المسألة الثامنة: العلة التي تقوم مقام علتين.
المسألة الثامنة: العلة التي تقوم مقام علتين.
عرفت مما سبق أن الاسم يمنع من الصرف إما لعلتين-وسبق الكلام في ذلك-وإما لعلة واحدة تقوم مقام العلتين وهذا أوان بيانها.
يَمْنَعُ الاسْمَ من الصرف علةٌ واحدةٌ في حالتين:
الحالة الأولى: أن يأتي الاسم على صيغة منتهى الجموع، وهو كل اسم بعد ألِفِ جمعِه حرفان أو ثلاثة أحرف أوسطها ساكن. [وإنما سمي بصيغة منتهى الجموع، لأن جمع التكسير قد يجمع، فإذا انتهى إلى هذه الصيغة لم يجز جمعه بعدها بحال، فهي الصيغة التي تنتهي الجموع في الكلمات العربية إليها.].
مثال ما جاء بعد ألف جمعه حرفان، قوله تعالى: {{وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ}}. [الحج: 40.] ف(صوامع) نائب فاعل مرفوع، ومساجد معطوف عليه مرفوع، وكل منهما ممنوع من الصرف، والمانع له من الصرف صيغة منتهى الجموع، ومثله قوله تعالى: {{وشر وهُُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ}}. [يوسف: 20] ف(ثمن) مجرور بالباء، و (دراهم) بدل منه مجرور بالتبعية، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف، والمانع له من الصرف صيغة منتهى الجموع.
ومثال ما بعد ألف جمعه ثلاثة حروف أوسطها ساكن، قوله تعالى: {{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيْتُ}}. [البقرة: 189]. ف(هي) مبتدأ مبني على الفتح في محل رفع، و (مواقيت) خبر المبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة، وهو ممنوع من الصرف، والمانع له كونه جاء على صيغة منتهى الجموع. ومثله قوله تعالى: {{يَعْمَلُونَ لَهُ ما يشاءُ مِنْ محا ريبَ وَتَمَاثِيلَ}}. [سبأ: 13]. ف(محا ريب) مجرور ب(مِن) وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف، والمانع له من الصرف كونه جاء على صيغة منتهى الجموع، و (تماثيل) معطوف على محاريب وإعرابه كإعرابه.
وسبب قيام هذا الجمع مقام علتين هو أن كونه جمعا صار بمنزلة علة واحدة، والجمع فرع عن الإفراد، وهذا يعود إلى المعنى، وكونه على صيغة لا نظير لها في الآحاد بمنزلة علة أخرى، وهي تعود إلى اللفظ.
وإلى هذه العلة وقيامها مقام العلتين في منع الاسم من الصرف أشار الناظم بقوله: (وَالْجَمْعُ يَستَغْنِي بِفَرْدِ الْعِلَّةِ) أي والجمع الذي تلك صفته يستغني في منعه الاسمَ من الصرف عن علة أخرى تصاحبه، فيكفي في المنع بمفرده، وقوله: بفرد العلة من إضافة الصفة إلى موصو فها، أي العلة المفردة.
وقد يأتي الاسم المفرد على صيغة هذا الجمع فيأخذ حكمه في المنع من الصرف على الصحيح، وإن لم يكن جمعا، مثل كلمة (سَرَاوِيلَ)، وإليه أشار ابن مالك في الخلاصة:
وإذا ختم الجمع الآتي على هذه الصيغة بهاء زائدة كالملائكة لم يُمنَع من الصرف.
الحالة الثانية: أن تلحقه ألف التأنيث مقصورة كانت أو ممدودة. وإلى هذه العلة أشار الناظم بقوله: (وَمِثْلُهُ مُؤَنَّثٌ بالأَلِِفِ) أي إن ألف التأنيث مثل الجمع في منع الاسم من الصرف بمفردها، وعدم احتياجها لانضمام علة أخرى إليها في ذلك.
ولا فرق في هذا بين المفرد والجمع والاسم والصفة والنكرة والمعرفة، فأي اسم لحقته ألف التأنيث وجب منعه من الصرف.
مثال الاسم المفرد النكرة، مع ألف التأنيث المقصورة (ذكرى) في قوله تعالى: {{ولكن ذكرى}}. [ص: 46.] ف(فذكرى) خبر ل(لكن) مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر، لأنه اسم مقصور، ولم ينون لأنه ممنوع من الصرف وعلة منعه وجود ألف التأنيث في آخره.
ومثال الاسم المفرد المعرفة مع ألف التأنيث المقصورة (رَضْوَى) وهو اسم جبل يقع ما بين المدينة المنورة وينبع.
فتقول: تكثر في رضوى المياه والأشجار. [وإعرابه: (تكثر) فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة، (في) حرف جر، (رضوى) مجرور وعلامة جره فتحة مقدرة على آخره نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف وعلة منعه وجود ألف التأنيث في آخره وقد منَع من ظهور الفتحة التعذرُ، لأنه اسم مقصور، و (المياه) فاعل لتكثر، و (الأشجار) معطوف على المياه.].
ومثال الصفة المفردة مع ألف التأنيث المقصورة: (ضيزى) في قوله تعالى: {{تِلْكَ إذن قِسْمَةٌ ضِيزَى}}. [النجم: 22. ومعنى (ضيزى) جائرة. وإعرابه: (تلك) اسم إشارة للمؤنث، (قسمة) خبر المبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة، (ضيزى) صفة ل(لقسمة) مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها التعذر لأنه اسم مقصور، والشاهد فيه كون (ضيزى) صفة منع من الصرف لوجود ألف التأنيث المقصورة في آخره.].
ومثله: (حبلى)، ولو كان مصروفا للحقه التنوين مثل (فتًى).
ومثال ألف التأنيث المقصورة المصاحبة للجمع (صرعى) في قوله تعالى: {{فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى}}. [الحاقة: 7. ف(فصرعى) جمع صريع مفعول ثان ل(ترى) وقد منع من الصرف وعلة منعه ألف التأنيث المقصورة، وهو منصوب بفتحة مقدرة منع من ظهورها التعذر لأنه اسم مقصور.].
ومثله (مرضى) في قوله تعالى: {{وَإِن كُنْتُم مرضى}}. [النساء: 43] فمرضى خبر كان منصوب بفتحة مقدرة، وهو ممنوع من الصرف-بدليل عدم جواز تنوينه-لعلة واحدة، وهي ألف التأنيث المقصورة.
ومثال ألف التأنيث الممدودة المصاحبة للاسم الجمع النكرة (أشياء) في قوله تعالى: {{ لا تسألوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمُ تَسُؤْكُمْ}}. [المائدة: 101. ف(أشياء) مجرور بعن وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف لعلة واحدة قامت مقام علتين، وهي ألف التأنيث الممدودة. ومثله (أولياء).].
ومثال ألف التأنيث الممدودة في الاسم المفرد المعرفة (زكرياء) في قوله تعالى: {{كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّاءُ}} [آل عمران: 37.]. على قراءة المد.
ف(زكرياء) فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الضمة، وهو ممنوع من الصرف بعلة واحدة قامت مقام علتين، وهي ألف التأنيث الممدودة.
ومثال ألف التأنيث الممدودة المصاحبة للصفة المفردة: (بيضاء) في قوله تعالى: {{يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَّعِينٍ بَيْضَاءَ}}.[ الصافات: 45-46.] ف(كأس) مجرورة بالباء، و (بيضاء) صفة لها مجرورة بالتبعية، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة، لأنه ممنوع من الصرف، والمانع له ألف التأنيث الممدودة، وهي علة واحدة قائمة مقام علتين.
ومثال ألف التأنيث الممدودة المصاحبة للجمع الصفة: (أشداء) و(رحماء) في قوله تعالى: {{وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّار رُِحَمَاَءُ بَيْنَهُمْ}}. [الفتح: 29. وإعرابه: (الذين) مبتدأ، و(معه) شبه جملة صلة الموصول، و(أشداء) خبر المبتدأ و (رحماء) خبر ثان. والشاهد فيه كون (أشداء) و (رحماء) منعا من الصرف والمانع لهما ألف التأنيث الممدودة القائمة مقام علتين.].
وليعلم أن جميع الأمثلة السابقة إذا دخل عليها عامل الجر، فإن علامة الجر فيها تكون الفتحة نيابة عن الكسرة. لأن العلة المانعة من الصرف تمنع التنوين والجر بالكسرة. والتنوين والكسرة هما الصرف الممنوع، وبعضهم يخص الصرف بالتنوين.