العلة الأولى: الَعَدْل.
العلة الأولى: الَعَدْل.
وقد سبق أن المراد بالعدل تحويل الاسم عن صيغته الأصلية التي كان ينبغي أن يكون عليها إلى صيغة أخرى، مع اتحاد المعنى والمادة، تحقيقا أو تقديرا. [يكون تغيير الصيغة تحقيقا إذا دل على الصيغة الأصلية دليل غير منع الاسم من الصرف وهذا يكون في الصفات، ويكون تقديرا إذا لم يدل على تغيير الصيغة إلا منعُ الاسم من الصرف، كما سبق في الأعلام المعدولة، نحو: عمر وزفر وزحل.].
ومن أمثلته كلمة (أُخَرَ) في قوله تعالى: {{فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}}. [البقرة: 185. وإعرابه: الفاء واقعة في جواب الشرط، وهو قوله قبل ذلك: {{فَمَنْ كَانَ مَرِيضًا...}} و (عدة) خبر لمبتدأ محذوف أي فالحكم، أو مبتدأ خبره محذوف، أي فعليكم، و (من) حرف جر و (أيام) مجرور وعلامة جره الكسرة، والجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لعدة، أي فعدة كائنة من أيام، و (أُخَرَ) صفة لأيام مجرور وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة، لأنه ممنوع من الصرف للعدل والصفة.].
و(أُخَرُ) تأنيث آخر، وهو من باب اسم التفضيل الذي من حقه-إذا خلا من (أل) و الإضافة إلى معرفة-أن يكون مفردا مذكرا، ولا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث، وإن كان موصوفه مثنى أو جمعا أو مؤنثا.
فيقال: الرجل أفضل، والرجلان أفضل، والرجال أفضل، والمرأة أفضل، والمرأتان أفضل، والنساء أفضل.
فإذا أريد مطابقته لموصوفه غير المفرد المذكر، وجب إدخال (أل) عليه، أو إضافته إلى معرفة، فيقال: الرجلان الأفضلان أو أفضلا القوم والرجال الأفضلون أو أفضلو القوم، والمرأة الفضلى أو فضلى النساء.
ولكنه عُدِلَ بآخَر عما يستحقه من الإفراد والتذكير في حال تجرده من (أل) ومن الإضافة إلى معرفة، فقيل رجل آخرُ وامرأة أخرى، ورجلان آخران، ورجال آخرون، ونساء أخَرُ ، ف(أُخَرُ) معدول به عن (آخَرَ). وهذا أرجح ما قيل في معنى العدل في (أُخَرَ). [فصل ذلك الصبان في حاشته على شرح الأشموني (3/338).].
ف(أُخَرُ) معدول به عن آخر الذي كان ينبغي أن يبقى مفردا مذكرا في كل الأحوال.
ومن الألفاظ المعدول بها عن أصلها: أُحادُ و مَوْحَدُ، و ثُنَاءُ و مَثْنَى و ثُلاثُ و مَثْلَثُ، وهكذا رباعُ ومربعُ... إلى العشرة.
وأصل جاء القوم أحادَ أوموحدَ: أي واحدا واحدا و اثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة، وعشرة عشرة، فالمعدول عنه هو العدد مكررا.
ومن أمثلة ذلك في القرآن الكريم قوله تعالى: {{فَانْكِحُوا مَاطَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ}}. [النساء: 3.] ف(مثنى) منصوب على الحال من المفعول به، وهو (مَا) في قوله: (ما طاب) وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها التعذر، و(ثلاث ورباع) معطوفان عليه [واو العطف هنا بدلية، أي انكحوا ثُلاثَ بدلا من مثنى، ورباع بدلا من ثلاث، وليس المراد منه الجمع. ] وهي أسماء ممنوعة من الصرف للصفة والعدل
والعلة في العدل بهذه الأعداد عن أصولها إيثار الاختصار وتجنب التكرار، لأن أصل (أُحَادَ) واحدا واحدا، وأصل (مثنى) اثنين اثنين، وأصل (ثُلاُثَ) ثلاثة ثلاثة.. وهكذا.