غيث الديمة بشرح الدرة اليتيمة - الجزء الأول

المؤلفات | نحو | 196 صفحة
صفحة 139 من 196 بناء الفعل المضارع.

بناء الفعل المضارع.

بناء الفعل المضارع.
إعراب المضارع-عكس شقيقيه-جاء على خلاف الأصل، [سبب خروج المضارع عن الأصل في الأفعال-وهو البناء-إلى الإعراب شدة شبهه بالاسم، ولهذا سمي مضارعا، والمضارع المشابه، وجه المشابهة أن كلا منهما تعرض له معان مختلفة تفتقر إلى التمييز بينها، وهذا التمييز لا يتأتى إلا بالإعراب، كالتمييز بين الفاعل والمفعول في الاسم في مثل أكرم موسى عيسى.. حيث يقال: موسى فاعل مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر، و عيسى مفعول به منصوب وعلامة نصبه فتحة مقدرة منع من ظهورها التعذر، ويوجب العلماء في هذا المثال وما أشبهه مما يشتبه فيه الفاعل والمفعول مع عدم وجود قرينة أن يقدم المتكلم الفاعل على المفعول.
وهكذا المضارع تعرض له معان يصعب تمييزها بدون إعراب، ويمثل النحاة له بمثال مشهور، وهو: (لا تأكل السمك وتشرب اللبن) فإنه يحتمل النهي عن تعاطي كل منهما مجتمعين أو منفردين، وفي هذه الحالة يجب جزمهما معا، ويحتمل أن النهي عن الأكل فقط مع إباحة شرب اللبن، وفي هذه الحالة يجب جزم الأول فقط، ويجب رفع الثاني ليكون مستأنفا للدلالة على عدم دخوله في النفي، ويحتمل أن يكون النهي عن الجمع بينهما مع إباحة تناول كل منهما على انفراد، وفي هذه الحالة يجب جزم الأول ونصب الثاني، لأن الواو تكون للمعية التي تضمر بعدها أن الناصبة، ويكون المعنى: لا تأكل السمك مع شرب اللبن. فلما ضارع الاسم في افتقاره إلى الإعراب أعرب مثله، كما أن الاسم عندما أشبه الفعل منع من الصرف، كما مضى.]
، وبدأ الناظم ببنائه ليكون الكلام على البناء الذي يشمل الأفعال كلها متصلا، فإذا فرغ منه بدأ بالكلام على إعراب المضارع، كما سيأتي.
ولا يبنى المضارع إلا في حالتين:
الحالة الأولى: أن تتصل به نون التوكيد مباشرة خفيفة كانت أم ثقيلة. وفي هذه الحالة يجب بناؤه على الفتح.
مثال ما اتصلت به نون التوكيد خفيفة أو ثقيلة اتصالا مباشرا، قوله تعالى: {{لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوَنًا مِنَ الصَّاغِرِينَ}}. [يوسف: 32. وإعرابه: اللام داخلة في جواب قسم مقدر، أي والله (يسجنن) فعل مضارع مبني للمجهول مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، ونائب الفاعل مستتر فيه جوازا تقديره هو (وليكونا) الواو عاطفة اللام داخلة على جواب قسم مقدر، كما سبق (يكونا) فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة، وهو من كان الناقصة ترفع الاسم وتنصب الخبر، واسمها مستتر جوازا تقديره هو (من الصاغرين) جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر يكونا.] وقد بين علماء النحو علة بناء الفعل المضارع على الفتح مع نوني التوكيد. [علل النحاة بناء الفعل المضارع مع نون التوكيد على الفتح بأنه معها يشبه تركيب خمسة عشر، يعني أن الفعل بمنزلة خمسة، والنون بمنزلة عشر، وهذا التركيب أوجب لخمسة عشر البناء، فأوجب لما أشبهه البناء، واستدلوا على ذلك بأنه إذا فصل بين الفعل ونون التوكيد فاصل كألف الاثنين أو واوا الجماعة أو ياء المخاطبة وجب إعراب الفعل ولم يبن، لأن العرب لا تركب من ثلاثة أشياء.].
وهذا ما عناه الناظم رحمه الله بقوله:

وَابْنِ عَلَى الْفَتْحِِ مُضَارِعًا تَرَىتَاْكِيدَ هُ جَاءَ بِنُونٍ بَاشَرَا

الحالة الثانية: أن تتصل به نون النسوة.وفي هذه الحالة يجب بناؤه على السكون.
ومن أمثلته قوله تعالى: {{وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ}}. [البقرة: 233. وإعرابه: الواو عاطفة (الوالدات) مبتدأ (يرضعن) فعل مضارع مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة، ونون النسوة فاعل، وجملة الفعل والفاعل في محل رفع خبر المبتدأ (أولاد) مفعول به وهو مضاف وضمير الغائبات مضاف إليه.].
وقوله تعالى: {{وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ }}. [الطلاق: 4. وسبق إعرابها.].
وقوله تعالى: {{وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفِسِهِنَّ}}. [البقرة: 228. وإعرابه:(المطلقات) مبتدأ (يتربصن) فعل مضارع مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة لا محل له من الإعراب، ونون النسوة فاعل، وجملة الفعل والفاعل في محل رفع خبر المبتدأ، والباء حرف جر (أنفس) مجرور بالباء ولجار والمجرور متعلقان بالفعل (يتربص)، وهو مضاف، و والضمير مضاف إليه].
وإلى هذه القاعدة أشار الناظم بقوله:

وَإِنْ يَكنْ مُتَّصلاً بِنُونِلِنِسْوَةٍ فَابْنِ عَلَى السُّكُونِ