها إلا الذل والشقاء...
ويكفي أن يرى غالبُ الشعوب الإسلامية، التفريط في حفظ ضرورات حياتها، وهي الدين والنفس والنسل والعقل والمال، لعدم قيام كثير ممن ولي أمورها باتخاذ الأسباب التي يحفظ بها تلك الضرورات، بل يتعاطون من الأسباب ما يهدرها ويضيعها ويعود عليها بالنقض، ولهذا ترى الاعتداء على دين الأمة، و نفوسها ونسلها وعقول أبنائها ومالها، وهي عاجزة عن الدفاع عن ذلك كله.
وإذا كذب ولي الأمر على الأمة في حفظ ضرورات حياتها، فكذبه عليها فيما دون ذلك أولى وأحرى.
وإذا كذب على الأمة وخدعها الكبير منهم، فجرأة مَن دونه على الكذب عليها وخداعها أولى وأحرى، وإن كان الواجب على كل مسئول أن يكون صادقا مع أمته صغيرا كان أو كبيرا، ولكن العادة جرت على تقليد القوي للضعيف، وبخاصة فيما فيه حظ للنفوس، وقد قال الشاعر:
[s3]
مثال للكذب الإداري المدمر..
ولنضرب مثالاً من الكذب المدمر الذي يصدر من ولي الأمر ليخدع به شعبه، ويعمي به بصائرهم، ويهدر به ضرورات حياتهم وما يتبعها من حاجيات وتحسينيات... فلا يكتشفون كذبه وخداعه إلا بعد فوات الأوان، فيندمون ولات ساعة مندم.
هذا المثال يظهر في الثورة الكمالية التي خطط لها اليهود والنصارى، للإجهاز على ما بقي من رمز الخلافة الإسلامية التي حملها بنو عثمان.
فقد ضعفت هذه الخلافة، حتى أصبحت تسمى بالرجل المريض، واحتل أعداء الإسلام من الصليبيين الأوربيين عاصمة الخلافة (الآستانة) وقد أخرجوا صنما أحاطوه بهالة من العظمة والانتصارات- وكان الخليفة سجينا في دار الخلافة-حتى انتعشت آمال المسلمين الذين ظنوا ذلك الصنم مجددا لمعركة بدر، وجهاد صلاح الدين، وتخيلوا الملائكة وهي تحفه بالنصر في السماء وكتائب الجهاد ترفع رايته الأرض.
فمدحه الشعراء وأثنوا عليه ثناء عطرا، كما قال فيه شوقي:
وأخذت وسائل الإعلام المتاحة في تلك الفترة تكيل المديحَ للقائد المنتصر، والقدحَ والذمَّ للخليفة المغلوب على أمره، الذي بقي يصارع المساومات اليهودية الصليبية إلى آخر لحظة من ولايته.
وبذلك سوغ الكذبُ والتضليل لفرعونِ التركِ الصغير أن يقضي على رمز الخلافة، ويتخذ كل وسيلة لتحطيم دين الأمة - كما أراد ذلك اليهود والصليبيون- ويطرد الخليفة وأسرته إلى خارج حدود تركيا، ويحارب الإسلام وأهله حربا لا هوادة فيها.
ولا زال أتباعه يحذون حذوه في محاربة الإسلام والمسلمين، ليضاعفوا عليه الوزر الذي سيتضاعف عليهم كذلك. [وما يفعله العسكر وحلفاؤهم في تركيا اليوم من حرب للقرآن ومدارسه، والمساجد وأئمتها، والدعاة إلى الله وأنصارهم، والتعاون مع اليهود والصليبيين في تلك الحرب، غير خاف على أحد، ولعل حزب العدالة ينجح في التخفيف من شر الكماليين].
وعند ذلك استيقظ الغافلون عن المكر اليهودي الصليبي، وأخذوا ينوحون على الخلافة والخليفة والإسلام ويحاولون محاولة فاشلة، أن يجدوا لعودتهما سبيلا، وهيهات، و ذاق المسلمون بعدها أقسى عقاب وأعظم ذل. فناحوا وبكوا، وهل يعيد الموتى النواح والبكاء؟!
وهنا قال شوقي نفسه مخاطباً الخلافة التي أطاح بها خالد الترك.!: [راجع هذا كتاب: "الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر"(225) طبع دار الإرشاد في بيروت، للدكتور محمد مُحمد حسين].
وأما كيف خدع المسلمين مصطفى كمال أتاتورك، وكذب عليهم حتى صدقوه ودعموه، فيكفي قراءة المقطع الآتي: (وكما أن الغربيين قد نجحوا في مخططهم، وجعلوا العالم الإسلامي كله يسير فخوراً بضع سنوات وراء الثورة الكمالية، فقد استغل مصطفى كمال عواطف المسلمين وأموالهم إلى أبعد حدود الاستغلال، وكسا ثورته لباساً إسلامياً، سواء بأحاديثه وتصريحاته وخطبه أو بمعاملته لزعماء المسلمين.
فمن ذلك أنه استعان بالزعيم الليبي الشهير "أحمد السنوسي" وجعله مستشاراً له، وكان يبرق إليه، كما قال لي صديقي "الأمير شكيب أرسلان" إذا أراد شن هجوم على مكان ما قائلاً: إننا ننوي الهجوم غداً أو بعد غدٍ على مكان ما، فاقرؤوا البخاري الشريف على نية النجاح والتوفيق.
واستغل أيضاً أعمال وأقوال جمعية الخلفاء الهندية التي قامت برعاية الأخوين شوكت علي ومحمد علي واستغل الشعراء فمدحوه، والأدباء فأثنوا عليه، ومشايخ الطرق فرفعوه إلى مقام الولاية.
كان مصطفى كمال يبطن غير ما يظهر وينوي أن يفعل غير ما يقول، إذ أنه ما كاد ينتصر نهائياً ويطمئن إلى مصيره، حتى ألغى الخلافة وطرد الخليفة من البلاد وطرد السيد أحمد السنوسي، وتنكر لكل القيم الإسلامية وسار بسيرة ليس فيها أي مصلحة للإسلام ولا للمسلمين، لا بل ليس فيها أية مصلحة لتركيا نفسها، فها هي تركيا بعد مضي ستين سنة على هذه الثورة، ما زالت بلداً نامياً ضعيفاً، لا حول له ولا طول، فالحركة العلمية فيها ضعيفة، والأمية سائدة، والحياة الاجتماعية متأخرة والحالة الاقتصادية في الحضيض، وكل ما فعلته هذه الثورة أنها أشغلت الناس بأمور جانبية تافهة مثل إلغاء الطربوش، وسفور النساء، ولو كان هذان الأمران تركا للزمن لتكفل بتحقيقهما من غير ثورة كما حدث في كل البلاد الإسلامية...) . [من كتاب: تاريخ الدولة العلية العثمانية للأستاذ محمد فريد بك المحامي تحقيق الدكتور إحسان حقي دار النفائس ص 754 وما بعدها.. ].
وتبع الكماليَّ التركيَّ في كذبه على الأمة الإسلامية والقضاء على هويتهم وجعلهم لقمة لأعدائهم، كماليون كثيرون في البلدان العربية وغيرها، وهذا يوجب على العلماء والمفكرين التريث في الثناء على من يظهر صلاحه ويزعم أنه يريد تحقيق مصالح شعبه، حتى يتبينوا ذلك بالتجربة. [في كتابنا السباق إلى العقول – وهو معد للطبع – مزيد بيان].
ولا زال الكماليون مصرين على تطبيق العلمانية المعادية للإسلام والمحاربة لأهله في تركيا ويضايقون دعاة الحكم بالإسلام، بل بلغ بهم الأمر أن يغلقوا مدارس تحفيظ القرآن الكريم، ويتخذون كل الوسائل للقضاء على تعليم الشباب المسلم العلوم الإسلامية، ومن ذلك إغلاقهم معاهد الأئمة والخطباء، وعدم اعترافهم بشهادات الجامعات الإسلامية في عواصم الإسلام، كالأزهر والجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية وغيرهما، ولكن الصحوة الإسلامية تشق طريقها إلى إعادة مجد الإسلام ورفع رايته وسينصرهم الله على أعدائهم.
المبحث التاسع: المشاورة
[s3]
الشورى من صفات المؤمنين التي أثنى الله بها عليهم..
كما قال سبحانه وتعالى: {فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الِإثم وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ * وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}. [الشورى: 36_39وهي من السور المكية].
وأمر الله سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يشاور أصحابه، فقال:
{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}. [آل عمران: 159].
إن مشاورة ولي الأمر رعيته في الأمور المهمة التي لم يرد بها نص من كتاب ولا سنة ولم ينعقد عليها الإجماع ولم يظهر دليل رجحان الإقدام عليها أو الإحجام عنها لهي مما لا غنى لولي الأمر عنها..
ولقد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأولياء أمور أمته قاعدة الشورى التي وصف الله بها عباده المؤمنين، وأمَر بها رسولَه الأمين، وتبعه في ذلك خلفاؤه الراشدون رضوان الله عليهم، وشملت مشورة الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه كثيراً من الأمور السياسية والاقتصادية والصحية والاجتماعية والحربية..
والنصوص الدالة على ذلك كثيرة منثورة في أبواب متفرقة من كتب العلم المتنوعة، ككتب التفسير والحديث والفقه وكتب السياسة الشرعية..
وفيها بيان لصفات أهل الشورى وأمثلة لبعض أساليب إجرائها، وحكمها وما يترتب على العمل بها من آثار حميدة، وما يترتب على تركها من أضرار..
وليس المقام هنا مقام تفصيل في ذلك لأن المقصود بيان كون الشورى من صفات ولي الأمر الكفء الذي يستحق أن يكون قائداً للأمة، وقد أوضح علماء الإسلام أنها من قواعد سياسة المسلمين.
قال القرطبي رحمه الله: "قال ابن عطية: والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، من لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب، هذا ما لا خلاف فيه، وقد مدح الله المؤمنين بقوله: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}.. قال ابن خويز منداد: واجب على الولاة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون، وفيما أشكل عليهم من أمور الدين، ووجوه الجيش فيما يتعلق بالحرب، ووجوه الناس فيما يتعلق بالمصالح، ووجوه الكتاب والوزراء والعمال فيما يتعلق بمصالح البلاد وعمارتها.
والشورى بركة قال عليه السلام: ((ما ندم من استشار ولا خاب من استخار))" . [قال الحافظ ابن حجر: "والحديث أخرجه الطبراني في الصغير بسند واه جدا" فتح الباري (11/148) وراجع فيض القدير شرح الجامع الصغير (5/442-443)].
وقال بعضهم: شاور من جرب الأمور، فإنه يعطيك من رأيه ما وقع عليه غالباً، وأنت تأخذه مجاناً.. وقد جعل عمر ابن الخطاب رضي الله عنه الخلافة، وهي أعظم النوازل آنذاك شورى.. وقال سفيان الثوري: "ليكن أهل مشورتك أهل التقوى والأمانة ومن يخشى الله سبحانه وتعالى". [الجامع لأحكام القرآن (4/249)].
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله: "لا غنى لولي الأمر عن المشاورة، فإن الله سبحانه وتعالى أمر بها نبيه صلى الله عليه وسلم فقال: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} - إلى أن قال-: "فغيره صلى الله عليه وسلم أولى بالمشورة". [الفتاوى (28/386-387)].
وقد أجمل الحافظ ابن حجر رحمه الله عدة حوادث استشار فيها أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي تدل أن المشورة كانت دأبهم بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم اقتداء به. [راجع فتح الباري (13/342-343) وراجع صحيح البخاري (8/162)].
وإنما كانت للشورى هذه المنزلة في الإسلام لما يترتب عليها من المصالح، كظهور الصواب لولي الأمر بعد سماع الآراء والمشاورات وذكر حجج كل صاحب رأي، وإشعار ولي الأمر رعيته بأنهم أهل الشأن ليتحملوا معه مسؤوليته التي كُلِّفَها، واستفادة بعضهم من خبرة بعض، واستمرار الثقة بين ولي الأمر ورعيته..
وذلك يقوي جانبه ويدعم قراراته، ويشعر الرعية بالطمأنينة والرضا عن ولي أمرهم، ولما في ذلك من جمع كلمة أهل الحل والعقد عندما يتشاورون في أمرهم ويصدرون عن رأي واحد.. [لصاحب البحث رسالة مستقلة في الشورى بعنوان: "الشورى" جمع فيها كثيراً من النصوص المتعلقة بالشورى من الكتاب والسنة وسيرة الصحابة وأقوال العلماء، وفصل القول في مسائل مهمة فيها، وقارن باختصار بين الشورى والديمقراطية والاستبداد "الديكتاتورية" مبيناً ما تميزت به الشورى على غيرها من المحاسن، وسلامتها من المفاسد التي تنجم عن تطبيق النظامين الآخرين باختصار مفيد].
ومعلوم هو نجاح الأعمال الإدارية التي يكون لأفرادها مشاركة في مناقشة الأمور قبل اتخاذ القرارات المتعلقة بها. [القيادة الإدارية الحديثة لأحمد الشنتاوي ص227].
وإذا كان علماء الإدارة إنما وصلوا إلى هذه النتيجة بالتجارب الطويلة ولا زالوا يواصلون تجاربهم للارتقاء بها، فإن الله سبحانه وتعالى قد تعبد بها عباده المؤمنين في وحيه الذي أنزله على رسوله قبل خمسة عشر قرناً من الزمان.
ولقد ابتليت الأمة الإسلامية في غالب بلدانها، بمن يستبد بأمرها من دونها في عامة شئونها السياسية والدبلوماسية، والاقتصادية والمالية، والاجتماعية والتعليمية والإعلامية، فترتب على ذلك مفاسد عظيمة:
المفسدة الأولى: فقد صفةٍ مدح الله بها هذه الأمة في كتابه الكريم، كما مدحها بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة...
المفسدة الثانية: عصيان أمر الله سبحانه وتعالى بعدم تنفيذ أمره بها.
المفسدة الثالثة: شعور الرعية بأن ولي أمرها مستبد بالأمر لا يلقي لها بالاً، بل يتصرف في شئونهم بمفرده فيحدث ذلك جفاء بينه وبينهم.
المفسدة الرابعة: تحمل الأمة عواقب وخيمة ناشئة من التصرفات السيئة التي صدرت ممن استبد بأمرها وحرمها من المشاركة في تقرير شئونها...
المبحث العاشر: تحديد الاختصاصات
المراد بتحديد الاختصاص تقسيم وظائف العمل على العاملين، بحيث يكون كل موظف عالماً بالعمل الذي كلفه ليقوم به ويحاسب على تقصيره فيه، ولا يتجاوزه إلى عمل آخر مسند إلى سواه..
[s3]
تقسيم الوظائف سنة كونية..
وتقسيم الوظائف سنة كونية ربانية، فإن الله سبحانه وتعالى الذي خلق الكون، وهو القادر على كل شيء فيه بأن يقول له: {كُنْ فَيَكُونُ}. [مريم: 35]. قد قسم على مخلوقاته وظائفها تقسيماً محدداً واضحاً، فقد جعل للسماوات وظائفها وسكانها من ملائكته وجعل للأرض وظائفها وسكانها..
وجعل للكواكب وظائفها، فللشمس وظائف، وللقمر وظائف، وللكواكب
وجعل سبحانه وتعالى لليل وظائف وللنهار وظائف.
وجعل للجبال في الأرض وظائف، وللأنهار وظائف، وللبحار وظائف..
وهكذا الحيوانات جعل لكل نوع منها وظائف، فللإبل وظائف لا تشاركها في كثير منها الأغنام والبقر، وللبقر وظائف لا تشاركها فيها الحمير والخيل، وللخيل وظائف تخصها..
وهكذا جعل للأعضاء وظائف لا نشاركها فيها أعضاء أخرى، فوظائف العينين غير وظائف الأذنين، ووظائف القلب غير وظائف المعدة، ووظائف الرجلين غير وظائف اليدين..
ولو شاء سبحانه وتعالى ـ وهو القادر على كل شيء – لجمع وظائف متعددة في مخلوق واحد من هذه المخلوقات، ولكنه سبحانه وتعالى يعلم أن الخير في تقسيم الوظائف وإسناد كل وظيفة إلى أهلها..
وتقسيم الوظائف الكونية من الأمور البديهية التي لا تخفي على ذوى العقول.
ويكفى في تقسيم الوظائف الكونية أن نعلم أن الله سبحانه وتعالى قسم أمر تدبير العالم على ملائكته، وجعل لكل طائفة منهم شأناً من شئونه يقومون عليها بأمره سبحانه..
والنصوص في ذلك كثيرة وقد أجمل بعض العلماء ذلك فقال:
"وأما الملائكة فهم الموكلون بالسماوات والأرض، فكل حركة في العالم فهي ناشئة عن الملائكة..
كما قال سبحانه وتعالى: {فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً}. [النازعات: 5].
{فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً}. [الذاريات: 4].
وهم الملائكة عند أهل الإيمان واتباع الرسل.
وقد دل الكتاب والسنة على أصناف الملائكة، وأنها موكلة بأصناف المخلوقات، وأنه سبحانه وكل بالجبال ملائكة، ووكل بالسحاب والمطر ملائكة، ووكل بالرحم ملائكة تدبر أمر النطفة فيه حتى يتم خلقها.
ثم وكل بالعبد ملائكة لحفظ ما يعمله وإحصائه وكتابته، ووكل بالموت ملائكة، ووكل بالسؤال ملائكة..
ووكل بالنار وإيقادها وتعذيب أهلها وعمارتها ملائكة، ووكل بالجنة وعمارتها وغرسها وعمل آلاتها ملائكة " - إلى أن قال: "ومنهم ملائكة الرحمة وملائكة العذاب وملائكة قد وكلوا بحمل العرش، وملائكة قد وكلوا بعمارة السماوات بالصلاة والتسبيح والتقدير، إلى غير ذلك من أصناف الملائكة التي لا يحصيها إلا الله".
إلى أن قال: "ورؤسائهم الأملاك الثلاثة جبرائيل، وميكائيل، وإسرافيل الموكلون بالحياة..
فجبرائيل موكل بالوحي الذي به حياة القلوب والأرواح..
وميكائيل موكل بالقَطر الذي به حياة الأرض والنبات والحيوان..
وإسرافيل موكل بالنفخ في الصور الذي به حياة الخلق بعد مماتهم..
فهم رسل الله في خلقه وأمره، وسفراؤه بينه وبين عباده، ينزلون الأمر من عنده في أقطار العالم، ويصعدون إليه الأمر، قد أطت السموات بهم وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك قائم أو راكع أو ساجد لله، ويدخل البيت المعمور منهم كل يوم سبعون ألف لا يعودون إليه آخر ما عليهم". [شرح العقيدة الطحاوية ص335-337].
[s3]
وسنة شرعية..
وتتفق سنة الله الشرعية مع سنته الكونية في تحديد الوظائف وتقسيمها على من أسندت إليه، فقد حدد سبحانه وتعالى وظائف رسله في التبشير والإنذار وتبليغ الوحي والدعوة إلى الله والحكم بين الناس بالحق والجهاد في سبيل الله وغير ذلك مما أنيط برسله..
كما قال سبحانه وتعالى: {رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً}. [النساء: 165].
وقال سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ}. [المائدة: 67].
وقال سبحانه وتعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}. [النحل: 125].
وقال سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}. [التوبة: 73].
وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ولي أمر المسلمين، يحدد لأمرائه وعماله وظائفهم العامة والخاصة..
وإذا كانوا جماعة أمر عليهم واحداً منهم وبين له ما يجب عليه فيما يتعلق بعمله وما يتعلق برعيته.
ومن أمثلة ذلك: حديث ابن عباس رضي الله عنهـما الذي رواه عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد إلى فقرائهم، فإن هم أطاعوك كذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)) . [البخاري (8/164) ومسلم (1/50)].
فقد بعث الرسول صلى الله عليه وسلم معاذاً عاملاً وداعية إلى اليمن، وحدد له وظيفته تحديداً دقيقاً إذ بين له العمل المهم الذي يبدأ به مرتباً عليه ما ينبني عليه.
فالأصل الأول: هو الدعوة إلى توحيد الله والإقرار برسوله.
والأصل الثاني: أداء فرائض الصلاة التي هي الركن الثاني من أركان الإسلام، وهي عمل يحقق معنى الشهادتين، لأنها عبادة لله واتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
والأصل الثالث: أداء الزكاة الذي هو الركن الثالث من أركان الإسلام، وهي مع كونها عبادة لله، أصل في أداء حقوق عباد الله إليهم..
ثم أمره بالرفق بالرعية والعدل في معاملتهم والتجنب لظلمهم.
وقد بعث مع معاذ بن جبل أبا موسى الأشعري، رضي الله عنهـما، وجعل كل واحد منهما على مخلاف، وأمرهما إذا اجتمعا أن يتطاوعا ولا يختلفا، وييسرا ولا يعسرا ويبشرا ولا ينفرا..
روى أبو بردة قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا موسى ومعاذ بن جبل إلى اليمن، وبعث كل واحد منهما إلى مخلاف قال: واليمن مخلافان فانطلق كل واحد منهما إلى عمله.. قال: وكان كل واحد منهما إذا سار في أرضه وكان قريباً من صاحبه أحدث به عهداً فسلم عليه". [البخاري (5/107-108)].
فيظهر من هذا الحديث أن كل واحد منهما كان أميراً على مخلاف مستقل، وأمره لهما بالمطاوعة المراد منه إذا التقيا على قضية من القضايا..
وقد بوب البخاري على الحديث بقوله: "باب أمر الوالي إذا وجه أميرين إلى موضع أن يتطاوعا ولا يتعاصيا". [البخاري (8/114)].
وفي تبويب البخاري هذا رحمه الله إشارة إلى رد قول من قال: وفيه جواز نصب قاضيين في بلد واحد واشتراكهما في الولاية.
قال الحافظ: "وقال ابن التين: الظاهر اشتراكهما، لكن جاء في غير هذه الرواية أنه أقر كلاً منهما على مخلاف.. وكان اليمن مخلافين..
قلت: وهذا هو المعتمد، والرواية التي أشار إليها تقدمت في غزوة حنين باللفظ المذكور. [البخاري (8/114) وتقدم في المغازي أن كلاً منهما كان إذا سار في عمله زار رفيقه، وكان عمل معاذ في النجود وما تعالى من بلاد اليمن، وعمل أبي موسى في التهائم وما انخفض منها].
وعلى هذا فأمره صلى الله عليه وسلم لهما بأن يتطاوعا ولا يتخالفا محمول على ما إذا اتفقت قضية يحتاج الأمر فيها إلى اجتماعهما". [فتح الباري (13/163)].
قلت: ولو بعثهما الرسول صلى الله عليه وسلم إلى موضع واحد بحيث يكونان مجتمعين على عمل واحد، لما كان كل منهما أميراً، بل دأبه صلى الله عليه وسلم أن يؤمر واحداً.
ومن أمثلة تحديد الرسول صلى الله عليه وسلم وظائف العاملين؛ وهو مثال لكل أمير جيش:
حديث بريدة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميراً على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيراً..
ثم قال: ((اغزوا باسم الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليداً، وإذا لقيت عدوك من المشركين، فادعهم إلى ثلاث خصال.. فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم.. ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم.. ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين.. فإن أبو أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين.. فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم.. فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم.. وإذا حاصرت أهل حصن، فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه فلا تجعل لهم ذمة الله ولا ذمة نبيه.. ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك، فإنكم إن تخفروا ذممكم وذمم أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله.. وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله.. ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا)) . [مسلم (3/1357-1358)].
فقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث لأمرائه على الجيوش الأمور التي لهم أن يأتوها والأمور التي ليس لهم أن يأتوها، وحددها تحديداً دقيقاً صريحاً. فوظيفتهم العامة هي الغزو في سبيل الله..
وتفصيل ذلك في أمور:
الأمر الأول: أن يدعو المشركين إلى الإسلام، فإذا أجابوا إلى ذلك وجب الكف عنهم.
الأمر الثاني: أن يدفع الكفار الجزية، فإذا دفعوها وجب الكف عنهم.
الأمر الثالث: إذا لم يستجيبوا لدعوة الإسلام ولا إلى دفع الجزية وجب أن يستعين بالله ويقاتلهم.
والذين يستجيبون للإسلام يدعون إلى الهجرة من بلادهم، لينضموا إلى إخوانهم المهاجرين للجهاد في سبيل الله، فإذا استجابوا كان لهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبو فليس لهم شيء من الغنائم والفيء إلا إذا حضروا المعركة.
أما ما ليس للأمير وجيشه أن يتعاطوه فيتلخص في أمور:
الأمر الأول: عدم الاعتداء على العدو بما لم يأذن به الله سبحانه وتعالى، كالغدر والتمثيل وقتل غير المقاتلين أو المحرضين على القتال.
الأمر الثاني: عدم إعطاء العدو ذمة الله ورسوله في الصلح خشية أن لا يفي أمير الجيش وجيشه بما وعدوا، لما في ذلك من جعل ذمة الله وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم عرضة للنقض.
ونقض ذمة الأمير وجيشه أهون من نقض ذمة الله و رسوله.
الأمر الثالث: عدم إنزال العدو على حكم الله في الأمور الاجتهادية التي يحتمل أن لا يصيبوا حكم الله في الواقع فيها.
قال النووي رحمه الله: "وفي هذه الكلمات من الحديث فوائد مجمع عليها، وهي تحريم الغدر وتحريم الغلول وتحريم قتل الصبيان، إذا لم يقاتلوا، وكراهة المثلة، واستحباب وصية الإمام أمراءه وجيوشه بتقوى الله سبحانه وتعالى والرفق بأتباعهم وتعريفهم ما يحتاجون في غزوهم، وما يجب عليهم وما يحل لهم وما يحرم عليهم، وما يكره وما يستحب".. [شرح النووي على مسلم (12/37)].
ومن أمثلة ذلك بعث الرسول صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه أميراً للحج في السنة التاسعة من الهجرة، ثم إردافه بعلي رضي الله عنه ليتلو على الناس سورة التوبة..
فلما لحق علي رضي الله عنه بأبي بكر قال له: أمير أم رسول؟ قال: لا، بل رسول..
كما روى ذلك جابر رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم حين رجع من عمرة الجعرانة، بعث أبا بكر على الحج، فأقبلنا معه، حتى إذا كنا بالعرج ثوب بالصبح، ثم استوى ليكبر.. فسمع الرغوة خلف ظهره فوقف عن التكبير، فقال: هذه رغوة ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم الجدعاء، لقد بدا لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الحج، فلعله أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنصلي معه..
فإذا علي عليها فقال أبو بكر: أمير أم رسول؟
قال: لا بل رسول، أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم ببراءة أقرؤها على الناس في مواقف الحج، فقدمنا مكة..
فلما كان قبل يوم التروية بيوم قام أبو بكر فخطب الناس، فحدثهم عن مناسكهم، حتى إذا فرغ قام علي رضي الله عنه فقرأ على الناس براءة حتى ختمها ثم خرجنا معه، حتى إذا كان يوم عرفة قام أبو بكر فخطب الناس فحدثهم عن مناسكهم، حتى إذا فرغ قام علي فقرأ على الناس براءة حتى ختمها..
ثم كان يوم النحر فأفضنا، فلما رجع أبو بكر خطب الناس فحدثهم عن إفاضتهم، وعن نحرهم، وعن مناسكهم، فلما فرغ قام علي فقرأ على الناس براءة حتى ختمها..
فلما كان يوم النفر الأول قام أبو بكر فخطب الناس فحدثهم كيف ينفرون؟ وكيف يرمون؟ فعلمهم مناسكهم، فلما فرغ قام علي فقرأ على الناس براءة حتى ختمها". [سنن النسائي (5/198) وفيه ابن خثيم، قال فيه النسائي: "ابن خثيم ليس بالقوي في الحديث" وقال المحشي على جامع الأصول (2/158): وصححه ابن خزيمة وابن حبان. قلت ولأصل الحديث شاهد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في صحيح البخاري، وليس فيه هذه التفاصيل. راجع البخاري (5/202) وراجع فتح الباري (8/317-318)].
والشاهد في الحديث كون أبي بكر رضي الله عنه كان أميراً للحج يطيع الحجاج أمره ونهيه، وكان هو الذي يبين للناس ما يتعلق بالمناسك وكيفية السير والنفر، وكون علي رضي الله عنه بعث بقراءة سورة براءة على الناس، فلم يتجاوز أحدهما ما حدده له الرسول صلى الله عليه وسلم من العمل، بل التزم كل منهما بوظيفته.
وفي غزوة أحد أجلس صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جبير رضي الله عنه وطائفة من أصحابه في موضع معين، وأمر عليهم عبد الله وحدد وظيفتهم بالبقاء في ذلك المكان لحماية ظهر المسلمين من خيل المشركين.. وألزمهم بذلك في كل حال من الأحوال، وكان ذلك التحديد صريحاً.
كما روى البراء رضي الله عنه قال: لقينا المشركين يومئذ، وأجلس النبي صلى الله عليه وسلم جيشاً من الرماة، وأمر عليهم عبد الله، وقال: ((لا تبرحوا، إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا)) . [البخاري (5/29)].
وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعض الأعمال والوظائف يسندها لبعض أصحابه عملاً، وإن لم يحددهم بالقول، حتى كانوا يعرفون بأصحاب تلك الأعمال.
كما كان ابن مسعود رضي الله عنه صاحب نعليه ووسادته ومطهرته، وكان حذيفة رضي الله عنه صاحب سره، كما صح ذلك عن أبي الدرداء رضي الله عنه . [راجع البخاري (4/215)].
[s3]
اقتداء الصحابة بنبيهم في تحديد الوظائف والاختصاصات..
وهكذا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يحددون وظائف عمالهم، إما تفويضاً وإما تنفيذاً.
فقد جعل أبو بكر رضي الله عنه لأنقاب المدينة حراساً، بعد موت الرسول صلى الله عليه وسلم وارتداد العرب، ليقوموا بحراستها وألزم أهل المدينة بحضور المسجد للاستعداد لمواجهة العدو إذا أغار على المدينة..
وعندما أغار الأعداء على المدينة، خرج أبو بكر في أهل المدينة وأمراء الأنقاب، وعبأ جيشه ليلاً وكلف على كل جهة من جهة جيشه مسؤولاً معيناً، فجعل على الميمنة النعمان ابن مقرن، وعلى الميسرة أخاه عبد الله، وعلى الساقة أخاهما سويداً، وكان النصر. [البداية والنهاية لابن كثير (6/312-313)].
وكذلك فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فعين في عام الرمادة أمراء على نواحي المدينة، لتفقد أحوال الناس الذين اجتمعوا حولها طلباً للرزق لشدة ما أصابهم من القحط والجوع..
فكانوا يشرفون على تقسيم الطعام والإدام على الناس، وإذا أمسوا اجتمعوا عنده فيخبرونه بكل ما كانوا فيه، وهو يوجههم..
روى أسلم أنه لما كان عام الرمادة تجلَّبتْ العرب من كل ناحية، فقدموا المدينة، فكان عمر بن الخطاب أقر رجالاً يقومون عليهم ويقسمون عليهم أطعمتهم وإدامهم..
فكان يزيد بن أخت النمر، وكان المسور بن مخرمة، وكان عبد الرحمن ابن عبد القاري، وكان عبد الله بن عتبه بن مسعود..
فكانوا إذا أمسوا اجتمعوا عند عمر فيخبرونه بكل ما كانوا فيه، وكان كل رجل منهم على ناحية من المدينة، وكان الأعراب حلولاً فيما بين رأس الثنية إلى رابح، إلى بني حارثة إلى بني عبد الأشهل، إلى البقيع، إلى بني قريظة.. ومنهم طائفة بناحية بني سلمة محدقون بالمدينة.
فسمعت عمر يقول ليلة - وقد تعشى الناس عنده -: أحصوا من تعشى عندنا، فأحصوهم من القابلة، فوجدوهم سبعة آلاف رجل..
وقال: أحصوا العيالات الذين لا يأتون والمرضي والصبيان، فأحصوا فوجدوهم أربعين ألفا ثم مكثنا ليالي، فزاد الناس فأمر بهم فأحصوا، فوجدوا من تعشى عنده عشرة آلاف، والآخرين خمسين ألفاً". [الطبقات الكبرى لابن سعد (3/316)].
فقد عين عمر لكل ناحية من المدينة رجلاً من رجاله، للإشراف على تقسيم الطعام والإدام وجمع المعلومات وإحصاء الناس لمعرفة مقادير ما يحتاجون إليه من الطعام، وتلك كما هو معلوم وظائف محددة.
وإن الذي يتأمل تعبئة خالد بن الوليد رضي الله عنه جيشه في وقعة اليرموك وتقسيم جيشه وتحديد مسؤولياتهم مع أمرائهم ليرى العجب العجاب من تقسيم الأعمال وتحديد الوظائف تحديداً دقيقاً..
قال ابن كثير رحمه الله: "وخرج خالد في تعبئة لم تعبها العرب قبل ذلك، فخرج في ستة وثلاثين كردوساً إلى الأربعين، كل كردوس ألف رجل، عليهم أمير.
وجعل أبا عبيدة في القلب، وعلى الميمنة عمرو بن العاص، ومعه شرحبيل بن حسنة، وعلى الميسرة يزيد بن أبي سفيان..
وأمر على كل كردوس أميراً، وعلى الطلائع قباب بن أشيم، وعلى الأقباض عبد الله بن مسعود، والقاضي يومئذ أبو الدرداء، وقاصهم الذي يعظهم ويحثهم على القتال أبو سفيان بن حرب، وقارئهم الذي يدور على الناس فيقرأ سورة الأنفال وآيات الجهاد المقداد بن الأسود.
وعلى الخيالة خالد بن الوليد، وهو المشير في الحرب الذي يصدر الناس كلهم عن رأيه". [انظر البداية والنهاية (7/7-8)].
هذه أمثلة قليلة في تحديد الاختصاصات من قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعض أصحابه، والواقع أن ذلك أمر مقرر لا تقوم سياسة الأمة بدونه، ولذلك يصعب تتبعه في السيرة النبوية وسيرة الخلفاء الراشدين وغيرهم من أمراء المسلمين في سلمهم وحربهم.
لأن كل أمير وقاض أو رسول كان مسؤولاً مسؤولية محددة معروفة إما تفويضاً وإما تنفيذاً.
وعلى هذا بنى العلماء تقسيمهم الوزارة قسمين:
القسم الأول: وزارة التفويض، وهي أن يستوزر الإمام من يفوض إليه تدبير الأمور برأيه، وإمضائه على اجتهاده.
القسم الثاني: وزارة التنفيذ، وهي أن يكون الوزير وسطاً بين الإمام ورعاياه وولاته، ليؤدي عنه ما أقَر، وينفذ عنه ما ذكر، ويمضي ما حكم ويخبر بتقليد الولاة وتجهيز الجيوش، ويعرض عليه ما ورد من مُهِم وتحَدَّدَ مِنْ حَدَثٍ مُلِمْ.. والتدبير والرأي للإمام وليس للوزير. [راجع الأحكام السلطانية للماوردي ص23-29].
ويترتب على تحديد الوظائف وتقسيم العمل معرفة قيام الولاة بمسؤولياتهم، لأن الوظيفة المحددة للشخص تجعله مسئولا عنها أمام ولي الأمر، إذ لا يستطيع أن يحمل غيره مسؤوليته عن وظيفته المحددة إذا حصل تقصير..
وذلك حافز على قيام العامل بعمله، ومؤد إلى معرفة المتواني عن العمل ليحاسب عليه، بخلاف ما إذا كانت الوظائف غير محددة، فإن كل واحد من العاملين قد يتوانى عن أدائها موكلاً أمرها إلى غيره، وقد يجتهد كل منهم في القيام بالوظيفة فيتعارض اجتهادهم الوارد على الوظيفة الواحدة فيحصل بينهم خلاف يؤدي إلى الفوضى.
لهذا كان من أهم صفات ولي الأمر التي تجعله كفؤاً للولاية، أن يكون قادراً على تحديد الأعمال والوظائف وتقسيمها على ولاته.
ولعل في قول يوسف عليه السلام للعزيز عندما طلبه وقال له: {..إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ}. وقد فهم يوسف عليه السلام أنه يريد منه إعانته في ملكه، فقال له: {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ}. [يوسف: 53-54]. لعل في قوله هذا إشارة إلى أنه لا بد من تحديد العمل الذي يراد إسناده إلى الموظفين، لأن العزيز لم يحدد ليوسف عملاً معيناً، فطلب يوسف أن يحدد له عمله بالقيام على خزائن الأرض.
وقد دلت التجارب الإدارية أن تقسيم العمل وتحديد قواعده من أهم عوامل النجاح، وأن عدم الوضوح يؤدي إلى احتكاك الموظفين واعتداء بعضهم على اختصاصات بعض..
لذلك كان تحديد الوظيفة وواجباتها وتمييزها عن غيرها، من أول ما يعنى به ولي الأمر. [راجع كتاب مبادئ علم الإدارة العامة (145) طبع ونشر دار الفكر العربي 1969م، لسليمان محمد الطماوي، والعلاقات الإنسانية في الإدارة ص253، نشر مكتبة القاهرة الحديثة لصالح الشبكشي، 1969م، والقيادة الإدارية الحديثة لأحمد الشنتاوي ص42-43].
والخلاصة: أن تقسيم الوظائف وتحديدها سنة كونية وسنة شرعية، والذي لا يقسم الوظائف على العاملين يخالف السُّنَّتَين، وهو جدير بالتعب الجسدي والإرهاق العقلي والفشل الإداري، لأن طاقته محدودة، وهو لذلك غير قادر على تدبير الأمور بمفرده، وفي عمله ذلك تجميد للطاقات وحرمان للأمة من نشاط أبنائها الأكفاء..
وفي عدم تقسيم الوظائف وعدم تحديد اختصاصات كل موظف إيهام يؤدي إلى التواكل والاعتداء على اختصاصات الآخرين، وذلك جدير بإحداث الفوضى والخلاف والفشل كذلك.
فلابد من تقسيم الوظائف على أكفاء، ولابد من تحديد عمل كل موظف.
والذي لا توجد فيه هاتان الصفتان ناقص الكفاءة نقصاً قد يؤدي إلى شلل ولايته شللاً تاماً.
المبحث الحادي عشر: الإشراف المباشر والمحاسبة الدائمة
إن تقسيم العمل على العاملين وتحديد وظائفهم، سواء كانت تفويضية أو تنفيذية، ليس معناه بُعد ولي الأمر عن الإشراف على سير العمل ومتابعته لمعرفة نجاحه...
بل لابد لولي الأمر أن يشرف على أعمال كبار موظفيه، وأن يتابعهم ويراقب أعمالهم مراقبة يقصد منها الاطمئنان على قيامهم بواجبهم، وأن يحاسب من قصر في عمله أو غاب عنه بغير عذر شرعي، أو اعتدى على غير حقه أو تجاوز حدود وظيفته، ولا تنقطع مسؤولية ولي الأمر بإسناد الأمور إلى الأكفاء.
دقة إشراف نبي الله سليمان على شؤون مملكته..
ولقد لفت نظري دقة إشراف نبي الله سليمان صلى الله عليه وسلم على جنوده الذين سخرهم الله له، وتفقده لأصنافهم ومنهم الطير التي لم يغب منها إلا طائر واحد، وهو "الهدهد" الذي غضب عليه سليمان لغيابه بدون إذن منه، وما جرى بينه وبين ذلك الجندي الذي لم ينجه من العقاب إلا صدقه.
قال سبحانه وتعالى: {وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِي لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنْ الْغَائِبِينَ (20) لأعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (21) فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22) إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنْ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ (24) أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25) اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (26) قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنْ الْكَاذِبِينَ}. [النمل: 20-27].
ورجعت إلى تفسير الآيات فوجدت الإمام القرطبي رحمه الله يقول: في تفسير الآية: "في هذه الآية دليل عن تفقد الإمام أحوال رعيته والمحافظة عليهم، فانظر إلى الهدهد مع صغره كيف لم يخف عن سليمان حاله فكيف بعظام الملك؟! ويرحم الله عمر فإنه كان على سيرته قال: لو أن سخلة على شاطئ الفرات أخذها الذئب ليسأل عنها عمر! فما ظنك بوال تذهب على يديه البلدان وتضيع الرعية ويضيع الرعيان"؟! [الجامع لأحكام القرآن (13/178)].
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله: في تفسيره: {وتفقد الطير} "دل هذا على كمال عزمه وحزمه وحسن تنظيمه لجنوده وتدبيره بنفسه، للأمور الصغار والكبار، حتى إنه لم يهمل هذا الأمر وهو تفقد الطيور والنظر هل هي موجودة كلها أم مفقود منها شيء وهذا هو المعنى للآية..." . [تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (1/603)].
ولعل الله تعالى بعث الهدهد إلى سبأ بدون علم سليمان ليطلعه على حاجة أهل هذا البلد إلى دعوته.
وليس المراد من إشراف ولي الأمر ومراقبته ومحاسبته عماله، أن يتدخل في كل صغيرة وكبيرة أو يضايق ولاته بالتجسس عليهم، أو يؤنبهم في كل ما قد يحصل منهم من خطأ صادر عن اجتهاد وحسن نية، فإنه إذا فعل ذلك أفسد ما بينه وبين ولاته بسوء الظن وفقد الثقة.
وإنما المراد متابعتهم بسؤالهم عن حسن سير أعمالهم وعن العقبات التي قد تعرض لهم من أجل تذليلها وسؤالهم عن أحوال الناس ووصول حقوقهم إليهم، فإنه بذلك يطلع على ما تم من العمل وما لم يتم، وكذلك قد ترد إليه شكاوي من الرعية ببعض الولاة، فعليه أن يسأل ولاته ويتثبت من الأمر.
كما أن بعض الولاة قد يتعدى حدود ماله من العمل تعدياً ظاهراً، فإذا ظهر لولي الأمر شيء من ذلك فعليه أن يحاسب ولاته ويعيد الأمر إلى نصابه.
[s3]
إشراف الرسول صلى الله عليه وسلم على أعمال أصحابه، ومشاركته فيها..
وكان الغالب من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يشرف على الأعمال بنفسه، بل يشارك فيها عملاً، سواء كانت عسكرية، كما في غزواته التي استطاع الخروج بنفسه فيها، أو مدنية كما في بناء مسجده.
فقد غزا صلى الله عليه وسلم بنفسه تسع عشرة غزوة قاتل في ثمان منها. [راجع صحيح البخاري (5/145) ومسلم (3/1448)].
وكان يشارك أصحابه في أعمال الحروب الشاقة..
قال البراء رضي الله عنه: "لما كان يوم الأحزاب وخندق رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيته ينقل من تراب الخندق حتى وارى عني التراب جلدة بطنه، وكان كثير الشعر، وسمعته يرتجز بكلمات ابن رواحة، وهو ينقل التراب ويقول:
قال: ثم يمد صوته بآخرها". [البخاري (5/47-48) ومسلم (3/1430)].
ولما رأى صلى الله عليه وسلم ما أصاب أصحابه من الجهد: جهد البرد وجهد الجوع، وجهد مشقة حفر الخندق ونقل التراب، أخذ يسليهم ويقول:
ويقولون هم مجيبين له: [البخاري (5/45) ومسلم (3/1431-1432)].
وكذلك شاركهم صلى الله عليه وسلم في أصعب الأعمال التي لم يقدروا عليها، فشكوا إليه قطعة صلبة من الأرض اعترضتهم، فنزل من مقر قيادته وأخذ معولاً فضربها فعادت كثيباً مهيلاً.
كما روى ذلك جابر رضي الله عنه قال: "إنا يوم الخندق نحفر، فعرضت كدية شديدة فجاؤوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق فقال: ((أنا نازل)) ثم قام وبطنه معصوب بحجر، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقاً، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم المعول فضرب فعاد كثيباً أهيل". [البخاري (5/45-46) والكدية القطعة الغليظة الصلبة من الأرض لا يعمل فيها الفأس].
وشاركهم في بناء مسجده صلى الله عليه وسلم، وكان يسليهم ويرتجز..
كما روى أنس بن مالك رضي الله عنه قال:"وجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجزون والنبي صلى الله عليه وسلم معهم، وهو يقول: [البخاري (5/111) ومسلم (1/373-374)].
وكان ينفض التراب عن بعض أصحابه العاملين في المسجد. [البخاري (5/115)، والذي كان ينفض التراب عنه هو عمار رضي الله عنه].
والذي يتتبع سيرته صلى الله عليه وسلم يجد أن مشاركة أصحابه في العمل هي الأصل في حياته، وكان لتلك المشاركة النبوية أثرها في نفوس جنده رضي الله عنهم وفي حماسهم العظيم لإنجاح أي عمل كان يسنده إليهم..
ولقد كان صلى الله عليه وسلم يتأخر عن المشاركة في بعض الأعمال شفقه بأصحابه وخشية عليهم أن يكلفوا أنفسهم فوق طاقتهم لرغبتهم في الاقتداء به.
ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفس محمد بيده لولا أن أشق على المؤمنين ما قعدت خلف سرية تغزو في سبيل الله، ولا تطيب أنفسهم أن يقعدوا بعدي)) . [مسلم (3/1497) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه].
والأعمال التي لم يكن يباشر المشاركة فيها بنفسه، كان يشرف عليها بعد أن يولي عليها من يراه كفؤاً من أصحابه رضي الله عنهم.
ومن أمثلة ذلك أمره صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يصلي بالمسلمين في مرض موته، وقد راجعته عائشة رضي الله عنهـا طالبة منه أن يأمر عمر بذلك، لما تعلم من رقة أبيها التي قد لا يسمع الناس معها قراءته بسبب البكاء، فأصر صلى الله عليه وسلم على أن يصلي بالناس أبو بكر، ثم كشف الستارة وأشرف على المسلمين وهم يصلون وراء أبي بكر، فسرَّ بذلك وتبسم لاطمئنانه على اجتماع أصحابه وراء الصديق، الذي كان لإصراره على إمامته مغزى الإشارة إلى أنه هو الكفء الأول لإمامة المسلمين العامة بعده..
و في إشرافه وسروره ما يدل على متابعته لتنفيذ أمره واتباع سنته، وبخاصة ما يتعلق باجتماع أمته على من يخلفه في صلاته وفي ولاية أمره..
كما روى أنس بن مالك رضي الله عنه: أن أبا بكر كان يصلي بهم في وجع النبي صلى الله عليه وسلم الذي توفي فيه حتى إذا كان يوم الاثنين، وهم صفوف في الصلاة، فكشف النبي صلى الله عليه وسلم ستر الحجرة، فنظر إلينا وهو قائم، كأن وجهه ورقة مصحف..
ثم تبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ضاحكاً قال: فبهتنا ونحن في الصلاة من فرح بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف، وظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خارج للصلاة، فأشار بيده إليهم: أن أتموا صلاتكم. قال: ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرخى الستر قال: فتوفى رسوله الله صلى الله عليه وسلم من يومه ذلك". [البخاري (1/165-166) ومسلم (1/135)].
قال النووي رحمه الله سبحانه وتعالى: "سبب تبسمه صلى الله عليه وسلم، فرحُه بما رأى من اجتماعهم على الصلاة، واتباعهم لإمامهم، وإقامتهم شريعته واتفاق كلمتهم واجتماع قلوبهم، ولهذا استنار وجهه صلى الله عليه وسلم على عادته إذا رأى أو سمع ما يسره يستنير وجهه". [شرح النووي على مسلم (4/142)].
[s3]
محاسبة الرسول صلى الله عليه وسلم عماله..
أما محاسبة الرسول صلى الله عليه وسلم لولاته إذا خالفوا أمره، فكانت واضحة في سيرته، فقد حاسب خالد بن الوليد رضي الله عنه على قتله بني جذيمة لقولهم: صبأنا ولم يقولوا: أسلمنا..
روى عبد الله بن عمر رضي الله عنهـما قال: "بعث النبي صلى الله عليه وسلم خالد ابن الوليد إلى بني جذيمة فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فقالوا: صبأنا صبأنا، فجعل خالد يقتل ويأسر، ودفع إلى كل رجل منا أسيره، فأمر كل رجل منا أن يقتل أسيره، فقلت: والله لا أقتل أسيري، ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره، فذكرنا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((اللهم إني ابرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد)) مرتين". [البخاري (8/118)].
ولا شك أن براءته صلى الله عليه وسلم مما صنع خالد تعتبر محاسبة له على ما صنع، وإن كان ذلك صدر عن اجتهاد منه، إلا أنه كان يجب أن يتريث ويستشير أصحابه، بل كان عليه أن يستفسر من خالفه كابن عمر رضي الله عنهـما، بل يستفسر القوم عن مرادهم.
قال ابن حجر رحمه الله: "والغرض منه، قوله: ((اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد)) يعني من قتله الذين قالوا: صبأنا صَبأنا قبل أن يستفسرهم عن مرادهم بذلك القول، فإن فيه إشارة إلى تصويب فعل ابن عمر ومن تبعه في تركهم متابعة خالد على قتل من أمرهم بقتلهم من المذكورين". [الفتح (13/182)].
فائدة مهمة في هذا الحديث..
قلت: وفي هذا دليل على جواز اجتهاد بعض أفراد الجند فيما يتعلق بإزهاق الأرواح، ولو خالف أميره، إذا كان المخالف أهلا للاجتهاد، وعنده حجة واضحة على اجتهاده، لأن المسلم لا يجوز له أن يقتل نفسا حرم الله قتلها بغير حق.
فإذا اعتقد الجندي أن النفس التي أمره قائده بقتلها نفس مسلمة، لا سبب يخرجها عن عصمتها، وجب عليه الكف عن قتلها ولو أدى ذلك إلى قتله هو، وليدع القائد يباشر ذلك بنفسه أو يأمر به غيره.
ويدل على هذا أمران:
الأمر الأول: أن حفظ النفس من مقاصد الشريعة العليا التي يعبر عنها العلماء بـ"الضرورات" وهو مقصد دلت عليه نصوص متفرقة في أبواب كثيرة من أبواب الشريعة الإسلامية. [يمكن مراجعة كتابنا الإسلام وضرورات الحياة].
ولهذا لم يجعل العلماء الإكراه على قتل النفس المحرمة عذرا لمَن أُكره عليه، فلا يجوز تعاطي ما يعود على ذلك بالنقض بمجرد اجتهاد.
قال الكاساني، رحمه الله: "وأما النوع الذي لا يباح ولا يرخص بالإكراه أصلا، فهو قتل المسلم بغير حق سواء كان الإكراه ناقصا أو تاما، لأن قتل المسلم بغير حق لا يحتمل الإباحة بحال، قال الله تبارك وسبحانه وتعالى {وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ} . [بدائع الصنائع (7/177) والآية من سورة الأنعام: 151].
الأمر الثاني: واضح في هذه القصة التي هي محل النزاع بين القائد خالد، والجندي ابن عمر، رضي الله عنهـما، فقد حاسب الرسول صلى الله عليه وسلم خالدا محاسبة شديد بدليل أنه تبرأ مما فعل، وأقر ابن عمر على مخالفته.
ولا شك أن هذا يخالف ما تسير عليه الجيوش التي لا تلتزم بشرع الله، إذ يجب على الجنود طاعة قائدهم ولو كان في طاعته معصية لله، وهذه المعصية أصبح معمولا بها في ساحة الحروب، بل في غيرها كما هو معلوم.
وحاسب صلى الله عليه وسلم ابن اللُّتْبِيَّة على المال الذي قال: إنه أهدى إليه.
كما روى أبو حميد الساعدي رضي الله عنه قال: "استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من الأزد على صدقات بني سليم، يدعي ابن اللُّتْبَِيَّة.
فلما جاء حاسبه قال: هذا ما لكم، وهذا هدية.. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فهلا جلست في بيت أبيك وأمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقاً؟))..
ثم خطبنا، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ((أما بعد فإني استعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله، فيأتي فيقول: هذا مالكم، وهذا هدية أهديت لي، أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقاً، والله لا يأخذ أحد منكم منها شيئاً بغير حق إلا لقي الله سبحانه وتعالى يوم القيامة، فلأعرفن أحداً منكم لقي الله يحمل بعيراً له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر)).. ثم رفع يديه حتى رؤي بياض إبطيه، ثم قال: ((اللهم هل بلغت)) . [البخاري (8/114-121) ومسلم (3/1463-1464)].
وحاسب صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل على إطالته الصلاة بالناس.
كما روى جابر ابن عبد الله رضي الله عنهـما، قال: أقبل رجل بناضحين فوافق معاذاً يصلى، فترك ناضحه وأقبل إلى معاذ فقرأ بسورة البقرة.. فانطلق الرجل، وبلغه أن معاذاً نال منه، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فشكا إليه معاذاً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أفتان أنت؟ فلو صليت بسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها، والليل إذا يغشى، فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة)).
وفي حديث أبى مسعود الأنصاري رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني لأتأخر عن صلاة الصبح من أجل فلان مما يطيل بنا، فما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم غضب في موعظة قط أشد مما غضب يومئذ فقال: ((يا أيها الناس إن منكم منفرين، فأيكم أم الناس فليوجز فإن من ورائه الكبير والضعيف)) . [البخاري (1/172-173) ومسلم (1/340)].
[s3]
إشراف خلفاء رسول الله على الأعمال واشتراكهم فيها..
واقتدى برسول الله صلى الله عليه وسلم خلفاؤه من بعده، فكانوا يباشرون العمل بأنفسهم مع رعيتهم.
ومن أمثلة ذلك موقف الصديق رضي الله عنه من المرتدين الذين أغاروا على المدينة، حيث خرج رضي الله عنه بنفسه في أهل المسجد على النواضح، فانفرط العدو وتبعهم المسلمون وكان الفتح..
وعندما أغار بعض الأعراب على المدينة، بات أبو بكر رضي الله عنه قائماً ليله يعبئ الناس، ثم خرج على تعبئة من آخر الليل، مرتباً قادته وجيشه، فما طلع الفجر إلا وهم والعدو في صعيد واحد، فما سمعوا للمسلمين حساً ولا همسا، حتى وضعوا فيهم السيوف، فما طلعت الشمس حتى ولوهم الأدبار وغلبوهم على عامة ظهرهم..
وخرج مع جيشه إلى ذي القصة شاهراً سيفه، فقال له المسلمون: لو رجعت إلى المدينة وأرسلت رجلاً، فقال: والله لا أفعل ولأوافينكم بنفسي.
وفي ذي القصة عقد لأمرائه ألويتهم، وكانت أحد عشر لواء، وسيرهم إلى مناطق المرتدين، وكتب لكل أمير كتاب عهد مستقل، فصَّل لهم فيه ما يجب اتباعه". [راجع البداية والنهاية لابن كثير (6/313-316)].
وكان رضي الله عنه يتابع أخبار قادته وانتصاراتهم، وكلما انتصر قائد على عدوه بعث إليه أبو بكر ليسير إلى عدو آخر، ويأخذ في إمداد القادة بالسرايا والجيوش. [نفس المرجع (6/342)].
وكان رضي الله عنه، إذا لم يستطع المشاركة بنفسه، يبذل قصارى جهده في الاهتمام بمصالح المسلمين وتعظيم العمل الذي يقوم به ولاته..
قال ابن كثير رحمه الله: "ثم نهض بنفسه إلى الجرف، فاستعرض جيش أسامة، وأمرهم بالمسير، وسار معهم ماشياً، وأسامة راكباً، وعبد الرحمن بن عوف يقود براحلة الصديق فقال أسامة: يا خليفة رسول الله، إما أن تركب وإما أن أنزل فقال: والله لست بنازل ولست براكب". [نفس المرجع (6/305)].
ولا شك أن ولي الأمر الذي يشارك رعيته ويشرف على عملهم إشرافاً دقيقاً في شؤون الحرب هو أجدر بذلك في غيرها.
وكان الصديق رضي الله عنه يحاسب عماله على ما يبدر منهم من خطأ، وإن كان ذلك صادراً عن اجتهاد، وإذا رأى من حاسبه يستحق العفو عفا عنه..
كما استدعى خالداً رضي الله عنه في قصة قتله مالك بن نويرة وسبي قومه وقتلهم، بسبب تنحي مالك ومن معه عن بني تميم الذين استقبلوا خالداً بالسمع والطاعة..
وقد غضب عمر رضي الله عنه من فعل خالد، وحرض الصديق على عزله فاستقدمه وسمع منه، وكان ذلك محاسبة من الصديق لخالد.
فلما اعتذر إليه عذره واستبقاه في إمرته. [البداية والنهاية (6/321-323)].
أما عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقد اشتهر من سيرته رضي الله عنه شدته على نفسه في مباشرة الأعمال، فلم يتخلف عن قيادته المسلمين في الحج إلا في السنة الأولى من خلافته. [راجع الطبقات الكبرى لابن سعد (3/177)].
وكان يمشي بنفسه في المدينة، وقد يصطحب معه غيره ليتفقد أحوال الناس ويقضي حاجاتهم، ويحمل على ظهره الدقيق ليوصله إلى المحتاجين، ويكلف امرأته أن تولد بعض النساء في ظلمة الليل..
وإذا أراد أحد أصحابه أن يحمل عنه الدقيق الذي يريد إيصاله إلى المحتاجين، قال له: أنت تحمل وزري يوم القيامة؟ وكان يباشر خدمة الضعفاء.
وقد رآه علي رضي الله عنه يوماً وهو يعدو إلى ظاهر المدينة، فقال له: إلى أين يا أمير المؤمنين؟ فقال قد ندَّ بعيرٌ من إبل الصدقة، فأنا أطلبه فقال له: أتعبت الخلفاء من بعدك. [راجع في ذلك كله البداية والنهاية لابن كثير (7/135-136)].
فإذا لم يستطع أن يباشر العمل مع أصحابه بنفسه بالغ في الاهتمام به بالتخطيط والتنظيم ووصيته الأمراء بالسير في سبيل النجاح..
وقد روى عنه أنه قال: إني لأجهز الجيش وأنا في الصلاة. [الفتاوي لابن تيمية (22/609)].
ولشدة اهتمامه بأمور المسلمين العظيمة التي لا يستطيع مباشرة العمل فيها، أكرمه الله سبحانه وتعالى فكشف له الستر عن حالة بعض جيوشه، مع بعد المسافة بينه وبينهم، فنادى وهو يخطب الناس يوم الجمعة: "يا سارية الجبل" وكان سارية بن زنيم على رأس جيش في بلاد فارس، وكاد العدو يحيط بهم، فبلَّغ الله صوتَ عمر إليهم فالتجأوا إلى الجبل فنصرهم الله". [راجع البداية والنهاية (7/131) وحسنه الحافظ ابن حجر في الإصابة (3/6) وقال ابن كثير بعد أن ساق بعض روايات القصة: وهذا إسناد جيد حسن].
وكان يشدد على ولاته في أن يبتعدوا عن ظلم الرعية ويحاسب العمال على ما يصدر منهم من خطأ..
فقد خطب الناس مرة فقال للناس: "ألا إني والله ما أرسل عمالي إليكم ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم، ولكن أرسلهم إليكم ليعلموكم دينكم وسنتكم، فمن فُعِل به شيء سوى ذلك فليرفعه إلي، فوالذي نفسي بيده إذاً لأقصنه منه".
فوثب عمرو بن العاص فقال: يا أمير المؤمنين أرأيت إن كان رجل من المسلمين على رعية فأدب بعض رعيته أئنك لمقتصه منه؟
قال: أي والذي نفس عمر بيده إذاً لأقصنه منه، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقص من نفسه، ألا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم، ولا تجمّرُوهم فتفتنوهم، ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفروهم، ولا تنزلوهم الغياض فتضيعوهم". [أحمد (1/41) وأبو داود (4/674) والنسائي (8/31)]. وقوله: لا تجمّرُوهم أي لا تجمعوا الجيش في الثغور وتحبسوهم مدة طويلة عن أهلهم. وقوله: ولا تنزلوهم الغياض.. جمع غيضة وهي الشجر الملتف، فإذا نزل الجيش فيه تفرقوا فتمكن العدو منهم. [النهاية لابن الأثير (1/992)، (3/402) وقال الهيثمي: " قلت في الصحيح طرف منه رواه أحمد في حديث طويل وأبو فراس لم أر من جرحه ولا وثقه وبقية رجاله ثقات" مجمع الزوائد (5/211)].
وفي بعض الروايات: فما قام إلا رجل واحد.. فقال: يا أمير المؤمنين إن عاملك فلاناً ضربني مائة سوط قال: فيم ضربته؟ قم فاقتص منه..
فقام عمرو بن العاص فقال: يا أمير المؤمنين، إنك إن فعلت هذا يكثر عليك، ويكون سنة يأخذ بها من بعدك، فقال: أنا لا أقيد وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقيد من نفسه؟ قال: فدعنا فلنرضه، قال: دونكم فارضوه، فافتدى منه بمائتي دينار، كل سوط بدينارين". [الطبقات لابن سعد (3/293-294)].
ومن غرائب ما روى من محاسبة عمر رضي الله عنه بعض عماله ما ذكره ابن جرير رحمه الله: "لما قفل خالد وبلغ الناس ما أصابت تلك الصائغة انتجعه رجال، فانتجع خالداً رجال من أهل الآفاق، فكان الأشعث بن قيس ممن انتجع خالداً بقنسرين، فأجازه بعشرة آلاف، وكان عمر لا يخفي عليه شيء في عمله..
فدعا البريد وكتب معه إلى أبى عبيدة أن يقيم خالداً ويعقله بعمامته وينزع عنه قلنسوته حتى يعلمهم من أين إجازة الأشعث؟ أمن ماله أم من إصابة أصابها؟ فإن زعم أنها من إصابة أصابها فقد أقر بخيانة، وإن زعم أنها من ماله فقد أسرف، واعزله على كل حال، واضمم إليك عمله فكتب أبو عبيدة إلى خالد.
فقدم عليه ثم جمع الناس وجلس لهم على المنبر فقام البريد فقال: يا خالد أمن مالك أجزت بعشرة آلاف أم من إصابة؟ فلم يجبه حتى أكثر عليه، وأبو عبيدة ساكت لا يقول شيئاً، فقام بلال إليه فقال: إن أمير المؤمنين أمر فيك بكذا وكذا، تم تناول قلنسوته فعقله بعمامته وقال: ما تقول؟ أمن مالك أم من إصابة؟ قال: لا بل من مالي، فأطلقه وأعاد قلنسوته، ثم عممه بيده. ثم قال: نسمع ونطيع لولاتنا، ونفخم ونخدم موالينا.
ثم خرج خالد نحو المدينة حتى قدم على عمر، فشكاه وقال: لقد شكوتك إلى المسلمين، وبالله إنك في أمري غير مجمل يا عمر، فقال عمر: من أين هذا الثراء؟ قال: من الأنفال والسهمان، ما زاد على الستين ألفاً فلك، فقوم عمر عروضه، فخرجت إليه عشرون ألفاً، فأدخلها بيت المال..
ثم قال: يا خالد والله إنك عليَّ لكريم وإنك إليَّ لحبيب، ولن تعاتبني بعد اليوم على شيء". [تاريخ الأمم والملوك (4/67-68)].
وبهذا يعلم أن مباشرة ولي الأمر العمل مع ولاته والإشراف الدقيق عليهم ومتابعتهم، ومحاسبة العمال على ما يصدر منهم من خطأ، هو من أهم أسباب نجاح الإدارة الإسلامية في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين ومن سلك سبيلهم.
وإن المتأمل في أحوال ولاة الأمر الذين يباشرون الأعمال مع ولاتهم أو يهتمون بالإشراف عليها والمحاسبة ليجد النجاح حليفهم في إداراتهم.
كما أن ولاة الأمر البعيدين عن مباشرة العمل أو عن الإشراف الدقيق والمحاسبة الدائمة، مآلهم الفشل الذريع في إدارتهم، وهذا شامل للإدارات الكبيرة والصغيرة.
[s3]
لا إفراط في المباشرة، ولا تفريط في التفويض..
والذي يظهر من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وسيرة خلفائه الراشدين، أنهم كانوا يحرصون على مباشرة الأعمال بأنفسهم في حدود قدراتهم، ولكنهم كانوا يسندون كثيراً من الأمور إلى من يرونه كفؤً ليتحمل مسؤولياتها..
فلم تكن المركزية المطلقة المرهقة لهم المجمدة للطاقات العاملة دأبهم..
ولم يكن إفلات الأمور من أيديهم وإطلاق يد ولاتهم فيه دون رقابة منهم مستساغاً لديهم..
فكانوا يسندون الأمر إلى الكفء مع تزويده بالتوجيهات والالتزام بتلك القواعد، فإذا ما خرج العامل عنها حاسبوه وإذا كان يستحق العقاب عاقبوه..
وبذلك تنضبط الأعمال الإدارية ويمنح العامل الصلاحيات التي تمكنه من أداء عمله على الوجه المطلوب..
وفي النصوص التي سبقت في هذا المبحث كفاية فلا نعيدها خشية الإطالة والمتأمل لها يجد فيها هذا المعنى واضحاً.
والذين يقبضون على كل الأعمال بأيديهم - أي الذين يمارسون المركزية ولا يقسمون الأعمال على الأكفاء ويفوضون إليهم ما يمكن تفويضه، يجرون على أنفسهم وعلى ولاتهم ورعيتهم مشكلات هم في غنى عنها.
[s3]
بعض المفاسد المترتبة على المركزية الإدارية..
المفسدة الأولى: تحمل ولي الأمر ما لا طاقة له به من العمل، لكثرة الأعمال والحاجات التي تعرض للناس في ولايته، وطاقة المخلوق محدودة: العقلية والعلمية و الخبرة والجسمية..
فإذا حمل نفسه ما لا طاقة له به أرهق نفسه إرهاقاً لا تحمد عقباه وهذا أمر مشاهد فيمن يمارسون المركزية القاتلة.
والقرآن الكريم يدل على أنه لا يشرع تكليف النفس فوق طاقتها..
كما قال سبحانه وتعالى: {لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا..}. [الأنعام: 152، الأعراف:42].
وقال سبحانه وتعالى:{لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَت}. [البقرة: 286].
وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم الإنسان عن أن يكلف نفسه فوق طاقته، في العبادة التي يتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى - وغير العبادة من باب أولى – مع العلم أن كل عمل ينوي الإنسان به طاعة الله يكون بتلك النية عبادة -..
روت عائشة رضي الله عنهـا: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها امرأة فقال: ((من هذه؟)) قالت: فلانة تذكر من صلاتها، قال: ((مه عليكم بما تطيقون، فوالله لا يمل الله حتى تملوا، وكان أحب الدين عليه ما داوم عليه صاحبه)) . [البخاري (1/16) ومسلم، (1/542)].
وحذر صلى الله عليه وسلم من أرادوا الوصال في الصيام وأمر بعمل ما يستطاع بلا مشقة، فقال: ((إياكم والوصال)) قالوا: إنك تواصل يا رسول الله قال: ((إنكم لستم مثلي إني أبيت يطعمني ربي ويسقينى، فاكْلَفوا من الأعمال ما تطيقون)) . [مسلم (2/775) وراجع فتح الباري (1/93-95)].
والشاهد قوله صلى الله عليه وسلم: ((عليكم بما تطيقون)) وقوله: ((فاكلفوا من الأعمال ما تطيقون)).. فإن ما موصولة وهي من ألفاظ العموم، وكذا قوله: ((الأعمال)) معرف بـ(أل)، وهي من صيغ العموم، والعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، فأي عمل لا يطيقه الإنسان بل يشق عليه فعله ويرهقه داخل في هذا.
المفسدة الثانية: تأخير حقوق الرعية وقضاء حاجاتهم لتراكم الأعمال لدى ولي الأمر، وفي ذلك تفويت لمصالح العباد، وجلب المفاسد عليهم، والأصل في الشرع العمل على جلب المصالح ودرء المفاسد، وليس العكس.
وكل مصلحة تفوت أو تؤخر عن وقتها، أو مفسدة تقع بسبب مركزية العمل عند ولي الأمر فإثمها عليه.
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسارع في أداء الحقوق خشية من تأخيرها.
كما روى عقبة رضي الله عنه قال: "صليت وراء النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة العصر فسلم ثم قام مسرعاً، فتخطى رقاب الناس إلى بعض حجر نسائه، ففزع الناس من سرعته فقال: ((ذكرت شيئاً من تبر عندنا فكرهت أن يحبسني فأمرت بقسمته)) . [البخاري (1/207].
المفسدة الثالثة: تعطيل طاقات العاملين الذين حالت مركزية ولي الأمر بينهم وبين قضاء حاجات الناس وإنجاز مصالحهم، وتعطيل الطاقات وعدم إسناد الأمر إلى أهله ظلم والظلم محرم في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
كما قال سبحانه وتعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا...}. [النساء (58)].
هذه بعض المفاسد المترتبة عن استيلاء ولي الأمر على الصلاحيات كلها أو أغلبها وعدم تقسيمه العمل على ولاته.
[s3]
المفاسد المترتبة على التفويض المطلق..
وهناك مفاسد أخرى تنشأ من تفويضه الأعمال إلى ولاته تفويضاً مطلقاً، وتخليه عن الإشراف والمتابعة.
المفسدة الأولى: جهل ولي الأمر بما يجري من العمل المتعلق بمصالح رعيته، وقد يقع من بعض ولاته تصرف فيه ظلم لبعض الرعية، أو تقصير في إيصال الحقوق إلى أهلها..
بخلاف ما إذا كان يتابع العمل ويشرف عليه، فإنه بذلك يطلع على ما يجري ويسدد العاملين ويحاسبهم على أخطائهم، ويوصل إلى كل ذي حق حقه.
كما سبق في النصوص الدالة على هذا المعنى في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وعهد خلفائه رضي الله عنهم.
المفسدة الثانية: فتح المجال لذوى المطامع الشخصية، الذين قد يستغلون مناصبهم في الاعتداء على دماء الناس وأموالهم وأعراضهم، أو تأخير أداء حقوقه إليهم، لعلمهم بعدم الرقابة عليهم من قبل ولي الأمر، ولو علموا أنه يراقبهم ويشرف على أعمالهم ويحاسبهم ما تجرؤا على ذلك.
المفسدة الثالثة: استياء الرعية من إهمال ولي الأمر وسخطهم على ولاته الذين يظلمونهم أو يقصرون في أداء حقوقهم وحفظ مصالحهم ودرء المفاسد عنهم، وذلك مؤذن بانعدام الثقة بين ولي الأمر ورعيته، وعدم التعاون بينهم وبينه بل عدم طاعته عن رضا واختيار.
والذي يحل تلك المشكلات كلها هو اعتدال ولي الأمر في تقسيم الأعمال على العاملين، وعدم احتكار كل الأعمال بيده وتجميد طاقات العاملين الأكفاء.. مع الإشراف على العاملين ومحاسبتهم على أخطائهم التي يرتكبونها.
كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يفعل وخلفاؤه الراشدون رضي الله عنهم. فلا إفراط في المباشرة ولا تفريط في التفويض.
ولقد لخص الماوردي رحمه الله هذا الاعتدال في المباشرة والتفويض، وهو يعدد ما يلزم ولي الأمر من واجبات فقال:
"التاسع : استكفاء الأمناء وتقليد النصحاء فيما يفوض إليهم من الأعمال، ويكله إليهم من الأموال، لتكون الأعمال بالكفاءة مضبوطة، والأموال بالأمناء محفوظة.
العاشر : أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور وتصفح الأحوال لينهض بسياسة الأمة، وحراسة الملة، ولا يعول على التفويض تشاغلاً بلذة أو عبادة. فقد يخون الأمين، ويغش الناصح". [الأحكام السلطانية ص16].
ولقد توصل علماء الإدارة بعد تجارب طويلة وجهد كبير إلى شيء مما سار عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون من الاعتدال في المباشرة والتفويض. [راجع على سبيل المثال كتاب العلاقات الإنسانية في الإدارة، لمؤلفه صالح الشبكشي، وهو يتحدث عن التفويض والإشراف والمراقبة والمحاسبة والمركزية وما يتعلق بها من ص248-276].
[s3]
نحن أولى بالإشراف والمراقبة..
وإن ما يعاني منه المسلمون في غالب بلدانهم، من تقصير كبار المديرين في الإشراف والمراقبة على من فوضوهم في إداراتهم، وما ترتب على ذلك من تأخير معاملات الناس وعدم سرعة إيصال حقوقهم إليهم، إن ذلك لعار في جبين الأمة الإسلامية التي تَعَبَّد الله ولاةَ أمرها بقضاء حاجات رعاياهم والاهتمام بها.
ويعجب المرء من هذا التقصير، عندما يقارن بين ما يجري في بلدان المسلمين، وما يجري في بلدان غيرهم، فيرى تأخير الحقوق وظلم أهلها الذين يرفع كثير منهم أيديهم في جوف الليل داعين على من حرمهم حقوقهم أو ماطلهم في الحصول عليها، مالم يقدموا لهم رشوة أو يجدوا من يتوسط لهم عندهم.
ويجد عند غير المسلمين، دقة التنظيم الإداري، وسرعة إنجاز الأعمال، إضافة إلى الإشراف المستمر والمتابعة الكاملة والمراقبة الصارمة، ومعاقبة من يخالف النظام الإداري بما يناسبه ويردع غيره، حتى أصبح الأصل في غالب إداراتهم الاستقامة والأمانة، حتى إن مرتكب المخالفة في إدارته يسرع باستقالته منها، خجلا من فضيحته أمام شعبه، بل إن وزارات تقدم استقالاتها بسبب مخالفة وزير واحد فيها...
ولقد هالني موقف في مكتب دار الهجرة في مدينة "ملبورن" الاسترالية، يوم الأربعاء:19/10/1404هـ _ 18/7/1984م عندما احتجت إلى تمديد التأشيرة، حيث أنهى الموظفون التأشيرة في مدة لا تزيد عن عشر دقائق... وليس هذا هو الذي هالني ـ مع ندرته في بلدان المسلمين ـ وإنما هالتني تلك الموظفة الواقفة أمام الموظفين في قاعة الإدارة، عندما اعترضتني وأنا أهم بالخروج من الإدارة بعد انتهاء معاملتي، حيث وجهت إلي سؤالاً؟
فقلت لها: لا أتكلم اللغة الإنجليزية.
قالت: أتتكلم الإندونيسية؟ قلت: لا.
قالت: الفلبينية؟ قلت: لا. ثم أخبرها الأخ اللبناني المترجم بأنه هو الذي يقوم بالمتابعة لمعاملتي.
فأعطتني ورقة مطبوعة مكتوباً فيها مهمة هذه الموظفة بثلاث عشرة لغة، منها اللغة العربية، وهذا نص الموجود باللغة العربية:
"تقوم دائرة الهجرة والشؤون الأمنية بإحصاء لتحسين خدماتها للمراجعين لذلك سيطلب الموظف منك الإجابة على بعض الأسئلة البسيطة التي ستأخذ بعض الدقائق فقط من وقتك، شكراً جزيلاً على مساعدتك في هذا الموضوع. (أرادت الموظفة من تسليمي هذه الورقة التي كتب فيها الموضوع باللغة التي أتكلم بها أن تطلعني على مهمتها).
فسألت صاحبي: ماذا تفعل هذه ولماذا تراقب الناس؟ فقال إنها تراقب مصالح أصحاب المعاملات وهي مراقبة للموظفين هل يقومون بأعمالهم أو يعطلون الناس؟ وتقدم تقارير للجهات المختصة حتى لا تُعرقل المعاملات، وإذا جاء وقت انصراف الموظفة الأولى خلفتها الثانية لنفس المهمة.
إنها مراقبة لسير العمل من قبل حكومة الولاية، لترفع للجهات المختصة الإيجابيات والسلبيات التي تحصل من الموظفين.
ولهذا ترى العمل الذي يستغرق وقتا طويلاً في بلدان أخرى، ينجز في دقائق في هذا البلد وأمثاله، حسب النظام دون تقصير من الموظف أو تخلف عن عمله.
وإن كثيراً من الموظفين في غالب البلدان الإسلامية، يتأخرون عن أعمالهم في أول الدوام، أو أثناء الدوام أو في آخره، مع تراكم المعاملات على مكاتبهم دون مبالاة بالمضايقات والأضرار التي تحصل لأصحابها.
ولو وجدت الرقابة الواضحة المكشوفة التي يقف فيها الموظف على قدميه أمام كل إدارة، يتابع المراجعين ويسألهم عن أحوالهم ومدى إنجاز معاملاتهم، ويرفع تقارير عن الموظف الكفء الناجح ليكافأ، وعن الموظف الخامل لينال جزاءه، لما كانت حال المعاملات في هذه البلدان على ما هي عليه من الإبطاء وعدم الإتقان.
ألسنا أولى بالإشراف على الموظفين ومراقبتهم، ليؤدوا أعمالهم أداء يوصل إلى الناس حقوقهم بسرعة وسهولة نحن المسلمين الذين جعل الله إتقان أعمالنا عبادة له يثيبنا عليها، من غيرنا ممن لا يرجون من أعمالهم إلا ثواب الدنيا؟
{ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً}. [سورة الملك، آية:2].
((الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك)).
المبحث الثاني عشر: الاعتراف بالخطأ وعدم الإصرار عليه:
إن الواجب على ولي الأمر أن يجتهد في جلب مصالح الأمة ودرء المفاسد عنها، فإن وردت نصوص من الكتاب والسنة في جلب تلك المصالح ودرء تلك المفاسد، فاجتهاده يكون بتنفيذ ما ورد من النصوص.. وإن كانت من موارد الاجتهاد والرأي، وجب عليه أن يجتهد للوصول إلى ما يراه أقرب إلى الصواب، فإذا اجتهد وأصاب فله أجران أجر على اجتهاده، وأجر على صوابه.
كما روى عمرو بن العاص رضي الله عنه: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر)) . [البخاري (8/157) ومسلم (3/1342)].
ولكنه إذا ظهر له أنه أخطأ في اجتهاده، وجب عليه أن يعترف بخطئه ويعود إلى الصواب ولا يجوز له أن يصر على الخطأ.
وهذه هي سنة الرسول صلى الله عليه وسلم إمام أولياء أمور الأمة، فقد نصح أهل المدينة بترك تأبير النخل - أي تلقيحه بإدخال شيء من طلع الذكر في طلع الأنثى - فتساقط التمر ولم يصلح، فأخبروا النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فأمرهم أن يصنعوا ما كانوا تركوه.
كما روى موسى بن طلحة عن أبيه قال: مررت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوم على رؤوس النخل فقال: ((ما يصنع هؤلاء؟)) فقالوا: يلقحونه أي يجعلون الذكر في الأنثى فيلقح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما أظن يغني ذلك شيئاً)) قال: فأخبروا بذلك فتركوه..
فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: ((إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإني إنما ظننت ظناً، فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله فخذوا به، فإني لن أكذب على الله عز وجل))..
وفي رواية من حديث رافع بن خديج: ((لعلكم لو لم تفعلوا كان خيراً)) فتركوه، فنفضت أو فنقصت قال: فذكروا ذلك له..
فقال: ((إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأي، فإنما أنا بشر)).. وفي رواية من حديث عائشة وأنس رضي الله عنهـما: قال: ((أنتم أعلم بأمر دنياكم)) . [مسلم (4/1835-1836)].
قال النووي رحمه الله: " قال العلماء: قوله صلى الله عليه وسلم: ((من رأي)) أي: في أمر الدنيا ومعايشها لا على التشريع، فأما ما قاله باجتهاده صلى الله عليه وسلم ورآه شرعاً يجب العمل به، وليس إبار النخل من هذا النوع، بل من النوع المذكور قبله.. - إلى أن قال -: قالوا: ورأيه صلى الله عليه وسلم في أمور المعايش وظنه كغيره، فلا يمنع وقوع مثل هذا، ولا نقص في ذلك، وسببه: تعلق هممهم بالآخرة و معارفها". [شرح النووي على مسلم (15/116)].
وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد يخطيء في اجتهاده فيما يتعلق بأمور الدنيا، وإذا أخطأ اعترف بخطئه ورجع عنه، فإن غيره صلى الله عليه وسلم من ولاة أمور المسلمين أولى بالرجوع.
[s3]
واقتدى خلفاء الرسول به في الاعتراف بالخطأ..
ولقد سار أصحابه رضي الله عنهم على نهجه في اجتهادهم، حتى في أمور الشرع، إذا اجتهدوا وتبين لهم خطؤهم اعترفوا به ورجعوا إلى الحق..
ومن قول عمر رضي الله عنه: "ولا يمنعنك قضاء قضيته أمس فراجعت اليوم فيه عقلك، وهديت فيه لرشدك، أن ترجع إلى الحق فإن الحق قديم، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل". [الأحكام السلطانية ص71 للماوردي، أعلام الموقعين (1/85) لابن القيم، وقال: هذا كتاب جليل تلقاه العلماء بالقبول].
وقال ابن القيم رحمه الله: "يريد أنك إذا اجتهدت في حكومة، ثم وقعت لك مرة أخرى فلا يمنعنك الاجتهاد الأول من إعادته، فإن الاجتهاد قد يتغير، ولا يكون الاجتهاد الأول مانعاً من العمل بالثاني، إذا ظهر أنه الحق، فإن الحق أولى بالإيثار، لأنه قديم سابق على الباطل.. فإن كان الاجتهاد الأول قد سبق الثاني، والثاني هو الحق، فهو أسبق من الاجتهاد الأول، لأنه قديم سابق على ما سواه، ولا يبطله وقوع الاجتهاد الأول على خلافه، بل الرجوع إليه أولى من التمادي على الاجتهاد الأول.." . [إعلام الموقعين (1/110)].
وروى مسروق نهي عمر عن زيادة المهر عن أربعمائة درهم، ورد إحدى النساء عليه، مستدلة بقوله سبحانه وتعالى: {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً}. [النساء: 20] ورجوع عمر عن رأيه مصوباً تلك المرأة لقوة دليلها.
قال مسروق: "ركب عمر بن الخطاب منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: أيها الناس ما إكثاركم في صُدُق النساء، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والصدقات فيما بينهم أربع مئة درهم فما دون ذلك ولو كان الإكثار في ذلك تقوى عند الله أو كرامة لم تسبقوهم إليها فلأعرفن ما زاد رجل في صداق امرأة عن أربع مئة درهم.
قال ثم نزل فاعترضته امرأة من قريش، فقالت: يا أمير المؤمنين نهيت الناس أن يزيدوا في مهر النساء عن أربع مئة درهم؟ قال نعم. فقالت: أما سمعت ما أنزل الله في القرآن؟ قال: وأي ذلك؟ فقالت: أما سمعت الله يقول: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَاراً} الآية.
قال فقال: اللهم غفراً كل من الناس أفقه من عمر ثم رجع فركب المنبر فقال أيها الناس إني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدقاتهم عن أربع مئة درهم فمن شاء أن يعطى من ماله ما أحب. قال أبو يعلى وأظنه قال فمن طابت نفسه فليفعل إسناده جيد قوي". [مجمع الزوائد (4/284) وقال: "وفيه مجالد بن سعيد وفيه ضعف، وقد وثق" جامع أحكام القرآن للقرطبي في تفسير الآية (5/99) وتفسير القرآن العظيم لابن كثير في تفسير الآية (2/243) بتحقيق سامي بن محمد السلامة، توزيع دار طيبة. وأصل نهي عمر عن المغالاة في المهر في المستدرك، برقم (2728) وليس فيه ذكر قصة المرأة التي ضعفها شيخنا المحدث محمد ناصر الدين الألباني، في إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل (6/347-348)].
والمقصود أن الواجب على ولي الأمر إذا ظهر له أنه اجتهد فأخطأ أن يعود إلى الصواب، وأن التمادي في الباطل ينافي المصالح العامة، ويدل على أنه غير كفء لقيادة الأمة لأنه بإصراره على الباطل بعد ظهوره يكون متعمداً جلب المفاسد على رعيته، ويدل على أنه متكبر عن قبول الحق.
كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((الكبر بطر الحق وغمط الناس)) . [مسلم (1/93)]. أي رد الحق واحتقار الناس. ثم إن الرعية تحتقر ولي أمرها الذي يصر على الباطل بعد ظهوره، ولا تثق فيه، بل قد تشك في تصرفاته الكثيرة بسبب إصراره على قليل من الباطل، وقد يترتب على إصراره على الباطل كوارث عظيمة تنزل بالأمة.
أما الذي يعترف بالخطأ ويعود إلى الصواب فإن الأمة تحترمه وتثق في تصرفاته لأنها من أجل تحقيق المصالح العامة، ودرء المفاسد عنها.
والخلاصة: أنه ليس العيب في أن يجتهد ولي الأمر فيخطئ، ولكن العيب أن يقع في الخطأ دون اجتهاد، أو يصر على خطئه ولو كان صادراً عن اجتهاد بعد أن يتبين له خطؤه، وهذا دأب من لا يخاف الله ولا يتقيه، بل يستبد بالأمر ويتبع خطوات الشيطان، والخير في من اجتهد فأصاب أو أخطأ فرجع عن خطأه إذا ظهر له.
وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في كتابه القيم "أعلام الموقعين عن رب العالمين" مسائل كثيرة في أبواب متفرقة، اختلف فيها أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، ورجع مَن ظهر له خطؤه فيها.
المبحث الثالث عشر: الدهاء والحيلة المشروعان
إن الحيلة من الصفات التي لا غنى لولي الأمر عنها، والمراد بها الدهاء الدال على قوة العقل وذكاء الفطنة التي يدبر بها الأمور في هدوء ورزانة، بحيث يجلب المصالح ويدفع المفاسد بأقرب الوسائل المشروعة.. ويكون على حذر ويقظة دائمين من مكر الأعداء وخداعهم، بصيراً بتوقي الشر وردعه في الوقت المناسب.
ونقيض هذه الصفة صفة الخداع الذي يتوصل به صاحبه إلى نصر الباطل، وإبطال الحق بطرق ماكرة خبيثة.
فالصفة الأولى ممدوحة مطلوبة تدل على قوة وذكاء استعملا في طاعة الله..
والثانية مذمومة منهي عنها، تدل على خبث صاحبها وغشه..
وقد بين ذلك ابن القيم رحمه الله بياناً شافياً فقال: "فالحيلة جنس تحته التوصل إلى فعل الواجب وترك المحرم وتخليص الحق، ونصر المظلوم، وقهر الظالم، وعقوبة المعتدي.
وتحته التوصل إلى استحلال المحرم وإبطال الحقوق وإبطال الواجبات..
وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل)). غلب استعمال الحيل في عرف الفقهاء على النوع المذموم.
وكما يَذُم الناسُ أربابَ الحيل، فهم يذمون أيضاً العاجز الذي لا حيلة عنده لعجزه وجهله بطرق تحصيل مصالحه..
فالأول ماكر مخادع.. والثاني عاجز مفرط..
والممدوح غيرهما، وهو من له خبرة بطرق الخير والشر، خفيها وظاهرها فيحسن التوصل إلى مقاصده المحمودة التي يحبها الله ورسوله بأنواع الحيل، ويعرف طرق الشر الظاهرة والخفية التي يتوصل بها إلى خداعه والمكر به، فيحترز منها، ولا يفعلها، ولا يدل عليها..
وهذه كانت حال سادات الصحابة رضي الله عنهم، فإنهم كانوا أبر الناس قلوباً، وأعلم الخلق بطرق الشر ووجوه الخداع، وأتقى لله من أن يرتكبوا شيئاً أو يدخلوه في الدين..
كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لست بخب، ولا يخدعني الخب..
وكان حذيفة أعلم الناس بالشر والفتن، وكان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن الخير، وكان هو يسأله عن الشر. [راجع البخاري (8/93) ومسلم (3/1475)].
والقلب السليم ليس هو الجاهل بالشر الذي لا يعرفه، بل الذي يعرفه ولا يريده، بل يريد الخير والبر، والنبي صلى الله عليه وسلم قد سمى الحرب ((خدعة)). [في البخاري (4/24) ومسلم (3/1362)، أعلام الموقعين عن رب العالمين (2/241-242)].
وحديث ((لا ترتكبوا...)) الذي ذكره ابن القيم، مروي عن أبي هريرة ، وقد ذكره ابن كثير في التفسير (2/258) وقال: "وهذا إسناد جيد فإن أحمد بن محمد بن مسلم هذا ذكره الخطيب في تاريخه ووثقه وباقي رجاله مشهورون ثقات ويصحح الترمذي بمثل هذا الإسناد كثيرا".. ومكر اليهود الخبيث معلوم من تاريخهم الطويل، وقد وردت نصوص كثيرة من القرآن وصحيح السنة تدل على حيلهم الشيطانية، ومن ذلك حيلتهم السَّبْتِيَّة التي سجلها عليهم القرآن الكريم، كما قال سبحانه وتعالى: {وَاسْأَلْهُمْ عَنْ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ}. [الأعراف (163)]. ويمكن مراجعة قصتهم هذه في كتب التفسير التي ذكرتها مفصلة.
وفي الحديث عن ابن عباس قال: بلغ عمر أن سمرة باع خمراً، فقال: قاتل الله سمرة ألم يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها)). [البخاري برقم (3273) وصحيح مسلم، برقم واللفظ له (1582)].
عن بن عباس قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا عند الركن، قال فرفع بصره إلى السماء فضحك، فقال: ((لعن الله اليهود ثلاثاً إن الله حرم عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها وإن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم
ثمنه)) . [أبو داود، برقم (3488)].
وقال ابن الأزرق: "قال المرادي: هو ـ أي الدهاء ـ اسم لوضع الأمور مواضعها، والكف عما لا نفع فيه، انتظاراً لما فيه النفع..
قال: وقد يقع على من كثرت حيلته وقويت فطنته، وكان وصوله إلى أغراضه بألطف الوجوه التي يمكن التوصل بها إليها، فتراه أبداً كأنه أبله، وهو متباله يحصي دقائق الأمور، ويدبر لطيفات الحيل، فلا ينطق حتى يجد جواباً مسكتاً، أو خطاباً معجزاً، ولا يفعل حتى يرى فرصة حاضرة ومضرة غائبة، فعدوه مغتر بعداوته، ومقدر عليه الغفلة والبله بغوايته، وهو مثل النار الكامنة في الرماد، والصوارم المكنونة في الأغماد". [بدائع السلك في طبائع الملك (1/505-506)].
والمقصود أن الدهاء المحمود هو ذلك التدبير الصادر من ذي العقل المتوقد ذكاء، القادر على دراسة الأمور والتفكير في التوصل إلى المقاصد الخطيرة المحمودة بالوسائل المشروعة في تؤدة وأناة وصبر وجلد، بحيث لا يأبه له الناس، لما يظهر لهم من غفلة فيه، وليست بغفلة وإنما هو تغافل الصياد الذي سرعان ما ينقض على فريسته المغترة بتغافله..
ولابد أن يكون عالماً بحيل المحتالين الذين يريدون أن يخدعوه، وبوسائل إبطال تلك الحيل، وهو في نفس الوقت لا يخدع الناس بِحِيّلِه للتوصل بها إلى الباطل وإن كان قادراً على ذلك.
ولقد غلب على كثير من الناس في القرون المتأخرة، وبخاصة هذا القرن الذي نعيش فيه - القرن الرابع عشر ومطلع القرن الخامس عشر الهجريين - استعمال الحيل والمكر والخداع في محاربة الخير والحق، وفي نصر الباطل والظلم والعدوان على كل المستويات المستوى الفردي والمستوى الأسري والمستوى الشعبي والمستوى الدولي..
ويسمون ذلك المكر والخداع بالدهاء وهو عندهم بهذا المعنى: صفة ممدوحة، يتبارى فيها ذوو الدهاء وعلى ذلك تبني المعاملات الاقتصادية، والاتفاقات السياسية والعهود والمواثيق العسكرية، وبه يحكم قادة الشعوب شعوبهم، وهو سلاح الأحزاب المتآمرة بعضها ضد بعض.
وليس المقصود هنا التوسع في وصف ما يعانيه العالم كله الآن من آثار المكر والخداع في كل الأحوال، وإنما المقصود بيان أن الدهاء الذي يجب أن يتصف به ولي الأمر المسلم هو الدهاء الذي يتوصل به إلى تحقيق مصالح أمته التي إذا تحققت مصالحها تحققت بها مصالحه، وإلى درء المفاسد والأخطار عنها، وإذا درئت المفاسد عن أمته درئت عنه هو..
وأن يبتعد عن الدهاء المذموم الذي هو المكر والخداع والغش لأمته، فإنه إذا خدع الأمة مرة انكشف أمره وبان خداعه، وفقد ثقة رعيته، بل إنه يكون قدوة لرعيته في خداع بعضها بعضاً وفي مخادعته هو وعدم الوفاء له جزاء وفاقا.
إن ولي الأمر المسلم هو الذي يستعمل حصافة عقله وقوة تدبيره وحسن سياسته في تحقيق مصالح أمته المبنية على قواعد شرع الله ولا يخاف في ذلك لومة لائم.
فإذا ما استعمل تلك الصفات في خداع الأمة وتضليلها وأظهر المصالح في صورة مفاسد، والمفاسد في صورة مصالح، فهو من صنف الذين قال الله سبحانه وتعالى عنهم: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ}. [البقرة: 11-12].
وقال سبحانه وتعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ}. [المنافقون: 4].
وتلك هي القاعدة الشيطانية اليهودية المكيافيللية، فقد خدع إبليس أبانا آدم عندما قال له: { يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى }. [طه (120) وسبق قريبا خداع اليهود، وراجع كتاب الأمير لميكافيلي الذي سبق ذكره في المبحث الثامن: الصدق].