المسألة الخامسة: أحوال خبر هذه الأفعال من حيث التقدم والتأخر.
المسألة الخامسة: أحوال خبر هذه الأفعال من حيث التقدم والتأخر.
لخبر كان وأخواتها ثلاثة أحوال:
الأول: تأخره عن الفعل والاسم، وهو الأصل.
كقوله تعالى: {وكان ربك قديرا}. [الفرقان: 54. وإعرابه: (كان) فعل ماض ناقص (ربك) رب اسم كان مضاف وضمير المخاطب في محل جر مضاف إليه (قديرا) خبر كان].
الثاني: توسطه بين الفعل والاسم.
كقوله تعالى: {وكان حقا علينا نصر المؤمنين}. [الروم: 47. وإعرابه: (كان) فعل ماض ناقص (حقا) خبرها تقد على اسمها (علينا) جار ومجرور في محل نصب صفة حقا (نصر) اسم كان تأخر عن خبرها، وهو مضاف، و (المؤمنين) مضاف إليه].
وهذان الحالان جائزان في كل أفعال كان وأخواتها، ومنها (دام) كما قال الشاعر:
لاَ طِيبَ لِلْعَيْشِ مَادَامَتْ مُنَغَّصَةً لَذَّاتُهُ بِادِّكَارِ الموتِ والْهَرَمِ
[يقول الشاعر: إن تذكر الإنسان لعاقبته في الدنيا بالشيخوخة، ثم بالانتقال منها إلى البرزخ بالموت، يكدر عليه حياته مهما أوتي من صحة وسعة في الرزق. قلت: هذه طبيعة من فقد لذة الإيمان الذي يجعل صاحبه سعيدا في حياته بما يمنحه الله من الصحة والرزق الحسن، وصابرا محتسبا على ما يصاب به من المحن، محبا للقاء الله لعلمه أن الله أشد حبا للقائه. وإعرابه: (لا) نافية للجنس (طيب) اسمها مبني على الفتح في محل نصب (للعيش) جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر لا، أي لا طيب كائن.. (ما) مصدرية ظرفية (دامت) دام فعل ماض ناقص، والتاء للتأنيث (منغصة) خبر دام مقدم على اسمها (لذاته) لذات اسم دام مؤخر، وهو مضاف، وضمير الغائب في محل جر مضاف إليه (باد كار) جار ومجرور متعلقان بمنغصة، واد كار مضاف، والموت مضاف إليه، والهرم معطوف على الموت]
وقد يجب تأخر الخبر على الاسم إذا كان الخبر محصورًا، كقوله تعالى: {ومَا كَانَ صَلاَ تُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاّ مُكَاءً}. [الأنفال: 35. وإعرابه: (كان) فعل ماض ناقص (صلاتهم) صلاة اسم كان مضاف، وضمير الغائبين في محل جر مضاف إليه (عند) ظرف مكان متعلق بصلاة، وعند مضاف (البيت) مضاف إليه (إلا) أداة استثناء مفرغ (مكاء) خبر كان].
وقد يجب تقديم الخبر على الاسم، إذا كان في الاسم ضمير يعود على بعض الخبر، مثل: لم يكن في الدار أهلها.
الثالث: تقدمه على الفعل والاسم معا.
مثل: صائما أصبح عبد الله، وهذا يجوز في كل الأفعال المذكورة، ماعدا (دام) فإنه يمتنع تقديم خبرها عليها.
وإلى جواز تقدم الخبر على كل هذه الأفعال ما عدا (دام) أشار ابن مالك في الخلاصة فقال:
وفِي جَمِيعِهَا تَقَدُّمَ الْخَبَرْ أَجِزْ، وكُلٌّ سَبْقَهُ دَامَ حَظَرْ
أي أجز تقدم خبر هذه الأفعال على أسمائها وعليها جميعا، ما عدا (دام) فقد منعه كل العلماء.
وفي تقدمه على ليس خلاف، والصحيح امتناعه، فلا يقال: بخيلا ليس حاتم، لعدم السماع. [والذين أجازوا ذلك استدلوا بورود تقدم معمول خبر ليس عليها، في قوله تعالى: {ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم}. هود: 8. فيوم متعلق بقوله: مصروفا الذي هو خبر ليس، وقد تقدم على ليس، وتقدم معمول الخبر يؤذن بجواز تقدم الخبر نفسه، ورده ابن هشام بأنه يتوسع في الظروف ما لا يتوسع في غيرها].
وإليه أشار ابن مالك في الخلاصة: ومَنْعُ سَبْقِ خَبَرٍ لَيْسَ اصْطُفِي.