المبحث الخامس: المبني من الأسماء وسبب بنائه:
المبحث الخامس: المبني من الأسماء وسبب بنائه:
اعلم أولا أن للاسم ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن يبقى على أصالته.
فلا يشبه الحروف ولا الأفعال، وحينئذ يسمى الاسم الذي يندرج في هذه الحالة متمكنا أمكن، أي إنه بسبب عدم مشابهته لشقيقيه أو أحدهما، بقي على أصالته في الاسمية الخالصة، وهو المعرب المنصرف.
ومن أمثلته: نوحٌ وصالحٌ، ورجلٌ ورجالٌ، وفتىً وفتاةٌ وقاضٍ وقضاةٌ، وأرضٌ وسماءٌ وشمسٌ وقمرٌ، وجملٌ وجمالٌ وناقةٌ ونياقٌ.
الحالة الثانية: أن يخرج عن هذه الأصالة إلى مشابهته الفعل.
والاسم الذي يندرج في هذه الحالة يأخذ حكم الفعل فيمنع من الصرف-والصرف هو التنوين-ولا يجر بالكسرة، وإنما يجر بالفتحة نيابة عن الكسرة إلا إذ أضيف أو دخلت عليه (أل)، ويسمى حينئذ متمكنا غير أمكن، أي إنه لازال متمكنا في باب الاسمية معربا، ولكن تمكنه ضَعُفَ لمشابهته الفعل، ولهذا الضعف وصف بأنه غير أمكن، ومنع من الصرف.
ومن أمثلته: إبراهيم وأحمد وأحمر، ومريم وفاطمة وزينب، ومساجد ومحا ريب..
وسيأتي الكلام على هذا النوع مفصلا في باب إعراب المفرد وجمع التكسير، حيث ذكره الناظم هناك.
الحالة الثالثة: أن يخرج عن هذه الأصالة خروجا يشتد به ضعفُه في باب الاسمية.
وهو أن يشبه الحرف، وحينئذ يسمى الاسم الذي يندرج في هذا النوع غير متمكن، أي ليس متمكنا في إسميته، وبهذا الشبه يأخذ حكم الحرف وهو البناء لمشابهته إياه، وهذا أوان بيانه.
بعد أن بين الناظم رحمه الله أقسام الإعراب، وما يشترك فيه الاسم والفعل منها، وهو الرفع والنصب، وما يختص بالاسم، وهو الجر، وما يختص بالفعل، وهو الجزم، وبين الإعراب الظاهر في كل من الاسم والفعل، والإعراب المقدر في الاسم، بين أن الاسم قد يأتي مبنيا بشرط أن يتحقق فيه شبهه بالحرف، فقال: (وَاحْكُمْ عَلَى اسْمٍ شِبْهِ حَرْفٍ بالبنا)
أي إن الاسم إذا وجد فيه شبه بالحرف يكون مبنيا، ولا يكون معربا.
ويفهم من هذا أمران:
الأمر الأول: أن الأصل في الاسم هو الإعراب.
والسبب في ذلك أن الاسم تتوارد عليه عوامل كثيرة تتغير باختلافها المعاني التي يُحتاج في فهمها إلى إعرابه، وهو تغيير أواخره من حالة الرفع إلى حالة النصب أو الجر، لتَغَيُّرِ تلك العوامل، وعلى سبيل المثال نورد قوله تعالى: {{وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ}}. [المائدة: 6]. فقد قرئ بنصب (أرجلَكم) عطفا على (وجوهَكم وأيديَكم)، ولا إشكال في هذا ، وقرئ بخفضه-وهي قراءةٌ سبعية متواترة- عطفا على (رءوسِكم) وهنا يرد الإشكال، وهو دلالتها على جواز مسح الرجلين كما يمسح الرأس، وقد قال به بعض العلماء، ولولا تواترُ السنة الدالُّ على وجوب غسل الرجلين لكان هذا الاحتمال هو الراجح، ولهذا أوَّل بعض العلماء الخفضَ على أنه للمجاورة، أي إن قوله (أرجلِكم) جُرَّ لمجاورته المجرور وهو (رءوسِكم)، وسلم بعضهم بالعطف على (رؤوسكم) وحملوا المسح على الغسل، [راجع كتاب أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (2/ 8) لفضيلة شيخنا العلامة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي، رحمه الله.] وهذا يدل على ضرورة إعراب الاسم لتوقف فهم المعاني المرادة من الكلام على إعرابه، وكثير من المشكلات ترد في باب التوابع ولا يزيلها إلا الإعراب.
وبهذا يتبين أن الأصل في الاسم الإعراب، ولا يخرج عن هذا الأصل إلا لسبب وهو شبهه بالحرف.
الأمر الثاني: أن الحروف كلها مبنية، بدليل أن الاسم إذا أشبه أيًّا منها لفظا أو معنى وجب بناؤه.
تعريف البناء:
عرف بعض النحويين البناء بأنه لزوم آخر الكلمة حالةً واحدة من حركة أو سكون. وهو تعريف يناسب قول من يرى أن البناء معنوي.
وعرفه بعضهم بأنه أثر ظاهر أو مقدر لازم لآخر الكلمة بكل حال، وهو تعريف يناسب قول من يرى أن البناء لفظي، كما مر في تعريف الإعراب.
مثال ما يلزم آخره حالة واحدة وهي السكون: (ما) الموصولة.
مثالها في حالة الرفع قوله تعالى: {{ مَا عِنَدكُمْ يَنْفَدُ}}. [النحل: 96. فما هنا موصولة مبتدأ مبنية على السكون في محل رفع، والظرف وما أضيف إليه شبه جملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، وجملة الفعل (ينفد) وفاعله المستتر العائد إلى الموصول في محل رفع خبر المبتدأ.] ومثالها في حالة النصب قوله تعالى: {{بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا}}. [البقرة: 170. فما هنا مفعول به ل(لنتبع) مبنية على السكون في محل نصب] ومثالها في حالة الجر: {{وإن كنتم في ريب مما نزلنا}}. [البقرة: 23. فما هنا مبنية على السكون في محل جر لدخول حرف الجر (من) عليها. فقد لزمها السكون في كل حالاتها كما ترى.].
ومثال ما يلزم آخره الفتح في كل الأحوال كلمة: (الذين) وهي اسم موصول.
مثالها في حالة الرفع: قوله تعالى: {{الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ}}. [محمد: 1. ف(الذين) هنا مبتدأ مبني على الفتح في محل رفع، وهو اسم موصول، وصلته جملة (كفروا) و (صدوا) معطوفة عليها، (وعن سبيل الله) جار ومجرور متعلق ب(صدوا) وجملة (أضل أعمالهم) خبر المبتدأ].
ومثالها في حالة النصب: قوله تعالى: {{ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ}}. [محمد: 3. ف(الذين) هنا اسم إن مبني على الفتح في محل نصب، وجملة (كفروا) صلة الموصول، و (جملة اتبعوا الباطل) في محل رفع خبر أن].
ومثالها في حالة الجر: قوله تعالى: {{ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا}}. [محمد: 11 ف(مولى) مضاف، و(الذين) هنا مضاف إليه مبني على الفتح في محل جر بالإضافة.].
ومثال ما يلزم آخره الكسر في كل الحالات مهما اختلفت العوامل الداخلة عليها التي تقتضي تغيير إعرابها.كلمة:(هؤلاء).
مثالها في حالة الرفع، قوله تعالى: {{فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ }}. [الأنعام: 89. فهؤلاء هنا فاعل والفاعل يجب أن يكون مرفوعا، والأصل في الرفع أن يكون بالضمة ومع ذلك لزم آخرها الكسر، ويقال في إعرابها: إنها مبنية على الكسر في محل رفع].
ومثالها في حالة النصب: {{إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما همْ فِيهِ}}. [الأعراف: 139. فهؤلاء هنا وقعت اسما لإن واسم إن واجب النصب، والأصل في النصب أن يكون بالفتحة، ومع ذلك لزم آخرها الكسر، ويقال في إعرابها: إنها مبنية على الكسر في محل نصب.].
ومثالها في حالة الجر قوله تعالى: {{أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ}}. [الحجر: 66. فقد أضيفت كلمة (دابر) إلى كلمة (هؤلاء) والمضاف إليه يجب أن يكون مجرورا، والأصل في الجر أن يكون بالكسرة، ومع ذلك لزم آخرَها الكسرُ، ويقال في إعرابها: إنها مبنية على الكسر في محل جر.].
ومثال ما يلزم آخره الضم في كل الحالات: (حيث).
مثالها في حالة النصب: قوله تعالى {{وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمُرُونَ}}. [1- الحجر: 65. ف(حيث) هنا ظرف مكان مبني على الضم في محل نصب، والعامل فيه فعل الأمر (امضوا). وهي مضافة وجملة (تؤمرون) مضاف إليها محلها الجر، وحيث لا تضاف غالبا إلا إلى الجمل].
ومثاله في حالة الجر: قوله تعالى: {{وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}}. [البقرة: 150. ف(حيث) هنا دخل عليها حرف الجر، ومع ذلك بقيت مضمومة فهي مبنية على الضم في محل جر، وهي مضافة وجملة (خرجت) مضاف إليها في محل جر. ولا تأتي (حيث) إلا في محل نصب أو جر، ولا تأتي في محل رفع، لأنها ليست من الظروف المتصرفة.].
وسيأتي الكلام على بناء الأفعال وإعرابها في باب قسمة الأفعال الذي خصصه الناظم لها.
والخلاصة: أن الأسماء لا تبنى إلا إذا أشبهت الحروف، وقد أجمل الناظم شَبَهَ الأسماء بالحروف ولم يفصل، فقال: (واحكم على اسم شبه حرف بالبنا). وقال العمريطي رحمه الله في نظم الدرة البهية:
وقد فصل أنواع شبه الأسماء بالحروف ابن مالك رحمه الله في الخلاصة، فقال:
ونفصلها في المبحث الآتي: