رحلات الولايات المتحدة الأمريكية - نسخة مفصلة

الرحلات | نسخ أرشيفية | 332 صفحة
صفحة 144 من 332 الكون يحرك المشاعر ـ حوار مع المحيط الهادي!

الكون يحرك المشاعر ـ حوار مع المحيط الهادي!

الكون يحرك المشاعر ـ حوار مع المحيط الهادي!
كان مقعدي بجوار النافذة التي بدأت أطل منها لأرى المحيط الهادي من الجو، بعد أن وقفت على جانبه الشرقي في غرب لوس إنجلوس في الأرض، ولكن السحب الكثيفة المتراكمة كانت تغطيه تماما، وهنا تحركت المشاعر فكتبت ما يلي:
أقلعت بنا الطائرة الأمريكية الضخمة ذات الطابقين التي تحمل أكثر من ثلاثمائة راكب، من مطار لوس إنجلوس إلى طوكيو في الساعة العاشرة إلا ربعاً صباحاً، ومعروف أن المسافة التي تقطعها الطائرة بين لوس إنجلوس واليابان كلها فوق المحيط الهادي، وكنت في اشتياق للتأمل في هذا المحيط الضخم الذي رأيته في الخريطة يأخذ مسافة واسعة من الكرة الأرضية.
لذلك صممنا أن يكون سفرنا بالنهار واشترطنا على شركة الخطوط أن نكون بجانب إحدى النوافذ، إنها فرصة لزيادة الإيمان بخالق الكون، كانت الطائرة تنهب الجو نهبا فتسابق الزمن لأننا نسير إلى الغرب، والشمس لا زالت في أول النهار، وكلما تقدمنا إلى الغرب كنا مبكرين.
وأخذت أنظر إلى المحيط لأرى أمواجه الهادرة وهي تتقلب كصفحات كتاب، فإذا السحاب يغطيه كله فلم أر شيئا منه، فقلت في نفسي نحن قمنا من نومنا في لوس إنجلوس مبكرين، لأننا مسافرون والوقت هنا لا زال مبكرا، فلعل المحيط لا يزال يغط في نومه ولذلك بقي مغطى بهذا السحاب المتراكم.
أنا زائر وزيارتي نادرة، ولو علم بزيارتي ومن أين جئت لما تردد في طرد النوم عنه وإبعاد الغطاء عن وجهه، ولعل في الشعر ما يوقظه بطرب وليس بإزعاج.
وقد خاطبت السحاب طالبا منه الانكشاف عن المحيط الهادي فقلت:

وغدا السحاب مسجياً لمحيطهوكأنه في نومه يتقلب
طاب المنام له لطيب إقامةوالأهدليُّ مسافر متأهب
لكنه متمتع بجمال مايرنو إليه لربه متأوب
يزداد في الكون الفسيح تأملاليزيد إيمانا فأنّى يتعب؟
يا سحب مالك تحجبين مَزُورَناوهو الشجاع أمثله يتحجب؟
وغناه يمنع بخله بل إنهيعطي النفيس لكل من يتطلب
وأنا الغني بخالقي لا أبتغيمن غيره شيء يباع ويوهب
بل زائر ملكوته متزودمنه اليقين إذا أؤوب وأذهب
والله رب العالمين إلهنافأمط لثامك أين منه المهرب؟
فصحا المحيط مهللاً ومكبراًويقول من هذا الذي يترقب؟
فأجبته إني لصنو قادممن طيبة حيث الحبيب الأطيب
أصغى وأطرق ساكنا وكأنمادخل الصلاة مكبراً يتعجب
أو من مدينة خير من وطئ الثرىحقاً أتيت إلى مرابع تندب*
فأجبته بهدى النبي أتيتكموإلى إله محمد أتقرب
أو ما سمعت ابن المبارك قائلالمجاور البيت (الفضيل) يهذب:
(يا عابد الحرمين لو أبصرتنالعلمت أنك بالعبادة تلعب)
ولسوف تشرق شمسنا بسمائكميوما وليست بعد ذلك تغرب
حتى تسجر* مثل غيرك فانتظرسفن الجهاد تدك من يتحزب
فتعانقت أمواجه مسرورةوغدت تسبح ربها وترحب

* [أي أن هذه البلاد التي أتيتها تندب حظها التعس لفقدها رفع راية الإسلام على أرجائها، بخلاف مدينة رسول الله ((صلى الله عليه وسلم)) فهو تعجب من المجيء إلى هذه البلاد].
* [هذا في إشارة إلى قوله تعالى: { وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ}].
وبعد الانتهاء من كتابة هذه الأبيات التفتُّ إلى زميلي الدكتور، فأسمعته إياها فدعا الله أن يستجيب تلك الآمال.
ولقد كنت حقا أفكر في وجود أعلام الكفر مدججة بالسلاح في هذا البحر العظيم، مع فقد علم الإسلام العالمي الذي يجب أن يرتفع على كل صقع من أصقاع الدنيا، وإني لأرجو الله العلي القدير أن يأتي اليوم الذي تكون فيه جميع المحيطات والبحار وكل أرض الله، خاضعة لراية لا إله إلا الله محمد رسول الله، وإنه لآت بإذن الله.
وإذا لم يكن على أيدي جيلنا هذا الذي ألف التبعية والتأخر عن حمل الراية، فلا بد أن يأتي الجيل الذي يتحقق ذلك على يديه، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ (38) إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. [التوبة: 38،39].
وقال تعالى: {هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ }. [محمد: 38].