النوع الأول: جعل تعالى أعضاء الإنسان رقيبة عليه:
النوع الأول: جعل تعالى أعضاء الإنسان رقيبة عليه:
جعل كل عضو من أعضاء جسم الإنسان، مُحصيا عليه ما يأتي وما يذر، لتأتي تلك الأعضاء يوم القيامة - وقد كانت صامتة في الدنيا - مسجلة عليه أعماله، ناطقة بها، فيتعجب مما يحصل منها، وينكره عليها، فتجيبه بأنها نفذت أمر ربها الذي خلقها بهذه الشهادة، كما قال تعالى: {وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (19) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ (22) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمْ الَّذِي ظَنَنتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنْ الْخَاسِرِينَ (23)} [فصلت.. ]
فإذا كان الكفار أعداء الله، قد حاربوا الله تعالى، وحاربوا رسله، وكتبه ودينه، ولم يصدقوا في الدنيا ما أخبرهم به وتوعدهم عليه، واقترفوا ما اقترفوا من الفواحش وأنواع المنكرات، وأعضاؤهم تسجل عليهم من حيث لا يشعرون، حتى إذا جاءهم اليوم الموعود، فشهدت عليهم بكل ما عملوه، تعجبوا وأنكروا على جلودهم شهادتها عليهم، إذا كان الكفار كذلك، فالمؤمنون بخلافهم آمنوا بربهم، وبرسله وكتبه، وبما أخبرهم به، ومنه علمه بسرهم وعلانيتهم، ولهذا يكونون دائماً مراقبين ربهم، يعلمون أن جلودهم تسجل عليهم أعمالهم، فيكون ذلك أكبر واعظ لهم وزاجر لهم، عن ترك طاعته، وارتكاب نواهيه.
وقد نزلت في أهل الإفك - وفيهم المؤمن والمنافق - الآيتان الآتيتان:
{إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمْ اللَّهُ دِينَهُمْ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ } [النور(25-23)]
وفيهما أثبت الله شهادة أعضائهم عليهم بذلك، كما أثبتها للكفار.
ومن الأمثلة التي ينبغي التنبه لها، أمر الله تعالى المؤمنين والمؤمنات بغض الأبصار عما حرم، كما قال تعالى:
{قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ... وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31)} [النور]
فقد أمر تعالى رسوله أن يقول للمؤمنين: يغضوا أبصارهم، وللمؤمنين أن يغضضن أبصارهن، وقد بلغهم رسولهم بذلك، بتلاوة ما أمره الله تعالى به.
وزادهم بيانا لذلك في سنته القولية، كما في حديث أبي هريرة؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنى. أدرك ذلك لا محالة. فزنى العينين النظر. وزنى اللسان النطق. والنفس تَمَنَّى وتشتهي. والفرج يصدق ذلك أو يكذبه). [صحيح مسلم باب قدر على ابن آدم حظه من الزنى وغيره]
وفي حديث جرير ابن عبد اللّه قال: "سألت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن نظرة الفجاءة، فأمرني أن أصرف بصري". [الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح..]
وفي حديث عن ابن بريدة، عن أبيه رفعه قال: (يا علي لا تتبع النظرة بالنظرة، فان لك الأولى، وليست لك الآخرة). [الترمذي، وقال: حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث شريك.]
وفي سنته الفعلية كذلك، كما في حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: "كَانَ الْفَضْلُ رَدِيفَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ، فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَجَعَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ؛ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ فَرِيضَةَ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا، لاَ يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ قَالَ: (نَعَمْ) وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ" [اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان]
وفي هذه المسألة وأمثالها قال تعالى في كتابه محذرا من فعلهاـ بأنه يعلمها وسيجازي عليها، واصفا العين التي هي أخطر عضو يقدر صاحبه أن يخادع بها من هو حاضر عنده من البشر، عندما يسارقه مخفيا لها عنه:
{وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذْ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ (18) يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (19)} [غافر]