المبحث الأول: تعريف الإعراب:
المبحث الأول: تعريف الإعراب:
للإعراب في اللغة معان، منها: الإبانة والإفصاح عن الألفاظ والمعاني، يقال أعرب عما في نفسه إذا أبان عنه وأفصح، وهذا المعنى يناسب هذا الباب الذي به تظهر معاني الكلام.
أما الإعراب في اصطلاح النحويين فلهم فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه تغيير أواخر الكلم لفظا أو تقديرا، [تغيير أواخر الكلم لفظا معناه أن الحركات تكون ظاهرة، بأن لا يكون في آخر الكلمة حرف علة، وتقديرا معناه أن الحركات غير ظاهرة بسبب وجود حرف علة في آخر الكلمة، وسيأتي الكلام على ذلك] لاختلاف العوامل الداخلة عليها، وهذا التعريف مبني على أن الإعراب معنوي، وعلى هذا فالحركات هي علامات للإعراب، وليست هي الإعراب، واختار هذا التعريف مؤلف الأصل (الآجرومية).
فإذا دخل على الكلمة عامل رَفْعٍ رفعها، وإذا دخل على نفس الكلمة عامل نصب غيرها من حالة الرفع إلى حالة النصب، وهكذا إذا دخل عليها عامل جر جرَّها.
مثال ذلك: قوله تعالى: {{قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ}}.[ المائدة: 119.].
فلفظ الجلالة-هنا-مرفوع لدخول عامل الرفع عليه، وهو الفعل (قال) الذي يقتضي فاعلا. [(قال) فعل ماض مبني على الفتح لا محل له من الإعراب، ولفظ الجلالة فاعل مرفوع بالضمة، والجملة ابتدائية لا محل لها من الإعراب.].
فإذا دخل عليه عاملُ نصبٍ نَصَبَه، كقوله تعالى:{{وَاعْبُدُوا اللَّهَ}}. [النساء: 36. الإعراب: الواو ابتدائية (اعبدوا) فعل أمر مبني على حذف النون، والواو ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل، (الله) منصوب على التعظيم] وإذا دخل عليه عامل جر كان مجرورا، كقوله تعالى: {{وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ}}. [آل عمران: 189. الواو ابتدائية (لله) جار ومجرور متعلق بمحذوف تقديره كائن خبر مقدم (ملك) مبتدأ مؤخر وهو مضاف و(السماوات) مضاف إليه مجرور والواو عاطفة، و (الأرض) معطوف على السماوات مجرور].
وهكذا تتغير الكلمات الأخرى في الآية: (يوم) و (ينفع) و (الصادقين) و (صدقهم) بتغير العوامل الداخلة عليها.
فمن مجيء كلمة (يوم) مرفوعة ما سبق في قوله: {{هذا يوم..}}. هذا مبتدأ، ويوم خبره. ومن مجيئها منصوبة قوله تعالى: {{وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ}}، [البقرة: 281. الإعراب: (اتقوا) فعل أمر مبني على حذف النون، والواو ضمير متصل فاعل مبني على السكون في محل رفع (يوما) مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة..] ومن مجيئها مجرورة قوله تعالى: {{إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ}}. [هود: 26. الإعراب: (عذاب) مفعول به لأخاف، وهو مضاف و (يوم) مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة.].
وكلمة (يَنْفَعُ) فعل مضارع تأتي مرفوعة كما في الآية السابقة، وتأتي منصوبة كما في قوله تعالى: {{قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ}}. [الأحزاب: 16. الإعراب: (قل) فعل أمر مبني على السكون لا محل له من الإعراب، وفاعله مستتر وجوبا تقديره أنت، (لن) حرف نفي ونصب واستقبال (ينفع) فعل مضارع منصوب بلن وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة و ضمير المخاطب (كم) في محل نصب، مفعول به ، والجملة في محل نصب مقول القول (الفرار) فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة]، وتأتي مجزومة، كما تقول: (منْ يَعْمَلْ صَالِحا في دنياه ينفعْه في أخراه). [الإعراب: (من) اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ (يعمل) فعل مضارع مجزوم وعلامة جزمه السكون فعل الشرط، وفاعله ضمير مستتر تقديره هو، (صالحا) مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة (في دنياه) في حرف جر ودنيا مجرور بالفاء وعلامة جره فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها التعذر والجار والمجرور متعلق بيعمل لأنه اسم مقصور، ودنيا مضاف وضمير الغائب مضاف إليه مبني على الضم في محل جر بالإضافة، (ينفعه) ينفع جواب الشرط فعل مضارع مجزوم وعلامة جزمه السكون، وفاعله ضمير مستتر جوازا تقديره هو يعود إلى صالحا، وضمير الغائب مفعول به مبني على الضم في محل نصب (في) حرف جر (أخرى) مجرور وعلامة جره فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها التعذر لأنه اسم مقصور، والجار والمجرور متعلق بينفع، وأخرى مضاف وضمير الغائب مضاف إليه مبني على الضم في محل جر، وجملة الشرط وجوابه في محل رفع خبر المبتدأ.].
فهذا التغيير الذي يحدث في أواخر الكلمات بسبب العوامل الداخلة عليها هو الإعراب على هذا الرأي، وتكون الحركات علامات للإعراب وليست الإعراب نفسه.
المذهب الثاني: أن الإعراب أثر ظاهر أو مقدر يجلبه العامل في آخر الكلمة، وهذا التعريف مبني على أن الإعراب لفظي، فتكون الحركات نفسها هي الإعراب، والظاهر أن الناظم على هذا المذهب مخالفا في ذلك صاحب الأصل، بدليل قوله: (أقسامه رفع..) فقد جعل الرفع والنصب والكسر والسكون إعرابا، وهذه كلها أثر ظاهر يحدثه العامل في أواخر الكلم.