الدعوة إلى الإسلام في أوربا

المؤلفات | دعوة | 8 صفحة
صفحة 3 من 8 موقف الأوربيين من الدين

موقف الأوربيين من الدين

موقف الأوربيين من الدين
الديانة النصرانية قد حُرِّفت، واختلط ما بقي منها بالأديان الوثنية القديمة: البوذية واليونانية والرومانية وغيرها. وما بقي منها سليماً من التحريف، كتمه علماء أهل الكتاب، سواء أكانوا من اليهود أم من النصارى، كما قص الله تعالى عنهم ذلك في كتابه!
ومرت فترة كانت الكنيسة تسيطر فيها على حياة الناس، بطغيانها، حيث تجبرهم على التسليم الكامل بما يصدر عنها، مما يخالف العقل والواقع، ويُمَكِّن للظلم والظالمين، وكل من خرج عما يصدر عنها اعتبرته زنديقاً يستحق القتل والنفي والتعذيب؛ لأنها تنسب كل أفكارها إلى الله وتتحدث باسمه!
وقد نقل المسلمون ما ترجموه من علوم اليونان التي كانت نظريات ذهنية مجردة، لا وجود لغالبها في التجارب العملية المثمرة، فحولوا ـ أي المسلمون ـ تلك العلوم إلى تجارب تطبيقية، مع إضافتهم ابتكارات أخرى لم يُسْبَقوا إليها.
وعندما اختلط الأوربيون بالمسلمين في الأندلس، تلقوا من المسلمين تلك العلوم التي كانت نواة القفزة الغربية المادية المعاصرة التي وصلت إلى ما وصلت إليه اليوم، كما استفاد الأوربيون من الفقه الإسلامي في بعض الأنظمة والقوانين.
والشيء المهم الذي رفضوه ولم يرفعوا به رأساً، هو العقيدة الإسلامية التي حاربوها، كما حاربوا الكنيسة النصرانية التي وقفت لهم بالمرصاد، لتحول بينهم وبين العلوم الكونية التي كانت تعتبرها زندقةً وخروجاً على دين الله في زعمها، وحجرت على عقولهم من التفكير المؤدي إلى نفي ما أثبتته أو إثبات ما نفته، ولو كان ما وصلت إليه العقول واضحاً وضوح الشمس في كبد السماء.
لذلك اضطهدت علماءهم الذين استقوا من المسلمين المنهج التجريبي، وقتلتهم وسجنتهم ونفتهم، فوقفوا من كل الأديان موقف المعارضة والرفض، ورأوا أنهم بمروقهم من الدين وعدم التزامهم به، قد تحرروا من القيود والأغلال التي أجبرتهم على الخضوع للظلم والطغيان والجهل، وللتسليم بما يخالف العقول والفطر، واعتقدوا أن العلم والدين لا يجتمعان.
ولو أنهم فكروا بعقولهم قليلاً من التفكير، لعلموا أن الدين الإسلامي الذي أخذوا تلك العلوم من أهله، لا يمكن أن يقارن بالدين الكنسي؛ لأنه لو كان مثل الدين الكنسي لما مكن أهله من إتقان تلك العلوم مع التدين، ولكن القوم عميت بصائرهم، فحرموا أنفسهم وحرموا الأجيال بعدهم من نعمة الله العظمى، وهي دين الإسلام الذي كان سينقذهم وينقذ البشرية من الويلات التي نزلت بها من فصل العلم المادي عن هدى الله!.

تنوع الأوربيين في موقفهم من الدين:

وقد انقسم الأوربيون في موقفهم من الدين أربعة أقسام:
القسم الأول: رفض التدين مطلقاً، واعتنق الإلحاد، فلا يؤمن بالغيب، ومن ذلك الإله.
القسم الثاني: لم يهتم بأمر الدين، ولا يرى فائدة في التفكير فيما وراء المادة؛ لأنه لا يقدم الإنسان، بل يؤخره، ويمكنه أن يأخذ بعض السلوكيات التي تناسبه من أي مجتمع إنساني، بصرف النظر عن تدينه أو عدم تدينه.
القسم الثالث: بقي مُظهراً التمسك بالدين النصراني المحرف الذي يدعو إليه في خارج المجتمع النصراني أكثر منه فيه، وهذا القسم أقل من سابقيه.
وغالب هؤلاء جهلة مرتزقة، وقد يوجد من بينهم عدد قليل صادقون في التزامهم ببعض الطقوس والعبادات، وإن كانوا يشعرون في قرارة نفوسهم أن عقولهم وفطرهم لا تستسيغ العقيدة النصرانية وتعقيداتها.
القسم الرابع: فئة تشعر بفراغ قلبي، لم تملأه العقيدة النصرانية، ولم تجد بداً من أن تبحث عن الحقيقة، لتصل إلى اقتناع بالتدين أو عدمه، فترى الشخص من هذه الفئة يبحث في جميع الأديان التي يعثر عليها، ويقارن بينها، وقد يصل في النهاية إلى الاقتناع بدين الإسلام، إذا وُفق لمعرفته عن طريق الكتب أو عن طريق بعض المسلمين.

تقديس الأوروبيين للعقل وآثاره:

ويغلب على الأوربيين، بما ورثوه من الفكر اليوناني، تقديس العقل وجعله الحَكَم في كل شيء، فما أقره العقل عندهم أثبتوه، وما لم يقره فالأصل فيه الشك، ولكن العقل الأوربي، قد رُبِّي على عدم الإيمان بالغيب أو البحث فيه.
كما يغلب عليهم، بما ورثوه من الفكر الروماني، الاهتمام بالملذات المحسوسة والمتاع العاجل.
وينصب اهتمام الفرد الأوربي على مصالحه الخاصة، ولا يفكر غالباً فيمن سواه، إلا فيما يعود عليه هو بالفائدة، أو ما يُلزمه به القانون؛ ولهذا سيطرت عليهم الأنانية الفردية التي أصبحت لها آثار مدمرة في حياتهم، أفراداً وأسراً ومجتمعات، يشكو منها الفرد والأسرة والمجتمع في كل المجالات: السلوكية والسياسية والاجتماعية والعسكرية وغيرها.
ومن هنا تفككت الأسرة والمجتمع في الغرب تفككاً رهيباً، كما صرح بذلك كثير ممن قابلتهم وحاورتهم، من أهل الغرب أنفسهم مسلمين وغير مسلمين، على مستويات مختلفة، رجالاً ونساءً.

فهم الأوربيين للإسلام:

غالب الذين اجتمعت بهم من المسلمين الأوربيين وغير المسلمين منهم، وسألتهم: متى سمعوا عن الإسلام، وما الذي سمعوه عنه؟ كانوا يجيبون بأنهم سمعوا عنه عندما كانوا في المدرسة الثانوية، في مادة تاريخ الأديان، وعامتهم لم يسمعوا عن الإسلام إلا ذَمَّهُ والقدحَ فيه وتشويهه في الأذهان، وبعضهم يذكر أنه لم يسمع عن الإسلام شيئاً إلا في الفترة الأخيرة، إما بمناسبة حرب البترول سنة 1973م، وإما بمناسبة الحرب العراقية الإيرانية، وإما بغير ذلك مما يحمل تشويه الإسلام والتنفير منه.
وهناك فئتان يغلب على أفرادهما فهم الإسلام فهماً جيداً تقام عليهم به الحجة، وهما فئة المستشرقين، وبعض فئات المنصرين، من القسس المهتمين بمقارنة الأديان والدعوة إلى تقارب أهلها، وبخاصة النصارى والمسلمين، وقد يكون لدى بعض أفراد الفئتين رغبة في أن يكونوا ـ كما يقولون ـ موضوعيين محايدين في المقارنة، ولكنهم لا يفهمون الإسلام فهماً جيداً، وبخاصة الذين لا يرجعون إلا إلى كتب المستشرقين الذين سبقوهم، لعدم إجادتهم اللغة العربية.
ويُعتَبر المستشرقون مرجع المستفتين الأوربيين، من الساسة والقانونيين والمحامين والمدعين العامين، فيما يتعلق بشؤون المسلمين القانونية والدينية والاجتماعية، كالحجاب والزواج والدفن.
ويوجد أفراد منهم تدل تصرفاتهم ومواقفهم من المسلمين ومن المعاني الإسلامية، أنهم مقتنعون بأن الإسلام حق، وقد يكون بعضهم مؤمناً يكتم إيمانه خوفاً على مركزه الاجتماعي، ومن ضغط المجتمع المعادي للإسلام، أو تأولاً بأنه بكتمان إيمانه ينفع المسلمين بالدفاع عنهم.

غرور الأوروبيين يصدهم عن الإسلام:

وقد امتلأت غالب عقول الأوربيين بالغرور والكبرياء، حتى صاروا يعتقدون أنهم سادة أهل الأرض، للون بشرتهم، ولما يملكون من الحضارة المادية والنظم الإدارية الْمُيَسَّرَة، ومظاهر الديمقراطية السياسية، ولذا لا يرى الأوربي أنه في حاجة إلى الْتماس أي مبدأ من خارج مجتمعه يوجه سلوكه، وبخاصة الإسلام الذي لا يسمع عنه إلا ما ينفره منه، ويلقي في روعه أنه دين قوم همج رجعيين قتلة جهلة، ويزيده يقيناً بذلك أحوال المسلمين المعاصرة التي يراها تحمل الفوضى الشاملة، وعدم استقرار مناطقهم التي لا تسكت فيها المدافع والبنادق والقنابل، إن الأوربي يرى أنه هو السيد المطلق وكل من عداه عبيد، وهل يليق بالسيد أن يقلد العبيد في ديانتهم أو أعرافهم؟!

رواد كَذَبُوا أهلهم:

وبرغم ذلك الغرور وتلك الكبرياء، فإن أحوال الغربيين ومنهج حياتهم ينذران بالخطر الماحق والدمار الشامل، في شؤونهم الأسرية الاجتماعية والسلوكية والاقتصادية، ولذا أخذ بعض المفكرين منهم ينظرون إلى حالتهم المتدنية نظرة إشفاق وخوف وحذر، ويحاولون تنبيه أبناء جنسهم على تلك المخاطر، والإشارة إلى مكامن الداء ونافع الدواء من وجهةِ نظرهم، ويعقدون لذلك الاجتماعات والندوات، ويكوِّنون الجمعيات، ويكتبون الكتب والنشرات، ويقترحون المواد الدستورية والقانونية، ويطالبون بإقرارها في البرلمانات، ويوصون بإدخال موادها في مناهج التعليم وفي الكتب المدرسية، ونشر ذلك في وسائل الإعلام، لتخليص المجتمع من تلك الشرور.
ومن أمثلة ذلك:
الجمعية السويسرية التي أنشئت سنة 1986م برئاسة العضو البرلماني (جْلُوتِنْ سِنْجَرْ) الذي ألَّف كتاباً بعنوان: (السياسة الإنسانية)، يدعو فيه إلى القيم الروحية والمعاني الإنسانية والحفاظ على الفضيلة والحشمة والأخلاق، وعدم استغلال المرأة الجسدي من أجل الكسب المادي، وغير ذلك، وهو يحاول أن يحصل على العدد الكافي من الأعضاء الذين يوافقونه على مشروعه، ليقدم اقتراحاته إلى الحكومة السويسرية للموافقة عليه؟
وقد اجتمعت به مع بعض أعضاء جمعيته في فندق "إنتركونتننتال" في مدينة "جنيف" مع مدير المؤسسة الثقافية الإسلامية "سراج كمال الدين" وسمعت من الرجل أفكاراً طيبة، ولكنه يعتبر تلك الأفكار إنسانية لا صلة لها بالدين.
وقد أخبرته أن تلك المعاني التي يدعو إليها، قد دعا إليها الإسلام، يوم نزول القرآن الكريم على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وفصلها تفصيلاً دقيقاً في القرآن والسنة، وأن أساس تطبيقها هو الإيمان الراسخ بالله واليوم الآخر، والتسليم المطلق لحكم الله والتطبيق العملي الذي يعتبره المسلم عبادة يؤديها لينال رضا الله، ‎وأن الواجب عليه وعلى أمثاله، ممن يشفقون على قومهم ويلتمسون لهم السعادة والوقاية من الشقاء والضنك في هذه الحياة، أن يتجهوا إلى دراسة الإسلام، ليعلموا أن في منهجه ما يمكن أن يجعل الأوربيين سادة العالم لو أنهم فازوا بالدخول فيه، كما حصل ذلك لبني عثمان، فكان جوابه: إن الناس لو دعوا إلى هذه المعاني باسم الإسلام لنفروا منها، لعدم اطمئنانهم إلى الدين من حيث هو.
وهنا قلت في نفسي إن الأوربيين رواد يريدون لهم الخير، ولكنهم كذبوا أهلهم.