الفصل الثاني: حكم زواج المسلم بالكتابية في دار الحرب
الفصل الثاني: حكم زواج المسلم بالكتابية في دار الحرب
تمهيد
الآية التي دلت على جواز زواج المسلم بالكتابية، لم تفرق بين أن يتزوجها في دار الإسلام أو في دار الحرب.
ولكن دار الحرب تختلف عن دار الإسلام؛ بأن السيطرة في دار الإسلام للمسلمين الذين هم أهل الحل والعقد، يحكمون بشريعة الله التي أنزلها في كتابه وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وتظهر فيها شعائر الإسلام، واحتمال ميل الزوجة إلى دين زوجها المسلم وارد، كما أن احترامها لآداب الإسلام، وعدم مجاهرتها بما يخالفها أقرب، إرضاءً لزوجها الذي يغيظه مخالفة دينه في الأخلاق وارتكاب المحرمات، وإن تساهل فيه مراعاة لمعتقدها الذي تزوجها مع علمه به.
وهذا بخلاف دار الحرب التي تكون الهيمنة والسيطرة فيها للكفار الذين هم أهل الحل والعقد، والحكم فيها إنما يكون بقوانينهم التي تخالف الإسلام، كما أن الشعائر الظاهرة فيها هي شعائر الكفر، وليست شعائر الإسلام، والأخلاق السائدة فيها هي أخلاق الكفار.
ولهذا تكون الزوجة الكتابية في بلاد الحرب، أكثر تمسكاً بدينها وأخلاقها وعاداتها، وأقل ميلاً إلى دين زوجها وأخلاقه… بل إنه ليخشى على زوجها المسلم أن يتأثر بمحيط الكفر الذي يعيش فيه، ويخشى أكثر على ذريته من التدين بدين أمهم التي تربيهم عليه.
ولهذا اختلف العلماء الذين أجازوا زواج المسلم بالكتابية في دار الإسلام، في زواجه بها في دار الحرب.
فقد ذكر القرطبي رحمه الله: أن ابن عباس رضي الله عنهما سُئل عن نكاح أهل الكتاب إذا كانوا حرباً؟ فقال: "لا يحل" وتلا قوله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ} إلى قوله تعالى: {وَهُمْ صَاغِرُونَ}. [التوبة 29]. قال المتحدث: حدثت بذلك إبراهيم النخعي فأعجبه ـ يعني أن إبراهيم يقول بالتحريم ـ وكره مالك ـ وهو يطلق الكراهة غالباً على التحريم ـ تزوج الحربيات، لِعِلَّة ترك الولد في دار الحرب، ولتصرفها في الخمر والخنزير. أ هـ. [الجامع لأحكام القرآن 3/69 ].
فمذهب ابن عباس رضي الله عنهما وإبراهيم النخعي، تحريم زواج المسلم بالكتابية في دار الحرب، ويحتمل أن تكون كراهة الإمام مالك رحمه الله لذلك، كراهة تحريم.
وسبب القول بالتحريم؛ أن المسلم مأمور بقتال الكفار المحاربين، وفي زواجه بالحربية في دار الحرب ركون إلى تلك الدار، وداعٍ إلى سكناه بها وبقائه فيها، وذلك يعود إلى معنى قتاله مع إخوانه المسلمين بالنقض، بل إن في بقائه في دار الحرب مع ذريته، تكثير لسواد الكفار المحاربين على المسلمين.
كما أن امرأته الحربية قد تنشئ أولاده وتربيهم على النصرانية وبغض المسلمين، وغير ذلك من المفاسد المترتبة على زواجه بالحربية في دار الحرب.
[s3]
أقوال العلماء في حكم زواج المسلم بالكتابية في دار الحرب:
وقد صرحت كتب المذاهب الفقهية بكراهة الزواج بالكتابية في دار الحرب، إلا أن بعضهم يفسرون الكراهة بكراهة التحريم، وبعضهم يفسرونها بكراهة التنزيه.
قال السرخسي رحمه الله: "بلغنا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أن سُئل عن مناكحة أهل الحرب من أهل الكتاب؟ فكره ذلك، وبه نأخذ، فنقول: يجوز للمسلم أن يتزوج كتابية في دار الحرب، ولكنه يكره؛ لأنه إذا تزوجها ثمة، ربما يختار المقام فيهم وقال صلى الله عليه وسلم: ((أنا بريء من كل مسلم مع مشرك، لا تراءى ناراهما)). [رواه أبو داود (3/ 105) ولفظه: ((أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين)) قالوا: يا رسول الله لِمَ؟ قال: ((لا تراءى ناراهما))]. ولأن فيه تعريضَ ولده للرق، فربما تحبل فتسبى، فيصير ما في بطنها رقيقاً، وإن كان مسلماً، وإذا ولدت تخلق الولد بأخلاق الكفار، وفيه بعض الفتنة، فيكره لهذا". [المبسوط (5/50) وراجع مجمع الأنهر في شرح مرتقى الأبحر (1/328) وكتاب السير الكبير (5/1838) للإمام محمد بن حسن الشيباني].
ورجح الفقيه الحنفي محمد أمين المشهور بابن عابدين رحمه الله أن الكراهة هنا كراهة تحريمية، وليست كراهة تنزيه، فقال: "وفيه أن إطلاقهم الكراهة في الحربية يفيد أنها تحريمية، والدليل عند المجتهد على أن التعليل يفيد ذلك، ففي الفتح: ويجوز تزوج الكتابيات، والأولى أن لا يفعل… وتكره الكتابية الحربية إجماعاً، لافتتاح باب الفتنة، من إمكان التعليق المستدعي للمقام معها في دار الحرب، وتعريض الولد على التخلق بأخلاق أهل الكفر، وعلى الرق، بأن تسبى وهي حبلى، فيولد رقيقاً، وإن كان مسلماً". أ.هـ. [حاشية رد المحتار على الدر المختار (3/45) وصرح الدكتور وهبة الزحيلي في كتابه الفقه الإسلامي وأدلته (7/145) أن الحنفية يحرمون الزواج بالحربية في دار الحرب].
فقوله: "والأولى ألا يفعل".. يفيد كراهة التنزيه في غير الحربية، وما بعده يفيد كراهة التحريم في الزواج بالحربية في دار الحرب.
وقال في الشرح الصغير ـ في المذهب المالكي ـ: "وتأكد الكره ـ أي الكراهة ـ إن تزوجها بدار الحرب؛ لأن لها قوة بها لم تكن بدار الإسلام، فربما ربت ولده على دينها، ولم تبال باطلاع أبيه على ذلك". [الشرح الصغير (2/420)].
وقال الإمام النووي ـ الشافعي ـ رحمه الله: "وتحل كتابية، ولكن تكره حربية، وكذا ذمية على الصحيح"، وقال في الحاشية: "لكن الحربية أشد كراهة منها". [المنهاج مع حاشيته (2/187)].
وقال الخرقي رحمه الله: "ولا يتزوج في أرض العدو، إلا أن تغلب عليه الشهوة، فيتزوج مسلمة ويعزل عنها، ولا يتزوج منهم، ومن اشترى منهم جارية لم يطأها في الفرج، وهو في أرضهم". وقال ابن قدامة ـ معلقاً على ذلك ـ: "يعني والله أعلم من دخل أرض العدو بأمان، فأما إن كان في جيش المسلمين فمباح له أن يتزوج، وقد رُوي عن سعيد بن أبي هلال أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، زوج أبا بكر أسماء بنت عميس وهم تحت الرايات. أخرجه سعيد؛ لأن الكفار لا يَدَ لهم عليه، فأشبه من في دار الإسلام.
أما الأسير فظاهر كلام أحمد أنه لا يحل له التزوج ما دام أسيراً؛ لأنه منعه من وطء امرأته إذا أسرت معه، مع صحة نكاحهما، وهذا قول الزهري، فإنه قال: لا يحل للأسير أن يتزوج ما دام في أرض المشركين". [المغني (9/292-293)].
وقال ابن القيم رحمه الله: "وإنما الذي نص عليه أحمد، ما رواه ابنه عبد الله، قال: كره أن يتزوج الرجل في دار الحرب، أو يتسرى، من أجل ولده، وقال في رواية إسحاق بن إبراهيم: لا يتزوج ولا يتسرى الأسير، ولا يتسرى بمسلمة، إلا أن يخاف على نفسه، فإذا خاف على نفسه لا يطلب الولد…". [أحكام أهل الذمة (2/420)].
وبهذا يظهر أن مذهب الإمام أحمد، أكثر صراحة في تحريم زواج المسلم بالكتابية في دار الحرب، بل لا يبيح له وطء أمته المسلمة أو امرأته في دار الحرب إلا للضرورة، مع توقي إنجاب الولد. ويلي مذهب الإمام أحمد في الصراحة بالتحريم المذهب الحنفي.
[s3]
أسباب تحريم العلماء زواج المسلم بالكتابية في دار الحرب:
والذي دعا العلماء إلى القول بتحريم زواج المسلم بالكتابية في دار الحرب أو كراهته، يتلخص في ثلاثة أمور رئيسة:
الأمر الأول: الخوف على ذرية المسلم المولودين في دار الحرب من التخلق بأخلاق الكفار، حيث يربون على غير دين أبيهم، فيكون بذلك قد غرس لأعداء الإسلام غرساً يكثر به سوادهم، ويخسر بذلك المسلمون الذين هم أولى بتكثير سوادهم، وقد علم أن حفظ النسل ضرورة من ضرورات الحياة التي يجب حفظها وحمايتها.
والمقصد الأساسي من حفظ النسل البشري في الأرض، أن يكون النسل محققاً لعبادة الله؛ لأن الله تعالى إنما خلق الخلق لعبادته، كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}. [الذاريات 56].
وبعبادة الله تعالى يُعْمَر الكونُ عمارة ترضيه تعالى، وتحقق للبشرية السعادة في الدنيا والآخرة، والمسلم الذي يلقي نطفته في رحم يعلم أو يغلب على ظنه، أن ذريته المتناسلة من ذلك الرحم سيكونون في عداد الكفار الذين يصدون عن دين الله، يكون قد أضاع نسله، ولم يحفظه الحفظ الذي يترتب عليه المقصد الأساسي منه.
ولهذا نص بعض العلماء على أن المسلم لا يتزوج في دار الحرب وإن خاف على نفسه. وبعضهم أجاز له أن يتزوج بمسلمة ويعزل عنها، وبعضهم أجاز له التزوج بالحربية ولا يقصد الولد، ولا يطأ جاريته في فرجها. كل ذلك من أجل الخوف على ولده من الكفر.
الأمر الثاني: الخوف من اختيار المسلم المقام بين ظهراني الكفار الحربيين، لما في ذلك من المفاسد.
مفاسد الزواج بالكتابية في دار الحرب:
[s3]
المفسدة الأولى: مخالفة الأمر بالهجرة إلى بلاد الإسلام:
وفي ذلك تعريض المسلم نفسه لعذاب الله وسخطه، وإذلال نفسه لعدوه، كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً (97) إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً (98) فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً}. [النساء: 97-99].
قال القرطبي رحمه الله: "المراد بها جماعة من أهل مكة، كانوا قد أسلموا، وأظهروا للنبي صلى الله عليه وسلم الإيمان به، فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم، أقاموا مع قومهم، وفتن منهم جماعة فافتتنوا، فلما كان أمر بدر خرج منهم قوم مع الكفار، فنزلت الآية…". [الجامع لأحكام القرآن (5/345)].
فالمسلم الذي يقيم في بلاد الحرب وهو قادر على الهجرة إلى بلاد الإسلام معرض لسخط الله.
[s3]
المفسدة الثانية: تكثير سواد الكافرين، وتقليل سواد المسلمين.
[s3]
المفسدة الثالثة: تعريض ذريته للكفر، أو الاسترقاق:
ولو كانوا مسلمين، ذلك أن امرأته قد يأسرها المسلمون أو حربيون آخرون، وهي حامل، فيكون ولدها رقيقاً.
[s3]
المفسدة الرابعة: ما قد يتعرض له المسلم من المنكر.
ومن ذلك تعاطي المحرمات التي قد لا يستطيع الإفلات من تعاطيها، ومشاهدة المنكرات الكثيرة التي تجعله يألفها ولا ينكرها قلبه، بل قد يموت قلبه فيرضى بها لكثرة تكررها.
[s3]
المفسدة الخامسة: ما تمارسه امرأته من منكرات:
فقد تمارس أنواعاً كثيرة من تلك المنكرات، وقد يميل مع طول الوقت والمعايشة، إلى كثير من تلك المنكرات المخالفة لدينه، إن سلم من الارتداد عنه.
ومن هنا يبدو رجحان القول بتحريم زواج المسلم بالكتابية في دار الحرب؛ لأن زواجه بالكتابية في دار الإسلام مباح مع الكراهة، ومعلوم أن تناول المباح إذا أدى إلى مفاسد تفوق المصلحة من تناوله، غُلِّب جانب المفسدة الراجحة فيدخل في الحرام بذلك، ومفاسد نكاح الكتابية في دار الحرب تفوق المصالح المترتبة عليه كما هو واضح مما تقدم. و الله تعالى أعلم