الكفاءة الإدارية

المؤلفات | سياسة شرعية | 11 صفحة
صفحة 4 من 11 الفصل الأول: أسس الكفاءة العامة

الفصل الأول: أسس الكفاءة العامة

الفصل الأول: أسس الكفاءة العامة
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول : الأمانة.
المبحث الثاني : العلم والخبرة.
المبحث الثالث : القوة والقدرة.

المبحث الأول: الأمانة:

إن الأمانة من أهم الأسس التي، إذا وجدت في ولي الأمر - في أي ولاية صغرت أم كبرت - سعد الناس بولايته واطمأنوا إلى وصول حقوقهم إليهم..
وإذا فقدت شقي الناس بولايته شقاء كاملاً.. وإذا ضعفت فيه كان شقاؤهم بمقدار ذلك الضعف..
ولما للأمانة من خطر عظيم في الحياة عَظَّم الله شأنها في القرآن الكريم كما عظم شأنها الرسول صلى الله عليه وسلم في السنة المطهرة، وعني علماء المسلمين بالحث عليها والتحذير من ضدها، وهى الخيانة.
قال الله سبحانه وتعالى: { إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً }. [الأحزاب:72].
والأمانة عامة شاملة لكل وظيفة يقوم بها الإنسان، سواء تعلقت بحق ربه أو حق نفسه أو حق أهله، أو حق سائر الناس عليه، فلا تخلو تصرفات الفرد والأسرة والأمة من مسئولية الأمانة.
قال القرطبي رحمه الله: "والأمانة تعم جميع وظائف الدين على الصحيح من الأقوال". [الجامع لأحكام القرآن (14/253)].
وقال السعدي رحمه الله: "الأمانات كل ما ائتمن عليه الإنسان وأمر بالقيام به، فأمر الله عباده بأدائها أي كاملة موفرة لا منقوصة ولا مبخوسة ولا ممطولاً بها، ويدخل في ذلك أمانات الولايات والأموال والأسرار والمأمورات التي لا يطلع عليها إلا الله". [تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (1/183)].
أما كيفية عرض الله الأمانة على الأجرام العظيمة الجامدة، هذه الكيفية لا ندري عنها، ولا ندري عن كيفية إجابتها كذلك، ولكنا نعلم يقينا أن الله الذي خلقها قادر على عرض الأمانة عليها بالكيفية التي يشاء، لأنه هو خالقها القادر على كل ما يريد صنعه في خلقه.
ولا ندري كذلك كيف كان ردها على هذا العرض، ولكنا نعلم أن خالقها قادر على جعلها تنطق بصوت يسمعه سبحانه وتعالى منها، لأنه سبحانه وتعالى إذا أردا شيئا فإنما يقول له: {كن فيكون}.
وقد أخبرنا الله سبحانه وتعالى أن أعضاء أعداء تشهد عليهم نطقا يوم القيامة بما عملوا، ويحصل بينهم وبينها حوار كما يحصل بين العقلاء..
كما قال سبحانه وتعالى: { وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (19) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ}. [فصلت:19-22]
وقد مكن الله سبحانه وتعالى سليمان صلى الله عليه وسلم من فهم كلام النملة، وهي تنصح أخواتها بالحذر من أن يحطمها هو وجنوده وهم لا يشعرون، فطلب سليمان من ربه أن يلهمه المزيد من شكر نعمه التي منها تمكينه من فهم لغة تلك النملة..
كما قال سبحانه وتعالى: {حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (18) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ }. [النمل:18-19]
ونحن نؤمن بكل ما أخبرنا الله سبحانه وتعالى به في كتابه أو صحت به سنة رسوله، ولا نحتاج إلى ما يؤكد لنا ذلك من خارجهما، لأننا قد آمنا به وبكتابه وبرسوله، فلا نعارض ذلك بعقول ولا شبهات.
ومع هذا نقول للمتشككين في مثل هذه الأمور الغيبية: لقد ظهر في هذا الزمن من صنع البشر الذي مكنهم الله سبحانه وتعالى منه ما يدل على كمال القدرة الإلهية،فالله هو الذي خلق هذا الإنسان ومنحه من الآلات المادية والفكرية، ما جعله يصنع ما يدهش العقول في هذه الحياة، ومن ذلك جعل الجمادات محلا للأصوات والصور مع قرب المسافات وبعدها، كالمذياع والتلفاز وأشرطة الكاسيت والفيديو والهاتف وغيرها، والشبكة العالمية "الإنترنت" فكيف يستبعد المخلوق الذي مكنه الله سبحانه وتعالى من هذه الأمور، قدرة الخالق على جعل مخلوقاته من الجمادات تنطق؟
وعلمنا كذلك أن تلك الأجرام العظيمة أبت أن تحمل الأمانة التي عرضها ربها عليها، كما أخبرنا سبحانه وتعالى عن ذلك، ولكنا نقطع بأن إباءها ليس عصياناً وخروجاً عن طاعة الله سبحانه وتعالى، بل الظاهر أن الله سبحانه وتعالى بين لها معنى الأمانة وخيرها في حملها، مع الثواب على القيام بها والعقاب على عدمه، فاختارت عدم حملها إشفاقاً منها... من عدم قدرتها على القيام بحملها، واكتفت بوظائفها التي فطرها الله عليها بدون تكليف شرعي ومحاسبة.
وقد أخبرنا سبحانه وتعالى أنه عندما أمر السموات والأرض بالإتيان طوعا أو كرها، أجابتا بالإتيان طوعاً..
كما قال سبحانه وتعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ }. [ فصلت(11)]
والمراد بالإتيان هنا التسخير والخلق، أي قال لهما قبل أن يخلقهما: ائتيا، أي كونا فكانتا، أو المراد به أمرهما بعد خلقهما: فقال للسماء: أطلعي شمسك وقمرك وكواكبك ورياحك... وقال للأرض: شقي أنهارك وأنبتي أشجارك وعشبك...
وقال شيخنا الشنقيطي رحمه الله في قوله سبحانه وتعالى: { إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً }: "ذكر جل جلاله في هذه الآية الكريمة أنه عرض الأمانة، وهي التكاليف مع ما يتبعها من ثواب وعقاب على السماوات والأرض والجبال، وأنهن أبين أن يحملنها وأشفقن منها، أي خفن من عواقب حملها أن ينشأ لهن من ذلك عذاب الله وسخطه.
وهذا العرض والإباء والإشفاق كله حق، وقد خلق الله للسماوات والأرض والجبال إدراكا يعلمه هو جل جلاله ونحن لا بعلمه وبذلك الإدراك أدركت عرض الأمانة عليها وأبت وأشفقت أي خافت، ومثل هذا تدل عليه آيات وأحاديث كثيرة.
فمن الآيات الدالة على إدراك الجمادات المذكور، قوله سبحانه وتعالى في سورة البقرة في الحجارة: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ}. [البقرة (74)] فصرح بأن من الحجارة ما يهبط من خشية الله، وهذه الخشية التي نسبها الله لبعض الحجارة بإدراك يعلمه هو سبحانه وتعالى.
ومن الآيات الدالة على ذلك قوله سبحانه وتعالى: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً}. [الإسراء (44)].
ومنها قوله سبحانه وتعالى: {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ}. [الأنبياء (79)] إلى غير ذلك من الآيات.
ومن الأحاديث الصحيحة الدالة على ذلك، قصة حنين الجذع الذي كان يخطب عليه صلى الله عليه وسلم لما انتقل بالخطبة إلى المنبر، وهي في صحيح البخاري وغيره.
ومنها ما ثبت في صحيح مسلم. [برقم(2277)]. عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إني لأعرف حجراً كان يسلم علي في مكة)) وأمثال هذا كثيرة.
فكل ذلك المذكور في الكتاب والسنة إنما يكون بإدراك يعلمه الله، ونحن لا نعلمه كما قال سبحانه وتعالى: {وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} ولو كان المراد بتسبيح الجمادات دلالتها على خالقها لكنا نفقهه كما هو معلوم وقد دلت عليه آيات كثيرة". [أضواء البيان (6/258-259)].
وفي إخبار الله لنا بأنه عرض الأمانة على تلك المخلوقات وإبائها من حملها خوفا من عدم القيام بها، مع عظمتها وكبر أحجامها، تنبيه لنا على أن حمل الأمانة ثقيل يحتاج إلى مجاهدة واجتهاد للقيام بها...
قال القرطبي في تفسير الآية: "عن ابن عباس في قوله سبحانه وتعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ}. قال: الأمانة الفرائض عرضها الله عز وجل على السماوات والأرض والجبال، إن أدوها أثابهم وإن ضيعوها عذبهم، فكرهوا ذلك وأشفقوا من غير معصية، ولكن تعظيماً لدين الله عز وجل ألا يقوموا به"
قال الشيخ السعدي رحمه الله: "يعظم سبحانه وتعالى شأن الأمانة التي ائتمن الله عليها المكلفين التي هي امتثال الأوامر واجتناب المحارم، في حال السر والخفية كحال العلانية، وأنه سبحانه وتعالى عرضها على المخلوقات العظيمة والسموات والأرض والجبال عرض تخيير لا تحتيم، وأنكِ إن قمت بها وأديتها على وجهها فلك الثواب، وإن لم تقومي بها ولم تؤديها فعليك العقاب {فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا} أي خوفاً أن لا يقمن بما حملن، لا عصياناً لربهن ولا زهداً في ثوابه.
وعرضها الله على الإنسان على ذلك الشرط المذكور فقبلها وحملها مع ظلمه وجهله، وحمل هذا الحمل الثقيل. [تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان الجزء الأول 674].
ومن حكمة الله أن يكلف من هو أهل للتكليف، كالإنسان الذي أمده بالعقل والتمييز، وكرمه بالمنهاج السماوي الذي هو الوحي، وبإرسال الرسل ليقوموا بهدايته وتعليمه وتزكيته.
ولما كانت الأمانة يحتاج صاحبها إلى رعايتها وحفظها وأدائها بعد أن قبل أن يحملها، ذَكَّره الله محذراً له من إضاعتها بالجهل والظلم، وذلك يستدعي أن يكون على علم وبصيرة بأسباب حفظها..
والعلم بها يكون عن طريق الوحي، وقد يكون عن طريق الفطرة والعقل السليم، فيجب أن يتزود بالعلم، وأن يستخدم عقله فيما خلقه الله له من التفكر في الحقوق والواجبات، حتى لا يضيع الأمانة بسبب إعراضه عن هدى الله الذي أنزل به وحيه، أو عدم استخدامه نعمة العقل الذي منحه الله.
كما يجب أن يتصف بالعدل، حتى يؤدي الحقوق إلى أهلها، حقوق الله وحقوق عباده، ولا يكون مثل الكافرين المشركين الذين يصدون عن سبيل الله ولا يقبلون هداه، ولا مثل المنافق الذي يعلم حكم الله ويتظاهر بطاعته وقلبه منطوٍ على المخالفة.
ولهذا ذكر سبحانه وتعالى هذه الأصناف الثلاثة –بعد أن بين أن الإنسان قَبِلَ حملَ الأمانة -: فذكر المؤمنين الذين يؤدون الأمانة وأنه يتوب عليهم، وذكر المشركين والمنافقين الذين لا يؤدون تلك الأمانة، وأنهم جديرون بسخطه وعذابه، فقال سبحانه وتعالى: {لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً}. [الأحزاب (7)]
قال الشيخ السعدي رحمه الله في تفسيره: " فانقسم الناس ـ بحسب قيامهم بها وعدمه ـ إلى ثلاثة أقسام منافقون قاموا بها ظاهراً لا باطناً، ومشركون تركوها ظاهراً وباطناً، ومؤمنون قائمون بها ظاهراً وباطناً.
فذكر الله سبحانه وتعالى أعمال هؤلاء الأقسام الثلاثة وما لهم من الثواب والعقاب، فقال: {لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً}. [تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (1/672-673)].
وقد أكَّد الله سبحانه وتعالى فرض أداء الأمانات إلى أهلها، فقال: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً}. [النساء:58].
قال القرطبي رحمه الله:
"هذه الآية من أمهات الأحكام تضمنت جميع الدين والشرع".
ثم ذكر الخلاف في المراد بالمخاطب بها، ورجح العموم فقال:
"والأظهر أنها عامة في جميع الناس، فهي تتناول الولاة فيما إليهم من الأمانات في قسمة الأموال ورد الظلامات والعدل في الحكومات، وتتناول من دونهم ". إلى أن قال: "فالآية شاملة بنظمها لكل أمانة". [الجامع لأحكام القرآن (5/255ـ257)].
ومما يدل على خطر الأمانة وكونها من أهم الأسس التي يجب أن تتوافر في كل مسلم، وبخاصة من ولي أيَّ أمرٍ من أمور هذه الأمة، جَعْلَها مقارنةً لصفة الرسالة التي اختص الله بها خيرة خلقه، وهم أنبياؤه ورسله..
كما قال سبحانه وتعالى عن نوح وغيره من الرسل الذين جاءوا من بعده: {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ}. [الشعراء:107،143،162،193].
وقال سبحانه وتعالى عن هود وهو يخاطب قومه مبيناً كفاءته لقيادتهم وأمرهم ونهيهم: {أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ}. [الأعراف:68].
وقد أبرز العفريتُ الذي أراد أن يتشرف بإحضار عرش بلقيس ملكة سبأ لنبي الله سليمان عليه السلام، الأمانةَ من أهم صفاته المؤهلة له للقيام بخدمة سليمان..
فقال الله سبحانه وتعالى عنه: {قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ}. [النمل:39].
بل جعل الله سبحانه وتعالى الأمانة من أبرز الصفات المؤهلة لجبريل ليكون سفيراً بينه وبين رسله بوحيه..
فقال سبحانه وتعالى عنه: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ}. [التكوير:19-21].
وكما أمر بأداء الأمانة، وجعَلَها من صفات عباده الصالحين في قوله سبحانه وتعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ}. [المؤمنون:8].
فإنه حذر من إضاعة الأمانة ونهى عن الخيانة، وهى ضد الأمانة نهيا شديداً فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}. [الأنفال:27].
وإذا فقدت الأمانة فُقِدتْ الثقةُ بين الناس، وفقْدُ الثقة يؤدي إلى الخوف من الخيانة وعدم الاطمئنان إلى صدق المعاملة في الأمور العادية، كالبيع والشراء..
فكيف إذا فقدت الأمانة ممن يلي أمور المسلمين، أو يقضي في أنفسهم وأعراضهم وأموالهم؟
وإذا وجدت الأمانة اطمأن الناس إلى صاحبها، وأمنوه على كل شيء في حياتهم، بل إن الأمانة قد تفقد في الناس، فإذا رأى الناس في بعض أفرادهم ما يدل على أدنى أثر للأمانة، مدحوه وأثنوا عليه بالعقل والجَلَد والظرف، مع فقده لأصل الإيمان الذي لا أمانة لفاقده، إلا إذا تصنعها مضطراً إليها لقضاء حاجات مادية يستفيدها، بخلاف من ثبت الإيمان في قلبه عن علم بهدى الله فإن الأمانة تثبت في قلبه كثبات إيمانه.
وقد دل على هذه المعاني حديث حذيفة، رضي الله عنه قال: "حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين: رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر: حدثنا: ((أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال ثم علموا من القرآن، ثم علموا من السنة))..
وحدثنا عن زَمَنَهَا قال: ((ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل الوكت [هو أثر الشيء اليسير] ثم ينام النومة فتقبض فيبقى أثرها مثل المجل [تنفط في اليد ونحوها من أثر عمل وغيره] كجمر دحرجته على رجلك، فنفط فتراه منتبراً،[يعني مرتفعاً، راجع صحيح البخاري (7/189) ]. وليس فيه شيء فيصبح الناس يتبايعون فلا يكاد أحد يؤدي الأمانة، فيقال: إن في بني فلان رجلاً أميناً، ويقال للرجل: ما أعقله وما أظرفه وما أجلده، وما في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان))، ولقد أتى علي زمان وما أبالي أيكم بايعت، لئن كان مسلماً رده علي إسلامه، وإن كان نصرانياً رده علي ساعيه، فأما اليوم فما كنت أبايع إلا فلاناً وفلاناً". [البخاري (7/188-189) ومسلم (1/126-127)].
وأخبر صلى الله عليه وسلم أن إضاعة الأمانة من علامات الساعة، وأن من أبرز إضاعتها إسناد الأمور إلى غير أهلها، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة)) قال: كيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال: ((إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة)) . [البخاري (7/188)].
وأثنى صلى الله عليه وسلم على الخازن الأمين الذي يؤدي ما أمر به طيبة به نفسه، وجعله أحد المتصدقين، مع أن المال الذي تصدق منه ليس ملكه وإنما هو خازن فقط، فلما كان والياً لخزانته وأدى حقوق الناس في ولايته طيبة نفسه بما أدى، استحق ذلك التكريم لأمانته.
روى أبو موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((الخازن الأمين الذي يؤدي ما أمر به طيبة نفسه أحد المتصدقين)). [البخاري (3/47-48) ومسلم (2/710)].
وأثنى صلى الله عليه وسلم على أبي عبيدة بن الجراح بأمانته، كما روى ذلك أنس بن مالك رضي الله عنه: أنه قال: ((لكل أمة أمين، وإن أميننا أيتها الأمة أبو عبيدة بن الجراح)) . [البخاري (4/216)].
وعندما أراد صلى الله عليه وسلم بعث أبى عبيدة هذا إلى أهل نجران، ذكر أبرز مؤهلاته لهذا الاختيار، وهي الأمانة التي أشرف لها أصحابه رضي الله عنهم لينالوا شرفها..
روى حذيفة رضي الله عنه قال: قال: النبي صلى الله عليه وسلم لأهل نجران: ((لأبعثن عليكم أميناً حق أمين، فأشرف أصحابه، فبعث أبا عبيدة رضي الله عنه)) . [المرجع السابق..].
والذي لا يتصف بالأمانة يكون متصفاً بضدها وهي الخيانة، والخيانة من علامات النفاق، والمنافق ليس كفؤاً لولاية أمور المسلمين.
ولهذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم، يعامل المنافقين معاملة سائر المسلمين بحسب ظواهرهم، ولكنه لم يكن يسند إليهم ولاية شئون أمته، لأنه قد وصفهم بالخيانة على ما يؤتمنون عليه.

روى أبو هريرة رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((آية المنافق ثلاث..))، وفيها: ((وإذا اؤتمن خان)) .[البخاري (1/14) ومسلم (1/78)].
وقد عرف صلى الله عليه وسلم المؤمن بأنه الذي يأمنه الناس على دمائهم وأموالهم، ونفى كمال الإيمان الواجب عمن خان أمانته.
كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال قَال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم)) . [سنن الترمذي، برقم (2627) وقال: "هذا حديث حسن صحيح].
وحديث أنس بن مالك رضي الله عنه، قال قَال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((المؤمن من أمنه الناس، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر السوء، والذي نفسي بيده لا يدخل الجنة عبد لا يأمن جاره بوائقه)). [المستدرك على الصحيحين، برقم (25) وقال: "وزيادة أخرى صحيحة سليمة من رواية المجروحين في متن هذا الحديث ولم يخرجاها].
وأقسم صلى الله عليه وسلم على نفي هذا الإيمان عمن خان جاره، فلم يأمن شروره ومفاسده، كما عن أبي شريح وأبي هريرة رضي الله عنهـما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن)) قيل: ومن يا رسول الله؟ قال: ((الذي لا يأمن جاره بوائقه)) . [صحيح البخاري، برقم (5670) وصحيح مسلم، برقم (46) ].
ومعنى هذه الأحاديث أن الإيمان الصادق إنما يظهر للناس من معاملة صاحبه لهم، و من أبرز الأدلة على صدق إيمانه أن يأمنوه على دمائهم وأموالهم وأسرارهم فلا يخون أمانته، وليست دعوى الإنسان الإيمان كافية على صدق إيمانه.
هذا هو الأساس الأول من أسس الكفاءة للولايات الإسلامية وهو الأمانة.
وإن الذي يتأمل واقع العالم في هذا العصر تبرز له أضرار فقد الأمانة أو ضعفها في كل مجال..
الخيانات المالية في البيع والشراء والمعاملات التجارية على وجه العموم.
والخيانات الأسرية بين الأزواج، وبخاصة في المجتمعات التي تعمد حكام شعوبها إضعاف الإيمان في النفوس، والبعد عن طاعة الله سبحانه وتعالى، ونشر وسائل تُجَرِّئ تلك النفوس على الخيانة بدلاً من تعويدها على الأمانة، فانتشر من جراء ذلك تصدع الأسر بسبب الطلاق أو القطيعة والشك في الأنساب.
بل كثيرا ما ينجم عنه الانفصال بين الخطيب وخطيبته، بسبب شك أحدهما في الآخر، وقد يتم الانفصال بعد عقد النكاح.
وكذلك الخيانات السياسية بين الحكام والشعوب، حيث تعقد الاتفاقات وتبرم العقود وتوثق بالعهود، ثم تنقض كلها من قبل أحد الطرفين إذا قوى وظن أنه ليس في حاجة إلى الوفاء بذلك..
فينقلب أقرب المقربين على أصدق الأصدقاء - في ظاهر الأمر - ويغدر هذا الحزب بذاك، ويعيث الجيش الذي كان الهدف من تدريبه حفظ الأمن والذود عن الأوطان من الأعداء، يعيث فساداً بالانقلابات وإزهاق النفوس وانتهاك الحرمات..
ويصبح اللسان الذي كان كله مدحاً وثناء على ولي الأمر السابق، يصبح كله ذماً له وثناء على خصمه وكافرِ نعمته.
وكذلك تجد نقض العهود والغدر والخيانة بين الدول التي تعقد الاتفاقات وتبرم المعاهدات في مجالات العلاقات المتنوعة: اقتصادية وثقافية واجتماعية وسياسية وإعلامية وأمنية وعسكرية..
ثم تنقض تلك الاتفاقات والمعاهدات من قبل الدولة التي ظنت أنها لم تعد في حاجة إلى إتمامها مع الدولة الأخرى.
وكذلك الموظف الذي أسند إليه الأمر في حكومته للقيام بخدمة أبناء شعبه في أي عمل من الأعمال، تجده خائناً لحكومته وشعبه، حيث يأخذ راتب عمله كاملاً، ويتحايل بشتى الوسائل على تقليص وقت عمله، حتى لو قدر على عدم الحضور في أوقات الدوام كلها لعدم وجود من يراقبه من البشر لفعل..
وإذا حضر عامل الناس الذين وظف لخدمتهم معاملة سيئة، إما بإساءة خلقه، وإما بتسويف قضاء حاجاتهم، حتى إن العمل الذي يمكن أن ينجزه في ساعة قد لا يحصل عليه مستحقه إلا بعد أسبوع أو أكثر، اللهم إلا إذا كان من أصدقائه أو أصدقاء من يتوسط له عنده..
وقد يَحرِم صاحبَ الحق من حقَّه إما اتباعاً لهواه، وإما محاباة لقريبه أو صديقه، وإما بأخذ رشوة من خصم صاحب الحق..
إن الناس اليوم في قلق من فقد الأمانة وإن الحقوق لتهدر بسبب ذلك، وهذا ما يفسر اهتمام الشريعة الإسلامية بالأمانة في العاملين، وبخاصة ولاة أمور المسلمين.
[s3]
ماذا يكسب الخائن من خيانته؟
هذا، وإن الخائن عندما يخون غيره فرداً أو أسرة أو أمة، إنما يخونهم ظناً منه أنه ينال بخيانته مكاسب قد لا ينالها بدون الخيانة، وهو في الواقع لا ينال إلا الخسران في الدنيا والآخرة، وإذا ما أمهله الله في الدنيا، فإنه لا يهمله في الآخرة، والغالب أن يعاقبه الله في الدنيا بنقيض قصده..
وهذا بخلاف الذي يعصي هواه وشهوته، ويؤدي أمانته، فإن الله سبحانه وتعالى يثيبه على ذلك عاجلاً وآجلاً في الدنيا والآخرة ويتولى من يعول من بعده.
وكم رأينا من خائن شتت الله شملَه وشملَ أهله في هذه الحياة، وهو ينتظر ما يسوؤه يوم لقاء ربه؟!
قال ابن تيمية رحمه الله: "ثم إن المؤدي للأمانة مع مخالفة هواه يثبته الله فيحفظه في أهله وماله بعده، والمطيع لهواه يعاقبه الله بنقيض قصده، فيذل أهله، ويذهب ماله..
ومن ذلك الحكاية المشهورة: أن بعض خلفاء بني العباس سأل بعض العلماء أن يحدثه عما أدرك، فقال: أدركت عمر بن عبد العزيز، قيل له: يا أمير المؤمنين أفقرت أفواه بنيك من هذا المال، وتركتهم فقراء لا شيء لهم، وكان في مرض موته.
فقال: أدخلوهم عليَّ، فأدخلوهم وهم بضعة عشر ذكراً، ليس فيهم بالغ، فلما رآهم ذرفت عيناه، ثم قال لهم: يا بني والله ما منعتكم حقاً هو لكم، ولم أكن بالذي آخذ أموال الناس فأدفعها إليكم، وإنما أنتم أحد رجلين: إما صالح، فالله يتولى الصالحين، وإما غير صالح، فلا أخلف له ما يستعين به على معصية الله، قوموا عني.
قال: فلقد رأيت بعض بنيه حمل على مائة فرس في سبيل الله، يعنى أعطاها لمن يغزو عليها.
قلت: هذا وقد كان خليفة المسلمين، من أقصى الشرق وبلاد الترك إلى أقصى الغرب في بلاد الأندلس، ومن جزائر قبرص وثغور الشام والعواصم كطرسوس ونحوها إلى أقصى اليمن، إنما أخذ كل واحد من أولاده من تركته شيئاً يسيراً، يقال: أقل من عشرين درهماً.. قال: وحضرت بعض الخلفاء وقد اقتسم تركته بنوه، فأخذ كل واحد منهم ستمائة ألف دينار، ولقد رأيت بعضهم يتكفف الناس". [مجموع الفتاوى (28/249-250)].
ولقد فقد كثير من المسلمين الأمانة، أو ضعفت عندهم حتى أصبحت كالمفقودة، فترتب على ذلك ما ترتب من الآثار التي دمرت أفرادا وأسرا وشعوبا، بل حطمت كثيرا من ضرورات حياة الأفراد والأسر والشعوب.
ولقد رأينا في عمرنا القصير عجائب القدرة الإلهية في بعض من تولوا أمور الشعوب الإسلامية فخانوها، إذ كانت عاقبتهم من أسوأ العواقب الوخيمة في أنفسهم وفي أسرهم، وليت أهل الخيانات يأخذ ون العبرة من أمثالهم قبل فوات الأوان.
وإذا كانت الأمانة شاملة ذلك الشمول الذي سبق ذكره عن القرطبي:
"والأمانة تعم جميع وظائف الدين على الصحيح من الأقوال".
فإن من قصر في وظيفته المستحقة عليه لغيره تقصيرا يخل بحق ذلك الغير، وهو قادر على عدم التقصير فيه، يكون خائنا لأمانته...
ومعلوم أن وظائف الدين عند المسلمين يدخل فيها كل ما فيه نفع للأفراد والأسر والشعوب، وهذا المفهوم يوسع دائرة الأمانة والخيانة.
فقيام المسلم بحقوق ربه التي فرضها عليه، وتركه لما حرمه عليه، أمانة، ومخالفته لذلك خيانة.. وقيام كل من الزوجين بحقوق الآخر الواجبة عليه أمانة، وعدم قيامه بذلك خيانة.
وأداء الوالدِين حقوق أولادهم الواجبة عليهم أمانة، وعدم قيامهم بتلك الحقوق مع قدرتهم عليها خيانة...
وأداء الأولاد حقوق والديهم التي أوجبها الله عليهم أمانة، وعدم قيامهم بها مع قدرتهم عليها خيانة. وقيام أولياء الأمور بحقوق رعيتهم التي أوجبها الله سبحانه وتعالى عليهم أمانة، وعدم قيامهم بذلك مع القدرة عليه خيانة... وقيام الرعية بما أوجب الله عليهم من حقوق ولاة الأمر أمانة، وعدم قيامهم بذلك مع قدرتهم عليه خيانة. وقيام الأجراء بحقوق مستأجريهم الواجبة عليهم أمانة، وعدم قيامهم بذلك مع قدرتهم على القيام به خيانة..
وهكذا الشركاء مع شركائهم، والجيران مع جيرانهم، وكل صاحب وظيفة مع من له حق عليه في وظيفته.... من قام منهم بالواجب عليه لغيره، فقد أدى الأمانة، ومن لم يقم به مع قدرته عليه فقد خان الأمانة. ويجب أن يعلم أن أداء الأمانة ليس خاصا بالأفراد، وكذلك الخيانة، فكما أن الأمانة مطلوبة من الأفراد عينا أو كفاية، وتترتب على أدائها آثارها النافعة ومصالحها المفيدة، لمؤدي الأمانة ولمن استحقها منه، فهي أيضا مطلوبة من مجموع الأمة، ويترتب على أدائها من المصالح ما هو أعظم من المصالح المترتبة على أدائها من الأفراد، وإن كان أداء الأمة لا يتأتى إلا بتعاون الأفراد عليه.
وأداء الأمانة من الأمة يكون في الغالب فرض كفاية، عندما ينوب عنها في أدائها من يقوم به قياما كافيا، فإذا لم يقم به من يكفي من الأمة أصبح فرض عين على كل قادر منها، حتى تُقيم من ينوب عنها في القيام ذلك.
قال إمام الحرمين عبد الملك الجويني رحمه الله: "ثم الذي أراه أن القيام بما هو من فروض الكفايات، أحرى بإحراز الدرجات، وأعلى من فنون القربات، من فرائض الأعيان، فان ما تعين على المتعبد المكلف لو تركه ولم يقابل أمر الشارع فيه بارتسام، اختص المأثم به، ولو أقامه فهو المثاب. ولو فرض تعطيل فرض من فروض الكفايات، لعم المأثم على الكافة على اختلاف الرتب والدرجات، والقائم به كافٍ نفسَه وكافةَ المخاطبين الحرجَ والعقابَ، وآمِلٌ أفضلَ الثواب، ولا يهون قدرُ من يَحُلُّ محلَّ المسلمين أجمعين في القيام بمهم من مهمات الدين". [الغياثي، فقرة رقم (509) الطبعة الثانية 1401هـ، تحقيق الدكتور عبد العظيم الديب].

المبحث الثاني: العلم والخبرة

إن العلم والخبرة بالأمر المسند إلى المرء، كالبصر الذي لا قدرة له على رؤية الأشياء بدونه، فالذي لا خبرة له ولا علم له بالأمر، لا قدرة له على القيام به، وتكليفه القيام بذلك وإسناده إليه من الظلم له ولكل من له به علاقة..
لذلك حرص الشارع الحكيم أن يكون من يلي أمرا من الأمور على علم به، لتكون خطواته سائرة عن علم ودراية مؤدية إلى الهدف المرسوم؛ ولأن الجاهل بالعمل يؤدي جهله به في الغالب إلى فشله في وظيفته.
ولا أريد هنا استعراض النصوص الدالة على شرف العلم وفضله، فإنها لكثرتها تحتاج إلى مؤلف مستقل، وهي منتشرة في نصوص القرآن والسنة والسيرة النبوية والتفسير وشروح الحديث وتاريخ الإسلام، وقد ألف بعض العلماء في ذلك كتباً مستقلة. [مثل كتاب: جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر].
ويكفى من ذلك ذكر آيتين فيهما بيان عدم استواء العلماء وغيرهم، وتفاوت درجات الناس بتفاوت إيمانهم وعلمهم.
فقد بين سبحانه وتعالى أن العلماء هم الذين يداومون على طاعته وعبادته، ويحذرون عذابه في الآخرة، كما يرجون رحمة ربهم..
والذين هذه صفاتهم هم الذين يأمنهم الناس على أنفسهم وأعراضهم وأموالهم، فإذا ما تولوا أمورهم قاموا بها خير قيام، لأن دوامهم على الطاعة وخوفهم من الله وخشيتهم من عذابه ورجاءهم رحمته، تجعلهم يحافظون على رضا ربهم في معاملة خلقه وأداء حقوقهم إليهم…
قال سبحانه وتعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ}. [الزمر:9].
وأوضح عز وجل أنه فاوت درجات الناس بتفاوت درجات إيمانهم وعلمهم، والحكمة تقتضي أن يكون الأرفع درجة عند الله بإيمانه وعلمه، هو الأرفع درجة عند الناس، لأن الإيمان يعصم من الهوى، والعلم يعصم من الخطأ، ونتيجة ذلك العدل والصواب وهما قوام حياة الناس.
قال سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}. [المجادلة:11].
هاتان الآيتان من النصوص الدالة على فضل العلم والعلماء بصفة عامة، ويلزم من ذلك أن يكون أهل العلم هم قادة الأمة وولاة أمورهم، والعلم - وإن كان ظاهر النصوص يدل أن المقصود به علم الكتاب والسنة - شامل لكل علم نافع للناس في الدنيا والآخرة، ما دام غير مخالف لشرع الله..
قال أبو حامد الغزالي رحمه الله: "فالفقيه هو العالم بقانون السياسة وطريق التوسط بين الخلق إذا تنازعوا بحكم الشهوات، فكان الفقيه معلمَ السلطان ومرشده إلى طريق سياسة الخلق وضبطهم، لينتظم باستقامتهم أمورهم في الدنيا..
ولعمري إنه متعلق أيضاً بالدين، لكن لا بنفسه، بل بواسطة الدنيا، فإن الدنيا مزرعة الآخرة، ولا يتم الدين إلا بالدنيا..
والْمُلْك والدين توأمان، فالدين أصل والسلطان حارس، وما لا أصل له فمهدوم، وما لا حارس له فضائع، ولا يتم الملك والضبط إلا بالسلطان، وطريق الضبط في فصل الحكومات بالفقه". [الإحياء (1/17)].
وهنا تنبيهان:
التنبيه الأول: أن يعلم أن قول الغزالي رحمه الله: "فكان الفقيه معلم السلطان ومرشده إلى طرق سياسة الخلق وضبطهم".. المقصود به عندما أصبح للسلطان رجال وللفقه رجال، فكان لا بد للسلطان أن يكون تلميذاً للفقيه، لتكون غير مخالفة لشرع الله.
أما قبل ذلك فكان الفقيه هو صاحب السلطان، وهو أعلى درجة السياسة الشرعية، وأدناها أن يتعاون الفقيه والسلطان على تلك السياسة، الفقيه ينصح ويوضح.. والسلطان على ضوء ذلك ينفذ.
وأسوأ السياسة في حكم الله أن يختلف الفقيه والسلطان. الفقيه يبين ويدعو إلى هدى الله، والسلطان يشتط وينفذ غير ما أنزل الله..
وهذا هو الذي اتُّبِع في أغلب الشعوب الإسلامية في العصور المتأخرة، فذاق المسلمون بذلك وبال هذا الاختلاف الذي هز كيان الأمة الإسلامية ومزقها شر ممزق.
التنبيه الثاني: أن علماء المسلمين قد تنبهوا لدسيسة أعداء الإسلام الذين أرادوا أن يفرقوا بين الدين والسياسة..
كما هو شأن غلاة العلمانيين في هذا الزمان، الذين دعاهم اتباعُ أهوائهم التي لا يرضون أن يقيدها شرع الله في الحياة، إلى أن يحولوا بين تطبيق أحكام الدين على حياة الأمة، فدعوا إلى التفريق بين الدين والسياسة، ليضعوا من عند أنفسهم قوانين وأنظمة تحقق لهم رغباتهم بدون أن يتدخل شرع الله في حياتهم..
ولهذا ترى كلام العلماء، كالغزالي رحمه الله في غاية الوضوح في رد هذا الافتراء، بل الاعتداء على دين الله، تأمل قوله: "فالدين أصل، والسلطان حارس".
والشاهد من هذا أن كل علم ينفع الناس في دينهم ودنياهم، داخل في العلم المطلوب تحقيقه في ولاة الأمر، كل فيما يخصه، ولا يجوز لأي منهم تولي أمر من أمور الأمة وهو يجهله.
وهناك نصوص أخرى دلت على ضرورة وجود العلم فيمن يلي أمور المسلمين.. مثل قوله سبحانه وتعالى: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلا قَلِيلاً}. [النساء:83].
دلت الآية أن عامة الناس، وهم الرعية، إذا نقل إليهم خبرُ أمرٍ من الأمور الخطيرة، سواء تعلق بالأمن أو الخوف، لا ينبغي لهم أن يذيعوا ذاك قبل أن يعودوا إلى ولاة أمورهم..
وعلى رأسهم الرسول صلى الله عليه وسلم عندما كان حياً، إذ الفرض في ولاة الأمر أن يكون عندهم مقدرة على دراسة ذلك الأمر، ومعرفة حقيقته عن طريق ذوى العلم الخبرة به، فهم الذين يستطيعون أن يستنبطوا حكمه، وهل الفائدة في إذاعته أو في كتمانه؟
فولاة الأمر لابد أن يكونوا خبراء بما يتولونه، ولا يشترط أن يكونوا كلهم خبراء في كل أمر، بل قد يكون بعضهم ذا خبرة في شأن من شؤونهم، وبعضهم في شأن آخر، فيتشاورون ويتفقون على رأي بعد دراسته. [راجع جامع البيان عن تأويل آي القرآن لابن جرير الطبري (5/180) وما بعدها.. وتفسير المنار لمحمد رشيد رضا (5/297) وما بعدها..].
ومثل قوله سبحانه وتعالى في شأن ملك مصر ويوسف عليه السلام: {وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ * قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ}. [يوسف:54-55].
فقد عرف الملك أمانة يوسف، فدعاه ذلك إلى تقريبه منه، وإشعاره بأنه محتاج إليه لمساعدته في شؤون ملكه، فلما عرف يوسف عليه السلام ذلك، عرض عليه أن يقوم بحفظ خزائنه وضبطها..
وأبرز له ما يؤهله لذلك وهما: الحفظ الناشئ عن الأمانة التي ظهرت له من عفة يوسف وعدم استجابته لإغراء امرأة العزيز، وتحمله عقوبة السجن، وكذلك القوة التي لا يمكنه حفظ أموال الدولة إلا بها، والعلم: {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ}.
ولعل يوسف عليه السلام رأى أن مال الدولة غير محفوظ، بسبب جهل الموظفين الذين أسند إليهم حفظه، أو خيانتهم وضعفهم، أو كل تلك الأسباب مجتمعه، مع حاجة الناس إلى حفظه وعدالة توزيعه، فاختار القيام بهذه الوظيفة التي يحفظ بها مال الدولة وحياة الشعب.
قال القرطبي رحمه الله في تفسير الآية: "لما ثبت للملك براءته مما نسب إليه، وتحقق في القصة أمانتَه، وفهم أيضاً صبره وجلده، عظمت منزلته عنده، وتيقن حسن خلاله، قال: {ائتوني به أستخلصه لنفسي}. [(9/210) ].
وما فعله هذا الملك من إظهار الثقة في يوسف والاطمئنان إليه، و الثناء الحسن عليه، وتمكينه من اعتلاء هذا المنصب الخطير الذي أبدى يوسف رغبته في القيام به، لينقذ الناس من المجاعات، هذا الفعل الصادر من الملك، يدل على رجاحة عقله وحسن تدبيره.
فيوسف شاب غريب، بل هو - في عرف الناس - عبد بيع بثمن بخس دراهم معدودة، وقد عوقب بالسجن ظلما وعدوانا، ومع هذا كله رفع الملك مقامه الشريف عندما تبينت له فضائله وكفاءته ومؤهلاته....
وينبغي أن يتخذ زعماء الإدارات العامة والخاصة في الشعوب الإسلامية، من أعلى منصب فيها إلى أصغره عبرة من ملكٍ غير مسلم، دعاه إشفاقه على شعبه من نزول كوارث السنين به، أن يؤثر بالوظيفة التي تقيهم من تلك الكوارث رجلا يوصف بأنه أجنبي أو خادم، بل كان قبل أن يستخلصه الملك لنفسه عبدا يُنْزِل به العقابَ مالكُه، استجابة لرغبة امرأته التي لم يلب يوسف طلبها الآثم، فيخرجه الملك من السجن ويوليه منصبا لم ينله أحد من كبار دولته.
أقول: ينبغي لولاة أمر المسلمين المسئولين عن إدارات بلدانهم، أن يتخذوا من تدبير هذا الملك غير المسلم عبرة، فلا يولوا على الأمة إلا ذوي العلم والخبرة والأمانة، دون محاباة ولا مجاملة....
ويظهر من تعبير يوسف للرؤيا التي رآها الملك، أنه أراد من طلب الولاية على الشئون المالية "خزائن الأرض" تنفيذ تعبيره لتلك الرؤيا، وهو حفظ ما حُصِد وزُرِع، إلا القليل مما يأكل الناس، نظراً للقحط الذي سيعقب ذلك.. كما قال سبحانه وتعالى عنه، وكان في السجن: {قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلا قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلا قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ}. [يوسف:47-48].
ومثل قوله سبحانه وتعالى: {وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ}. [الأنبياء:78-79].
فقد كان نبي الله داود وابنه سليمان ملِكين ولاهما الله أمور الناس، وزودهما بالعلم النافع للقيام بواجبات الملك: {وَكُلاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً}.
ولما طلب بنو إسرائيل بعد نبيهم موسى عليه السلام من أحد أنبيائهم أن يولي عليهم ملكاً يقودهم لقتال أعدائهم، وأخبرهم بأن الله اختار لهم طالوت، واعترضوا على اختياره، بأنه لا مال له يؤهله لقيادتهم وأنهم هم أحق بالقيادة منه، بين لهم نبيهم سبب اصطفاء الله له، وهو أنه مؤهل لذلك بالقوة الجسمية والعلم..
قال سبحانه وتعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلأِ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلا قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}. [البقرة:246-247].
ولا شك أن ولي الأمر الجاهل بما يسند إليه من أمور رعيته، يكون محلاً لازدراء الناس له واحتقارهم إياه، لأن الغالب على تصرفات الجاهل أن تكون غير سديدة، هذا بالإضافة إلى الضرر الذي يصيب الرعية من تصرفاته الناشئة عن جهله.
قال الزمخشري رحمه الله: "وذلك أن الْمَلِك لابد أن يكون من أهل العلم، فإن الجاهل مزدرى غير منتفع به". [الكشاف (1/379)].
ولقد ميز الله سبحانه وتعالى بين الحيوانات بالعلم، فأباح الاصطياد بالكلب المعلم وما أشبهه من سباع الوحوش والطيور، وحرم الاصطياد بغير المعلم، فجعل سبحانه وتعالى العِلمَ مؤهِّلاً للكلب بأن يصاد به ويؤكل صيده..
كما قال سبحانه وتعالى: {يَسْأَلونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ}. [المائدة:4].
والسبب في ذلك أن الكلب المُعَلَّم إنما يصيد الصيد لصاحبه وليس له، ولذا لا يأكل من الصيد الذي يصيده، وإذا أمره صاحبه ائتمر وإذا زجره ازدجر، فهو على عهده الفطري الذي تعلمه من صاحبه.
فكان أهلاً لتلك الوظيفة، والذي يتولى وظيفة، وهو يجهلها لا يرجى منه أن يؤدي ما يجب عليه فيها.
قال القرطبي رحمه الله: "ولا خلاف بين العلماء في شرطين في التعليم وهما : أن يأتمر إذا أُمر وينزجر إذا زُجر.. لا خلاف في هذين الشرطين في الكلاب وما في معناها من سباع الوحوش"..
ثم قال رحمه الله: "وفي هذه الآية دليل على أن العالم له من الفضيلة ما ليس للجاهل، لأن الكلب إذا عُلِّم يكون له فضيلة على سائر الكلاب، فالإنسان إذا كان له علم أولى أن يكون له فضل على سائر الناس، لا سيما إذا عمل بما علم..
وهذا ما روى عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، أنه قال: "لكل شيء قيمة، وقيمة المرء ما يحسنه". [الجامع لأحكام القرآن (6/69،74)].
وقال محمد بن علي الأزرق رحمه الله: "السلطان أحوج الخلق إلى العلم لوجهين:
أحدهما: افتقاره إليه في الأحكام التي تحوجه إلى المعرفة بها، ليكون على بصيرة في تنفيذ الفصل فيها وإلزام الوقوف عند حدودها.
الثاني: أن تَحَلِّيَه بالعلم من أعظم ما يتحبب به إلى الرعية، لما رسخ في النفس على الجملة من فضيلة العلم ومحبة من انتسب إليه، وإذا عرى منه أو فرط في العمل بمقتضى السؤال عنه، أخل بالسريرة الفاضلة فينفرون ويستوحشون منه". [بدائع السلك في طبائع المسلك (1/426)].
وإذا تولى الجاهل ولاية من ولايات المسلمين صغرت أم كبرت، فإنه سيضطر إلى أعوان عندهم خبرة بالولاية المسندة إليه، وهو لا يخلو من حالات ثلاث:
الحالة الأولى: أن يسلم لهم قياده ليسيِّروا أمر ولايته في الواقع، وهو يكتفي باللقب والرئاسة، وهو في هذه الحالة هيكل بلا روح ولا قيمة له عند رعيته، لأنهم يعلمون أنه كلابس ثوبي زور.
الحالة الثانية: أن ينصب نفسه آمراً وناهياً لذوى الخبرة: يأمرهم بنقيض ما يجب إبرامه، وينهاهم عن فعل ما يجب فعله، وهو في هذه الحالة أسوأ من الحالة الأولى، لأنه يبني ما يجب أن يهدم، ويهدم ما يجب أن يبني، وسيكون معرضاً لغضب العالم والجاهل على السواء، ومثله لا يرجى له البقاء في منصبه لأن سنة الله الكونية والشرعية تأبى ذلك.
الحالة الثالثة: أن يُقْصِي كلَّ من له خبرة وعلم بشؤون ولايته، ويقرب ذوي الجهل بها مثله: هرباً من أن يحتقره ذوو الخبرة وينكروا تصرفاته، وهذه الحالة هي الفوضى بذاتها، وبها يتحقق الفساد في الأرض، ويكون ولي الأمر وأعوانه..
كما يقول المثل: "عمياء تخضب مجنونة"..
وتصبح أمور الناس بذلك كما قال الشاعر:

أقول له زيداً، فيسمع خالداًويكتبه عمراً، ويقرؤه بكراً

وهاتان الحالتان هما الغالبتان على ولاة الأمور في أغلب الشعوب الإسلامية في هذه العصور، وبخاصة أولئك الولاة الذين أقصوا حكم الله سبحانه وتعالى عن حياة الناس، ونصبوا أنفسهم حرباً على الإسلام و المسلمين، ولم يتعاونوا مع علماء الأمة على إقامة حكم الله.
أما ذوو الولايات الصغيرة، فإنهم لا يخلو منهم شعب من الشعوب الإسلامية، بل لا أبالغ إذا قلت: لا تخلو منهم مدينة أو قرية ممن يتصفون بإحدى هاتين الحالتين، وعلى قلة بالحالة الأولى.
وبهذا يعلم ضرورة أن يكون ولاة أمر المسلمين في الولاية العامة الكبرى، أو في الولايات الصغرى، عندهم علم و خبرة بالعمل الذي تسند إليهم ولايته، وأن يقرب كلُّ وال منهم إليه أهلَ العلم والخبرة في ذلك للمزيد من الفائدة وأداء الواجب.
ويجب أن يعرف بأن العلم المطلوب لمن يدير أي أمر من أمور الناس، علمان:
[s3]
علم شرعي:
يتمكن به من معرفة أحكام أفعاله التي يصرف بها شئون الأمة، لأن علم المكلف بمشروعية ما أنيط به من أعمال فرض عين عليه، يأثم بجهله بها، لأن العلم بشرع الله شرط في صحة القول والعمل، ولهذا قال البخاري رحمه الله: "باب العلم قبل القول والعمل لقول الله سبحانه وتعالى {فاعلم أنه لا إله إلا الله} فبدأ بالعلم" . [صحيح البخاري (1/37) ].
وفي حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((القضاة ثلاثة: قاضيان في النار وقاض في الجنة، قاض عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، وقاض عرف الحق فجار متعمداً فهو في النار، وقاض قضى بغير علم فهو في النار)). [الحاكم في المستدرك (4/101) وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وله شاهد بإسناد صحيح على شرط مسلم" وأبو داود في سننه (3/299) و وابن ماجه في سننه (2/776) والترمذي في سننه (3/613)].
[s3]
وعلم إداري تخصصي:
يتمكن به من أداء واجباته في عمله أداءً سليماً، يحقق به أهداف وظيفته، و يوصل به الحقوق المنوطة به إلى أهلها كاملة بدون تأخير، ولا يتم ذلك إلا باستيعابه للمبادئ الإدارية التي لا يستغني عنها في نشاطه الإداري.
وقد أصبح للإدارة في هذا العصر علومها ومبادئها وتخصصاتها وأقسامها، ومؤسساتها ومراكز تدريب أربابها، ومؤلفاتها.
ولهذا يجب على من يتولى أي عمل إداري أن يحرز من العلوم الإدارية، وبخاصة ما يحتاج إليه في عمله الإداري الخاص، مهما عظم ذلك العمل أو صغر، ما يؤهله للقيام به...
وينبغي أن يفرق بين التخصصات الدراسية، سواء كانت شرعية أو غيرها من التخصصات، كالعلوم العسكرية وعلوم السياسة والاقتصاد، والطب والهندسة، والفلك، فقد يوجد متخصصون مهرة خبراء في كل علم من هذه العلوم، ولكنهم يفقدون العلم الذي يؤهلهم للإدارة في مجالات تخصصهم.
فلا يجوز أن تسند إلى أحد منهم إدارة أي مؤسسة من المؤسسات التي ينتسبون إليها بحجة تخصصهم في بعض مجالاتها، ما لم ينل حظا من علم الإدارة يهيئه لعمله الإداري، لأن علمه في تخصصه المهني شيء، وعلمه في مبادئ الإدارة شيء آخر...
فلا يولى إدارة مستشفى طبيب ماهر خبير في الطب، جاهل بالإدارة، ولا يولى إدارة مؤسسة إسلامية عالم من علماء الإسلام، وهو يجهل كيف يديرها إدارة صحيحة يترتب على إدارته النجاح المطلوب، ولا يولى عالم اقتصاد إدارة مؤسسة اقتصادية جاهلاً بمبادئ إدارتها... وهكذا يقال في سائر التخصصات...ولا فرق بين كبير الوظائف الإدارية وصغيرها، كالوزارة والإدارات العليا أو الصغرى فيها.
[s3]
اكتساب الخبرة عن طريق الممارسة و التدريب:
ولا بد مع العلم الإداري النظري الذي يتلقاه من يراد له القيام يشأن من شئون الإدارة، من خبرة يكون بها أهلا للقيام بذلك، وتحصل الخبرة بأحد أمرين أو بهما معا:
الأمر الأول: الممارسة العملية الطويلة لعمله، لأن ممارسة الشخص للعمل مدة طويلة تكسبه دربة تمكنه من إنجاز أعماله السليمة في الوقت المناسب، بشرط أن يكون جادا في عمله قاصدا أداءه بأمانة وإخلاص، وإلا فقد تمر الأوقات الطويلة على الموظف السيئ السمعة، دون أن تتغير حالته إلى الموظف الحسن السمعة.
الأمر الثاني: التدريب الذي يقوم به من جمع بين العلم والممارسة والتدريب، لمن هو أقل حظا منه في ذلك أو في بعضه.
لقد بليت الأمة الإسلامية بكثير ممن تولوا إدارة شؤونها – من أعلاها رتبة إلى أدناها – مع جهلهم بالضروري من مبادئ الإدارة وأساليبها، وباختصاصاتهم التي يجب أن تكون محددة واضحة لهم ليتمكنوا من إتقان العمل وسرعة الأداء، إضافة إلى فقدهم تقوى الله التي تكسبهم الحرص على رضاه وثوابه، والخوف من مقته وعقابه، فاجتمع فيهم مع فقد الخبرة و الجهل الإداري، قلةُ مراقبتهم من المسئولين عنهم في مجال عملهم، وفقدهم مراقبة العليم الخبير الذي لا تخفى عليه خافية.
وهي كما ترى ظلمات بعضها فوق بعض، أهدرت بها حقوق الناس واستبيحت أموالهم وأعراضهم، وضاعت مصالحهم وضرورات حياتهم، وانتشر فيهم الفساد الإداري والمالي، وأضحت الرشوة والوساطات الآثمة تتحكمان في نشاطات الموظفين، يُبطَل بهما حقُّ المحق، ويُحق بهما باطلُ المبطل، وقلما تجد دولة أو محافظة أو مدينة أوحياً تخلو من شكاوى المظلومين بسبب من تلك الأسباب أو بها جميعاً، وأعظمها وأخطرها جثوم الجهل وفقد الخبرة والأمانة...

المبحث الثالث: القوة والقدرة على التنفيذ:

من الأسس التي لا غنى عنها في ولي الأمر أن يكون قوياً ذا إرادة وعزم وإقدام على تنفيذ ما يجب تنفيذه..
فلا يكون ضعيفاً ولا متردداً فإن الضعيف والمتردد لا يصلحان للقيام بالولايات، لما فيهما من تفويت الفرص المتاحة وما ينجم عنهما من الضرر على الولاية.
فالقوي يجتاز العقبات، ويحطم المعوقات، ويجتهد في بلوغ الغاية، ما دامت محققة للمصلحة، والضعيف أوالمتردد يقدم رجلاً ويؤخر أخرى حتى تفوت المصلحة أو تهجم المفسدة..
لذلك كانت القوة من أهم الأسس التي يجب وجودها في المؤمن - وبخاصة ولي الأمر - في الشريعة الإسلامية.
ولقد أمر الله سبحانه وتعالى أن يؤخذ شرعه مأخذ الجد والعزم والقوة.. فقال سبحانه وتعالى مخاطباً بني إسرائيل: {.. خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}. [البقرة:63].
وقال سبحانه وتعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}. [البقرة:93].
وقال سبحانه وتعالى مخاطباً موسى عليه السلام - وهو رسول بنى إسرائيل: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ}. [الأعراف:145].
وقال عفريت سليمان : {قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ}. [النمل:39].
وقالت ابنة الرجل الصالح صاحب مدين الذي لجأ إليه موسى عليه السلام قبل بعثته، فاراً من بطش فرعون، مبينة لأبيها أنه كفء للقيام بالعمل..
قال سبحانه وتعالى : {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ}. [القصص:26].
تأمل كيف جمعت بين صفتي القوة والأمانة كما جمع بينهما عفريت سليمان.
وأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم إذا عزم على أمر أن يمضيه متوكلاً على ربه..
فقال: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}. [آل عمران: من الآية159].
وأمره صلى الله عليه وسلم أن يصبر على ما يصيبه من أذى وهو ينفذ أمر ربه كما صبر أولو العزم من الرسل، فقال: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُل}. [الأحقاف: من الآية35].
وهناك آيات أخرى لم يصرح فيها بالقوة والعزم لفظاً ولكنها تحمل معناها، مثل قوله سبحانه وتعالى عن يوسف عليه السلام عندما طلب من ملك مصر أن يوليه شؤون المال: {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [يوسف:55]. فإن الحفظ لا يوجد إلا بأمرين:
الأمر الأول الأمانة، وهي التي وصف بها العزيز يوسف عندما قال له: {إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ}. [يوسف: من الآية54].
والأمر الثاني: القوة والقدرة على الحفظ.
وكذلك قوله عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً}. [النساء:58].
فإن الحكم بالعدل لا يوجد إلا بالأركان الثلاثة:
الأمانة..والعلم بأن هذا عدل وذاك ظلم.. والقدرة على تنفيذ الحكم..
وكذلك وصف الله سبحانه وتعالى طالوت بزيادته إياه بسطة في العلم والجسم، فإن ذلك دليل أنه قوي قادر على القيام بشأن الحرب، والقوة في كل شيء بحسبه، كما قرر ذلك العلماء وسيأتي كلام ابن تيمية رحمه الله في هذا.
وبين الرسول صلى الله عليه وسلم أن المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف..كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان)) . [مسلم (4/2052)].
وإنما كان المؤمن القوي خيراً وأحب إلى الله لوجود مزية فيه على غيره، وهى تلك القوة التي ينفذ بها أوامر الله، وأحوج الناس إلى القوة لتنفيذ أوامر الله هم ولاة الأمر المؤمنون الذين أنيط بهم هذا التنفيذ أكثر من غيرهم، بل لا قدرة لغيرهم مثلهم على تنفيذ الحق الذي أمر الله به، لأن غيرهم وإن كانوا أقوياء على ما كلفوا تنفيذه، قد لا يخضعون لأمر الله، بل يعارضون ويحاربون أهله...
ونصح صلى الله عليه وسلم أمته من أن يتولى شؤونها من هو ضعيف عن القيام بولاياتها، نصح الأمة في شخص أبي ذر رضي الله عنه حيث أمره أن يبتعد عن الإمارة لعدم قدرته على تنفيذها..كما روى هو رضي الله عنه، قال: قلت: يا رسول الله ألا تستعملني؟
قال: فضرب بيده على منكبي، ثم قال: ((يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها)). [مسلم (3/1457)].
إن أبا ذر لا ينقصه العلم ولا تنقصه الأمانة والإرادة، ولكن تنقصه القوة، فكانت سبباً في عدم إسناد الرسول صلى الله عليه وسلم إليه ولاية.
وإن الذي يتتبع قصص الأنبياء والرسل عليهم السلام مع قومهم، يجدهم قد ضربوا أروع الأمثلة على العزم والقوة في تنفيذ ما ولاهم الله سبحانه وتعالى أمره، وهم قدوة البشر في كل خير..
وقد أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقتدى بهداهم بعد أن ذكر منهم ثمانية عشر نبياً.
فقال الله عز وجل له: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ}. [الأنعام:90].
فمن مواقف نبي الله ورسوله نوح عليه السلام ذلك الموقف من المستضعفين الفقراء الذين شنع عليه الملأ بسبب اتباعهم له وقربهم منه، وطلبهم منه طردهم ليتمكنوا في زعمهم من اتباعه، لأنه لا يسعهم أن يكونوا وهم أهل الغنى والجاه أن يجتمعوا مع من هم أذلاء..
فقال لهم نوح عليه السلام: {وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ * وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ}. [هود:29-30].
ومن مواقف نبي الله ورسوله هود عليه السلام ذلك الإصرار على السير في طاعة الله والدعوة إليه مهما تآمر عليه القوم وكادوا فقال لهم - في عزم.. { قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}. [هود:54-56].
ومن مواقف الرسول صلى الله عليه وسلم الصارمة موقفه من إمضاء صلح الحديبية مع المشركين الذي كان ظاهره الحيف بالمسلمين، كما فهم ذلك بعض صحابته.
لما في شروط الصلح من رجوع الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن البيت قبل أداء العمرة، وإرجاع من جاء من المشركين مسلماً إليهم، وعدم إرجاع من جاء من المسلمين إلى المشركين..
حتى أخذ عمر رضي الله عنه يصول ويجول ويراجع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أبا بكر، متعجبا من الصلح الذي ظهر له منه غبن أهل الحق..
كما في حديث سهل بن حنيف: "إنا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية ولو نرى قتالا لقاتلنا، فجاء عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ فقال: ((بلى)) فقال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: ((بلى)) قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا أنرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟
فقال: ((يا بن الخطاب إني رسول الله ولن يضيعني الله أبداً)) فانطلق عمر إلى أبي بكر فقال له مثل ما قال للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنه رسول الله ولن يضيعه الله أبداً. فنزلت سورة الفتح فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم على عمر إلى آخرها. فقال عمر: يا رسول الله أو فتح هو؟ قال: ((نعم))" . [البخاري، برقم (3011) ومسلم (1785) ].
وكذلك موقفه صلى الله عليه وسلم في الخروج إلى أحد حيث كان رأيه أولاً عدم الخروج من المدينة، بل يبقى هو وأصحابه بها، فإذا هاجمهم المشركون قاتلهم الرجال في الطرقات والنساء من على سطوح المنازل.
ثم لما تنازل عن رأيه وعزم على الخروج ندم الذين طلبوا منه الخروج وطلبوا منه البقاء فأبى أن يتنازل بل عزم على الخروج.. وقال: ((ما ينبغي لنبي لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه)) . [راجع زاد المعاد (3/193) بتحقيق الأرناؤوط، قال المحقق: "أخرجه ابن هشام عن ابن إسحاق، عن الزهري وغيره مرسلاً وعلق البخاري بعضه وأخرجه بتمامه ونحوه أحمد.. والدارمي.. موصولاً من طريق أبن الزبير عن جابر ورجاله ثقات، وله شاهد من حديث ابن عباس عند الحاكم وأحمد.. وصححه ووافقه الذهبي].
وهو تنفيذ لقوله سبحانه وتعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}. [آل عمران: من الآية159].
ولو أن ولي الأمر يتردد في الأمور فلا يبت فيها ولا يتخذ القرار المناسب في وقته، لكان في ذلك فشله الذريع وطمع الناس في ثَنْيِه عن أمره الذي يجب عليه تنفيذه إذا كان لهم في ذلك مصلحة ولو خالفت المصلحة العامة.
ومن مواقفه الحازمة صلى الله عليه وسلم، ما جاء في قصة الزبير والأنصاري عندما اختصما إليه في سقي أرضيهما..
كما روى عروة بن الزبير: "أن الزبير كان يحدث أنه خاصم رجلاً من الأنصار قد شهد بدراً، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في شراج من الحرة، كانا يسقيان به كلاهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير: ((اسق يا زبير ثم أرسل إلى جارك)) فغضب الأنصاري فقال: يا رسول الله أن كان ابن عمتك.. فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: ((اسق ثم احبس حتى يبلغ الجدر))..
فاستوعى رسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ حقه للزبير، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك أشار على الزبير برأي سعة له وللأنصاري، فلما أحفظ الأنصاري رسول الله صلى الله عليه وسلم، استوعى للزبير حقه في صريح الحكم..
قال عروة: والله ما أحسب هذه الآية نزلت إلا في ذلك: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً}. [البخاري، برقم (2561) (3/171) ومسلم (2357) والآية في سورة النساء:65].
فقد أشار صلى الله عليه وسلم في أول الأمر بالصلح الذي لا يضر صاحب الحق، وينفع من يليه، وهو الأنصاري بقوله: ((اسق يا زبير ثم أرسل إلى جارك)) حيث يفهم منه أن يسقي الزبير أرضه سقياً كافياً في الجملة، مع شيء من التسامح لخصمه..
فلما صدر من خصمه ذلك الكلام الذي فيه اعتراض على رسول الله صلى الله عليه وسلم في عبارته التي كانت في مصلحته، غضب الرسول صلى الله عليه وسلم وحكم بالحق الذي للزبير أن يستوفيه، وهو سقى أرضه حتى يبلغ الماء الجدر..
وفيه مع كونه حكماً شرعياً - حزم وضبط إداري، وإصرار وقوة على التنفيذ. [راجع شرح الحديث في فتح الباري (5/34-40)].
ومن أظهر مواقف الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الباب موقفه من الشفاعة في إقامة الحد الذي أمر الله به..
كما في قصة المخزومية التي روتها عائشة رضي الله عنهـا: "أن قريشاً أهمتهم المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا: من يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن يجترئ عليه إلا أسامة حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم.. فقال: ((أتشفع في حد من حدود الله)).. ثم قام فخطب فقال: ((يا أيها الناس إنما ضل من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها)) . [البخاري، برقم (6406) ومسلم، برقم (1688)].
وقد دل الحديث على المراد من وجوه:
الوجه الأول: إنكار رسول الله صلى الله عليه وسلم على الشافع.
الوجه الثاني: إنكاره على المتشفعين في خطبته العامة.
الوجه الثالث: بيانه ذلك لعامة الناس.
الوجه الرابع: إخباره بأن صنع ذلك، وهو التفريق بين الشريف والضعيف ضلال سبقت به الأمم الماضية.
الوجه الخامس: إصراره على التنفيذ ولو كان الذي يستحق العقوبة أقرب الناس إليه صلى الله عليه وسلم، وهي بنته وهو غاية في الحزم والتنفيذ والبعد عن التردد في إحقاق الحق.
والأمثلة من مواقفه صلى الله عليه وسلم كلها كانت حزماً وإصراراً على تنفيذ أمر الله والانتقام لحرماته.. كما روت عائشة رضي الله عنهـا قالت: "ما خير النبي صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثم، فإذا كان الإثم كان أبعدهما منه، والله ما انتقم لنفسه في شيء يؤتى إليه، حتى تنتهك حرمات الله فينتقم لله. [البخاري (8/16) ومسلم (4/1813-1814)].
وبمثل هذه المواقف التي لا يحابي فيها من يتولى إدارة شئون الناس أحدا منهم، يأمنون على حقوقهم، فلا تسلبهم الشفاعات غير الشرعية ولا الرشوة الآثمة ما يستحقونه شرعا، كما تسلبهم ذلك تانك البليتان، وكما هو الواقع اليوم في عامة البلدان الإسلامية...
وإنه صلى الله عليه وسلم لأسوة حسنة في قوله وفي فعله، فقد مضى أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((المؤمن القوى خير من المؤمن الضعيف وفي كل خير)).
وأنه قال لأبي ذر: ((إنك ضعيف)) . [ذكرت مصادرهما قريباً].
[s3]
اقتداء صحابته به صلى الله عليه وسلم في تنفيذ الحق بقوة:
هذه بعض الأمثلة ذكرناها من مواقفه صلى الله عليه وسلم في الإصرار على تنفيذ الحق وعدم الاستجابة لمن يحاول حرفه عنها.
ولقد اقتدى به خلفاؤه الراشدون وأصحابه الكرام رضي الله عنهم.. ومواقفهم في ذلك كثيرة مشهورة، نكتفي بذكر بعض الأمثلة لها.
[s3]
أمثلة لمواقف أبي بكر الصديق رضي الله عنه ..
المثال الأول: موقف أبي بكر رضي الله عنه من إنفاذ جيش أسامة، مع معارضة كبار الصحابة له في ذلك، بسبب ما نزل بالمسلمين بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من ارتداد العرب والخوف من غزوهم للمدينة..
فما كان من أبي بكر رضي الله عنه إلا أن قال قولته الحاسمة التي لا تدع لأحد مجالاً في إنفاذ الجيش: "والله لا أحل عقدة عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو أن الطير تخطفنا والسباع من حول المدينة، ولو أن الكلاب جرت بأرجل أمهات المؤمنين لأجهزن جيش أسامة". [البداية والنهاية لابن كثير (6/304)].
[s3]
المثال الثاني: موقفه رضي الله عنه من حروب الردة..
فقد أظهر عمر رضي الله عنه إنكاره على أبي بكر عندما أراد قتال مانعي الزكاة، محتجاً عليه بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم منى ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله) فأجابه أبو بكر بجوابه القوي الحاسم الذي لا يقبل التراجع عما عزم عليه، مما جعل عمر يرجع عن رأيه ويعترف بأن رأي أبي بكر هو الحق.
كما في حديث أبي هريرة قال: "لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر بعده، وكفر من كفر من العرب، قال عمر بن الخطاب لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم منى ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله) فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه فقال عمر بن الخطاب فوالله ما هو إلا أن رأيت الله عز وجل قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق". [البخاري، برقم (1335) ومسلم، برقم (20)].
وقد دلت بعض الروايات أن كبار الصحابة يرون تأخير أمر الزكاة حتى يتقوى المسلمون، فقد جمع رضي الله عنه المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم واستشارهم، فتكلم عمر وعثمان وعلي وتابعهم على كلامهم المهاجرون والأنصار...
وكان رأيهم: "أن تقبل من العرب الصلاة وتدع لهم الزكاة، فإنهم حديثو عهد بجاهلية لم يُعِدَّهم الإسلام، فإما أن يردهم الله إلى خير، وإما أن يعز الله الإسلام فنقوى على قتالهم، فما لبقية المهاجرين والأنصار يدان للعرب والعجم قاطبة". [حياة الصحابة (1/641-642)].
فأجابهم أبو بكر ذلك الجواب القاطع المبني على الدليل مما جعلهم يسمعون ويطيعون لقوة إرادته وبيان حجته وانشراح صدره لرأيه، وكانت نتيجته عزة الإسلام والمسلمين، وذلة أعدائه الجاحدين المعاندين.
[s3]
أمثلة من مواقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
المثال الأول: موقفه رضي الله عنه من الإقدام بأصحابه إلى أرض الشام التي انتشر فيها مرض الطاعون..
فقد استشار أصحابه رضي الله عنهم فاختلفوا وطال الحوار بينه وبينهم، وترجح له عدم الإقدام، فقال له أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه: "أفراراً من قدر الله؟".
فقال عمر رضي الله عنه: "لو غيرك قالها يا أبا عبيدة؟ نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو كان لك إبل هبطت وادياً له عدوتان: إحداهما خصبة، والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟".
وكان ذلك اجتهاداً من عمر رضي الله عنه، ولكن عبد الرحمن بن عوف أسعفه بالدليل المؤيد لرأيه من قول الرسول صلى الله عليه وسلم.
وهذا نص ما أدلى به :" قال فجاء عبد الرحمن بن عوف، وكان متغيباً في بعض حاجته، فقال: إن عندي في هذا علما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه)) قال فحمد الله عمر ثم انصرف". [البخاري، برقم (5397) ومسلم (2219)، وفي كتابي الشورى تفصيل لهذه المسألة والتي تليها].
المثال الثاني: موقفه من حبس أرض العراق والشام التي فتحت عنوة..
وقد استشار الصحابة رضي الله عنهم، فوافقه بعضهم على الحبس لما أظهر من الحجج وأهمها رعاية مستقبل المحتاجين من المسلمين وسد الثغور وحماية المدن والقرى..
وعارضه بعض الصحابة مستدلين بظاهر القرآن الكريم: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. [الأنفال:41].
ولكنه أمضى ما رآه ووافقه عليه بعض الصحابة لما استقر عندهم من ضرورة الحبس وما يترتب عليه من الآثار والمصالح العامة. [راجع كتاب الخراج لأبي يوسف صفحة 24-27].
وما أمضاه عمر رضي الله عنه في هذه القضية، كان اجتهادا منه القصد منه جلب مصلحة عامة راجحة، ودفع مفسدة عامة راجحة... يمكن تشبيهها بضرورة حفظ النفس بأكل الميتة عندما لا يجد المضطر غيرها... واضطرار الأمة أولى بالرعاية من اضطرار الفرد، ويبقى الحكم على ما هو عليه، إذا زالت المفسدة
فقد دل القرآن الكريم، والسنة النبوية القولية والفعلية، وعمل خلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم أن القوة من الأسس التي لا غنى لولي الأمر عنها..
لأن الضعيف لا يستطيع أن ينفذ الحق الذي يدين الله به، وتنفيذ الحق هو الذي يظهر الحق ويثبته ويجعل الناس يخضعون له، وليس مجرد الدعوة إليه وإظهار محاسنه بالكلام..
وكم من ولاة لأمور الناس أساؤوا إلى دين الله بسبب سعيهم لتولي مناصب لا قدرة لهم على القيام بها، أو قبلوها وهم يعلمون من أنفسهم ذلك؟!
والقوة شاملة لقوة العقل وقوة الإرادة وقوة الحواس، ومن أخطر الأمور الدالة على ضعف المسؤول كثرة التردد والشك والخوف من اتخاذ القرار في وقته، والإصغاء للمثبطين بعد ظهور رجحان الإقدام في الأمر.. فإن مَن تلك حاله يكون محلاً لطمع الطامعين وتثبيط المثبطين، ولذلك قال الله لرسوله صلى الله عليه وسلم وهو قدوة أمته: {..فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}. [آل عمران: من الآية159].
وقد أوجز شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله الكلام على الأسس الثلاثة المذكورة وهي: الأمانة والعلم والخبرة، والقوة والقدرة على التنفيذ فقال:
" فان الولاية لها ركنان: القوة والأمانة..كما قال سبحانه وتعالى: {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ}. [القصص:26].
وقال صاحب مصر ليوسف عليه السلام: {وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ}. [يوسف:54].
وقال سبحانه وتعالى في صفة جبريل: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ}. [التكوير:19-21].
والقوة في كل ولاية بحسبها، فالقوة في إمارة الحرب ترجع إلى شجاعة القلب وإلى الخبرة بالحروب والمخادعة فيها، فإن الحرب خدعة وإلى القدرة على أنواع القتال، من رمى وطعن وضرب وركوب وكر وفر، ونحو ذلك.
كما قال الله سبحانه وتعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ}. [الأنفال:60].
ينبغي التنبه إلى أن ابن تيمية أدخل الخبرة في القوة، وذلك أن قوة الإنسان بدون خبرة ليست قوة في حقيقة الأمر؛ لأنها قد تضر ولا تنفع، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((ليس الشديد بالصرعة، وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب))..
ثم قال: "والقوة في الحكم بين الناس ترجع إلى العلم بالعدل الذي دل عليه الكتاب والسنة، وإلى القدرة على تنفيذ الأحكام..
والأمانة ترجع إلى خشية الله، وأن لا يشتري بآياته ثمناً قليلاً، وترك خشية الناس، وهذه الخصال الثلاث التي أخذها الله على كل من حكم على الناس..
{..فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}. [مجموع الفتاوى (28/253) والآية في المائدة: من الآية44].
وكان ولاة الأمور الأقوياء الأمناء الخبراء يختارون لولاياتهم من تتوافر فيهم تلك الصفات.
ومما يروي في هذا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولَّى شرحبيل بن حسنة على الشام ثم عزله وأضاف عمله إلى معاوية بن أبي سفيان، فقال شرحبيل: أعن سخطة عزلتنى يا أمير المؤمنين؟ قال: لا إنك لكما أحب، ولكني أريد رجلاً أقوى من رجل.. فقال شرحبيل: فأعذرني في الناس لا تدركني هجنة، فقام عمر فقال: "أيها الناس إني والله ما عزلت شرحبيل عن سخطة، ولكني أردت رجلاً أقوى من رجل". [راجع عمر بن الخطاب وأصول السياسة والإدارة الحديثة صفحة 273 لسليمان محمد الطماوي، طبع دار الفكر العربي ـ مصر. وراجع كتاب بدائع السلك في طبائع الملك لأبي عبد الله بن الأزرق (1/498-505)].
[s3]
والخلاصة:
أن أسس كفاءة الولاة في الإسلام - بل وعند غير المسلمين - ثلاثة وهي:
الأمانة: التي يؤدي صاحبها ما أنيط به من عمل بدون غش ولا خيانة، وهي تؤهله لثقة الناس فيه وإذا كان صاحب هذه الصفة مسلماً فإنها تلازمه في كل أحواله بسبب خشيته لله سبحانه وتعالى.
والعلم والخبرة: وهما علمه بوظيفته وممارسته لها بحيث تكون خطواته كلها سائرة عن علم ودراية مؤدية إلى الهدف الذي وضعت له ولايته، ولا يجهل شيئاً من عمله جهلاً يؤدي إلى فشله وعدم تحقيق الهدف المقصود.
والقوة: وهي التي يتمكن صاحبها من تنفيذ عمله واجتياز المعوقات بصبر وجلد دائمين.
وإن هذه الأسس الثلاث تعتبر ضرورة لكل عامل في ولايات المسلمين من أعلى مسؤول فيها إلى أدنى موظف.. كل بحسب رتبته وما أسند إليه من عمل.
وفي النصوص الماضية من القرآن والسنة القولية والفعلية والتطبيق العملي من خلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم ما يدل على ذلك كله.
والواقع يدل على فشل كل موظف فقد تلك الأسس أو بعضها، وأن غالب ما يصيب الأمة من الظلم والاضطراب والفوضى، ناشئ عن فقد هذه الأسس أو غيرها في من يتولى أمور الأمة صغيرها وكبيرها.
والأمة التي ترضى بأن يتولى شئون إدارتها – كبراها وصغراها - فاقدو العلم والخبرة والأمانة والقوة، جديرة بأن تفقد أمنها وضرورات حياتها وسلب حقوقها، جزاء تقصيرها ورضاها بقيادة من ليس أهلا لقيادتها...
و يدخل ذلك في قول الله سبحانه وتعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}. [الأنفال (25)]
قال القرطبي رحمه الله في تفسيره للآية: "فإن قيل: فقد قال الله سبحانه وتعالى {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}، {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ... }، {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ... } وهذا يوجب ألا يؤخذ أحدا بذنب أحد، وإنما تتعلق العقوبة بصاحب الذنب، فالجواب أن الناس إذا تظاهروا بالمنكر فمن الفرض على كل من رآه أن يغيره، فإذا سكت عليه فكلهم عاص هذا بفعله وهذا برضاه، وقد جعل الله في حكمه وحكمته الراضي بمنزلة العامل، فانتظما في العقوبة، قاله بن العربي، وهو مضمون الأحاديث كما ذكرنا ومقصود الآية واتقوا فتنة تتعدى الظالم فتصيب الصالح والطالح". [الجامع لأحكام القرآن (7/393) ].
ومن الأحاديث التي ذكرها قبل ذلك حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهـما:
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا)) . [البخاري، برقم (2361) ].
وينبغي أن يعلم أنه بمقدار توفر هذه الأسس الثلاث: "العلم والخبرة، والأمانة، والقوة" في من يتولى الشئون الإدارية لأي أمة، بلا فرق بين مسلمين وغير مسلمين، يجعلها تتمتع بالأمن على حفظ حقوقها وعدم الخوف من ضياعها، وتنعم بالتقدم المادي الشامل لكل مرافق حياتها، لشعورها بالعدل والمساواة في الحقوق والواجبات.
ولهذا نرى شعوبا غير إسلامية، يتساوى فيها الأقوياء والضعفاء في الحقوق والواجبات، أمام القانون والنظام، في الأغلب الأعم، لتوفر الأسس الإدارية المذكورة في الموظفين الإداريين، فينعم الناس بالأمن والاطمئنان على حقوقهم، وإذا ظلم بعضهم بعضا، وجد المظلوم من ينصفه من ظالمه، وهو ما يفقده كثير من الناس في الشعوب الإسلامية، مع أن الإسلام يعتبر المساواة في الحقوق والواجبات، عبادة يثاب فاعلها ويعاقب تاركها، وفي نصوص القرآن والسنة السابقة القولية والفعلية والتطبيق العملي من خلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلمما يدل على ذلك كله..