الدعوة إلى الإسلام في أوربا

المؤلفات | دعوة | 8 صفحة
صفحة 4 من 8 أقسام المسلمين في أوروبا:

أقسام المسلمين في أوروبا:

أقسام المسلمين في أوروبا:
ينقسم المسلمون في أوروبا قسمين:

القسم الأول: المغتربون:

وهم الذين نزحوا إليها من بلدان إسلامية، أو بلدان أخرى غير إسلامية، وهم من أصل إسلامي، كالوافدين من الدول الشيوعية، مثل المجر ـ هنغاريا ـ ويوغسلافيا وألبانيا.
وغالب هؤلاء إنما نزحوا من بلدانهم لضرورات أو حاجات، وهم أصناف ثلاثة:
[s3]
الصنف الأول: الذين وفدوا إلى الغرب لالتماس الرزق وتوفير لقمة العيش:
وأغلبهم من الجهال غير المثقفين الذين لا يحملون مؤهلات تمكنهم من تولي وظائف مرموقة، وإنما عندهم مقدرة على الأعمال الجسمانية، وقد سهلت لهم الدول الغربية طرق الهجرة في أول الأمر، لتتخذهم عمالاً تقوم على أكتافهم، وليس على عقولهم، الحضارة المادية، من حمل الأثقال وأعمال التنظيف والحراسة والعمل في المطاعم والمصانع، وما أشبه ذلك.
ولم تكن الدول الأوربية تخاف من تأثير هؤلاء في مجتمعاتها بالإسلام لأسباب أربعة:
السبب الأول: أن غالبهم لم يكن يهتم بدينه ولم يلتزم به هو في نفسه.
السبب الثاني: عدم وجود الثقافة عندهم، إذ غالبهم أميون، والأمي لا يخشى أن يؤثر في المثقف، بل تَأَثُّر الأول بالثاني أقرب.
السبب الثالث: أنهم يعملون في مهن حقيرة، لا تجعل الأوربيين ينظرون إليهم نظرة احترام وتقدير، وإنما ينظرون إليهم نظرة احتقار وازدراء، كما أنهم ـ أي العمال المسلمون ـ ينظرون إلى الأوربيين نظرة إجلال وإكبار، ويرون أنفسهم الأدنى والأوربيين الأعلى وهذه النظرة توجد لدى كثير من مثقفي من يسمون بالعالم الثالث، ومنهم المسلمون، فكيف بغير المثقف منهم الذي يخدم الأوربي في بلده؟! ولهذا لم يكن الأوربيون يخشون من تأثير هذا الصنف من المسلمين في مجتمعاتهم، وإن تمسكوا بما يفهمونه من دينهم.
السبب الرابع: أنهم أفراد قليلون في مجتمع كبير، له عقائده وأفكاره وسلوكه، وهو قادر على التأثير فيهم بضغطه الاجتماعي الذي يحيط بهم في أماكن العمل، وفي الشارع، وفي المسكن، وفي المنتزه، وفي النادي، وفي دور السينما والمسرح، وفي المطعم، إضافة إلى وسائل الإعلام ذات التأثير القوي، وأهم من ذلك كله: المرأة الغربية المصاحبة، زوجة كانت أو صديقة.
وقد ذاب كثير من هذا الصنف في المجتمع الغربي، وبخاصة في الفترة التي سبقت وجود المراكز الإسلامية والاتحادات الطلابية الإسلامية.
[s3]
الصنف الثاني: هم الشباب الذين وفدوا إلى بلدان الغرب لطلب العلم:
سواء منه ما يتعلق بالعلوم الإنسانية، كعلم النفس وعلم الاجتماع والتربية والاقتصاد والعلوم العسكرية، أو ما يتعلق بالعلوم الكونية والطبية والصناعية... ونحوها.
وغالب هذا الصنف لم يكن في أول الأمر ملتزماً بدينه في بلاده، والذي كان يلتزم بشيء من الإسلام، لم يكن يأخذ ما يلتزم به عن طريق العلم الإلهي والتربية الربانية، وإنما تلقاه بالوراثة من أبويه وأقاربه.
ولهذا فإن طلائع هذا الصنف انبهروا بحضارة الغرب المادية ونظمها الإدارية وأساليبها السياسية، وقادهم ذلك الانبهار إلى الاغترار بالمجتمعات الغربية، فانجرفوا إلى عقائدهم الملحدة أو العلمانية، وإلى أخلاقهم وعاداتهم الفاسدة، فوقعوا في المستنقعات التي حرَّمها الله عليهم في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، واعتقدوا أن الغرب هو صاحب السيادة الذي ينبغي اقتفاء أثره وتقليده في كل شيء، سواء وافق ذلك الإسلام أو خالفه.
ومن هنا انفجرت حمأة أساطين الفصل بين الدين وحياة المسلمين في الشعوب الإسلامية، وهم من يسمون بالعلمانيين الذين لا تخلو منهم بلاد من بلدان المسلمين، بل هم المسيطرون على غالب تلك البلدان، وإن كُبِتُوا وأُسكت صوتهم في بعض البلدان الإسلامية إلى حين، وكثير منهم ملاحدة لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر.
وقد مكن أعداء الإسلام لهذا الصنف المُفسد لحياة الأمة، أن يتسلم أزمَّة الأمور في كثير من الشعوب الإسلامية ـ على غفلة وجهل من أهلها ـ لينفذوا مخططات الغرب في تلك الشعوب، تلك المخططات التي لم يكن المستعمرون قادرين على تنفيذها إلا بخسارة فادحة في الأموال والأنفس، وإن هذا الصنف لهو السبب في جُلَّ المحن التي تعانيها الشعوب الإسلامية في كل أقطار الأرض اليوم..!
وبعض أفراد هذا الصنف من الطلاب لا زالوا موجودين في الغرب من الزمن الماضي والحاضر، وهم أدوات تساعد ساسة الغرب ومستشرقيه ومنصريه ورجال أمنه على تحقيق مصالح الغرب في بلدان المسلمين، والعمل على وضع كل الصعاب والعقبات المادية والمعنوية في طريق تطبيق الإسلام تطبيقاً صحيحاً في معاقله التي ألفته وألفها زمناً طويلاً.
من ذلك ـ مثلاً ـ ما حصل من ضابط الشرطة الأفغاني الذي ابتعث من قبل حكومته سنة: 1955م، ليتدرب في أكاديمية البوليس في (فينا) عاصمة النمسا، وبعد أن أكمل دراسته بقي هناك، وأظهر للمسلمين الغيرة على الإسلام، حتى أصبح رئيساً للجمعية الدينية الإسلامية الرسمية في النمسا.
وقد اعترفت الحكومة النمساوية بالإسلام ديناً رسمياً، لأهله كامل الحقوق التي تمنح للأديان الأخرى، ولكن هذا الرجل انحرف بالجمعية برغم أنوف أعضائها، بمساعدة خفية من رجال الدولة، وهو يحاول أن يكون الموجهون للمسلمين، سواء أكان التوجيه عن طريق التدريس، أو عن طريق إمامة المساجد، أو غيرها، من الأشخاص الذين لا يرجى منهم خير للإسلام والمسلمين، بل قد يكون بعضهم وبالاً عليهم، وبرغم أن النمسا بلد ديمقراطي، فإنه يرفض تطبيق الانتخابات الديمقراطية الحرة بين المسلمين، ويحتال بشتى الحيل لأن يبقى هذا الرجل في منصب رئاسة الجمعية، مع كراهية غالب أعضائها له.
وهو يتعاون مع الحكام العلمانيين في تركيا ـ لأن كثيراً من المسلمين في النمسا من رعاياها ـ لإبعاد التوعية الإسلامية الصحيحة عن المسلمين. وقد فصَّلت القول في التعريف بهذا الرجل وشكوى المسلمين منه في الأصل.
[s3]
وللحق أنصار:
وهناك فريق من الطلاب وفدوا إلى الغرب، وهم ملتزمون بالإسلام، مع الوعي الجيد والثقافة والتربية الإسلامية الواقية، وهؤلاء هم الذين نفع الله بهم في الغرب، فنشروا الدعوة الإسلامية بين زملائهم من الطلاب الذين كانوا بعيدين عن هدى الله، فأعادوهم إليه، كما نفع الله بهم كثيراً من أبناء الجاليات الإسلامية الموجودين في الغرب.
ومن هؤلاء الطلاب الصالحين من بقي في بلاد الغرب، فأنشأوا مراكز إسلامية وكوَّنوا اتحادات طلابية، لها أثرها الملموس في نشر الإسلام، ومنهم من عادوا إلى بلدانهم، وهم أشد تمسكاً بدينهم، مع ما أحرزوا من العلوم والثقافات من البلدان الغربية، ويوجد من هؤلاء الأفراد الذين تقدمت بهم السن أو أنهكتهم الأمراض فبقوا قابعين في منازلهم في الغرب، لا يستفيد منهم إلا من يقصدهم لمعرفته بفضلهم.
ومن هؤلاء: الدكتور سعيد رمضان، والدكتور زكي علي في سويسرا، والدكتور محمد حميد الله في باريس. وقد قابلتهم جميعاً وأجريت معهم حواراً حول موضوع الإسلام والمسلمين في الغرب، وقد توفي الدكتور سعيد رمضان، رحمه الله، في 8/3/1416هـ ـ 4/8/1995م في جنيف، وهو من أوائل دعاة الإخوان المسلمون، وتزوج إحدى بنات الإمام البنا، رحمهم الله جميعاً، أما الدكتور زكي علي، والدكتور محمد حميد الله فلا أدري أبقيا حيين أم انتقلا إلى جوار ربهما.
[s3]
الصنف الثالث: اللاجئون:
وهم فريقان:
الفريق الأول: لجأ أفراده إلى الغرب بسبب احتلال أعداء الإسلام بلادهم وتقتيلهم وتشريدهم، كالفلسطينيين، والإريتريين، والفلبينيين والأفغان، والأوغنديين، وغيرهم.
الفريق الثاني: لجأ من بلاده بسبب الاضطهاد الديني، أو الكبت السياسي، أو هما معاً، وهذا الصنف موجود من كل أنحاء العالم.
واللاجئون بقسميهم، منهم الملتزم بالإسلام، بحسب تصوره له وتربيته عليه، فهو يعمل به ويدعو إليه، وينضم إلى من يلائمه من الجمعيات الإسلامية أو يتعاون معها، سواء أكانت من المنظمات الطلابية، أو من الجاليات الإسلامية غير الطلابية، ومنهم من لم يلتزم بالإسلام، وهو إما أن يكون منتسباً إلى بعض الأحزاب المعادية للإسلام، من المنتسبين إلى الإسلام أو غيرهم، وإما أن لا يكون منتمياً إلى أي حزب من الأحزاب، وإنما همه الحصول على السكن ولقمة العيش والأمن.
[s3]
صنفان آخران قد لا يبقون في الغرب:
الصنف الأول: تجار المسلمين الذين تطول إقامة بعضهم، وتقصر إقامة بعضهم الآخر، وهَمُّ غالب هؤلاء الكسب والربح المادي، وكثير منهم يسيئون إلى الإسلام بتصرفاتهم الشاذة التي قد تفوق تصرفات الأوربيين السيئة.
الصنف الثاني: البعثات الدبلوماسية وملحقاتها، ومهمة هؤلاء القيام بما يكلفونه من العمل لحكوماتهم، وأغلبهم ليسوا قدوة حسنة في سلوكهم الشخصي الذي لا يخفونه في المجتمعات الغربية، هم وأسرهم، حيث يمارسون الاختلاط المحرم، ويشربون الخمور، ليس في منازلهم فحسب، بل في التجمعات العامة أمام الأوربيين في المناسبات المختلفة، وبعضهم لا يحضرون مع المسلمين المناسبات الإسلامية، كصلوات الجمع والأعياد.
وبعض هؤلاء يظهرون ـ بدون حياء ـ العداء لدعاة الإسلام ويؤذونهم ـ إن قدروا على أذيتهم ـ ويُغْرُون بعض المنتسبين للدعوة إلى الإسلام، ممن هم على شاكلتهم للتجسس على دعاة الإسلام الصادقين، ونقل تحركاتهم وما يدور في اجتماعاتهم من التخطيط للنشاط الدعوي الذي يؤجج نار الغيظ في قلوبهم، وقد يكون كثير من عيونهم ينقلون لهم عن الدعاة ما هو كذب، وهم يزيدون على الكذب كذباً، من أجل الإضرار بهؤلاء الدعاة الصادقين، والهدف من كل ذلك هو عرقلة نشاطهم والتحذير منهم..!
ومع ذلك فإنه يوجد رجال صالحون من هؤلاء الدبلوماسيين، يساعدون الدعاة إلى الله، ويتمسكون بالإسلام، ويذكرهم المسلمون في حضرتهم وفي غيبتهم بالخير، ولكنهم قليل "كالشعرة البيضاء في الثور الأسود" وهذه هي سنة الله في الخلق أن يكون أهل الخير دائماً أقل من غيرهم "كالإبل المائة لا تجد فيها راحلة".
هذا حصر تقريبي لأصناف المسلمين الوافدين إلى البلدان الغربية.

القسم الثاني: المسلمون من أصل أوروبي:

وتحت هذا القسم نتكلم على ما يأتي:
[s3]
نشاط المسلمين في دعوة غير المسلمين:
أغلب المراكز الإسلامية التي زرتها في أوروبا، لم تكن عندها خطط ولا مناهج لدعوة غير المسلمين وتبليغهم هذا الدين، وأغلب الدعاة الذين التقيتهم يعترفون بالتقصير في القيام بدعوة غير المسلمين، بل وجدت من يتعجب من سؤالي عن ذلك، حتى قال لي بعض أئمة المساجد من أصل هندي: إنه لا ينبغي دعوة غير المسلمين ما دام المسلمون بعيدين عن الإسلام، ويحتاجون هم إلى دعوة الله.
وأكثر الذين دخلوا في الإسلام من الغربيين، كان سبب إسلامهم ـ بعد توفيق الله ـ هو بحثهم عن الحقيقة من عند أنفسهم وبعضهم وافق أن زار بعض بلدان المسلمين وأعجبته بعض المعاني الإسلامية، أو بعض التصرفات الطيبة في بلاد المسلمين، أو في أوربا، والقليل منهم من أسلم بسبب دعوة مباشرة من المسلمين.
وهذا ما أخذته مباشرة من المسلمين أنفسهم الذين قابلتهم، وعندي معلومات عن عدد منهم فيما كتبته في هذه الرحلة من سلسلة: "في المشارق والمغارب" وقد سللت منه الحوارات مع المسلمين منهم وغير المسلمين وطبعتهما في جزأين، وأرجو يتم طبع السلسلة التي بلغت 20 مجلداً كاملة.
هذا وقد التقيت أصنافاً من هؤلاء المسلمين: رجالاً ونساء، وذوي تخصصات متنوعة، وأخذت من كل منهم مباشرة، عن حياتهم وإسلامهم، وفيها قصص كثيرة وعِبر مثيرة، ليس المقام هنا مقام التعرض لها، وقد فصلت في مكانها.
[s3]
فهم المسلمين الأوروبيين للإسلام:
إن القلة القليلة منهم هي التي تتصور الإسلام تصوراً صحيحاً إيماناً وتسليماً وسلوكاً، وهؤلاء هم الذين هيأ الله لهم بعد إسلامهم الاتصال ببعض المسلمين الذين عندهم هذه المعاني، فعلموهم وربوهم على ذلك مباشرة، أو يسَّر الله لهم الاطلاع على بعض الكتب الإسلامية باللغة العربية، وقد سبق لهم أن اجتهدوا في تعلم هذه اللغة، أو مترجمة ترجمة سليمة إلى لغة أخرى يجيدونها، وقد تبقى لديهم بعض المفاهيم غير الصحيحة، ولكن الأصول التي فهموها تمكنهم من تصحيح تلك المفاهيم، إذا تيسَّر لهم السبب الذي يصححها لهم، وهؤلاء تجدهم ينبذون كل المعتقدات المخالفة للإسلام، سواء كانت يهودية أو نصرانية، أو وثنية، كما يرفضون كل البدع والخرافات المنتشرة بين بعض الجماعات الإسلامية، والغالب أن يجمع هؤلاء بين قراءة كتب ابن تيمية وابن القيم ومحمد بن عبد الوهاب وحسن البنا والمودودي، فيفهمون الإسلام عقيدةً وسلوكاً وسياسةً شرعية وغير ذلك، أي يفهمونه فهماً شاملاً، وعندهم استعداد للقبول بتصحيح أي خطأ يتضح لهم.
ومن هذا الصنف ـ فيما بدا لي ـ الأخ يوسف إسلام البريطاني الذي وقف نفسه وماله للدعوة إلى الإسلام... [ويمكن مراجعة حوارات مع مسلمين أوربيين ص: 177 عن هذا الداعية].
وبعضهم قد يدرس الإسلام في بعض الجامعات الإسلامية، فيفهم الإسلام فهماً جيداً ويعود إلى بلاده، فيأخذ في نشره بين المسلمين من أهل بلده، ودعوة من لم يدخل في الإسلام، ومن هؤلاء الأخ "محمد صديق" الألماني الذي تخرج في الجامعة الإسلامية في المدينة النبوية، فقد أنشأ مركزاً إسلامياً للدعوة، سماه "دار الإسلام" في إحدى ضواحي "فرانكفورت" وله فيه نشاط واضح.
[s3]
تأثر المسلمين الأوربيين بالطرق الصوفية وأسباب ذلك:
وأكثر المسلمين الأوربيين متأثرون بالطرق الصوفية، والسبب في ذلك يعود إلى الأمور الآتية:
الأمر الأول: قوة نشاط الطرق الصوفية في أوروبا، عن طريق شيوخ تلك الطرق مباشرة، أو عن طريق الكتب المترجمة إلى اللغات الأوربية.
الأمر الثاني: أن عند الأوربيين قلقاً نفسياً وخواءً روحياً وقسوةً قلبية، بسبب الضغوط المادية التي تحيط بهم في كل مكان، ولم يجدوا ما يملأ فراغ قلوبهم ويلينها في الطقوس المسيحية، قبل إسلامهم ولا في الأديان الوثنية، وعندما يلتقون مشايخ الصوفية أو مريديهم الذين غالباً ما يفدون من مصر والسودان والمغرب وتركيا، بعد أن تعمل لهم دعاية في المناطق التي سيزورونها، فيجتمعون حول الشيخ أو المريد، فيما يسمى بالحضرة، ويأخذ في تلقينهم بعض الأذكار والأوراد المعدة عنده، ويمكثون فترات طويلة وهم يرددونها.
ويحضر مع المسلمين غير المسلمين، فيتأثرون بالذكر والمنظر، ويشاركون في ذلك دون أن يطلب منهم الدخول في الإسلام، ثم بعد عدد من الجلسات يزداد تأثرهم، ويدخل بعضهم في الإسلام؛ لأنهم يشعرون بالراحة والطمأنينة بكثرة الذكر والعبادة، ويتناقلون ذلك فيما بينهم، ويحسون بسهولته مع ترقيقه لقلوبهم، فيبقى كثير منهم على ذلك.
ويتخلل تعليمهم بعض البدع والخرافات، وهم يظنون أن ذلك كله من الإسلام، ويتعلقون بالشيخ تعلقاً شديداً، ويطرونه إطراءً مبالغاً فيه، في حياته وبعد موته، وينقلبون من ملحدين أو مثقفين لا يؤمنون إلا بالمحسوسات، إلى مؤمنين بالبدع والخرافات، وما يُنسب إلى الشيخ من كرامات، ويلقنهم المريدون الذين سبقوهم أسماء بعض علماء السنة كابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب ويسمونهم لهم بالوهابية، ويحذرون من قراءة كتبهم وأفكارهم.
وقد زرت بعضهم في منازلهم ودكاكينهم ووجدت عند بعضهم استعداداً للحوار والمناقشة والاقتناع.
الأمر الثالث: أنهم قد قرؤوا في كتب المستشرقين الثناء على الطرق الصوفية والإشادة بها، قبل أن يدخلوا في الإسلام، كما يجدون كثيراً من كتب غلاة الصوفية مترجمة إلى لغاتهم، مطبوعة منشورة، في المكتبات التجارية؛ لأن المستشرقين يرغبون أن يفهم الناس الإسلام فهماً صوفياً سلبياً، يعمقون في نفوسهم المعنى الروحاني الخرافي فقط، وليس فهماً سليماً إيجابياً، كما هو الحال في الكنيسة: صلة بين الفرد بربه و لا علاقة له بتنظيم حياة البشر؛ لأنهم يخشون أن يفهم الداخلون في الإسلام من الأوربيين الإسلام فهماً شاملاً، فيقضي ذلك على أفكارهم التي درجوا عليها من زمن بعيد في تشويه حقائق الإسلام، ويكثر الداخلون في الإسلام، وذلك يغيظهم.
أما إذا فهموه فهماً صوفياً مشابهاً لما هو معروف في الكنيسة، فلا عليهم أن يدخلوا في الإسلام إن كان ولا بد من الدخول فيه، وهذا ما يرغب فيه رجال السياسة أيضاً؛ لأن فهم الإسلام على حقيقته يصطدم مع الفكر العلماني في أوروبا والغرب كله.
الأمر الرابع: أن القائمين بالدعوة الإسلامية، لا يوجد عندهم متفرغون يحاولون كسب هؤلاء المسلمين ويعلمونهم مبادئ الإسلام من مصادره، كما أنه لا يوجد علماء كبار يملأون عيونهم، كمشايخ الصوفية الذين ينالون من الإطراء والتفخيم والدعاية المبالغ فيها، ما لا يناله غيرهم.
الأمر الخامس: التقصير الذي يقع فيه كثير من الدعاة، وهو أن الرجل ـ وكذا المرأة ـ إذا دخل في الإسلام، أخذوا يشرحون له مبادئ الإسلام العامة، كالصلاة والصوم ونحو ذلك، وقد يدخلونه في أفكار سياسية واقتصادية، وبعض المسلمين يبدأون في تحذيره من الحزب الفلاني أو الجماعة العلانية، والمتعصبون للمذاهب يحثونه على التمسك بمذهب الإمام فلان، دون مذهب الإمام علان، كل ذلك وهو لم يذق حلاوة الإيمان والعبادة بعد، ثم يتركونه ولا يتابعونه بتقوية إيمانه بالمحافظة على الفرائض، والقيام ببعض النوافل، وتعليمه بعض الأذكار الواردة الصحيحة، مطلقة كانت أو مقيدة، ولهذا يصطادهم الصوفية ويوقعونهم في شباكهم، ويجعلونهم ينصبون العداء لمن يخالفهم.
بل إن بعضهم يتأثرون بالقاديانية، إما بحسن نية وظن أن ذلك من الإسلام كما يقولون لهم، وإما لمشايعتهم وإعانتهم ـ مع علمهم بضلالهم ـ من أجل نشر أفكارهم، لمحاربة الدعوة الإسلامية الحقة، وليس بخاف دعم الدول الأوربية للقاديانية وغيرها من مذاهب الكفر والضلال مادياً ومعنوياً.
وبعضهم يتأثرون بالفكر الرافضي، بسبب اختلاطهم بالشيعة وأخذهم الإسلام عن طريقهم.
وبعضهم قد يكون من كبار المفكرين الأوربيين ويقرأ بنفسه عن الإسلام، وبخاصة كتب الصوفية التي تكثر فيها الشطحات والأخطاء التي يمكن تأويلها وتخريجها على معان سليمة إذا قُرِأت باللغة العربية، كما يفعل ابن القيم رحمه الله مع الإمام الهروي، رحمه الله، ولكنها إذا ترجمت إلى لغة أخرى تأكد ذلك الخطأ، وأصبح عند قارئه هو المعنى المتعين، وبخاصة إذا كان القارئ قد سبق له اعتقاد ذلك المعنى قبل إعلانه إسلامه، فيؤيد اعتقاده السابق بما فهم من الخطأ اللاحق الذي ظنه من الإسلام.
كما وقع للأستاذ رجاء جارودي في قضية الإيمان باليوم الآخر، حيث نفاه نفياً قاطعاً كما كان ينفيه يوم كان ملحداً قبل أن يعلن إسلامه، حيث قرأ في كتاب إحياء علوم الدين ـ وهو مترجم ـ للإمام الغزالي رحمه الله قول رابعة العدوية رحمها الله: "ما عبدت الله طمعاً في جنته ولا خوفاً من عذابه".. فهذه الجملة مع مخالفتها لنصوص الكتاب والسنة ولمنهج الرسل عليهم الصلاة والسلام، فهمها علماء الإسلام على معنى المبالغة في الإخلاص لله تعالى، فهي لشدة إخلاصها ـ في زعمها ـ تعبد الله حباً لذاته، بصرف النظر عن الثواب والعقاب، ولكن جارودي أصَرَّ أن مرادها نفي الإيمان باليوم الآخر وما فيه من جزاء وحساب وجنة ونار، وغير ذلك.
وقد ناقشته في ذلك مناقشة طويلة في باريس، فأصَرَّ على نفي الإيمان باليوم الآخر، كما اتضح أنه قد ناقشه بعض كبار العلماء، منهم الشيخ محمد الغزالي، وشيخ الجامع الأزهر وغيرهم في ملتقى الفكر الإسلامي بالجزائر، ولكنه استمر على إنكاره ويرى أنه على حق، وأن علماء الإسلام الذين حاولوا عدوله عن الفهم الخطأ على باطل، مع أن الموضوع الذي أنكره هو ركن من أركان الإيمان المعلومة من الدين بالضرورة، وقد حشدت أدلته في القرآن والسنة حشداً لا يدع مجالاً للشك فيه، وأجمعت عليه الأمة.
والسبب في ذلك أنه عندما دخل في الإسلام مع شهرته في العالم، أطرته أجهزة الإعلام واستدعته بعض المؤسسات الإعلامية والإسلامية في أوروبا وفي بعض بلاد المسلمين، ليُلقي محاضرات عن الإسلام، فشعر بأنه شيخ الإسلام عند المسلمين، وأنه لا حاجة له إلى أحد يعلمه الإسلام، ويصحح له مفاهيمه الخاطئة، وكان ينبغي أن يهتم به علماء الإسلام والمؤسسات الإسلامية، فيستضيفوه ليصحبهم في ديار الإسلام ويستفيد منهم العلم والعمل، كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يرشد من دخل في الإسلام من أعيان القبائل، أن يبقوا عنده فترة يتعلمون منه مبادئ الإسلام ثم يعودون إلى قومهم يعلمونهم ما تعلموه منه صلى الله عليه وسلم، دون إطراء ولا يبالغ في الثناء عليه وإشعاره بأنه أصبح من علماء الإسلام. [راجع قصة الحوار مع جارودي: في "حوارات مع مسلمين أوربيين: ص 195وقد بسطت القول في الرد على هذه الشبهة في كتابي "الإيمان هو الأساس" عند الكلام على الإيمان باليوم الآخر].
وعلى النقيض من ذلك وجدت المسلم الصالح ـ ولا أزكي على الله أحداً ـ يوسف إسلام الذي كان من كبار الموسيقيين المشهورين في الغرب، فقد قيَّض الله له أن اطلع على ترجمة معاني القرآن الكريم ـ ولذلك سبب نقلته عنه عندما قابلته ـ فهداه الله للإسلام، فقام بإنشاء مدرسة لأبناء المسلمين، وأحاط نفسه بفئة من العلماء المسلمين الذين يستفيد منهم.
والخلاصة أن المسلمين الأوربيين يكون إسلامهم بحسب ما يسَّر الله لهم من الوسائل التي دخلوا في الإسلام عن طريقها، فإن تيسر لهم من يفهمهم الإسلام على حقيقته تمسكوا بما فهموا، وإن اتفق لهم من يفهمهم إياه على عوج أخذوا به.
[s3]
وضع المسلمين الأوروبيين وصلة الوافدين بهم:
أما وضع هؤلاء المسلمين في مجتمعاتهم الأوربية وصلة المسلمين الوافدين بهم، فإن الاطلاع على ذلك يؤسف ويحزن ـ في غالب الأحوال ـ فقد شكا غالب هؤلاء المسلمين شكوى مرة مما يعانونه بعد إسلامهم، فهم بإسلامهم قد أعلنوا مخالفتهم لمجتمع نشأوا فيه، وأسر تربوا فيها، ففقدوا بذلك الآباء والأمهات والإخوان والأخوات والأصدقاء، وربما الزوجات والأبناء والبنات، فمن الصعب عليهم أن يحافظوا على الاختلاط بهم إلا إذا تنازلوا عن التمسك بكثير مما يوجبه عليهم دينهم الجديد على مجتمعهم، في المنزل والشارع والمنتزه والسوق وغير ذلك.
وفي ذات الوقت لا يجد المسلم الغربي مجتمعاً إسلامياً ينضم إليه، لقلة المسلمين وتفرقهم في السكن والعمل، وإذا أراد أن يلتقي بعضهم فلا يستطيع ـ غالباً ـ إلا في إجازة الأسبوع في بعض المساجد أو المراكز الإسلامية، هذا إذا اجتهد هو وترك مشاغله الشخصية وضحى براحته ونزهته، فإذا جاء إلى المسجد أو المركز، وجد المسلمين يتحدثون فيما بينهم عن مشكلاتهم الخاصة، أو يلقون دروساً بلغاتهم عربية أو أردية أو تركية أو غيرها، ومشكلاته تختلف عن مشكلاتهم، واللغة التي يتحدثون بها غير لغته.
لذلك تجد صلة المسلم الأوربي بالمسلمين الوافدين قليلة جداً، هذا في الغالب، وقد تكون صلة بعض أفرادهم ببعض الوافدين من المسلمين جيدة، حتى لقد قال لي بعض المسلمين الجدد: إننا نشعر بدخولنا الإسلام أننا صرنا كالأطفال الصغار الذين فقدوا آباءهم، فلا أسرنا ومجتمعنا وأصدقاؤنا بقوا معنا، ولا المسلمون الوافدون اهتموا بنا.
وقال لي آخر: إني أشعر بأن الانتماء إلى بلدي يجذبني، والولاء للمسلمين يشدني، ولكني لا أجد المجتمع المسلم الذي يكون قادراً على جذبي، وإني أفكر كثيراً فيما إذا حصلت حرب بين أهل بلدي وبين المسلمين، ماذا أفعل؟ إسلامي يحتم علي أن أكون في صف المسلمين، وأهل بلدي يرون أني مواطن، وحق الوطن عندهم مقدم على كل شيء.
[s3]
أثر المسلمين الأوربيين في المسلمين الوافدين:
أما أثر المسلمين الأوربيين على المسلمين الوافدين، فإنه ينقسم قسمين، بحسب حال المسلم الأوربي:
القسم الأول: أن بعض المسلمين الوافدين الذين كانوا منتسبين إلى الإسلام وهم غير ملتزمين به، عندما رأوا بعض المسلمين من الأوربيين يلتزمون الإسلام التزاماً صادقاً، أثَّر ذلك في نفوسهم فرجعوا إلى الله، فقد يتزوج المسلم غير الملتزم نصرانية لم تدخل في الإسلام بعد، وعندما تختلط به تبدأ تسأله عن دينه فلا يستطيع الإجابة عن أسئلتها لجهله، فيشعر بالخجل، فيذهب إلى بعض أئمة المساجد ليسألهم عما سألته عنه زوجه وينقل لها الجواب، أو يذهب معها إلى بعض المراكز الإسلامية لتتلقى الجواب بنفسها، وقد تسمع بعض الأحاديث أو المحاضرات، فيهديها الله، فتدخل في الإسلام وتلتزم وتقوم بأداء الواجبات وتترك المحرمات، فيتأثر بها زوجها ويعود إلى الله، وقد يمتد ذلك الأثر منه إلى زملائه من الرجال، وقد تؤثر هي في بعض المسلمات الوافدات غير الملتزمات.
وهكذا قد يدخل الرجل أو المرأة من الأوربيين في الإسلام ويلتزم أو تلتزم به، فيؤثرون بذلك في أصدقائهم من المسلمين الوافدين غير الملتزمين. وقد يحصل عكس هذا تماماً، فيتزوج المسلم الضعيف الإيمان النصرانية التي تبقى على دينها وعاداتها، وقد يطلب منها أن تدخل في الإسلام، أو تبدي رغبتها هي في ذلك فتسلم، ولكنها تبقى أيضاً على عاداتها وأخلاقها، فتغلبه بطباعها وعاداتها، وتجرفه معها، فيقع في المحرمات، وقد يترك دينه بسبب الشبهات التي يوردها أعداء الإسلام عليه، وقد توردها هي، وقد يؤثر هو في بعض زملائه من المسلمين من أهل بلده بما تأثر به هو، وقد تنجب له أولاداً وتتولى تربيتهم على دينها وأخلاقها وعاداتها، وما أكثر ما يذوب أبناء المسلمين في المجتمعات الأوربية ويفقدون دين آبائهم.
هذه مجرد أمثلة، وهي واقعة وليست مفترضة والذي يراجع ما كتبته في مقابلاتي مع الفريقين المسلمين الوافدين والمسلمين الأوربيين في المجلدات الخاصة برحلات أوربا، من سلسلة "في المشارق والمغارب" سيجد ذلك واضحاً، وكذا كتاب: حوارات مع مسلمين أوربيين.
وهذا يبين لنا شيئاً من حكمة وجوب الهجرة على المسلم من دار الكفر إلى دار الإسلام، وهذا شيء من أثر الأوربي المسلم على المسلم الوافد، فما بالك بأثر المجتمع الأوربي كله على المسلم، وبخاصة إذا كان ضعيف الإيمان!

نشاط المنتسبين إلى الإسلام في أوروبا:

إذا رجعنا إلى الأصناف المنتسبة إلى الإسلام [عدلت عن كلمة "المسلمين" إلى كلمة "المنتسبين إلى الإسلام" لأن بعض الجماعات التي تدعي الإسلام، ليست من المسلمين كالقاديانيين الذين أفتى علماء المسلمين بأنهم فرقة خارجة عن الإسلام]. التي وفدت إلى أوروبا أمكننا معرفة اتجاهاتها، وهي تختلف اختلافاً كثيراً، ويمكن حصرهم التقريبي في الأصناف الآتية:
[s3]
1 ـ الجاليات الإسلامية:
فالجاليات الإسلامية التي وفدت إلى الغرب، من أجل اكتساب لقمة العيش، كما مضى، أغلب أفرادها جهلة غير ملتزمين بالإسلام، ولهذا فهم أحوج إلى من يدعوهم إلى العودة دينهم والتمسك به، وكثير منهم شوهوا صورة الإسلام، بسبب تصرفاتهم المخالفة له، وللأخلاق التي جاء بها وتواضع الناس على حسنها، كالصدق والأمانة.
فتجد بعضهم يحتالون على القوانين الغربية، بالكذب والغش، يتمارضون بدون مرض، ويحاولون أن يرشوا الأطباء ليأخذوا منهم تقارير تثبت ذلك، ليتخلصوا من القيام بأعمالهم الوظيفية، وقد اشتهر ذلك عند الأوربيين وأصبحوا لا يثقون في كثير من المسلمين، كما أن كثيراً منهم يتعاطون ـ مع زعمهم الإسلام ـ ما حرمه الله عليهم، ويتركون ما أوجبه، فصاروا بذلك فتنة للذين كفروا؛ لأنهم رأوا فيهم قدوة سيئة، بدلاً من القدوة الحسنة، وقد ذاب كثير من أبناء الجاليات الإسلامية في المجتمعات الغربية.
ولكن عدد الذين عادوا إلى الإسلام والتمسك به من أفراد الجاليات الإسلامية، قد زاد في الفترة الأخيرة، بسبب وجود بعض المراكز الإسلامية النشطة وبعض الدعاة المتجولين والمستقرين.
ويدخل في حكم الجاليات الإسلامية العاملة، اللاجئون السياسيون والذين شردتهم الحروب في بلدانهم، أو ظلم حكامهم، إلا أن هؤلاء قد يوجد من بينهم مثقفون بحسب تخصصاتهم.
[s3]
2 ـ الجماعات الحركية:
المقصود بالجماعات الحركية: الهيئات المنظمة ذات المناهج الشاملة، الثقافية والتربوية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، مستقية ذلك من فهمها الشامل للإسلام بأنه منهج لحياة البشر كلها.
وأبرز هذه الجماعات:
[s3]
1 ـ جماعة الإخوان المسلمين.
وهي التي أسسها الإمام الداعية "حسن البنا" رحمه الله في مصر، ثم انتشرت في كل أنحاء الأرض.
[s3]
2 ـ الجماعة الإسلامية في باكستان.
وهي التي أسسها الإمام "أبو الأعلى المودودي" رحمه الله في شبه القارة الهندية، ولها فروع مستقلة من الناحية الإدارية والتنظيمية في الهند وبنغلاديش وغيرهما.
وهاتان الجماعتان متقاربتان في الأفكار والمناهج في الجملة، ومنتشرتان في أوروبا والبلدان الغربية كلها، إلا أن جماعة الإخوان أكثر انتشاراً، وأتباعها من كل فئات المجتمع: أي من حملة كل التخصصات، ومن العمال والتجار وغيرهم، وكثير من المسلمين يتعاطفون معها ويستفيدون من نشاطاتها في المحافظة على دينهم وتربية أبنائهم، ويشاركون في تلك النشاطات بما يقدرون عليه، وإن لم ينخرطوا في سلكها من الناحية التنظيمية.
ولما كانت هاتان الجماعتان ـ الإخوان المسلمون، والجماعة الإسلامية ـ أنشط الجماعات الإسلامية، و تدعوان إلى تطبيق الشريعة الإسلامية تطبيقاً شاملاً في حياة الأمة الإسلامية، وتقوم مناهجهما على التربية العملية في كل طبقات الأمة، وتدعوان إلى الإسلام بالطرق السلمية التي لا تستعمل العنف، وتتغلغلان عن طريق العمل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والتعليمي في الأمة، فإن تأثيرهما قد انتشر في أقطار الأرض، وأصبح أتباعهما في كل الشعوب الإسلامية وغيرها في تنامٍ مستمر، وفي ذلك ما يجعل وصولهما إلى حكم الشعوب الإسلامية بالإسلام الذي حرمها منه محاربوه، قريب المنال، لما كان الأمر كذلك بالنسبة لهاتين الجماعتين، اشتدت محاربتهما من قبل العلمانيين في الشعوب الإسلامية، ومن قبل قادة الغرب على حد سواء، وأعانهم على ذلك ذووا الأهواء والذين ضاقت آفاق عقولهم من المنتسبين إلى العلم عن مصالح الأمة العليا التي تحقق لهم العزة والكرامة، فرموهم جميعاً عن قوس واحدة، كلٌّ في مجاله، ولكن الدعوة سائرة، رغم كل العقبات، ورغم تنوع محاربيها!
وقريب من هاتين الجماعتين ـ في الجملة ـ أعضاء حزب السلامة التركي، وأعضاء حزب ماشومي الإندونيسي، أتباع الدكتور "محمد ناصر" رحمه الله، ولكن عددهم قليل نسبياً، وكذلك حزب التحرير، مع ما عنده من شطحات، وهم قليلون أيضاً.
وقد ذكرت نبذة عن كل من الأستاذ حسن البنا، والأستاذ المودودي في كتاب الجهاد في سبيل الله ـ حقيقته وغايته ـ في مبحث: نماذج يقتدي بها السائرون، وذكرت معلومات واسعة عن الدكتور محمد ناصر في الأجزاء الخاصة برحلات إندونيسيا من سلسة "في المشارق والمغارب"، وقد أخذت تلك المعلومات في لقاءات متكررة معه رحمه الله، ولا زال أتباعه يقومون بالدعوة إلى الله، في إندونيسيا.
وغالب أعضاء الجماعات الحركية، هم من الطلاب الذين تخرجوا في جامعات الغرب وبقوا في الدول الأوربية، أو الذين مازالوا طلاباً وكونوا لهم اتحادات طلابية في الجامعات أو في مراكز إسلامية، ويوجد بينهم أعضاء من أفراد الجاليات الإسلامية أيضاً.
وتمتاز هذه الجماعات واتحاداتها بدقة التنظيم وقوة الانضباط والتعاون، والقدرة على استيعاب الشباب بأنواع النشاطات التي تجذبهم، كالمخيمات والنوادي الرياضية والثقافية والاجتماعية والإعلامية وغيرها.
[s3]
مجالات نشاط الجماعات الحركية:
ويحاولون أن يقوموا بواجباتهم في الدعوة إلى الإسلام ـ مع كثرة ارتباطاتهم وأعمالهم الوظيفية والدراسية والأسرية ـ في ثلاثة مجالات:
المجال الأول: التوعية والتربية الداخلية أي في أسرهم وأعضاء جماعتهم، في المراكز والمساجد والمخيمات والمساكن.
المجال الثاني: التوعية في صفوف الجاليات الإسلامية كذلك.
المجال الثالث: نشر مبادئ الإسلام بين غير المسلمين.
والذي ينقص هذه الجماعات أربعة أمور:
الأمر الأول: قلة العلماء وبخاصة المتفرغين لهم، وهذا يؤثر عليهم من وجهين:
الوجه الأول: ضعف تقدمهم في التفقه في الدين، تفقهاً مبنياً على قواعد علمية.
الوجه الثاني: الجهد الذي يضطرون إلى بذله في القراءة بأنفسهم في بعض الكتب ليفهموا الإسلام، ولكن كثيراً منهم أصبحوا عندهم معلومات جيدة بسبب الممارسة والاجتهاد، وبسبب الدورات التي يقيمونها في أوقات مختلفة، يقدم لهم فيها بعض العلماء الذين يستقدمونهم من البلدان العربية وغيرها، دراسات قوية في العلوم الشرعية.
الأمر الثاني: قلة المراجع الإسلامية الميسرة المفيدة التي تمكنهم من استيعاب مبادئ الإسلام، ويشكون من عدم تجاوب بعض المؤسسات الإسلامية التي يطلبون منها مدهم بالمراجع الإسلامية.
الأمر الثالث: قلة وجود أماكن يستقرون فيها لمزاولة نشاطهم، فأغلب الجماعات تستأجر شققاً صغيرة من أقوات أسرهم، ومع كون ذلك يجحف بهم من الناحية المادية، فإنه يحول بينهم وبين الاستقرار، إذ يضطرون إلى الانتقال من مكان إلى آخر، إما لقلة المال الذي يضطرهم إلى استئجار شقق أرخص في أماكن أبعد من المكان الأول، وإما لضيق المكان وحصولهم على مكان أنسب منه، وذلك يسبب لهم عدم الاستقرار.
وقد لا تتمكن بعض الجماعات من إيجاد مقر لنشاطها، لغلاء الأماكن وقلة ذات اليد، وقد وجدت جمعية إسلامية أُنشأت في عام 1987م في مدينة "هلسنكي" عاصمة "فنلندا" لا يوجد لها مقر، ولذلك كانت تزاول نشاطها وتعقد اجتماعاتها في منازل أعضائها، والمنازل هناك ضيقة، أو في بعض المطاعم التي يديرها بعض المسلمين.
ومما يؤسف له ما بلغني من أن هذه الجماعة قد وجد بين أفرادها نزاع بعد عام واحد من إنشائها، مع قلة المسلمين في هذا البلد وحاجتهم الماسة إلى تربية أولادهم الذين ذاب غالبهم في المجتمع الكافر ولعل الله قد وقاهم شر الخلاف.
الأمر الرابع: قلة العاملين في حقل الدعوة والتربية الإسلامية، وذلك يجعل العبء ثقيلاً على أفراد ترهقهم الأعمال، وتبدد نشاطهم وتضعفه، وقد يصاب بعضهم بالملل والسآمة بسبب ذلك، ولهذا تكون أبواب العمل مفتوحة أمامهم، لا يستطيعون استغلالها، سواء فيما يتعلق بعملهم الداخلي، أو بالعمل الخارجي، وأغلب العاملين متطوعون من الطلاب أو من الموظفين، ومع ذلك ينفقون على نشاطهم من نفقاتهم الخاصة.
[s3]
3 ـ جماعة التبليغ:
وهذه الجماعة منتشرة ـ أيضاً ـ في كل أنحاء المعمورة، وأعضاؤها أكثر صبراً وتحملاً لمشقات السفر وشظف العيش، وأذى الناس، وهم متقشفون ينفقون على أنفسهم من جيوبهم مع فقر كثير منهم، ويختلطون بالناس: مسلمين وغير مسلمين، يطرقون أبوابهم ليبلغوهم ما فهموه من الإسلام، وطرق أبواب المنازل لتبليغ أهلها الإسلام، قد يكون مستساغاً في بعض البلدان، وقد يكون مكروهاً غير مستساغ في بلدان أخرى، فينبغي مراعاة ذلك، وهو يدخل في معنى الحكمة في الدعوة.
ويتابعون فساق المسلمين في الأسواق والمقاهي والبارات، محاولين انتشالهم من حمأة الفسوق والفجور والعصيان، شعارهم الخروج في سبيل الله وهو لا يعني مصطلح القرآن والسنة، الذي تكرر في معنى الخروج للجهاد في سبيل الله، وإنما المقصود الخروج لدعوة الناس إلى الإسلام والتمسك به، والتجول في الأرض من أجل ذلك، مع المبيت في المساجد، وهو نوع من الجهاد بمعناه العام يسيحون في الأرض وينزلون في المساجد وفيها ينامون، فإن لم يجدوا مساجد نزلوا في أي مكان تيسر لهم النزول فيه، يقصدون المدن والقرى الصغيرة والبوادي وقد وجدتهم في كل بلد زرته في العالم، ومن ذلك بعض البوادي النائية في جنوب كوريا الجنوبية سنة 1406هـ، وفي بعض الغابات بين القبائل البدوية في كينيا، سنة 1415هـ وغيرها، يتناولون ما تيسر من الطعام، ولهم تأثير طيب جداً في إصلاح أبناء المسلمين الذين يذوب أكثرهم في المجتمعات الغربية.
ولكن أكثر هذه الجماعة غير متعلمين، وعندهم منهج معين، يكرره أفرادهم ـ غالباً ـ على الناس، وهو ما يسمى بالبيان، وقد يتوسع بعضهم ـ أحياناً ـ في شرحه، بحسب ما عند المتكلم من معلومات، وقد يوجد مع كل مجموعة منهم من عنده شيء من العلم الذي يفيد مجموعته به، فيدرسهم كتاب رياض الصالحين للإمام النووي، ويملى عليهم ما تيسر من حياة الصحابة العبادية والسلوكية، ويعلمهم بعض الأذكار ويحثهم على كثرة التطوع ـ صلاةً وصياماً وإنفاقاً ـ ولا شك أن في ذلك أثراً طيباً في حياتهم.
والفائدة التي تعود إلى الناس الذين يتأثرون بهم تكمن في محبة الله ومحبة عبادته ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم ومحبة الإسلام، والشعور بالمسؤولية أمام الله في إنقاذ الناس من الضلال والتواضع.
[s3]
ما الذي يؤخذ على جماعة التبليغ؟
والذي يؤخذ عليهم، أنهم مع انتشارهم في الأرض، ووصول دعوتهم إلى أكبر عدد من الناس، وكثرة جموعهم في المؤتمرات التي يعقدونها، وقد يصل عددهم في بعض مؤتمراتهم التي يعقدونها في الأرض الفضاء، إلى أكثر من مليون شخص، وقد رأيت ذلك في بنغلاديش سنة 1400هـ، عندما حضرت مخيماً أقامته الندوة العالمية للشباب الإسلامي، كان المشرف عليه الأستاذ محمد عاكف المصري. مندوباً من الندوة في الرياض [وقد أصبح فيما بعد المرشد العام للإخوان المسلمين]. حيث اضطر رئيس الجمهورية "ضياء الرحمن الذي اغتيل فيما بعد" إلى ترك الطريق المؤدي إلى مخيمنا لحضور ختام المخيم، لعدم وجود ممر لسيارته بسبب اجتماع هذه الجماعة في تلك المنطقة، وحوَّل موكبه إلى طريق آخر أبعد مسافة، ولذلك تأخر أكثر من ساعتين عن الموعد المحدد.
ويقرأون في تلك المؤتمرات بعض الأحاديث، وشيئاً من القرآن الكريم، وشيئاً من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، مع بعض المدائح التي قد يكون في بعضها شيء من الغلو، وبعض سير الصحابة.
أقول: إن الذي يؤخذ عليهم مع ذلك، أنهم يحصرون دعوتهم في موضوعات معينة من الإسلام، لا يخرجون منها إلى سواها، مما هو من مقتضيات ((لا إله إلا الله)) من الشمول لكل نشاط الإنسان، إضافة إلى تحاشيهم الصدع بالحق في كثير من قضايا الإسلام المحددة التي لا يجوز التهاون فيها، فلا يتعرضون لها إلا بالتعميمات في الغالب، كالحث على الإخلاص الذي لو فصل الكلام فيه لشمل أموراً عملية كثيرة في العقيدة؛ كالنهي عن الاستغاثة بغير الله التي يتعاطاها كثير من الجهلة أو الغلاة وكذلك لا يجهرون بالنهي عن كثير من المنكرات، حرصاً منهم ـ حسب زعمهم ـ على عدم إثارة الخلاف، واعتماداً على أن الشخص إذا استجاب للعمل بمنهاجهم سيدع تلك الأمور المنكرة من ذات نفسه.
والذي يظهر لي أن من أهم أسباب حصر نشاطهم على ما ذكر ثلاثة أمور:
الأمر الأول: أنهم ربوا أساساً على ذلك.
الأمر الثاني: أن معلومات كثير منهم، لا تؤهلهم للدخول في حوار مع الناس في غير ما دربوا عليه، وفاقد الشيء لا يعطيه.
الأمر الثالث: إيثار السلامة مما يتعرض له الدعاة الآخرون الذين يدعون إلى تطبيق منهج الإسلام الشامل لحياة البشر، من أذى وتضييق وعدم تمكينهم من النشاط الدعوي في كثير من البلدان.
ومما يؤخذ عليهم حرمان بعض طلاب الجامعات من مواصلة دراستهم، عندما يتأثرون بدعوتهم، حيث تغلبهم عاطفتهم، فيخرجون معهم ويَدَعُون دراستهم، وقد يندمون على ذلك بعد فترة من الزمن، لعدم وجود الجديد الذي يشبع رغبتهم الفكرية والعلمية في منهج الجماعة، وفي ذلك حرمان للمسلمين من الطاقات المؤهلة التي تسهم في تحقيق مصالحهم في هذا العصر، وكان ينبغي أن ينتشلوا الفاسق من فسقه مع حثه على مواصلة دراسته، بدلاً من تركها الذي قد يكون سبباً في تحسره وتندمه عندما يفيق، على ضياع جهده الذي كان يستطيع أن ينفع نفسه وينفع المسلمين بتخصصه فيه، وكذلك قد يخرجون معهم ـ لمدة طويلة ـ من يترك أهله بدون عائل وفي هذا ما فيه من ضياع الأسر. مع العلم أن تأثير هذه الجماعة في الناس ملموس في كل مكان.
ولست هنا في مقام المدح أو القدح، ولكن في مقام الإرشاد و النصح، والذي دعاني إلى التصريح بهذه المؤاخذة أنني سمعت من بعض أئمتهم في بعض البلدان الأوربية قوله: إن الدعوة الصحيحة هي دعوتهم، وأن كل ما عداها من الدعوات قاصرة، وأهداف أهلها أهداف دنيوية.
والواجب أن تعرف كل جماعة ـ مهما كانت أعمالها ونشاطها وإخلاصها ومناهجها مرضية لها ـ أنها إحدى جماعات المسلمين القائمة بالدعوة إلى الله، وأنه يوجد عند غيرها من موضوعات الإسلام الواجبة التبليغ ما لا يوجد عندها، وأنه ينبغي أن تستفيد كل جماعة من تجارب وإيجابيات غيرها، وأن تتلافى ما عندها من سلبيات، بدلاً من دعاوى الكمال لنفسها والتجريح لغيرها الذي لا تكون نتيجته إلا زيادة الخلاف والشقاق بين المسلمين.
وأقول ـ من باب الإنصاف ـ أن ما ذكر وما لم يذكر من سلبيات، قد توجد في هذه الجماعة، ليس شاملاً لكل أفرادها، بل هم يختلفون من بلد إلى آخر، فكل بلد يتأثر أفراده فيه بعلمائه غالباً، وإن كان أسلوبهم في الدعوة والممارسة متقارباً في الغالب.
ويحتاج الناس الذين يستفيدون من منهج هذه الجماعة ويهتدون على أيديهم، إلى من يتابعهم من الدعاة ذوي المنهج الشامل، لزيادة تفقيههم وتوعيتهم حتى يفهموا الإسلام فهماً شاملاً، ويتعلموا بعض أساليب الدعوة التي تفقدها هذه الجماعة.
[s3]
4 ـ المتفرغون للدعوة برواتب حكومية أو خيرية:
وهذا الصنف ليس أفراده كلهم أعضاء في جماعة معينة من الجماعات، بل قد لا يكون عضواً في جماعة ألبتة، وإنما يعمل مستقلاً بمفرده، وقد يكون متأثراً في فكره بمنهج بعض الجماعات متعاطفاً معها، وبعضهم قد يكون عضواً في بعض الجماعات أيضاً.
والذي يجمعهم كلهم أنهم متفرغون للدعوة إلى الله، هيأ الله لهم من يكفيهم مؤونة العمل من أجل كسب الرزق المعيشي، من قبل مؤسسات حكومية أو مؤسسات خيرية شعبية، بصرف رواتب تعينهم على التفرغ للدعوة، وإن كانت تلك الرواتب غير كافية لهم في بعض البلدان التي ترتفع فيها كُلَف المعيشة، كبعض بلدان أوروبا واليابان وغيرها.
وأكثر هؤلاء هم من الذين درسوا في بعض الجامعات أو المعاهد الإسلامية، في المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية، وبعض البلدان الأخرى، كالهند والباكستان والكويت وليبيا والسودان والمغرب.
وكثير منهم عندهم معلومات إسلامية جيدة، مع تفاوت في سعة الاطلاع على المراجع الإسلامية، والأفكار المعاصرة، والمذاهب الهدامة، والشبهات التي يوردها أعداء الإسلام عليه وما يدحضها.
ويمكن تقسيم هذا الصنف قسمين:
القسم الأول: لم يسبق له أن مارس الدعوة عملياً، قبل أن يندب للقيام بها في بلدان أوروبا، بل هو حديث عهد بهذا الميدان، وإن كان بعضهم قد درس مادة الدعوة من الناحية النظرية وأدى امتحانها ونجح بتفوق، فنجاح الحبر على الورق غير نجاح الداعية بين البشر.
وهذا القسم يحتاج إلى فترة طويلة يتمرن فيها ويفهم عادات الناس الذين يمارس الدعوة بينهم ونفسياتهم، وما يقبلونه وما ينفرون منه.
وقد يجد هذا القسم بعض الجاليات الإسلامية من أبناء وطنه، فينسجم معهم بسبب الاشتراك في اللغة والتناسب في العادات، فينزوي بينهم ويدع من سواهم، وقد يكون بين بعض الجاليات من جنسية واحدة أو من جنسيات متعددة خلافات، فينحاز هو إلى إحدى الطائفتين، أو يكون قد بعث أساساً للعمل مع طائفة معينة، فتحاول التحكم في نشاطه وتصرفاته كما تريد؛ لأن إقامته تكون على كفالتها، فإذا لم ينفذ رغبتها عادته وهددته بالطرد، فيضطر وهو في حاجة إليها إلى مجاراتها، فتحرم من الاستفادة منه الجماعات الأخر، بل قد تلزمه الجماعة التي كفلته بنشاط معين فتحد بذلك فائدته وتهدر طاقته، وقد لا يجيد إلا لغة إحدى الجماعات، فلا يستطيع أن يتحرك بدعوته إلا بين أعضائها.
ويتنافس بعض الجاليات الإسلامية في الحصول أئمة لاتخاذهم وسيلة للسيطرة على الآخرين، لحاجتهم إليهم في الإمامة أو في تعليم أولادهم، أوفي عقود الزواج، أو غسل الموتى وتكفينهم، وقلما يستفيد الأوربيون مسلمين أو غير مسلمين من أمثال هؤلاء.
القسم الثاني: ـ من الدعاة المتفرغين ـ من ينتسبون إلى جماعات معينة من الجماعات الإسلامية، فيذهبون إليهم ويكون نشاطهم مقصوراً على جماعتهم، لتعليم أبنائهم وإمامتهم في الصلاة، وتوعيتهم، وهؤلاء يفيدون جماعتهم كثيراً، وقد يفيدون غيرها من الجماعات، إذا سنحت لهم الفرص وكانت عندهم رغبة في تعميم فائدة الدعوة على الجماعات كلها، ولكن جماعته قد تعارضه في ذلك فيضطر إلى التقليل من الاتصال بالآخرين، وهذا القسم قد يكون أكثر اطلاعاً على السنة وأكثر تمسكاً بها، ولكن وعيهم بأحوال الناس والأفكار المعاصرة عندهم، أقل من اتحادات الطلاب الذين يكون تأثيرهم في الناس أعمق وأشمل.
ويوجد عدد ـ قليل ـ من هذا القسم ضعيف الإيمان، لم يأخذ حظاً كافياً من التربية الإسلامية الربانية، فتجده يحاول أن يعيش على التفريق بين الجماعات وإثارة الفتن والنزاع والعداوات، ويمارس بينهم النميمة والتجسس لبعض الجهات على بعض، من أجل أن ينال شيئاً من حطام الدنيا، وهؤلاء هم أسوأ من يحشر نفسه في زمرة الدعاة.
[s3]
5 ـ غلاة الطرق الصوفية.
وهم دعاة البدع والخرافات، الذين قد تصل خرافاتهم إلى الشرك بالله، من الدعاء والاستغاثة بغير الله، فيما لا يدعى ولا يستغاث فيه إلا بالله، بل بلغ بهم الأمر إلى الاعتقاد بأن محمداً عليه الصلاة والسلام ليس بشراً، وأن من اعتقد أنه بشر فقد كفر، وهم يعادون كل من يخالفهم في معتقدهم هذا أو ينصحهم. ومن أمثلة هذا القسم جماعة البرلويين الهندية.
ويجب التنبيه ـ هنا ـ على أن كثيراً من أفراد هذه الطائفة جهلة، وإذا بين لهم الحق رجع بعضهم عن تلك المعتقدات الفاسدة إلى الصواب، والذين يعاندون ويصدون عن الحق على علم به، هم علماؤهم الذين يتحملون وزرهم ووزر أتباعهم، بسبب إضلالهم.
وهم جادون في نشر معتقداتهم ويحاولون أن يؤثروا بها في غير جماعتهم، ويجدون لنشاطهم وانحرافهم دعماً من بعض الدول الأوربية، كما جرت عادة هذه الدول في دعم الجماعات المنحرفة عن خط الإسلام الصحيح، كالقاديانية وغلاة الصوفية وغيرهم، رغبة في التقليل من تأثيره في نفوس المسلمين المقيمين في أوروبا، أو من دخل في الإسلام من الأوربيين أنفسهم.
وهكذا يفعل أعداء تطبيق الشريعة الإسلامية في البلدان الإسلامية "العلمانيون" يشجعون الجماعات التي تحصر الإسلام في طقوس معينة، كالطرق الصوفية التي تهتم بالطواف بالقبور والتمسح بها ودعاء أهلها والاستغاثة بهم، وضرب الطبول والزمر والرقص والتمايل عند الذكر، والاحتفالات بموالد من يسمون بالأولياء، وهم مع تشجيعهم لأمثال هؤلاء، يضايقون من يدعو إلى تحكيم شرع الله في حياة البشر في أعمالهم ومعيشتهم وأسرهم، بل قد يصل بهم الأمر إلى استحلال دمائهم بغير حق.
[s3]
6– طائفة الشيعة.
وهم الذين يتزعمهم الآن الإيرانيون غالباً، ولهم نشاط في كل مكان ينشرون به أفكارهم ومعتقداتهم، بكل وسيلة ممكنة، ولكن الاستجابة لهم بين الجماعات الإسلامية قلت كثيراً، وأكثر من يستجيب لهم أفراد يجهلون حقيقة معتقدهم، أو من يريد الاستفادة المادية منهم.
وأخطر وسيلة يؤثرون بها في الشباب المسلم الجاهل بمعتقداتهم، المنح الدراسية في الجامعات الإيرانية، وبخاصة الدينية، أو في الجامعات الغربية؛ لأن حاجة الطالب إليهم تجعله يحتك بهم كثيراً ويقرأ بعض كتبهم وقد يتأثر بها.
وتأثيرهم في أوروبا موجود، ولكنه في إفريقيا وأمريكا الجنوبية وجنوب شرق آسيا أكثر، وإذا لم يسرع أهل السنة إلى نشر عقيدتهم بكل وسيلة ممكنة، ويبينوا للناس عقيدة الرفض التي من أسوئها سب الصحابة، بل تكفير أكثرهم، فإن خطرهم سيستفحل ويتفاقم.
[s3]
7 ـ طائفة القاديانية:
وهذه الطائفة ليست من الفرق الإسلامية كما أفتى بذلك علماء الإسلام في باكستان وغيرها، وإنما ذكرتها هنا، بسبب نشاطها القوي وزعمها أنها تدعو إلى الإسلام.
ونشاط هذه الطائفة قوي جداً، وإمكاناتهم واسعة، من المرافق والأموال والأئمة، ولهم كتب مترجمة بلغات البلدان الأوربية كلها تقريباً، تنشر فكرهم ومعتقداتهم وتدعو إليهما، ولهم نشاط إعلامي وتعليمي واقتصادي وسياسي، ويجدون دعماً مادياً ومعنوياً من الدول الأوربية، وبخاصة بريطانيا التي صُنِعُوا على عينها، ولديهم إمكانات يساعدون بها من يلجأ إليهم مضطراً من المسلمين الأوربيين وغيرهم، ممن تسوء ظروفهم المادية، ويجدون ضيقاً في حياتهم في أوروبا، وهم يستغلون ذلك لنشر معتقداتهم، كما يفعل النصارى مع المسلمين الجهال المحتاجين في بعض البلدان.