رحلات سويسرا وألمانيا والنمسا

الرحلات | سلسلة في المشارق والمغارب | 28 صفحة
صفحة 4 من 28 2- في مدينة زيورخ

2- في مدينة زيورخ

2- في مدينة زيورخ

وصلنا إلى مدينة زيورخ في الساعة الثانية والدقيقة الخامسة، بعد الظهر.
قابَلَنا في المحطة الأخ خلدون ضياء الدين السوري الحلبي المولود سنة 1958م، وله في سويسرا سبع سنوات تخصصه في الهندسة الإلكترونية، أبوه سوري وقد توفي، وأمه سويسرية وما زالت تعيش في سوريا.
ونزلنا في فندق في وسط البلد يسمى: (HOTELLARIETTE)
وقال الأخ خلدون: إن الجالية الإسلامية في زيورخ قديمة تعود إلى الحرب العالمية الثانية فيما يبدو.
وعدد المسلمين في محافظة زيورخ، في حدود عشرة آلاف أغلبهم من الجالية التركية، ويليهم اليوغسلاف، فالعرب، ويوجد عدد من المسلمين السويسريين، ولكن عددهم غير معروف رسمياً.
وأكثر الجاليات تمسكاً بالإسلام هم الأتراك، ولكنه تمسك عاطفي، وليس عن علم.
وأول مسجد أسس في زيورخ، هو مسجد الجماعة القاديانية، ولا زال في أيديهم، وقد أحدث للمسلمين مشكلة، فإنهم إذا طالبوا من الحكومة أن تأذن لهم ببناء مسجد تحيلهم إلى ذلك المسجد، القاديانيون نشيطون ومنظمون ويستجيب لهم بعض السويسريين، وقد أكسب القاديانيين تنظيمهم الدقيق وعدم اختلافهم استمراراً في العمل، بخلاف أهل السنة مع الأسف فإن خلافهم شديد.
ومدينة زيورخ مدينة جامعية، وللطلبة المسلمين الذين جاءوا إلى هذه المدينة فضل كبير في النشاط الإسلامي وقد بدءوا النشاط قبل 15 سنة تقريباً.

المراكز الإسلامية في زيورخ:

وتوجد في زيورخ عدة مراكز:
مركز الجمعية الإسلامية في سويسرا الألمانية، وقد أنشئ سنة 1976م، أنشأه عدد من المسلمين من مصر ويوغسلافيا وتركيا، كان بعضهم من الطلاب وبعضهم من التجار، وبعضهم دكاترة في الجامعة، وهو بناء اشتروه بمبلغ تبرع به الشيخ زايد بن سلطان سنة 1983م.
وينقص المركز وجود متفرغ عالم يؤم الناس ويعلمهم، ويكون قادراً على العمل وعنده لغة أجنبية.
والنشاط الذي يقوم به المركز، هو إلقاء دروس وإقامة حلقات تلاوة وتفسير وحديث، ولقاء أسبوعي كل سبت، وهو لقاء عائلي تلقى فيه الدروس وتقام فيه المناسبات.
أما دعوة غير المسلمين فهي قليلة وفردية.
وبعض المدارس تطلب محاضرات عن الإسلام لطلابها فيبعث المركز بعض الأعضاء لذلك.
والسبب في قلة دعوة غير المسلمين، هو ضعف المسلمين أنفسهم ومن المؤسف أن المسلمين لا يتفقون على أسلوب معين في دعوة غير المسلمين.
وغير المسلمين يأتون إلينا أكثر مما نأتي إليهم، وإذا شرح لهم الإسلام يصغون.
أما زيارتهم في منازلهم، فيحتمل أن يقبلوها ويحتمل أن يرفضوها، وأكد الأخ خلدون على ضرورة مساعدتهم بإمام عالم.
وقال: إنهم يقومون بمحاضرات دورية، يستدعى لها بعض العلماء والشخصيات الإسلامية، وتقام خارج مقر المركز في قاعة تستأجر لذلك، ومن المحاضرين الصحفي السويسري المسلم أحمد هوبر، وروجيه جارودي وقد يلقي بعض أعضاء المركز المحاضرة.
ويوجد تشويه منظم ضد الإسلام من أجهزة الإعلام وغيرها، والقانون يبيح أن يتدين الإنسان بما يشاء، ولكن الأشخاص والسلطات عندهم رفض للإسلام بشكل واضح.
ويتصورون الإسلام تصوراً مشوهاً، ولديهم نقطتان يرون أنهما منقصتان في الإسلام: الأولى الحدود والقصاص، والثانية المرأة وما يتعلق بها في الإسلام.
ويحبون أن يسمعوا موقف الإسلام عن الإرهاب والعنف، ويرون أن ثورة إيران لا تمثل الإسلام، وجهدنا الفردي ينصب على إقناعهم بأن تصرفات إيران أو غيرها ليس بالضرورة أن تمثل الإسلام.
ويسأل الغربيون المسلمين عادة عن الأشياء الغريبة من عاداتهم، مثل عدم شرب الخمر وعدم أكل لحم الخنزير، وقد يناقشون ولكنهم يسمعون لما تقول، وإذا عرفوا أن السبب هو الدين فإنهم يحترمون شعورك، وفي بعض الأوقات يحتجون على من لا يشرب بأنهم يرون بعض المسلمين يشربون، ويجاب بأن المسلم الذي يشرب الخمر عاص لله غير متمسك بدينه، وبعضهم يمدح المسلم الذي لا يشرب الخمر من أجل صحته.
وبعض الفئات عقلانية يحتاجون إلى أدلة عقلية وأمور واضحةِ الفائدةِ في الإسلام.
وبعضهم يميلون إلى الروحانيات ويحبون أن يسمعوا عن المعاني الروحية في الإسلام.
والمركز في حاجة ماسة إلى الإعانة المادية.
ولجماعة التبليغ نشاط في هذا المركز يأتون من إنجلترا وفرنسا ويقومون بنشاطهم عندنا.
هذه المعلومات أدلى بها الأخ خلدون، وهو يعمل الآن في شركة تقوم بتكييف الحرمين الشريفين وتسمى: (LANDIS AND GYR ).
وصلينا العصر في الساعة السادسة مساء في المركز.

حوار مع المسلم السويسري الأخ عثمان ماج:

والتقيت في المركز بالأخ المسلم السويسري عثمان ماج، الذي يبلغ من العمر 22 سنة، ويعمل في مكتب تجاري، ويسكن في مدينة خام، وهي تبعد عن زيورخ 35 كيلو متراً، مؤهله ثانوية تجارية(9).

المركز الإسلامي في زيورخ، الكاتب وعلى يمينه خلدون ضياء الدين السوري رئيس المركز، وأول شخص على اليمين عثمان ماج المسلم السويسري. 6/7/1987م
المركز الإسلامي في زيورخ، الكاتب وعلى يمينه خلدون ضياء الدين السوري رئيس المركز، وأول شخص على اليمين عثمان ماج المسلم السويسري. 6/7/1987م
المركز الإسلامي في زيورخ
المركز الإسلامي في زيورخ

صلته بالدين قبل إسلامه:
سألته عن دينه السابق؟
فقال: إنه كان نصرانياً اسماً لا اعتقاداً وفعلاً، وتربيته كانت حرة ليست دينية، ولم يتعلم في المدرسة شيئاً عن معرفة الله، ولم يكن مهتماً بذلك، والدروس التي تلقى عن الدين كانت تاريخية، ولم يكن يفكر وهو صغير أن هناك حاجة إلى الدين عندما كان عمره 14 سنة.
متى سمع عن الإسلام وما ذا سمع؟
ولم يكن يسمع شيئاً عن الإسلام أو عن محمد صلى الله عليه وسلم ولا القرآن.
وأول ما سمع عن الإسلام، كان عن طريق الأفلام والقصص عن إيران وغيرها، وكانت هذه المعلومات عابرة لم يرتسم منها في ذهنه شئ.
وأول ما سمع سماعاً واعياً عن الإسلام عن طريق الجرائد والأخبار التي تتحدث عن العالم الإسلامي، وعمره 16 سنة ولكنه لم يكن يلقي لذلك بالاً.
وأول من دفعه للتفكير في الإسلام، أخته التي تزوجت جزائرياً مسلماً ولم يكن ملتزماً بدينه، ذهبت مع زوجها إلى الجزائر وأسلمت هناك، وعندما عادت أخبرت أسرتها عن الإسلام في الجزائر وتحدثت عن القرآن.
وبدأ الأخ عثمان أولاً يفكر في الابتعاد عن الإسلام، نتيجة للتساؤلات التي خطرت على باله، لماذا تلبس أخته الحجاب ولماذا يحرم أكل لحم الخنزير؟
أهم الأسباب التي دفعته إلى الإسلام:
ثم سنحت له فرصة للذهاب إلى الجزائر لمدة ثلاثة شهور، فعاش طبيعة الحياة هناك، ورأى طريقة تعامل المسلمين فيما بينهم، وأكثر ما أثر فيه العلاقة العاطفية بين الناس.
وحصل له في الجزائر ما جعله يعرف أن الله موجود، وكان ذلك قبل سنتين من الآن وعمره عشرون سنة.
كان قريباً من جبال سلسلة الأطلس في الجزائر، وقرر في صباح أحد الأيام الصعود إلى أعلى الجبل، والتقى رجلين من سكان المنطقة، فدلوه على مكان يشرب منه لأنه عطش، واستضافه قروي وأعطاه حلوى وقهوة، وصعد معه إلى أعلى الجبل وذهب.
وبقي عثمان بمفرده، وكان المنظر من حوله جميلاً يأخذ بالألباب، فأثر فيه هذا المنظر وجعله يفكر، ويقارن بين ثقافته وما رآه في الجزائر من ثقافة وعادات، وكان يشعر أنه عمل أشياء كثيرة غير سليمة في حياته ويحس بالذنب.
وكانت نتيجة تفكيره في ذلك أن قال داعياً: يا رب إن كنت موجوداً فأثبت لي وجودك، ثم خلع حذاءه وسجد على الأرض عن شعور، وكانت عنده حيرة بسبب عدم معرفته ماذا يجب أن يعمل.
ثم عاد إلى نفسه، وبدأ يعود نازلاً من الجبل وكان الجو جميلاً والأزهار من حوله والشمس ساطعة وإذا غيمة تظله وتمطر عليه، قال: كلما تذكرت هذه القصة أشعر بقشعريرة في بدني.
وشعرت عندئذ بارتياح نفسي عميق وسعادة، قال: وهذه المشاعر تأتيني عندما أكون مع الطبيعة الكونية وبالذات الجبال التي توحي لي بقوة الله وعظمته.
وكان ذلك عطاءً من الله، ونطق بالشهادة في الجزائر وحده، ثم عاد إلى سويسرا عن طريق مرسيليا وعندما نطق بالشهادة في الجزائر بينه وبين ربه، قال في نفسه: إذا عدت إلى سويسرا فسأكون مسلماً علناً.
قال: وعندما عدت إلى سويسرا عدت إلى البرودة الخارجية والداخلية ـ يعني برودة الجو وبرودة الروح ـ وكانت أمي على فراش الموت مريضة، ورجعت من أجلها ولأول مرة شعرت ببرودة الناس ـ يعني فقدهم للعواطف الطيبة فيما بينهم ـ وأن كل واحد يهتم بنفسه فقط مقارنة لما وجدته في الجزائر.
وقال: إنه خلال الفترة القصيرة التي قضاها في الجزائر أصبحت الثقافة الإسلامية في صدره، وعندما رجع حاول أن يمارس معنى هذه الثقافة واقعاً في جوّه ومحيطه.
ونتيجة لتلك الممارسة قال له أحد أصدقائه: إن هذا الذي حصل لك مجرد أفكار ستدعها وتعود إلى ما كنت عليه، وكان ذلك يشعره بالإحباط والتثبيط.
وحصل ذلك فعلاً، فعاد لشرب الخمر وتعاطي المخدرات وهوى من القمة، وبعد عودته من الجزائر بستة أشهر، فقد كل سعادته وأصبح يحس بالمرارة، قال: ولا يمكن أن تتصوروا هذه الحياة! فالإنسان يعمل ليكسب مالاً يصرفه كل مساء على مائدة الخمور لينسى كل ما حوله، ولا يلتفت إلا لنفسه!.
أثر ذلك على عمله وأصبح عنده مشكلات في العمل ومشكلات مالية.
عاش حادثة ثانية وهو في هذه الحالة: سكر سكراً فاحشاً فسمع صوت نفسه يقول له: إن هذه آخر فرصة لك لترجع عما أنت فيه، فإما أن تستفيد منها أو تفقدها، ومن هذا الوقت ترك المنزل والعمل، وأخذ يتدرب على حياة الصبر والتقشف ليعرف المدة التي يستطيع أن يصبر فيها عن شرب الخمر وأراد أن يغادر الجو الذي كان فيه.
وفي بداية هذا العام 1987م أصبح يهتم بأشياء أهم من المطاعم والملذات المادية، وهي التي يهتم بها الناس هنا، فكان اهتمامه منصباً على البحث عن معنى الحياة وقيمتها!.
وبدأ يعمل في مدينة: زوغ (ZUG ) وتعرف هناك على عمر هوبر ولد أحمد هوبر، وخلال أسبوعين أو ثلاثة كان عندهما وقت طويل للتحدث عن الأمور الإسلامية بكل تفاصيلها، وفي هذه الفترة أصبح فعلاً يطبق الإسلام ولا زال.
وسألت الأخ عثمان ـ الذي كان يتحدث بعاطفة جياشة ـ بماذا تشبه نفسك قبل الإسلام وبعده؟
فقال: كنت قبل الإسلام على عيني عصابة، وبعده أزيحت عني تلك العصابة فأبصرت.
قلت: صدق الله القائل في أمثال هذا الأخ الذي أبصر بعد العمى، وفي غيره من الذين لم يستجيبوا لهدى الله: {أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ}. [الرعد:19].
والقائل: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنْ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ}. [الأعراف: 201].
وقال: إني بعد الإسلام باستخدام حواسي أرى نتيجة أعمالي وأحس بها وأشعر بالنجاح، وكان الأمر عكس ذلك قبل الإسلام.
وقال: إني لا أستطيع أن أعبر عن مشاعري، وأرى أن ذلك صعب، ولكني أستخدم حواسي كما أمر الله لمرضاة الله.
قلت له: لو أن العالم كله أسلم كما أسلمت أنت فكيف ستكون حياته في نظرك؟
فقال: الأمر واضح جداً، ستكون الحياة كلها سعيدة وتتحقق الحياة فعلاً، وأهم شيء أنه سوف لا يكون هناك كلام فارغ وإنما أعمال مفيدة.
وسألته عن موقف أسرته من إسلامه؟ فقال: إنهم قبلوا منه ذلك وتسامحوا معه، وإن أمه على وشك أن تسلم.
وأما أصدقاؤه فإنهم أصبحوا يبتعدون عنه، وهو يتصل ببعضهم ويستضيفهم عنده ويكلمهم عما يعتقده، ولكنهم لا يفكرون بعمق، لأنهم مشغولون بذواتهم والأغطية لا زالت على عيونهم.
قلت: صدق الله القائل:{ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ }. [البقرة: 7].
قلت له: هل يسهل على المسلم أن يلتقي غير المسلم ويتذاكر معه أمور الإسلام؟ فقال: نعم ذلك سهل وليس بصعب.
وسألته هل يرغب في حضور دورة يتمكن فيها لفترة محددة من تعلم مبادئ الإسلام؟
فقال: إنه يحب ذلك، ولكنه صعب عليه من الناحية المالية، وإذا أخبر بذلك بفترة طويلة قبل انعقاد الدورة فسيحاول.
قلت: وهل عندك استعداد لتواصل الدراسة في جامعة إسلامية؟
فقال: إن هذه أمنية غالية، وهو مستعد أن يقدم استقالته فوراً ويذهب لذلك.
قلت له: ولو كان الجو يختلف عن جو بلادك؟
قال: مهما كان.

تنبيه على بعض العبر من قصة إسلام الأخ عثمان:

إن قصة إسلام الأخ عثمان يؤخذ منها أمور وعبر:
أولاً: إن سماعه عن الإسلام كان عن طريق الأفلام الغربية وماذا عسى أن تتحدث الأفلام الغربية عن الإسلام إلا بما ينفر عنه، ثم إنه لم يكن يعي ولا يفكر في الدين من حيث هو.
ثانياً: نفر من الإسلام عندما رأى أخته المسلمة تحتجب. والسبب في ذلك غربة أخلاق الإسلام في بلده، وقد يكون علق بذهنه الهجوم على الإسلام عن طريق بعض الموضوعات ومنها موقف الإسلام من المرأة.
ثالثاً: إن الطبيعة الكونية البعيدة عن المألوف للإنسان في بلاده، تؤثر في مشاعره أكثر من الطبيعة المألوفة، وإن كانت هذه قد تكون أكثر جمالاً من الأولى، ولهذا فإن الضرب في الأرض والسفر يحدث في الإنسان مشاعر قد لا يجدها في بلاده.
رابعاً: إن اطلاع غير المسلم على تصرفات المسلمين الطيبة، يجعله يفكر في دينهم وقد يهتدي بسبب ذلك.
خامساً: الفطرة الكامنة عندما تجد ما يحركها، تدفع صاحبها إلى الاعتراف بعظمة الخالق والخضوع له.
سادساً: الفرق بين بلاد الإسلام ـ مهما ابتعد أهلها عن الإسلام ـ و بلاد الكفر، فقد كان عثمان عنده عاطفة حارة في الجزائر، فلما رجع شعر ببرودة العاطفة كشعوره ببرودة الجو في بلاده، وهبط من القمة إلى الحضيض.
سابعاً: إذا أراد الله هداية الإنسان، جعل فطرته تناديه إلى الله.
ثامناً: إن أصدقاء السوء يثبطون مريد الخير عن الخير.
تاسعاً: المسلم الجديد في بلاده الغرب، في حاجة إلى عناية ورعاية، ولهذا عندما التقى عثمان عمر هوبر ثبت إيمانه.
عاشراً: الكفر فعلاً هو الغطاء المظلم الذي يجعل على العينين الغشاوة، والإيمان هو النور الذي فيه يبصر الإنسان ويذهب عماه.

حوار مع المسلم السويسري: الأخ ولي الدين:

التقيته أيضاً في المركز وجرى بيني وبينه حوار مشابه للحوار مع الأخ عثمان.
ولد الأخ ولي الدين سنة 1957م في زيورخ وآباؤه سويسريون.
ديانته قبل الإسلام وصلته بها:
سمع عن الإسلام في الثانية عشرة من عمره دون وعي، ولد في أسرة نصرانية بروتستانتية، كان يذهب إلى الكنيسة مرتين في الشهر، وبعد البلوغ لم يُلقِ للدين أي بال.
كان يسيطر عليه التيار المادي، ورأى أن الدين المسيحي دين ميت ليس فيه سلوك واعتقاد دقيق، بل كان يراه نوعاً من الفلكلور ـ مجرد عادات واحتفالات تسمى ديناً ـ كان عقله يسيغ الإلحاد أكثر من المسيحية.
وسيلة تعرفه على الإسلام:
تعرف على بعض المسلمين في جامعة (AIX ـ ENPROVENCE) في فرنسا، وكان عمره أربعاً وعشرين سنة، ولم يكن قبل هذا يفكر في الدين، وكان أحد الأساتذة الفرنسيين مسلماً، واسمه داود، أبوه مسلم وهو ولد مسلماً، (DAWUD GRIL ) وقد درس في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة سنة، وهو ملتزم متمسك بدينه، يعني داود.
وكان بعض زملاء ولي الدين مسلمين من فرنسا، وشعر أنهم يريدون له الخير، دون مقابل مادي، ودون التحمس لأي حزب من الأحزاب. [وهذا نادر عند الغربيين، بل لا يطمع أحد من أحد شيئاً بدون مقابل مادي].
ثم سافر الأخ ولي الدين ـ قبل أن يسلم ـ إلى المعهد الفرنسي للدراسات العربية بدمشق، لدراسة اللغة العربية والجامعية، وتعرف على طلاب درسوا في معهد ديني وهو تابع لجمعية الفتح سنة 1984م ـ 1985م.
وكان من بينهم طالب تونسي شديد التمسك بدينه، وعنده علم ومعاملة حسنة، وكان رفيقاً في المعاملة وجالسه كثيراً، وقد عاش هذا الطالب في باريس ويعرف طبيعة الشبان الغربيين، وهذه المعرفة مهمة للداعي.
قال الأخ ولي الله: قال لي مرة: عليك أن تصلي، وهو يبتسم، ثم قال لي مرة أخرى: هل بدأت تصلي؟ فقلت: لا، فقال: عليك أن تصلي.
فقلت له: أريد أن أتعلم الصلاة، فدعاني إلى غرفته يوم الجمعة وطلب مني أن أستحم، وبعد ذلك قلت أمامه الشهادة، وعلمني الصلاة، وذهب بي إلى المسجد، وصليت صلاة الجمعة، وكانت هذه أول صلاتي في جامع كبير، له خطيب شهير، يسمى عبد الرازق الحلبي، وكان ذلك في شهر آذار سنة 1985م.
وقال الأخ ولي: إنه لم يكن قبل الإسلام تعيساً وما كان يشرب الخمر، وإن كان تعاطى بعض المحرمات الأخرى.
وقال: إنه كان يتساءل هل يوجد خالق؟ وهل للحياة معنى أو خلقنا عبثاً؟، وقال: إن اتجاه الغرب المادي سبب مشكلات هائلة يمكن أن تؤدي إلى هلاك البشرية.
وسألته: هل يمكن للسويسري المسلم أن ييسر للداعية المسلم الذي يأتي من الخارج، أو من المسلمين غير السويسريين الموجودين في سويسرا، الاجتماع بالسويسري غير المسلم من أجل المذاكرة معه في مبادئ الإسلام؟
فقال: نعم إن ذلك ممكن ولا توجد فيه صعوبة، وقال: إن السلوك التلقائي من المسلم مع غير المسلم، يمكن أن تكون فائدته أكثر من وضع منهج دقيق للدعوة. [لعل قصد الأخ ولي بهذا أن المسلم الذي يريد أن يدعوا الأوروبي لا بد أن يعرف طبيعته ويسير معه سيراً عادياً يصاحبه ويزامله ويطبق معاني الإسلام أمامه وأن ذلك يؤثر فيه أكثر من سلوك طريق معين كأن يناقشه باستمرار في أمور الإسلام ونحوه، وليس قصده نفي فائدة وضع خطة عامة لدعوة غير المسلمين، فإن التخطيط للدعوة أمر لا بد منه].
وسألته عن وسائل الدعوة الناجحة؟
فقال: الأوروبيون في حاجة أن يروا المسلمين كيف يصلون وكيف يتعاملون وكيف يفرحون ـ يعني يرون أعمالاً مؤثرة ـ وقال: إن أمه عندما دخلت الجامع الأموي ورأت الناس يصلون تأثرت كثيراً.
ومن الوسائل المفيدة: المحاضرات في الجامعة.
وقال: إن قسم الاستشراق في جامعة زيورخ متزمت ضد الإسلام، ولا يريد أن يكثر الطلاب الدارسون للإسلام وإنما يريد طلاباً خاضعين لتوجيهاته.
وتوجد في هذا القسم كتب كثيرة عن مسائل هامشية، ولا توجد مراجع مهمة عن الإسلام، ويتركون الحديث عن الإسلام للجرائد، وكلما قوى الإسلام ازداد التيار المضاد له في زيورخ.
وفي فرنسا بدأ الإسلام يقوى، وبعض الفرنسيين من نخبة المثقفين دخلوا في الإسلام، والإسلام بسبب ذلك ينتشر، وهذه ظاهرة لم تحصل بعد في سويسرا.
وذكر أن عالماً سويسرياً يدعى: بورك هارت متخصص في الفن المعماري، وقد توفي قبل أربع سنين تقريباً، قرأ عنه الأخ ولي أنه أسلم، وكثير من قراء كتبه لا يعرفون أنه أسلم.
وسألت الأخ ولي الدين: هل يسمح القانون السويسري أن يمتلك المسلمون قناة تلفاز أو جريدة أو موجة إذاعية؟
فقال: لا يوجد مانع فيما يتعلق بالجريدة، وأما الإذاعة والتلفاز فلا يسمح بهما إلا إذا وجدت في البلد طائفة كبيرة ولا يسمح بهما للأقليات والتلفاز أكثر صعوبة.
ويمكن أن ينشر المسلمون ما يريدون في الجريدة، وتوجد في ألمانيا جريدة إسلامية والمسؤول عنها أحمد دنفر وهو نشيط جداً. [التقيت الأخ أحمد دنفر وكتبت عنه معلومات في الكتاب الخاص بألمانيا].
ولا يوجد قانون يمنع إنشاء مدارس خاصة، وتوجد طوائف لهم مدارس تحت رقابة الدولة، ويمكن أن يجمع بين المنهج السويسري والمنهج الإسلامي في مدرسة خاصة، إذا توافرت فيها الشروط المطلوبة.
وعدد المسلمين الإجمالي في سويسرا ما بين 80 ـ 100 ألف وعدد السويسريين المسلمين بضعة آلاف، ولا يعرف عددهم بالتحديد.
وسألت الأخ ولي الدين عن الصلة بين المسلمين السويسريين وغيرهم من المسلمين الذين وفدوا من الخارج؟ فقال: لا يوجد إمام لهذا المركز، وهو عبارة عن ناد للطلبة العرب، والمسؤولون فيه ليسوا مؤهلين، ولا يوجد انفتاح من المسلمين في المركز إلى غير المسلمين من السويسريين، وقال: إن الفرقة الأحمدية أنجح بكثير في العمل، عندهم محاضرات ويدعون السويسريين إلى معبدهم ويزورونهم.
وقال الأخ ولي: إن صلتي الآن قوية بالمسلمين، وأتمنى أن يدخل بعض أصدقائي في الإسلام، وأشعر أني لم أنجح في دعوة صديق من أصدقائي.
والمشكلة أن الأوربي يرى أن الإيمان في القلب ويفعل الإنسان ما يريد، يرون أن الأعمال، كالصلاة والصيام وغيرها من العبادات، إنما هي أشكال ومظاهر لا قيمة لها.
وكرر الأخ ولي أن القدوة الحسنة خير وسيلة لقبول الدعوة، بأن يكون المسلم مؤمناً صادقاً، أعماله صالحة ومعاملته حسنة، حتى يتأثر الناس به.
وقال: إن أغلب المدن السويسرية توجد بها مساجد للمسلمين، ولا ينفتحون على غيرهم بسبب خوفهم على دينهم.
وقال: إن أحمد هوبر صحفي سويسري مسلم، له خبرة كبيرة ونشاط في الجرائد وغيرها، ويعرف وضع الإسلام في سويسرا جيداً.
وكان الأخ ولي في السنة الماضية في صنعاء باليمن، بقي هناك مدة ستة أسابيع يعمل في المركز الفرنسي للبحوث والدراسات، ثم في بعثة علمية فرنسية اهتمت بالنقوش الكتابية العربية.
زار الجامع الكبير في صنعاء ورأى أن كثيراً من العلماء فيه يفتخرون بعروبتهم.

محاضرة بعنوان: الإيمان وأثره في حياة الإنسان:

وبعد صلاة المغرب طلب مني إلقاء محاضرة عن الإيمان وأثره في حياة المسلم، فلبيت طلبه.
وتعرضت لما يجب أن يقوم به المسلمون من تحصين إيمان أنفسهم وأبنائهم في هذه البلدان، ضد تيارات العقائد والأفكار المنافية للإيمان، وأن الإيمان لا بد أن يثمر السلوك الحسن والالتزام بالحلال والحرام، وهذا السلوك يجب كذلك أن يحصن من طغيان السلوك المادي الذي ينافي سلوك الإسلام، وأنه لا يجوز للمسلم أن يبقى في بلاد الكفر ما لم يحافظ على دينه وإيمانه، وأن القدوة الحسنة المفروضة على المسلم في بلاده هي أشد فرضاً عليه في بلاد الكفار، حتى يكون مفتاحاً لدخولهم في الإسلام ومعرفتهم محاسنه، والقدوة السيئة محرمة على المسلم في بلاده، وهي في بلاد الكفر أشد حرمة، لما فيها من فتنة للناس وصد لهم عن الدخول في الإسلام.
ثم أُلقِيت أسئلة بعد ذلك وأجيب عنها.
واستمرت المناقشة إلى ما بعد منتصف الليل.

أثر البلاغ المبين في إقامة الحجة على الناس:

الأحد: 9/11/1407هـ. 5/7/1987م.
جاءني الأخ خالد عبد السلام المصري لإيصالي إلى المطار الذي سأغادره إلى مطار مدينة ميونخ في ألمانيا.
والأخ خالد درس الثانوية في مصر، وهو من حلوان القاهرة، وله خمس سنوات في سويسرا، يعمل في مركز مراجعة البنوك السويسرية في الكمبيوتر.
متزوج من سويسرية وله منها ولد، وقد أسلمت قبل الزواج، ولكنها لم تفهم الإسلام فهما جيداً إلا بعد الزواج، حيث أحضر لها كتباً إسلامية باللغة الألمانية، والكتب مؤثرة جداً، وعندما قرأتها تأثرت بها، وقالت: لو كان الإسلام هو هذا فإن الأوروبيين مجانين إذا لم يسلموا!
وقبل ذلك كانت هي وأسرتها متأثرين بكتب المستشرقين، حتى إن أمها قالت: إن الإسلام فيه فظائع انتشرت في العالم!
وبعد قراءة أسرة زوجته للكتب المترجمة ومنها: ترجمة معاني القرآن الكريم باللغة الألمانية ـ المسمى بمصحف بافاريا ـ تغيرت عندهم الموازين، فأصبحوا يعتقدون أن الإسلام حق، ولكنهم لم يسلموا خوفاً من موقف جيرانهم منهم.
قال الأخ خالد: وقد قرأت في بعض كتب الثانوية العامة في سويسرا أن الباباوات كانوا يبيعون مواضع في الجنة بمبالغ معينة، والأماكن محدودة في قصور على اليمين أو اليسار في الدور الأول أو غيره! ولهذا نفر الأوروبيون من الدين النصراني. ويمكن أن يدخل كثير من الأوروبيين الإسلام، إذا وجدت القدوة الحسنة والإمكانات.
وقال: إن اتحاد الطلبة المسلمين له نشاط طيب في بقية بلدان أوروبا، ولكن نشاطه ضعيف جداً في سويسرا، وقد بدأت الآن اتصالات بين المراكز الإسلامية في بعض بلدان أوروبا والطلاب في سويسرا.
فقلت للأخ خالد: إن العمل للإسلام، وإن بدأ ضعيفاً، لا بد أن يبارك الله فيه، وعليكم أن تبذلوا جهدكم أنت وزملاؤك، فالعمل للإسلام واجب على كل مسلم في موقعه، وليس خاصاً بفئة معينة كالطلاب، وإن كانوا أقدر من غيرهم في مجالاتهم، فلا بد من التعارف بين الطلبة والجالية الإسلامية، لما في ذلك من التكامل.
السفر إلى مدينة ميونخ الألمانية:
ودعني الأخ خالد، بعد أن أخذت منه هذه المعلومات في السيارة إلى المطار ودخلت إلى قاعة الانتظار، وقد أقلعت بنا الطائرة السويسرية في الساعة الثانية عشرة والربع من مطار زيورخ إلى ميونخ، ولذلك ودعت سويسرا بما حصل فيها من لقاءات، أرجو الله أن ينفع بها ويجعلها خالصة لوجهه الكريم.