1- في مدينة جنيف
1- في مدينة جنيف
وفي الساعة الخامسة إلا ثلثاً مساء، بتوقيت المملكة العربية السعودية هبطت بنا الطائرة في مطار جنيف، فكانت مدة الطيران بين مدينة جدة ومدينة جنيف خمس ساعات.
كالقابض على الجمر:
إن دول أوربا الغربية ـ على الرغم من الرعب الشديد الذي أصابها في السنوات الأخيرة من تفجير القنابل واختطاف الطائرات، واحتجاز الرهائن، على الرغم من ذلك كله ـ لا زالت تحاول إظهار التسامح وتيسير شؤون المسافرين، وعدم تأخيرهم في الجوازات والجمارك وغيرهما.
فقد كنت أنتظر أن يسلمني المضيف أو المضيفة بطاقة وزارة الداخلية السويسرية في الطائرة، لأملأها بالمعلومات اللازمة، كما جرت العادة في بلدان ما يسمى بالشرق الأوسط أو البلدان النامية عموماً، بل بعض البلدان المتقدمة مادياً كأمريكا، ولكني لم أتلق شيئاً من ذلك، وظننت أنني سأجدها عند موظف الجوازات، ولكني أيضاً لم أجدها عنده، فما كان يزيد عن البحث عن التأشيرة السويسرية في الجواز ثم يختم، والناس يمرون سراعاً، إن الأوربيين يحاولون القبض على هذا المعنى كما يحاول القابض على الجمر إظهاراً للتجلد والصبر!. [ولكن تلك المحاولة بات تلاشى شيئا فشيئا، حتى أصبح التدقيق المبالغ فيه هو الغالب عند الأوربيين ، ويعود ذلك إلى أمرين: الأول : سوء تصرفات بعض المنتسبين إلى الإسلام باسم الإسلام ، كما حصل في الجزائر … والثاني : الحملة الظالمة من دول الغرب وأتباعهم على الإسلام وأهله ، وجعل الإسلام الحق الشامل لحياة البشر، هو العدو الأول ، ووصم كل من دعا إليه بأنه إرهابي أصولي تجب محاربته ومطاردته في الأرض، وبخاصة بعد تمزق المعسكر الشيوعي الذي حاربته دول الغرب حربا مباشرة بالمجاهدين المسلمين ! وزادت الطين بلة أحداث تفجيرات نيويورك وما أعقبها].
ظنني صيداً!
دخلنا إلى قاعة تسلم الحقائب، وأخذت عربة ووضعت عليها حقيبتي وصندوقاً من الكتب، وكنت أظن أيضاً أنني سأفتح الحقيبتين والصندوق في الجمرك، ومشيت وراء الناس وهم لا يلتفتون، ولكني أنا كنت أتلفت لأرى موظفي الجمرك فلم أر أحداً، ورأيت الناس كلهم يخرجون فخرجت معهم ولا أزال التفت يمنة ويسرة، وكان أحد الموظفين واقفاً في زاوية على يمين الخارجين فرآني من حيث لا أراه، ويبدو أنه اشتبه في أمري بسبب تلفتي، فنظر إلى الكرتون، وأشار إلي أن أقف، فوقفت فأخذ يمر بيده على الصندوق (الكرتون) وأخذ المقص فأزال لاصقاً وفتح الصندوق فرأى الكتب، ثم ذهب فأخذ لاصقاً آخر وألصقه على الصندوق وقال لي: تفضل ـ يعني الخروج ـ فقد ظنني بسبب تلفتي صيداً يحمل شيئاً ممنوعاً ولكن ظنه خاب، فخرجت.
الشيخ يحيى بن صالح باسلامة:
كنت قد اتصلت بالأخ يحيى بن صالح باسلامة وأخبرته بوصولي على الرحلة السعودية في هذا اليوم، وفور خروجي من باب مبنى المطار وجدته ينتظرني.
وهذه نبذة عنه: ولد الأخ يحيى باسلامة سنة 1936م يحمل الشهادة الثانوية، ولكن معلوماته الإسلامية جيدة، تحصل عليها من مطالعاته الخاصة وقيامه بالتعليم والدعوة إلى الله.
عمل سنتين ونصف السنة في البنك الأهلي بجدة، وترك البنك هرباً من أن تصيبه لعنة كاتب الربا.
ثم عمل لدى صالح محمد جمال، رئيس تحرير الندوة لمدة ثلاث سنين. ثم انتقل في سنة 1383هـ إلى مدينة جنيف، ليعمل مع الدكتور سعيد رمضان في المركز الإسلامي، حيث كانت تصدر منه "مجلة المسلمون" ورسائل دعوة إلى الإسلام بلغات أوروبية مختلفة، وبقي في سويسرا إلى آخر سنة 1390هـ ـ 1970م ثم رجع إلى جدة، فعمل في شركة فرنسية، وهي: "البعثة الفرنسية للأبحاث في المعادن" وهي تابعة لوزارة البترول والمعادن.
ثم انتقل إلى جنيف مرة أخرى، بطلب من رابطة العالم الإسلامي سنة 1395هـ ، وعمل في المعهد الإسلامي في جنيف الذي يعد هيئة للمؤسسة الثقافية الإسلامية القائمة الآن في جنيف بمقر مسجدها الذي شيّد تشييداً بولغ في زخرفته وقناديله. [لعل السبب في تلك المبالغة فيه وفي غيره مراعاة البيئة، حتى لا تظهر المساجد أقل شأناً من بناء الكنائس. ولكن رفعة شأن المساجد تأتي من دوام ذكر الله الواحد فيها، وعدم الإشراك به تعالى ، بخلاف الكنائس، التي هي مأوى للإشراك والرقص والموسيقى والغناء، ثم إن ما يزعمه أهلها من العبادة مقتصر على سويعات من الأسبوع..].
ثم ترك الأخ يحيى العمل الرسمي في الدعوة وانتقل إلى عمل حر، ولكنه يقوم بالدعوة إلى الله بطريقته الخاصة، ومنزله يعد مدرسة لأبناء المسلمين، وتضطلع زوجته بقسط كبير من ذلك، وللأخ يحيى ولد وبنت، وكلاهما في الجامعة.
نسيت أن أسأل الأخ يحيى عن سبب تركه للوظيفة مع الرابطة في مجال الدعوة، وهو رجل كفء لذلك، من حيث المعلومات ودماثة الخلق ومعرفة جيدة بطبيعة أهل البلد وبلغتهم، وبذل الوقت في سبيل الدعوة إلى الله، والناس في حاجة إلى وقته، فإن كان السبب منه فأسأل الله أن يهديه للرجوع إلى موقعه، وإن كان السبب من غيره فأخشى أن ينال ذلك الغير إثم تسببه. [وقد أعادته رابطة العالم الإسلامي للعمل في المركز الثقافي، وأصبح هو مديره].
ومن أجل ذلك فإني أنصح رابطة العالم الإسلامي والرئاسة العامة للإفتاء والدعوة والإرشاد، أن تحاولا أو تحاول إحداهما إعادة الأخ يحيى إلى التفرغ للدعوة إلى الله، وأن يخصص له ما يكفيه هو وأسرته من المال سكناً وإعاشة وتنقلات، فالرجل عنده خبرة بالبلد، وعقيدته صافية ومعلوماته جيدة وبعده عن ذلك خسارة.
أنزلني الأخ يحيى في فندق في وسط مدينة جنيف، قرب محطة القطار،ويسمى الفندق: AWARWICKINTERNATIONALHOTEL
واتفقنا على زيارة المؤسسة الثقافية الإسلامية ومحاولة الاجتماع ببعض المسلمين من السويسريين، وبعض الدعاة إلى الإسلام من الوافدين، وكذلك الاجتماع بغير المسلمين إن أمكن.
على بحيرة ليمان:
ثم خرجنا من الفندق لنأخذ جولة في المدينة على الأقدام، فذهبنا إلى بحيرة: "ليمان" كما هو اسمها الأساسي عند السويسريين، ويسميها الأمريكيون: "بحيرة جني" وفي البحيرة نافورة ترتفع 120 متراً، ولكنها نحيفة ليست كنافورة جدة، والسبب في ذلك أن نافورة جنيف تمدها بحيرة، وأما نافورة جدة فيمدها البحر، وفرق بين البحيرة والبحر!
وتقع في شرق البحيرة جبال عالية مكسوة بالغابات ولكن الجليد ـ والزمن زمن صيف ـ يغطي قممها، وقال الأخ يحيى: إنها تبعد عن وسط البلد بساعة إلا ربعاً بالسيارة.
ويعبر المشاة شرقاً وغرباً على جسر ممتد على طرف البحيرة الجنوبي، وأشار الأخ يحيى إلى ذلك الطرف الجنوبي من البحيرة وقال: إن هذا الجزء من الماء حجز عن الأرض وأسس في الأرض موقف للسيارات مكون من أربعة طوابق، ثم أعيد الماء إلى مجراه، والآن تقف السيارات تحته.
مجنونة جنيف!
وبعد تلك الجولة مررنا بأحد المطاعم فتناولنا طعام العشاء ـ قبل المغرب ـ ثم ذهبنا إلى محطة النقل الجماعي، لنذهب إلى المؤسسة الثقافية الإسلامية، وقفنا على رصيف المحطة ننتظر السيارة التي توصلنا إلى المؤسسة، فإذا امرأة تذرع الرصيف مشرقة ومغربة، وهي تصرخ وترغي وتزبد وتخاصم كل من وقعت عيناها على وجهه، فأدرت لها ظهري، وكانت بالإضافة إلى الخصومة والتهديد تبصق على بعض الأشخاص، وكنت أحاول أن لا ترى وجهي، فإذا سمعت صوتها في جهة الغرب وجهت وجهي إلى الشرق، وإذا سمعت صوتها في جهة الشرق اتجهت إلى الغرب.
وعندما امتطينا الحافلة ظننت أنها بقيت هي في المحطة، ولكن بعد أن تحركت الحافلة قليلاً أخذ صوتها يرتفع، فعرفت أنها ركبت معنا، إلا أنها لم تكن تستطيع التجول في السيارة لكثرة الركاب، وقد نزلتْ في أول محطة وقفت فيها الحافلة.
في المؤسسة الثقافية (مع الشيخ إبرام الحجوي):
وصلنا إلى المؤسسة الثقافية الإسلامية قبل أذان المغرب بعشرين دقيقة، والتقينا الأخ الشيخ يوسف إبرام ـ وليس إبراهيم ـ يوسف الحجوي المغربي الذي تخرج في كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، وهو يسكن في مبنى المؤسسة بعائلته ويؤم الناس في المسجد، ويلقي الدروس، وهو مبعوث من قبل الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، ويبدو لي أن معلوماته الإسلامية قوية، وفكره صاف مستقيم يتوقد حماساً للدعوة.
ودرس الثانوية أيضاً في المعهد العلمي بالرياض، وتخرج من الكلية سنة 1983م.
ويقول الأخ إبرام: إنه تأثر بالشيخ محمد الراوي في التفسير واستفاد منه علماً وخلقاً، كما استفاد في العقيدة والسلوك أيضا من الشيخ عبد الله الجبرين الذي قال عنه: إنه لم يستفد من غيره من مدرسي العقيدة كما استفاد منه.
ودرس كذلك على سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز في الجامع الكبير في الرياض، وانتقل إلى سويسرا سنة 1983م وهو يجيد اللغة الفرنسية ـ وهي إحدى اللغات الأساسية في سويسرا ـ وكان في الأصل مبعوثاً إلى "بيرن" ولكنه وجد أن المؤسسة الثقافية الإسلامية في جنيف تحتاج إليه فبقي بها مؤقتاً، وقال: إنه يُبنَى الآن مسجدٌ في مدينة: بيرن وهي عاصمة سويسرا السياسية، وربما ينتقل إليه بعد الانتهاء من بنائه.
وقال الأخ إبرام: إنني عندما جئت إلى جنيف كانت سمعة المؤسسة سيئة جداً، وبحثت لأجد سبباً لذلك فلم أجد شيئاً، وإن كان التقصير حاصلاً فيها وفي غيرها.
وعمر الأخ إبرام: 33 سنة(1). [وسيأتي مزيد بيان لعمل يوسف إبرام الحجوي إن شاء الله].

صلاة المغرب في مسجد المؤسسة:
وصلى بنا الأخ إبرام المغرب في المسجد الذي أنفق على بنائه وما يتبعه الملك فيصل ابن عبد العزيز آل سعود رحمه الله، وهو مسجد كبير يمكن أن يتسع لأكثر من ثمانمائة شخص في قاعته الرئيسية بغير زحام، وهو مصمم على شكل دائري تقريباً، وقد بولغ في تزيينه بالنقوش و الزخارف التي كان من الأفضل اجتنابها، لما فيها من الإسراف وللنهي الوارد عن الرسول صلى الله عليه وسلم عن زخرفة المساجد، وبِوَسَطِ المسجد قنديل ضخم مزخرف قد يبنى بقيمته جامع غير مزخرف في بعض بلدان المسلمين الفقيرة.
وبعد صلاة المغرب رجعنا إلى الفندق، وتركني الأخ يحيى باسلامة لآخذ شيئاً من الراحة بعد السفر والحركة المتواصلة في هذا اليوم الطويل.
مع الدكتور مدحت شيخ الأرض:
الاثنين: 3/11/1407هـ.
في الساعة التاسعة من صباح هذا اليوم كنا في المؤسسة الثقافية الإسلامية، حيث التقينا رئيسها: الدكتور مدحت شيخ الأرض الذي انهال بالمعلومات الآتية بدون توقف عندما أخبرته بمهمتي، وأني أريد تسجيل بعض المعلومات:
قال: إنني عشت مع الملك عبد العزيز ستاً وعشرين سنة، ومع الملك سعود سنتين، وعين بعد ذلك سفيراً في مدريد ست سنوات، من سنة 1955م ـ 1961م ثم نقل بناءً على رغبته سفيراً في ليبيا، تلبية لطلب خالد القرقني صديقه وهو ليبي، وكان مستشار الملك عبد العزيز، ثم طلب منه الملك فيصل أن ينتقل إلى بيرن ليحقق له بناء مسجد في سويسرا، قال: ولكني وجدت مقاومة كبيرة في تحقيق ذلك، لأن أهل سويسرا يكرهون حتى المسيحية، وهي دينهم في الأصل، وكراهتهم للمسجد من باب أولى.
ثم انتقل الدكتور مدحت إلى باريس سنة 1963م ـ 1964م وجاء الملك فيصل إلى باريس للعلاج وحثه على الرجوع إلى جنيف، فرجع إليها سنة 1972م رئيساً لبعثة الأمم المتحدة، من أجل محاولة تحقيق رغبة الملك فيصل رحمه الله في إقامة المسجد.
وبدأ بتأسيس معهد استأجر له طابقاً في مبنى، وحول جزءاً منه إلى مسجد، وثلاث غرف لمدرسة، وغرفتين للإدارة.
قال: وتعرفت على الأخ يحيى باسلامة، وتعاونا على إقامة معهد إسلامي ووقف المسؤولون ضدنا ولكنهم بعد ذلك قبلوا.
قال: واستمر جهادنا إلى أن ذهبت إلى الملك فيصل، وحثني على مواصلة العمل لبناء المسجد.
وحاولنا شراء أرض، وسخر الله لنا رئيس حكومة جنيف الذي كان صديقاً لي، فأيدني في شراء الأرض، وكانت قيمتها مليونين وخمسمائة ألف وبشرت الملك فيصلاً بذلك، وسمح لي ببناء الأرض بباقي الفلوس وكانت كلها خمسة ملايين، فبنينا الأرض، ولم يدر أحد ماذا نعمل وأعان الله، وشجعني الملك فيصل على إكمال البناء عندما جاء إلى باريس، ولم يزد البناء على مليونين، وعندما مات الملك فيصل أخبرت الملك خالد بذلك وأنه سيكلف زيادة سبعة ملايين، فشجعني على الاستمرار وساعدني.
وقد افتتح الملك خالد رحمه الله المسجد سنة 1977م وقال لي رشاد فرعون عندما رأى المسجد: لماذا تخبئ عنا هذا العمل الجبار؟
قال: وجاء بعد ذلك الأمير فهد، وكان ولياً للعهد وأثنى على العمل.
وقال الدكتور مدحت: لقد عملت طبيباً ستاً وعشرين سنة، وعملت في السلك السياسي ثلاثاً وعشرين سنة، ولم أجد صعوبة في العملين كما وجدتها في العمل الإسلامي.
وعندما علم الدكتور إنني يمني الأصل قال لي عن نفسه: كنتُ لا أدري من أين أنا، ولكن الشيخ محمد نصيف رحمه الله أرشدني بكتاب أنساب عنده أن آل شيخ الأرض يمنيون انحدروا إلى حمص(2).

اللواء المتقاعد كمال سراج الدين فرغلي:
عين قريباً مديراً للمؤسسة الثقافية الإسلامية في جنيف، وهذه بعض المعلومات عنه:
ولد بمكة المكرمة سنة 1355هـ.
تلقى تعليمه الابتدائي والإعدادي والثانوي بمدرسة الفلاح في مكة المكرمة، أخذ الثانوية عام 1373هـ.
تخرج في كلية الشرطة بالقاهرة سنة 1376هـ.
التحق بالعمل في الأمن العام برتبة رئيس اعتباراً من 1/1/1377هـ.
بدأ عمله محققاً جنائياً في قسم المساعدات الفنية بالأمن العام، إضافة إلى تدريس مادة التحقيق الجنائي وتحقيق الشخصية بمدرسة الشرطة.
نقل للعمل رئيساً لمكتب البوليس الدولي الجنائي اعتباراً من 19/9/1378هـ مع استمراره في التدريس بمدرسة الشرطة.
نقل للعمل بمدرسة الشرطة بمكة المكرمة على وظيفة كبير المعلمين، اعتباراً من 29/1/1380هـ.
عين مديراً لمدرسة الشرطة، اعتباراً من 18/10/1380هـ.
ثم مديراً عاماً لكلية قوى الأمن الداخلي اعتباراً من 1/7/1386هـ.
ترفع إلى رتبة وكيل قائد اعتباراً من 23/1/1381هـ.
ترفع إلى رتبة قائد اعتباراً من 23/1/1383هـ.
نقل للعمل مديراً عاماً للدفاع المدني في 22/4/1387هـ.
نقل للعمل مديرا لشؤون الضباط العامة بوزارة الداخلية إضافة إلى أمانة سر المجلس الاستشاري الأعلى لقوى الأمن الداخلي، اعتباراً من 1/4/1389هـ.
ترفع إلى رتبة عقيد اعتباراً من 16/6/1390هـ.
صدر قرار تعيينه مساعدا عسكريا لمدير عام الجوازات والجنسية إضافة إلى عمله السابق، اعتبارا من 24/10/1391هـ.
صدر قرار تعيينه مديراً لشؤون العمليات بالأمن العام، اعتباراً من 8/9/1392هـ إضافة إلى عمله السابق.
ترفع إلى رتبة زعيم اعتباراً 16/6/1393هـ.
صدر قرار تعيينه مساعداً لمدير الأمن العام للشؤون الفنية والتخطيط، اعتباراً من 1/4/1395هـ.
صدر قرار تعيينه مساعداً لمدير الأمن العام لشؤون الدفاع المدني، اعتباراً من 1/3/1396هـ.
ترفع إلى رتبة لواء، اعتباراً من 23/8/1396هـ.
وقام بعدة زيارات رسمية لكثير من الدول العربية والأجنبية، وحصل على عدة دورات، ونال عدة أوسمة وميداليات.
من مؤلفاته كتاب القواعد العامة للتحقيق الجنائي، كتاب الواجبات العامة لقوات الأمن الداخلي.
وقد جرى بيني وبين الأخ كمال سراج الدين مذاكرة طويلة حول السبل التي يمكن اتخاذها، لنشر الإسلام في أوربا، سواء كان ذلك عن طريق الدولة في المملكة العربية السعودية، أو عن طريق المؤسسات الإسلامية المختلفة والمفكرين والأغنياء.
جولة في منطقة: منترو:
جاء الأخ يحيى باسلامة في الساعة الخامسة والنصف مساء إلى الفندق، وأخذنا جولة قصيرة في مدينة جنيف، ثم انطلقنا بالقطار إلى منطقة منترو وهي منطقة سياحية تبعد عن مدينة جنيف مائة كيلومتر تقريباً شمالاً، وعندها تنتهي بحيرة جنيف (ليمان) كما أنها تنتهي في الجنوب بمدينة جنيف، ونزلنا من القطار في محطة مدينة لوزان، وهي تقع بين جنيف ومنترو.
زيارة المركز الإسلامي في مدينة لوزان:
عندما نزلنا في المحطة لنركب قطاراً آخر يوصلنا إلى منطقة منترو، أشار الأخ يحيى باسلامة إلى المركز الإسلامي الذي يقع قرب المحطة، وقد كتب على واجهته لفظ الجلالة، وقال الأخ يحيى: أمامنا وقت يمكننا فيه أن نزور المركز قبل أن يأتي القطار الآخر، فذهبنا لزيارته، ووجدنا به إمامه المسمى جميل حسن، وهو أحد اللبنانيين الذين تتلمذوا على عبد الله الحبشي الذي بلغني أن عنده انحرافات في فهمه للإسلام وأنه يكفر ابن تيمية ومن اتبعه، واستقبلنا الأخ جميل وذكر لنا أنه يشرف على المركز ويؤم المسلمين فيه، ويلقي دروساً للمسلمين منذ خمس سنوات.
وسألته: متى أنشئ هذا المركز؟ أجاب أنه لا يدري، فقال الأخ يحيى باسلامة ـ وهو خبير بالدعوة في البلد ـ : إنه أنشئ سنة 76 ـ 1977م وذكر جميل أن من نشاط المركز إلقاء المحاضرات عن الإسلام في الجامعات، واستقبال أبناء المدارس في المنطقة من السويسريين، لإعطائهم دروساً عن الثقافة الإسلامية ضمن مادة الأديان في المدارس.
ثم واصلنا السير في قطار آخر إلى منطقة منترو، وتجولنا هناك، وهي منطقة جميلة، حيث تكتنف الجبال المكسوة بالغابات البحيرة، وتغطي الجبال الشرقية الثلوجُ التي تنحدر منها الشلالات الصغيرة في الشعاب.
ويوجد في المنطقة عدد كبير من السائحين ساكنين بها، لجمالها وهدوئها، وكثير منهم من دول الخليج العربي.
وفي الساعة التاسعة مساء غادرنا المنطقة بالقطار عائدين إلى مدينة جنيف واستغرق سيرنا ساعة وخمس عشرة دقيقة.
زيارة مجمع الكنائس في جنيف:
الثلاثاء: 4/11/1407هـ.
ذهبنا صباح هذا اليوم إلى إحدى المؤسسات النصرانية التي تتظاهر بالدعوة إلى التقارب بين المسلمين والمسيحيين، والتي تتظاهر بالثناء على الإسلام في بعض جوانبه، ولكن الهدف إفراغه من محتواه الذي يشمل الحياة كلها، وفي نفس الوقت يخدرون بذلك جهلة المسلمين الذين لا يفقهون حقيقة الدين، وإن كانوا مثقفين ثقافة عامة، ويحاولون إخراج كثير من المسلمين في كثير من البلدان من دينهم إلى الدين النصراني المحرف، أو غيره.
وقد اختاروا من المسلمين من يدعون أنهم يمثلون الإسلام في اجتماعاتهم وقراراتهم.
وقد حاولت رابطة العالم الإسلامي أن تكون على علم بما يجري في هذه المؤسسة، فعينت شاباً إفريقياً مسلماً، تخرج في جامعة أم القرى بمكة المكرمة بصفة مراقب، وهو يعمل في تلك المؤسسة وبدا لي من حديثي معه أنه يقوم بمهمة إبلاغ الرابطة بما يتخذ من قرارات.
ولعل هذه المؤسسة هي التي ذكر لي الأخ يحيى باسلامة، أنها تسمى: لجنة الديانات الكبرى التي يرأسها القسيس البروتستانتي، الذي وصفه الأخ يحيى أنه حقير منافق، يدعو أهل الأديان إلى الكنيسة الكبرى في جنيف، ومن الموضوعات التي يدعو إلى الاشتراك فيها إقامة الدعاء المشترك فيها. [نسيت أن أسأل عن اسم هذه المؤسسة].
وانتقد الأخ يحيى حضور بعض المسلمين ذلك، وتقع هذه المؤسسة بجانب أكبر مجمع كنسي في جنيف.
حوار الدكتور جون تيلر:
وقد ذكر لنا الدكتور تيلر خلاصة لما يظهرونه من المحاولة، لإيجاد تعاون بين المسلمين والمسيحيين، وسألته أثناء الحديث بعض الأسئلة، فكان يتهرب من الجواب المباشر عن كثير منها، بل كان يدع الجواب المطلوب ويتحدث عن غيره، كما سيظهر ذلك في مكانه.
قال الدكتور تيلر: إنه يوجد في أوروبا الشرقية ـ الجزء الروسي من أوروبا ـ ما بين 16 ـ 17 مليون من المسلمين في أوروبا الغربية، وبخاصة ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا يقدر عدد المسلمين بثمانية ملايين نسمة. [بل يقدر عددهم الآن 1987م بما يقارب 15 مليوناً].
وهذا يقتضي وجود علاقة بين المسلمين والنصارى، وقد حمل ذلك مجموعة من المسلمين والنصارى في بريطانيا، إلى إصدار نشرة عن قضايا المسلمين، وهي فصلية تصدر ثلاث مرات أو أربعاً في السنة، وتنشر فيها أبحاث في موضوعات مختلفة عن الجاليات الإسلامية، في بلدان مختلفة من العالم، وهذه محاولات مشتركة بين المسلمين والنصارى لمعرفة ما يمكن من الحلول للمشكلات التي تحصل بينهم، بحيث تكون تلك الحلول عملية.
وسألت الدكتور تيلر عن تخصصه فقال: إنه درس اللغات اللاتينية واليونانية، وأثناء دراسته لاحظ أن ما كتبه أرسطو قد ضاعت معالمه، إلا ما كتب باللغة العربية في قرطبة وبغداد، كما لاحظ أنه قبل ألف سنة كانت المناقشات بين اليهود والنصارى والمسلمين جيدة على أحسن ما يكون، ودهش عندما ظهر له وجود حواجز من التعصب بين النصارى والمسلمين، منذ أن قامت الحرب الصليبية، وأسف عندما وجد أن أوروبا أساءت الظن بالإسلام وأصدرت أحكاماً مسبقة مبنية على سوء الظن.
لهذا قرر دراسة الإسلام وما يتعلق بالثقافات القديمة الأخرى، وكيف انتشر الإسلام في بلدان مختلفة، وقال: إن تلك كانت رغبة علمية بسبب ما رآه من الأحكام المسبقة من أوروبا على الإسلام.
وقال: إنه على الرغم من أنه نصراني، فهو يعتقد أن ما جاء في القرآن والسنة والتجارب الروحية عند المسلمين هي ثروة إنسانية يجب معرفتها والاهتمام بها وإعطاؤها حقها، ومن الناحية العملية فإن الأديان متجاورة فلا بد من الاهتمام بها. [يجب التنبيه أنه جمع القرآن والسنة والتجارب الروحية ـ وهو يقصد الطرق الصوفية ـ ووصفها بأنها ثروة إنسانية، وهو إطلاق ماكر ليخرج به القرآن من أن يكون وحياً، والسنة من باب أولى].
وقد رعى العالم الإسلامي النصارى الذين كانوا في بلاده، ويجب علينا أن نرعى المسلمين عندنا الآن.
وقد درس الدكتور تيلر الإسلام على بروفيسور آربري، وهو إنجليزي مستشرق، ودرس الإسلام كذلك في جامعة مغيل في كندا، وفي البنجاب بباكستان، ودرس كذلك في جامعة برمنجهام.
ودرّس عدة تلاميذ من المسلمين والنصارى في الدراسات الإسلامية، وكان يهتم إضافة إلى الدراسات العلمية، بالنواحي الروحية والاجتماعية.
وقال: إنه كان يأتي بمحاضرين مسلمين، ويأخذ الطلبة إلى المكتبات لمعرفة ما يتعلق بالإسلام.
وفي أثناء تدريسه كتب كتيباً صغيراً، بعنوان التفكر حول الإسلام وراجع هذا الكتاب الأستاذ ظفر أحمد أنصاري (والد الدكتور ظفر إسحاق) وأراد بهذا الكتاب أن يفيد النصارى الإنجليز، ليعرفوا حقيقة الإسلام، وكذلك أراد أن يفيد به المسلمين الموجودين في بريطانيا، ليعرفوا إسلامهم ويُعَرِّفوا به غيرهم؛ لأن المسلمين الذين نشأوا في الغرب لا يقدرون على إظهار إسلامهم بالطريق المناسب، والمسلم قد يؤمن بدينه، ولكنه لا يفقه كيف يخاطب الآخرين، فالكتاب يبين الطريقة المناسبة لمخاطبة أهل الغرب بالإسلام. [يجب أن يدرس هذا الكتاب ليعرف ما يرمي إليه فيه الدكتور تيلر حقاً].
ويرى الدكتور تيلر أنه يجب الاهتمام بتعريف الناس بالثروة الروحية والعلمية والجمالية الموجودة في نصوص الإسلام، والدين النصراني. [يؤكد زعماء النصارى وكثير من المستشرقين على النواحي الروحية وهم يقصدون التصوف وإبعاد الإسلام عن الحكم وبعضهم يصرح بذلك كما سيأتي في الحوار مع أحد المستشرقين في جامعة ليدن بهولندا].
وبعد تدريس عشر سنوات والعمل في المجمع الكنسي، واللقاء مع كثير من المسلمين في العالم، استطاع وضع برامج ومشاريع مشتركة، وهي موجودة ومشتركة يقوم بها المجمع الكنسي، ويشعر الدكتور تيلر أنه نجح في ذلك.
وقال: إن الأوربيين أصبحوا يجهلون الغيب، وقد عم هذا المعنى كثيراً من العالم.
وضرب مثلا لذلك، فقال: إنه إذا تحدث عن الغيب مع جده أو جدته يفهمونه ويتفاعلون معه، بخلاف ما لو تحدث بذلك مع أبنائه.
وقال عن طريقة دراسته للإسلام: إنه درس العربية كاليونانية، بحث يستطيع الرجوع إلى النصوص عند الحاجة، ودرس على بعض الأساتذة من المسلمين في جامعة كمبردج، وكذلك درس في باكستان على بعض الأساتذة، ونصفهم مسلمون.
وذكر أن مراجعه هي كتب بعض المسلمين، كالغزالي والصوفية، وسألته عن رأيه في موافقة الإسلام للعقل والفطرة فقال: إنه يعتقد أن الوحي مقبول عقلاً، ولكنه نصراني يقدر ذلك ويرى أنه يوجد في النصرانية ما هو مقبول في نفس المستوى؟! ودلل على ذلك بأن كل تعاليم الرسل تعتبر من مشكاة واحدة.
وقد صدق فيما قال بالنسبة للكتب التي نزلت على أولئك الرسل قبل تحريفها، فهي من الله، ولكن أنى لها ذلك الآن وقد حرفت وبدلت..! وما بقي فيها من حق لبس بالباطل أو كُتِم؟!.
وسألته: هل يوجد الآن على ظهر الأرض كتاب دين لا شك فيه؟
فقال: إنه يفهم أن كلام الله ليس بالألفاظ فقط، وإنما يشمل حتى الشخص، واستشهد على ذلك بأن عيسى كلمة الله، ثم قال: إن القرآن يتميز عن الكتب الأخرى أنه لا يختلف [يبدو أنه يشير إلى قوله تعالى: {لَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً} سورة النساء، آية: 82]. والقرآن له سند بخلاف الكتب الأخرى ومتن القرآن لا شك فيه أنه من عند الله، ولكن كيف نفقه هذه الكلمات بعمق؟ والحقائق العميقة موجودة في كل الكتب، والقرآن أكثر مما هو كتاب تاريخي. [أجبره الحق هنا أن يعترف للقرآن بميزات: منها عدم الاختلاف في آياته ومنها أنه مروي بسند، وأن لفظه من الله، ومنها أنه ليس تاريخياً فقط بل فيه هدى لحياة البشر ولكنه حاول إقحام غير القرآن معه في الحقائق العميقة، وأراد إثبات أن فهم نصوص القرآن العميق ليس هو ما يفهمه كثير من المسلمين حسب الظاهر، وهو بهذا يريد فتح باب تحريفه عن مواضعه فيما يخالف فيه المسيحية وإن لم يصرح بذلك].
والكلمات التي جاءت من عند الله تشير إلى الحقيقة، ولكن مقدرة الإنسان على استيعاب الحقيقة محدود، ولا يستطيع الإنسان أن يقول: هذا هو الحق قد أمسكته قبضته، ولكن بالمحاولة يمكن أن يحصل عليه. [يشكك الرجل في كون الحق مع المسلمين].
قلت له: الواقع يشير إلى أن الحياة البشرية تسير نحو الكمال في العلوم المادية والتشريع، والقرآن دعا إلى إطلاق العقول في التفكير فيما ينفعها من العلوم، ولم يقف أمام النشاط العلمي كما فعلت الكنيسة في عصور الظلام في أوربا، كما أن شريعة الإسلام التي نزلت منذ أكثر من ألف وأربعمائة سنة، أثبتت رقيها في التشريع والحقوق الإنسانية، أفلا يدل ذلك على أن القرآن هو آخر الكتب الإلهية وخاتمها، وأنه عالمي يناسب هذه الحياة؟
فأجاب: إنه لا يوجد برهان على ذلك من الدين، وإنما الاقتراب إلى الحق يحصل بالتدريج. وحاولت مناقشته في هذا فأصر على رأيه.
وسألته عن الأساليب الناجحة في الدعوة في بلاد الغرب؟
فأجاب بقوله: أهم ما يلفت النظر في الإسلام هو نظام التكافل الاجتماعي، والشيء القوي في الإسلام الالتزام بالصلاة، لأن ذلك يشبع الحاجة الإنسانية.
والمهم في الصلاة، ليس مجرد حركات معينة في أوقات معينة، ولكن الأهم القدرة على الاستماع إلى ما يريده الله والتوجه الخالص إليه، وهذا هو سبب كون الصلاة هي الدعاء وهي مناجاة بين العبد وربه. [أراد بعد ثنائه على الالتزام بالصلاة في الإسلام أن يفرغها من معناها ويجعلها شبيهة بالصلاة الكنسية، لأنه يغمز في أوقات الصلاة وصفاتها التي أطلق عليها حركات معينة.!].
والإسلام يجمع بين النواحي الاجتماعية والروحية، وهذا عنصر أساسي.
ولا سلام بدون عدالة فلا بد من نشر العدالة في الإسلام، وبعضهم يفهم أن الإسلام وطني قومي وهو فهم ضيق، [يبدو أنه يقصد العنصرية، لأن كلامه لو حمل على ظاهره لفهم منه أنه يعترف بأن الإسلام دين العالم كله]. وبعضهم يفهم أنه دين اقتصاد وحرب. [يغمز في شمول الإسلام للحياة، ومنها الاقتصاد والجهاد المشروع فيه الذي أطلق عليه: الحرب].
وسألته عن الوسائل التي يمكن أن يُنشر بها الإسلام بين أبنائه في الغرب؟ فقال: وسائل الإعلام يجب أن تستغل بالطريقة الصحيحة، ولا بد من الاستفادة من الأخطاء التي حصلت من النصارى، كما حصل في أمريكا.
ولا بد أن يكون المسلمون قدوة الحسنة، في التكافل الاجتماعي والأسري، وأن يكون هناك تعاون بين المسلمين والأديان الأخرى، لإنقاذ الناس من النكبات.
ويمكن استعمال المسلمين لوسائل الإعلام، بشرط أن لا يسلكوا مسلك اليهود في التكتلات والعنصرية، فلا بد من توسيع المسلمين صدورهم للناس، وأن يعطوا فكرة أن الإسلام منقذ، وعندئذ يمكن نشر الإسلام(3). [انتهى كلام الدكتور تيلر].

وأهم ما يرمي إليه في كلامه، عدم التفريق بين الأديان، وعدم القطع بأن فهم المسلمين للإسلام هو الحق.
وقد أعطانا بعض الكتب المتعلقة بأفكاره عن الإسلام والأديان الأخرى، لنصور منها ما نريد ونعيدها له.
وأخذها الأخ يحيى باسلامة وإلى الآن لم يصلني منها شئ.
مأساة أمثالها كثير:
قال الأخ يحيى: إن أحد الإخوة العرب، وهو مسلم استمالته جمعية نصرانية، فانساق معها، وتزوج امرأة نصرانية، وبدأوا يستغلونه حتى ترجم لهم بعض الكتب، ثم أفاق من غفوته، وقد ولدت له زوجته ابنتين، فرجع إلى دينه وترك الجمعية، فسلطوا عليه امرأته، وأمروها بالصبر عليه، فبقي معها في مد وجزر، كل منهما يحاول التغلب على الآخر، ثم أراد طلاقها واستمر فترة في معاملة الطلاق، وبنتاه عند أمهما، وهو يحاول حفظهما، والله أعلم ماذا سيجري.؟!
وتزوج مسلم باكستاني امرأة ألمانية نصرانية، واشترط عليها أن يكون أولاده مسلمين، فوافقت وأنجبت له ثلاث بنات، وبدأت تنصيرهن سراً، فلما علم ذلك، بدأ بينهما الصراع، واستطاع في النهاية أن يطلقها وأقنع بناته بالبقاء معه، وهو يعاني مشكلات في تربيتهن.
وذكر قصصا أخرى من هذا النوع، كلها محزنة.
معلومات عن المسلمين في سويسرا:
قال الأخ يحيى: إن عدد المسلمين في سويسرا سبعون ألفاً تقريباً، وقال المسلم السويسري: حاتم كول: إن عددهم مائة ألف تقريباً.
وأكثر المسلمين في المنطقة الألمانية، وهم من الأتراك، واليوغسلاف، وأكثر المسلمين العرب في جنيف ولوزان، والمسلمون في جنيف من مختلف بلاد العالم.
المراكز الإسلامية في سويسرا:
1 ـ المركز الإسلامي في زيورخ، وقد اشترى مقره الشيخ زايد بن سلطان، وسُمِّى مركز زايد الإسلامي، وفيه جمعية إسلامية تديره، ورئيسه الآن يوغسلافي، واسمه عادل ذو الفقار.
2 ـ ويوجد مركز صغير في مدينة بازل.
3 ـ ومركز إسلامي في بيرن وغالب جمعيته من الأتراك.
4 ـ والمركز الإسلامي في جنيف، وهو الذي أنشأه الدكتور سعيد رمضان سنة 1961م ويقوم بالنشاط فيه الآن مجموعة من الأتراك.
5 ـ المؤسسة الثقافية الإسلامية، ورئيسها مدحت شيخ الأرض، ومديرها العام الجديد هو اللواء المتقاعد كمال سراج الدين المرغلاني.
6 ـ المركز الإسلامي في لوزان، ويؤم الناس فيه ويقوم بتعليمهم جميل حسن، وهو تلميذ للشيخ عبد الله الحبشي صاحب لبنان.
ضياع كثير من أجيال المسلمين في الغرب:
وكثير من الذين ولدوا في أوربا أصبحوا لا ينتمون إلى الإسلام انتماءً سليماً، ولا ينتمون إلى أوروبا انتماءً صحيحاً، بل هم إلى الضياع أقرب نسأل الله السلامة.
من الأمثلة أن غلاماً جزائرياً عمره (12 سنة) صوته جميل وقد استُغِلَّ للغناء، ويمكن أن يصبح بعد فترة من مشاهير المغنين ذوي الملايين وأمه فرنسية.
وبعض الفتيات يبعن أعراضهن وهن مسلمات، ولكنهن قليلات.
فهذا الجيل جيل ممسوخ لا يدري إلى ماذا ينتمي.
وهذا النوع موجود في أوروبا كلها، وإن كان في فرنسا أكثر وضوحاً، ويمكن أن يكون أغلب المسلمين ضائعاً، وقليل منهم استطاع أهلهم الحفاظ عليهم.
ما الحل لهذا الضياع؟
وقال الأخ يحيى بعد أن سرد هذه المعلومات: وما الحل لهذه المشكلة؟
الحل محاولة جمع أكثر المسلمين الذين لهم صلة بالدين وبالمسجد، وتوجيههم إلى التعاون في تربية الأبناء، بإنشاء مدارس وربط الأولاد بالمساجد، كل في مدينته أو حارته.
ويستفاد من المشايخ الذين تبعثهم الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، ورابطة العالم الإسلامي، وهم قليل لا يكفون، وحتى بعض هؤلاء يواجهون مشكلات، والناس يعانون منهم إلا الذين عندهم صدور واسعة وسعة أفق ومعرفة باللغات الغربية، فإن الناس يستفيدون منهم بخلاف ذوي الآفاق الضيقة والصدور الحرجة.
ولا بد من إصدار صحف في كل منطقة بلغة أهلها وإذاعات محلية.
ومن أهم الوسائل إنشاء مدارس خاصة لأبناء المسلمين، يتوافر فيها المدرس والمنهج والكتاب، وإقامة المدارس تحتاج إلى مال، ويمكن أن يبدأ في أول الأمر بروضة أطفال على مستوى عال، ويمكن أن تغطي نفقاتها من نشاطها وسيتعامل معها المسلم وغير المسلم، ويتدرج بعد ذلك في إنشاء مدارس ابتدائية ثم ثانوية.
وتوجد مدارس تجارية كثيرة، ولا يمكن استمرارها بدون أرباح، ومعنى هذا أنه لو أراد بعض الأثرياء من المسلمين أن يعملوا خيراً بإنشاء مدارس خاصة، سيربحون على المدى البعيد، أو على الأقل لا يخسرون.
مع الدكتور سعيد رمضان:
وبعد عصر هذا اليوم زرنا الدكتور سعيد رمضان في منزله وكتبت عنه بعض المعلومات عن نفسه وعن العمل الإسلامي في سويسرا:
ولد الدكتور سعيد رمضان سنة 1926م في شبين الكوم بمصر، نشأ في مدينة طنطا، ثم في القاهرة، وبها حمل الشهادة الجامعية ونال شهادة الدكتوراه من ألمانيا في يناير 1959م، [وموضوعها: التشريع الإسلامي]. والتحق بالدعوة ـ في حركة الإمام حسن البنا، رحمه الله ـ سنة 1939م.
وخرج من مصر سنة 1954م.
و بعد إطلاقه من السجن ذهب إلى القدس، وكان أمين عام المؤتمر الإسلامي في القدس، وبقي سنة في القدس.
ثم ذهب إلى دمشق سنة 1955م.
وعقد المؤتمر الإسلامي الكبير سنة 1956م.
وخرج من سوريا سنة 1957م إلى بيروت.
وجال في العالم الإسلامي من أجل المؤتمر، وحضره مائتان وخمسة وسبعون، بدون بطاقات سفر، يعني أن الناس حضروا على حساب أنفسهم، وممن حضر المؤتمر الأستاذ المودودي والأستاذ الدكتور محمد ناصر الإندونيسي والأستاذ أبو الحسن الندوي.
وكان أهم قرار صدر من قبل المؤتمرين أن قضية فلسطين قضية إسلامية، وكل تعامل مع اليهود خيانة يعاقب صاحبه بضرب النار.
كما صدر قرار مهم جداً ـ ولم يطلع عليه إلا بعض كبار الحاضرين ـ منهم الندوي والمودودي والهضيبي ـ وكان في السجن ـ ومحمد ناصر وهو إنشاء مركز إسلامي يكون خارج بلاد المسلمين واختيرت جنيف لتكون مقراً له، ويتولى تمويله الدكتور محمد ناصر عن طريق التجار المسلمين في أمستردام. [وقد فرضت على الدكتور محمد ناصر الحكومة الاندونيسية في عهد سوهارتو الإقامة الجبرية في منزله].
وحصلت مشكلات قضت على المشروع في إندونيسيا وغيرها.
ثم ذهب الدكتور سعيد رمضان إلى قطر، بدعوة من الشيخ أحمد آل ثان.
وأقام في مدينة جنيف من سنة 1958م.
وسألت الدكتور: هل يرى أن الأوروبيين قد أقيمت عليهم الحجة بتبليغ الإسلام؟ فقال: نحن المسؤولون عن الذين لم تبلغهم الدعوة، فإذا لفت نظر الكافر إلى الإسلام بدعوة صحيحة، فقد قامت عليه الحجة، وإذا لم يبلغه الإسلام بمعناه الصحيح فحكمه حكم أهل الفترة. [هذه المسألة تحتاج إلى تمحيص وجمع للأدلة والواقع ومذاكرة أهل العلم فيها ولعل ذلك يتيسر لي في الكتاب الذي أنوي تأليفه بعنوان: البلاغ المبين].
وقال: الغربي الذي لا يعرف الإسلام إلا عن طريق الكتب الغربية التي شوهت الإسلام، لا ينتظر منه أن يسلم.
وسألته عن ترجمات معاني القرآن، هل تؤدي الغرض من إقامة الحجة؟
قال: الترجمات هي عبارة عما فهمه المترجم من القرآن، وقد لا يصح فهمه أساساً، وقد يصح فهمه، ولكن اللغة لا تسعفه في تأدية المعنى.
وأهم وسيلة لنشر الإسلام، هي تطبيق المسلمين للإسلام، والإنفاق على الدعوة دون ضجيج إعلامي، وقال: إن الحرية الموجودة في الغرب تفتح المجال للدعوة إذا استغلت تلك الحرية بذكاء.
وأجهزة الإعلام في الغرب يسيطر عليها اليهود، وسوء أخلاق العرب ومعاملتهم مع سيطرة اليهود، تعتبر عقبة كبيرة دون فهم الإسلام والدخول فيه.
وكان لدى الدكتور سعيد عندما قابلناه الأستاذ جمال البنا، وهو أخو الإمام حسن البنا رحمه الله، ويشتغل بالتجارة وله بعض المؤلفات(4).

هل هو مجتهد أو لا يقرأ القرآن؟!
صدرت للرجل "جمال البنا" تصريحات خالف فيها ما جرى عليه علماء الإسلام قديماً وحديثاً، مع أن الرجل نشأ في بيت علم، فقد كان والده محدثاً وهو الذي شرح مسند الإمام أحمد بن حنبل في كتاب سماه: "الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني" وكان أخوه الأستاذ حسن البنا رحمه الله من أعلام العصر في الدعوة، ولم يحرز غيره من الدعاة ما أحرزه هو من كثرة الأتباع المنتشرين في الأرض.
ومن تصريحات جمال البنا المنسوبة إليه، ما نشرته جريدة الشرق الأوسط التي من عادتها تصيد ما يلائم توجهها من الفتاوى الشاذة.
وهذا نص ما نشرته عن "جمال البنا":
شقيق حسن البنا مؤسس الإخوان المسلمين يهاجم الحجاب..
http://www.asharqalawsat.com/view/news/2004,03,09,222097.html
جريد الشرق الأوسط 9 مارس 2004م
القاهرة ـ رويترز: قال كاتب مصري إن الحجاب تم فرضه فرضاً على الإسلام، وإنه ليس إلا تقليداً اجتماعياً، مشيراً إلى تأثر علماء المسلمين بالحضارات القديمة في كثير مما يخص المرأة.
وقال جمال البنا، وهو شقيق حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين في مصر، أمس لـ«رويترز» إن مصر الليبرالية في الثلاثينات والأربعينات من القرن العشرين لم تعرف ظاهرة الحجاب إلا «باعتبارها قضية اتيكيت أو آداب وليست عقيدة». وأوضح أن للتمييز بين الرجل والمرأة جذوراً تعود إلى مراحل تاريخية قديمة في أكثر من حضارة «في قانون حمورابي وفي فلسفة أرسطو وفي القانون الروماني، وقد عززت اليهودية والمسيحية ذلك كما جرى على سننهم الفقهاء المسلمون».
إذا صحت نسبة هذا الكلام إلى الأستاذ جمال البنا، فهو من أعجب ما ينطق به مثقف عادي نشأ في بلاد الإسلام وقرأ القرآن الكريم، ولو في الكتاتيب القديمة!
هل قرأ قول الله تعالى: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوْ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنْ الرِّجَالِ أَوْ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}. [سورة النور، آية: 31].
وأيا كانت هذه الزينة التي نهى الله تعالى النساء المؤمنات عن إبدائها لغير من ذكر في الآية من محارمهن... فإنها تعني الحجاب.
وهل قرأ قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً}. [سورة الأحزاب، الآية: 59].
وهل قرأ الأحاديث الصحيحة الصريحة الواردة في حجاب المرأة؟
إنني أجزم بأن الرجل قرأ ذلك وغيره من كلام المفسرين وشراح الحديث والفقهاء، وكلها واضحة في أن الحجاب أمر شرعي، وإن اختلف العلماء في ستر الوجه هل هو واجب أو لا؟
ولكن الرجل تأثر كغيره من المثقفين بدعايات الغربيين وتلاميذهم من أبناء المسلمين، فلا يجوز أن يخدع بهم المسلمون، وإن كانوا من الأسر الشهيرة بالعلم، وهو ما أرادت جريدة الشرق الأوسط أن تخدع به جهلة المسلمين، عندما قال: "وهو شقيق حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين في مصر" ونقول: لو أن زعيم جماعة الإخوان المسلمين حسن البنا نفسه، قال هذا الكلام، لما جاز للمسلمين أن يأخذوا به، لمخالفته كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وعامة علماء الإسلام.
ثم ودعنا الدكتور سعيد رمضان. [توفي الدكتور سعيد رمضان في 8/3/1416 هـ ، 4/8/1995م (يوم الجمعة) في أحد مستشفيات جنيف راجع مجلة المجتمع عدد (1168) غرة جمادى الأولى سنة 1416 هـ 26/9/1995م ص 50 رحمه الله وخلفه في أسرته بخير].
تعقيب الأخ يحيى باسلامة على كلام الدكتور سعيد رمضان:
وعقب الأخ يحيى باسلامة، فيما يتعلق بقدم الدعوة في العصر الحاضر في سويسرا، فقال: كان شكيب أرسلان يأتي إلى هذا البلد ويلتقي بالهيئة العالمية، وينزل في لوزان وكان أميراً ينال مساعدات مالية، وينفق على الدعوة، وكان الدكتور زكي على يكتب له الرسائل، وهو مصري من محافظة الشرقية جاء إلى أوروبا قبل الحرب العالمية الثانية، وهو شاب جاء تقريباً سنة 1943م ولا زال موجوداً، وقد بلغ من العمر ثمانين سنة، وأسلم بعض السويديين في المغرب، وكان لهم اتصال بالدكتور زكي علي، وكانوا يهتمون بقضية سوريا ولبنان، وقد كتب شكيب أرسلان مجلدات إسلامية.
ثم أنشئ المركز الإسلامي سنة 1961م، أنشأه الدكتور سعيد رمضان. وقال الأخ يحيى: لم أدر عن أحد ذكر أنه أسلم عن طريق المركز، ولكن المسلمين الذين أسلموا في شمال إفريقيا كانوا يستفيدون من المركز، وقد أشهر بعض المسلمين إسلامهم فيه.
بدأ المركز بإصدار نشرات باللغة العربية، واللغة الفرنسية، واللغة الإنجليزية، واللغة الألمانية، وصدرت منه مجلة: المسلمون.
وكان المركز يدعو الطلبة لعقد مؤتمرات فصلية، وكان من ضمن الحاضرين الدكتور حسن الترابي الذي كان يحضر الدكتوراه في السربون، وكان الطلبة يحضرون من بلجيكا وألمانيا والنمسا وإيطاليا، مجموعات صغيرة في حدود خمسين أو أربعين طالباً.
وانتشرت الجمعيات في الجامعات، ونشأت أعمال أخرى أكبر، وهي المراكز.
ومن الشباب النشطين غالب همت في ألمانيا، وقد تجول في دول الخليج وجمع تبرعات لمسجد ميونخ، وكان سعيد رمضان رئيس لجنة التبرعات.
واشتغل الدكتور سعيد بالسياسة عندما وقف ضده عبد الناصر، وتقلص نشاط المركز عند ذلك. ووقفت صعوبات مادية، وطالبت رابطة العالم الإسلامي بخضوع المراكز الإسلامية لتوجيهها، إذا أرادت أن تتلقى المساعدات منها.
وقطعت المساعدة عن المركز سنة 1969م فشلت حركته.
وترك الأخ يحيى باسلامة المركز سنة 1970م لعدم وجود راتب يؤمن له المعيشة وهو متفرغ للدعوة، وكذلك ترك المركز الشيخ محمود بوزوزو وهو جزائري سنة 1972م.
وطلبت الرابطة من البعثة استئجار مكان للقيام بعمل مركز، وسمي المقر: المعهد الإسلامي، وكان رئيسه نجيب الراوي الذي كان وزيراً في عهد الملكية في العراق، ثم سفيراً للعراق في باريس ثم تقاعد.
وكان إمام المعهد الشيخ محمود بوزوزو.
وعندما بني المسجد وقامت المؤسسة الثقافية الإسلامية قفلوا المعهد، لأنه كان تمهيداً لإنشاء المسجد، ولا زال الشيخ بوزوزو إماماً للمسجد.
وكان المسؤول عن المؤسسة الدكتور مدحت شيخ الأرض.
قال الأخ يحيى: وقد قدمت له اقتراحاً يتم بموجبه التعاون بين أعضاء المؤسسة وغيرهم من المسلمين من الجالية فرفض ذلك.
والاقتراح هو: تكوين لجان يكون المسؤول عن كل لجنة أحد المسؤولين في المؤسسة، ويكون من بين أعضائها بعض أفراد الجالية، وقال الدكتور مدحت شيخ الأرض: لا نترك أي مجال لأحد يعمل معنا في هذه المؤسسة. [وهذا من أكبر أسباب تثبيط العمل الإسلامي في العالم، وهو أن يستغل شخص أو أشخاص بالمؤسسات فيرى غيره أجانب عنها ويرى المسلمون خارجها أن في ذلك استبداداً واغتنام فرص تحقيق مصالح مادية، فيموت بذلك العمل الإسلامي].
وقد قامت في المؤسسة مدرسة لمدة ساعتين في الأسبوع صباح الخميس و بعد الظهر منه، وبعد ظهر السبت، وتقوم المؤسسة بعقد الزواج، وتجهيز الموتى وإشهار الإسلام.
والمكتبة موجودة، وفيها مراجع جيدة، وهي مفتوحة باستمرار للاستفادة منها.
نشاط الأخ يحيى باسلامة وأسرته في تعليم أولاد المسلمين:
ومنذ تسع سنوات كان أحد البنغاليين يطلب من يعلم أولاده القرآن، فوعده الأخ يحيى أن يدرس الأمر مع أهله، وعندما اتصل بزوجته وافقت على القيام بالتعليم، وزاد عدد الأولاد عندها حتى بلغوا 35 إلى 40، وهي تعلمهم يوم الخميس ويوم السبت، وبعضهم يأتون يوم الأربعاء.
ويقوم الأخ يحيى بتدريس بعض أبناء المسلمين الذين يدرسون في مدارس إنجليزية خاصة.
وتوجد مدرسة إنجليزية على بعد مائتي كيلومتر من مدينة جنيف، وهو يحضر إليها في الشهر مرتين لتعليم أبناء المسلمين فيها، وهم جهال بدينهم، وأغلبهم من أولاد الأثرياء من ماليزيا وباكستان والهند ونيجيريا وغيرها.
وتوجد في المركز دروس باللغة الفرنسية، يقوم الأخ مالك بثلاثة دروس في ثلاثة أيام، ويلقي الأخ يوسف دروساً يوم السبت.
ويعقد الأخ يحيى حلقات كل يوم ثلاثاء باللغة الإنجليزية، وتوزع نشرات عن مبادئ الإسلام في المركز الإسلامي كل يوم جمعة.
نشاط الشيخ يوسف بن إبرام الحجوي:
وقال الأخ يوسف بن محمد إبرام الحجوي مبيناً ما يقوم به من عمل:
بدأت بدرسين يومي الأربعاء والسبت، وأقوم بزيارة المسجونين، ويوجد في جنيف 37 سجيناً مسلماً، وبعضهم يلتزمون بالإسلام أفضل من بعض الذين هم خارج السجن، وأجلس معهم كل يوم جمعة جلسة.
وقد أضرب أحد السوريين عن الطعام 57 يوماً وجدوا عنده 14 كيلو هيروين، ولما سئل لماذا فعل ذلك؟ قال للمسؤولين: أنتم استعمرتم بلادنا ونحن نفعل معكم هكذا، وكان يطلب أن ينقلوه إلى سجن آخر، والقانون يعارض ذلك، فاقترح أن يكون في مستشفى وترك الإضراب.
هكذا يفعل أهل الإيمان الصادق:
وقال: إن أحد السويسريين جاء إلى المؤسسة وهو مسلم، وكان قبل إسلامه قد ارتكب جريمة قتل وهرب، ولم يعرف عنه أين هو؟ ثم رجع ولم يعرف أحد أنه هو القاتل، وكان سفره إلى بلاد المسلمين فأعجبته إقامة الصلاة في المساجد وغيرها، وكذلك أعجب بالمعاملات الإسلامية بين المسلمين، وبعد أن أعلن إسلامه في المؤسسة ذهب إلى المسؤولين واعترف بالجريمة وأخبرهم أنه مسلم، وهذا الموقف لم يعرفه أهل البلد، ولهذا تعجبوا من اعترافه وخففوا عنه العقاب، ويتعاملون معه في السجن كأنه موظف عندهم وليس سجيناً!
قال الأخ يوسف: ودخلت معه في الزنزانة وقلت له: أتمنى أن أكون في مكانك لشدة ما رأيت من صلاحه.
والأخ يوسف عضو في مجلس إدارة المسجد (مسجد ديجون)، وإمام المسجد هو عبد الرحمن رجب الحنبلي، وبينه وبين أهل المسجد مشكلات بسبب تمسكه، ولكنه فيه حدة.
قال: وقد نصحته أن يهتم بالطلاب في نشاطه غير الرسمي، ويكون نشاطه الرسمي مع الجالية التي تحسن الصلة مع الفرنسيين، ولكنه اتجه بكل نشاطه إلى الطلبة ولم يحترم كبار السن فوقفوا ضده.
وأكثر أعمال الأخ يوسف في خارج المؤسسة مع المسلمين، يزور عدة أماكن في المنطقة الفرنسية، وقد بلغ عددهم في طنون خمسين شخصاً.
وأكثر المسلمين الموجودين في سويسرا لهم التزامات سياسية.
وقد بدأ الأخ يوسف يحاول الاتصال بغير المسلمين في خارج المؤسسة، واتصاله بهم في المقهى عن طريق الطلبة من أصدقائهم ويبدأون بالتعارف، ويجد عندهم استجابة للحديث عن الإسلام.
ويؤثر فيهم الأسلوب السهل، كذكر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم مع الناس وقصص بعض الصحابة.
ويسألون عن الحدود وتعدد الزوجات والجهاد؟ ويقتنعون بالإجابة فيما عدا الحدود.
وقال: إن بعضهم بدأ يتصل به بالهاتف، للاستفسار عن بعض المبادئ الإسلامية، ويدعونه لزيارتهم في منازلهم، وقد جلس مع عائلة فرنسية، من الساعة الثانية عشرة ليلاً إلى الصباح، في نقاش عن الإسلام [وهذا دليل على قبول غير المسلمين زيارة المسلمين لهم في منازلهم، إذا كان الزائر يحسن الحوار وعنده ثقافة تؤهله لذلك وهو خلاف ما يدعي بعض المسلمين أن أهل الغرب لا يقبلون الزيارة في منازلهم، وفي بعض لقاءاتي في الرحلات الأوربية شيء من ذلك] وقال: إن النساء أقرب إلى التأثر بالإسلام.
وقد أسلم على يديه ستة أشخاص بينهم امرأة يهودية. [هذا يدل على عدم صحة ما يدعيه كثير من المسلمين من صعوبة الاتصال بغير المسلمين لتبليغهم الإسلام وسيأتي كثير من هذا].
ومنهم امرأة إفريقية من توجو، جاءت مع سويسرية تسأل عن الإسلام، لأنها تريد أن تتزوج مسلماً، ونسيَت إقامتها عندنا، فسألتْ عنها وأعطيتها الإقامة، وكانت أمها عندما ضاعت إقامتها في المسجد تسبها، وعندما ذهبتُ بالإقامة وجدتُ أمها وأعطيتُها الإقامة ورقم الهاتف، واتصلت بي البنت، وجاءت إلى المسجد ثلاث مرات تسمع عن الإسلام ثم أسلمت.
أحداث تدفع إلى طلب الحقيقة والإيمان بها:
وذكر الأخ يوسف أن رجلاً سويسرياً يعتبر بطل سويسراً في المنطاد (البالون) كان معجباً بقوته، جاء إلى المسجد يوم الجمعة، وكان واقفاً أمامي عند باب المسجد، فقلت له: هل تريد شيئاً؟ فقال: جئت لأرى عبادة المسلمين، فأريته بعض الأمور عن الإسلام وأعطيته كتاباً عن الإسلام.
وبعد أسبوع رجع وحدد موعداً معي، فجلسنا ثلاث ساعات، وهو قد كفر بالكاثوليكية، والبروتستانتية، وذهب إلى المعبد اليهودي، ثم كان أخر مجيئه إلى المسجد، وقال: إنني طفت بكل المعابد لأتمكن من الاقتناع بأي دين قبل ذلك فلم يتم لي شيء، وكان عندي ولد تبنيته فقال لي: يا أبي لم يبق عليك إلا أن تزور المسجد.
وقال: إنه سابق بالمنطاد فجاءت عاصفة كاد يهلك فيها، وهو مهندس، فرفع بصره إلى السماء وقال: إذا كنتم موجودين فوق فأعينوني، فإذا نجوت فسآتيكم وأخلص لكم، فنجا في الحال مع أن العاصفة لا تزال موجودة.
وهذا هو السبب الذي جعله يتتبع كل الأديان، وكان آخر دين يتعرف عليه هو الإسلام.
وقال الأخ يوسف: مكثت معه أكثر من ثلاثة أشهر، وكنت أعطيه كتاباً بين كل جلسة وأخرى، ومنها كتاب منهاج المسلم للشيخ أبي بكر الجزائري. وجاء يوماً بدون ميعاد فقال لي: لماذا لم تدعني إلى الإسلام؟ فقلت له: أنا أتمنى لك ذلك، ولكني أريد أن يأتي ذلك منك، [هذا الأسلوب يتبعه كثير من الإخوة الدعاة في البلاد الأجنبية وهو إعطاء غير المسلم ما يبين له من معاني الإسلام دون دعوته المباشرة، وأرى أن هذا الأسلوب يخالف أسلوب النبوة فقد كان الرسل عليهم السلام ومنهم رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم يدعون الناس إلى الإيمان بالله مع شرحه لهم، وبخاصة عندما يرى أن الشخص يلتمس ديناً ليؤمن به، وقد يكون هذا الأسلوب مناسباً مع بعض الناس لظروف خاصة أما أن يتخذ ديدناً مع كل الناس فلا]. فقال: أريد أن أسلم، ولم يدخل المسجد قبل إسلامه، وعندما أسلم دخل وصلى معنا الجمعة، وتردد إلينا كثيراً، ثم قرر أن يأخذ زوجته ويبيع أملاكه ويذهب إلى المغرب، يعني يهاجر بدينه. وقالت زوجته: إنه ما كان ينام ساعتين متواليتين قبل إسلامه، والآن أصبح ينام كثيراً، وهو مهندس معماري كبير ساعدته السفارة المغربية بالعمل في المغرب.
وسائل ناجحة للدعوة إلى الإسلام في الغرب:
وسألت الأخ يوسف عن الوسائل المفيدة والمتاحة، للدعوة إلى الإسلام في الغرب؟ فقال:
1 ـ الجريدة والمجلة، والمحاضرة العامة.
2 ـ والاتصال المباشر.
3 ـ والإذاعة إذا أحسن استعمالها.
4 ـ والنشرات إذا وجدت الإمكانات المادية.
5 ـ طبع كتب صغيرة بلغة البلد.
6 ـ ومن أهم الوسائل إنشاء مدرسة لأولاد المسلمين، والقانون لا يمنعها، إذا توافرت فيها الشروط في المنهج والمدرسين والإداريين والمقر.
فإذا قدم للدولة ملف كامل لهذا المشروع مع مساندة بعض الحكومات في الشعوب الإسلامية، فإنه يتوقع نجاحه، وقال: توجد الآن محاولة مع وجود مدير المؤسسة الجديد، وشارك في هذا الحوار بعض الإخوة العرب.
مع أنطوان موريس في مقر جورنال دي جنيف:
الأربعاء: 5/11/1407هـ.
ذهبنا للقاء بعض المسؤولين عن الجريدة العالمية الشهيرة: (جورنال دي جنيف)، والهدف من ذلك محاولة إقناعهم بإعطاء فرصة للمسلمين، لإيضاح حقيقة الإسلام، وأن يستقوا منهم ما ينشرونه في الجريدة عن الإسلام، بدلاً من أخذ ذلك من غير المسلمين.
وقد التقينا في مقر الجريدة رئيس قسم الشؤون الخارجية العالمية: أنطوان موريس الذي استقبلنا استقبالاً حاراً، واستعد لإعطائنا المعلومات التي نطلبها منه. [لأجهزة الإعلام دور كبير في تشويه الإسلام، والجريدة جزء مهم من هذه الأجهزة، وقصدت من الاجتماع بأمثال هذا الرجل محاولة التوجيه إلى وجوب النزاهة والاعتدال في الحكم على الإسلام وأن المصادر يجب أن تكون صحيحة ويكفي أن يسمع منا أمثاله ذلك، وفي نفس الوقت اطلاعه على شيء من معاني الإسلام].
قلت له: هل هناك مصادر وثيقة تطلعون عليها عن أحوال المسلمين؟
فقال: نحن نفرق بين المسلمين المستوطنين عندنا، والمسلمين في الخارج، وفي الجريدة قسم رفيع تُبرز فيه أحوال المسلمين في الدول الإسلامية، والجريدة في بلد عالمي في جنيف، ولها أولوية في الاتصالات والبحوث العالمية منذ مائة وخمسين سنة، تتبعت أحوال العالم والأمم المتحدة وأحوال أوروبا، ومن ضمن ذلك محاولتها تفهم أحوال المسلمين كحضارة وليست كسياسة، والسؤال واسع جداً.
والصحفي بالنسبة للمصادر، يحاول أن يشرب من كل منهل، من الأحسن إلى الأردأ، ثم يقول رأيه ويزن جميع المصادر. وضرب مثالاً لذلك فقال: السويسريون يوجد منهم رجال أعمال، ويعرفون عن التطورات الثقافية والاجتماعية في بعض بلدان المسلمين، وهؤلاء يمكن أن يكونوا مصدراً جيداً لقوة تحليلاتهم.
وعندنا مجموعة من الناس هم ذوو مستوى ثقافي عال، ويهتمون بالشرق الأوسط، وبخاصة دول الخليج، وهؤلاء يعتبرون مصدراً أيضاً.
وإذا التقينا بعض المسلمين من البلدان الإسلامية، فإننا مستعدون أن نسمع منهم، ويتحدثون بحرية عن بلادهم، وهؤلاء يعتبرون من مصادرنا.
ولدينا ممثلون يدورون حول العالم بجولات صحفية، وتنشر موضوعاتهم في الصحيفة؛ هذه مصادرنا.
وأما في داخل سويسرا، فإن الوضع فيها بالنسبة للمسلمين لا يهددنا كما يهدد الدول الكبرى، والمسلمون هنا يعيشون في مستوى مادي مقبول، ولا يوجد مهاجرون مسلمون كثيرون، بسبب الحد من الهجرة، فليست صورة المسلمين مشوهة عندنا. [يبدو أنه يقصد التفجيرات والاغتيالات والاختطاف].
وسألته: هل تفرقون بين منهج الإسلام الذي جاء به القرآن والسنة وبين تصرفات بعض المسلمين السيئة، أو تخلطون بينهما وتجعلون تلك التصرفات من الإسلام؟
فقال: للقدرة على الإجابة عن هذا السؤال لا بد من الرجوع إلى ثقافتنا الدينية، وقضية الديانات معروفة عندنا في أوروبا، لأنا عشنا فيها قرونا طويلة عيشة عنيفة، واشتدت الحروب الدينية في هذا البلد ونشأ به دين جديد، لهذا لا ننظر إلى الأمور العالمية بطريقة عاطفية، وإنما ننظر إليها بميزان العقل، ولا يعني هذا أنه ليس للميزان الديني أهمية في تاريخ البشرية، ولكن الناس عملوا خيراً عن طريق الدين في بعض الأوقات وفي بعض الأوقات عملوا شراً كثيراً.
والذين عندهم فكر نيّر يعرفون القيم العظيمة الموجودة في الإسلام، ويشعرون بتقارب بين الإسلام والمسيحية في بعض القيم في التوحيد وتطور البشرية في الأخلاق والتعاون مع الغير. [أي توحيد في التثليث؟ ولكن بعض النصارى يرون وحدانية الله].
والمحسوس به هنا صعود العالم في التقدم الحضاري، هو تقدم لا ديني، ومع هذا تقدم كثير من الدول الإسلامية، ونحن نشعر بقيمة الإيمان، وإذا تكلمنا نقول: رجال الفكر يرون أن الإيمان لا بد منه وإن لم يعترف بهذا كثير من الناس.
وإذا حللنا العلاقات العالمية، فلا بد من النظر إلى جوانب أخرى: مثل الحكومات ورغباتها، وننظر للتاريخ القديم والجديد، وحاجة بعض الشعوب للتحرر، من ناحية السياسة والأحوال الاقتصادية وتطويرها، كل هذه الأمور ننظر إليها، ولا نقع في الغلط.
فإذا حصل عنف لا نقول: إن سببه الإسلام، بل يحصل الخطأ من نفس الرجال، حتى نكون واقعيين.
والحالة التي تقوم الآن في الخليج بين إيران والعراق، ليس سببها الإسلام، والذي يفكر هذا التفكير لا عقل له.
ثم وجه إلي هذا السؤال: فقال: إذا أردنا كتابة بحث كبير في هذا الموضوع، وهو كيف يعيش المسلمون، فهل يمكن أن يسمح لنا بزيارة البلاد الإسلامية لمعرفة ذلك؟ فقلت له: يمكن إن شاء الله، فقال: نريد أن نتحدث بطريقة مفيدة، فهل يسمح للمسيحي أن يذهب إلى هناك؟ [وسبب سؤاله أني ذكرت له أن كثيراً من المسلمين في الشعوب الإسلامية يطبقون الإسلام في شؤون الأسرة والمجتمع ولو رأى أهل أوروبا كثيراً من التصرفات الطيبة المبنية على الإسلام لتغيرت فكرتهم عنه].
قلت: نعم يمكن ولا يمنع إلا من دخول الحرمين فقط.
ثم سألته: هل يمكن للمسلمين نشر أفكارهم الإسلامية في هذه الصحف؟
فقال: المسلمون هنا فيما أعلم قلة.
وفي مثل هذا البلد الذي يعطي الحق للجميع في حرية التعبير، فالمجموعة القليلة لها أن تنشط في الصحف، ولكن الحق للأغلبية فممثل المؤسسة الثقافية لا يمكن أن يكون له مقال في الصحيفة الأولى يومياً عن الإسلام ومبادئه، وإنما بين حين وآخر.
ولا توجد قاعدة تمنع من ذلك، لا دينية ولا ديمقراطية، وإنما يعود ذلك إلى الفائدة التجارية، وبيع الصحيفة يعتمد على الكثرة الغالبة.
وبعد انتهاء المقابلة مع أنطوان أظهر سروره بهذا اللقاء وقال: إنه سعيد جداً بهذه المقابلة(5).

ويبدو لي من اعتذاره عن إمكان نشر المسلمين دعوتهم في الجريدة باستمرار ووضوح أن هناك سببين:
السبب الأول: الناحية التجارية، كما صرح بذلك، فالهدف الأساسي للجريدة تحقيق الكسب المادي، ولا يمكن ذلك إذا راعت حاجات الأقليات ونشر أفكارهم، فإن كثيراً من تلك الأفكار ستكون ضد أفكار الأغلبية والأغلبية أقل أحوالها أن تقاطع مثل تلك الوسيلة الإعلامية والغالب أنها تحاربها.
أما السبب الثاني: وهو لم يفصح به، فهو الضغط السياسي والاجتماعي في البلد، وكذلك الضغط الديني، وهذه الضغوط يصعب معها أن يعطى المسلمون حرية إعلامية تنافس أهداف المؤسسات الغالبة في البلد.
الاجتماع بالأخ المسلم السويسري حاتم كول:
طلبت من الأخ يحيى باسلامة أن يجمعني ببعض المسلمين السويسريين، فاتصل بالأخ حاتم كول ووافق على الاجتماع به، وجاءني في الفندق في الساعة الخامسة والنصف مساء، وكان الأخ يحيى هو الذي يترجم بيني وبينه.
قال الأخ حاتم: إنه منذ دخل الإسلام ـ قبل ثلاث سنوات ـ اهتم بالكتب الإسلامية المترجمة إلى اللغة الفرنسية، والسليم منها قليل، وقال إنه وجد مكتبة تسمى: المكتبة الإسلامية في باريس، وفيها كتب ضد الإسلام وكثير من الكتب كتبها المستشرقون واليهود.
وقال: إنه توجد خمس ترجمات لمعاني القرآن الكريم، وأما الحديث فلا توجد له إلا ترجمة واحدة لصحيح البخاري باللغة الفرنسية، والمترجم غير مسلم، ترجمه مستشرقان وعليهما تعديلات وتعليقات لمحمد حميد الله.
وتوجد ترجمة لمختصر تفسير الطبري باللغة الفرنسية، ويمكن أن يكون في ستة مجلدات، وقيمته حوالي ثمانمائة فرنك سويسري، وذكر دار النشر التي تتولى طباعته.
والكتب القديمة ترجم أكثرها المستشرقون، وفيها معان كثيرة غير سليمة.
وقال: إنك تجد في شارع واحد في مدينة باريس أكثر من خمس مكتبات أصحابها مسلمون، ولكن مدينة جنيف لا توجد بها مكتبة واحدة يملكها مسلم، وتوجد مكتبة يملكها عربي لبناني يتحدث عن الإسلام بطريقة منفرة عنه.
وقال الأخ حاتم: إن من الأمور التي تشغله إيجاد مكتبة إسلامية في جنيف، وأن يفهم الناس الإسلام عن طريق مسلمين يتحدثون باللغة الفرنسية، ويقدمون الإسلام بطريقة سليمة، وقال: إنه يود لو استطاع إيجاد مثل تلك المكتبة، وإنه قد تحدث مع مسؤول في دار الإسلام في هذا الموضوع، ويطمع في أن يساعد بالمبلغ المطلوب ليقوم بهذا المشروع، وأعجبه ما رأى في فرنسا من قيام مؤسسة بخزن معلومات عن القرآن والسنة في الكمبيوتر، يستطيع من يريد الاستفادة أن يحصل منها على ذلك بسهولة.
ومن الأمور المهمة جداً في هذا البلد تربية أطفال المسلمين وقال: إنه توجد في فرنسا في مدينة باريس مدرسة إسلامية أنشأها مسلم فرنسي اسمه أيوب، ومنهج المدرسة إسلامي، وقد شارك أيوب في الجهاد في أفغانستان وفي مدرسته يتربى أبناء المسلمين، وكذلك توجد في لندن مدرسة إسلامية أنشأها المسلم البريطاني يوسف إسلام.
أما في سويسرا فلا توجد مدرسة مشابهة.
أدلى الأخ حاتم بهذه المعلومات عندما بدأنا الاجتماع، قبل أن أبدأ أنا بأسئلتي الموجهة إليه.
خلاصة أجوبته عن الأسئلة:
ولد الأخ حاتم سنة 1935م في مدينة مرسيليا بفرنسا. [من هنا بدأ يجيب على أسئلتي].
وكان في أول أمره كاثوليكيا، ثم تحول إلى البروتستانتية عندما جاء إلى سويسرا عن طريق عائلة سورية، وكان عمره ثماني عشرة سنة.
ولكنه كانت حياته حياة مادية بحتة، وكان همه البحث عن قضاء الشهوات ورغد العيش، وكان ضيق النظر ولم يكن يشعر بأي راحة نفسية مهما حصل على ما يريد مما تشتهيه نفسه، لأنه كلما حصل على شيء رغب في المزيد فهو لا يقف عند حد في هذا الباب.
وقال: يستحيل أن يرتاح الإنسان الذي هذه أهدافه، لأن في فطرة الإنسان احتياجاً روحانياً، فإذا لم يجد ذلك فإنه يعيش في ضنك.
وقال: إنه لم يكن يفكر في الخالق والإله والغيب، بل كان في غفلة كاملة عن ذلك.
قلت له: كيف تكون في غفلة وعندكم وعاظ في الكنائس؟
فقال: توجد تعاليم عن الله والآخرة والغيب، ولكن بطريقة غير معقولة، ولا تمكن الإنسان من التفكر، ولا تحفز الإنسان أن يهتدي في حياته العملية بتلك التعاليم ولا يستطيع أن يجعل حياته مطابقة لها، لعدم موافقتها للفطرة.
والمسيحية التي ينشرها الكنسيون، لا تطلب من الناس أن يفكروا في التعاليم التي يذكرونها، وإنما يذكرون أشياء لا يقدر العقل على فهمها، والإنسان مفطور على حب التفكر والمعرفة، فإذا اصطدم بهذه الحالة غير المعقولة، فإنه يضطر أن يغطي حاجاته بالبحث عن المتع المادية، والمسيحيون عندهم حرية كاملة، ولا يتقيدون بأي شيء روحي ما عدا بعض الصلوات الكاثوليكية.
واليوم سمح في الصحف للنساء أن يظهرن عوراتهن بما في ذلك النهود، وهذا تحلل واضح، لم يقف ضده أحد.
وسألته: متى سمع عن الإسلام؟
فقال: إنه أرسل للتجنيد في الجزائر في الحرب سنة 1958م وعمره 25 سنة، فرأى مجموعة من النساء وهن في فقر ومأساة، لأن رجالهن يحاربون في الجبال، ومع ذلك رأى في هؤلاء النساء عزة وكرامة.
ولفت نظره أن الضباط الفرنسيين والكاثوليك، كانوا يقتلون المسلمين ويعذبونهم أثناء الأسبوع، وفي يوم الأحد يذهبون إلى الكنائس، وهذا سلوك يخالف الدين، وأحس في نفسه بتساؤلات: لماذا يحارب أهل تلك البلاد في بلادهم، وصدم صدمة عنيفة وتألم.
وكان أول ما سمع عن الإسلام في صغره وعمره خمس سنوات، كان يتمشى مع والده، فجلس أمام نافورة، فوجد رجلاً جزائرياً لابساً عباءة، فتعجب من منظره وسأل والده عنه فأخبره أنه مسلم، ولا يدري ماذا قال له أبوه عنه.
وكذلك رأى رجلاً من السنغال وأعجبه مظهره، وكان يعامل الأطفال معاملة طيبة وعرف أنه مسلم.
وقال: إنه مكث في الجزائر عشرين شهراً.
وبعد رجوعه من الجزائر بُعِث من قبل هيئة نصرانية، في عمل تطوعي مدني في المغرب، لمدة ثمانية عشر شهراً في بيت الأيتام، وهو جمعية خيرية، وكانت المجموعة التي اشترك معها في العمل من مختلف الطوائف المسيحية، وكانوا يتشاجرون بسبب اختلافهم في الدين، فضاق من ذلك وتركهم وذهب يعيش مع المسلمين.
وفي سنة 1961م وجد المسلمين يصومون رمضان، فصام معهم فجاء أحد المشايخ فقال له: هل أنت مسلم؟ فقال: لا ولكن أتضامن معكم والتزم بما تعملون، فقال له الرجل: أراد الله أن تخلق بين المسيحيين وأن يخلق اليهودي بين أسر يهودية وأنا خلقت بين مسلمين، وأنا أدعو الله أن يهديك الصراط المستقيم، وقال: إنني أتذكر هذا الكلام باستمرار.
وقال: وقبل أربع سنوات شعرت أنني أرغب في صيام رمضان، فاتصلت بالمؤسسة الثقافية الإسلامية في جنيف أسأل عن موعد بدء الصيام، وصمت ثلاثة أيام فقط.
وبعد ذلك بشهور التقى مسلماً فرنسياً، اسمه إبراهيم في منزل حاتم، فرآه يصلي، فأحب أن يصلي، فذهب به إلى المسجد وصلى في المسجد قبل أن يتشهد، وأثناء الصلاة جاءته الهداية فأحب الإسلام وارتبط به وكان ذلك قبل رمضان، وصام رمضان دون أن يعلن الإسلام، وأعلن إسلامه في يوم عيد الفطر سنة 1984م.
وبعد أن أعلن إسلامه، وجد أن الذين كانوا يهتمون بالعبادة في رمضان، لم يهتموا بها بعد رمضان فصدم بذلك.
وهنا قال الأخ حاتم: أحب أن أقول شيئاً مهماً جداً، وهو أنه وجد من خبرته في نفسه ومما رآه من أمثاله من المسلمين الجدد، أن فتنة عارمة تعترضهم، لأن الشيطان يكون لهم بالمرصاد، يشتت أفكارهم ويحاول إعادتهم إلى الجاهلية، وفي هذا الحالة حبذا لو وجدت هيئة في كل مركز إسلامي للعناية بهؤلاء الناس، في هذه الحالات التي يصابون بها.
ومع الأسف لقد كنت كذلك ولم أجد أحداً من المؤسسة الثقافية الإسلامية بجانبي يساندني في هذه المرحلة الحرجة.
ومن حسن الحظ أنني وجدت مؤازرة قليلة من شخص واحد، وهو هاني بن سعيد رمضان، ولكنه لم يكن قادراً على استيعاب مسلم جديد بسبب تشدده وضيق أفقه، وقد يكون كثير من المسلمين الجدد نكصوا على أعقابهم بسبب هذا الحالة الحرجة. [تكررت هذه الشكوى من قبل المسلمين الجدد وسيأتي لذلك أمثلة].
وسألت الأخ حاتماً: هل كان يسمع عن الإسلام شيئاً في أجهزة الإعلام قبل أن يسلم؟
فقال: إنه سمع كثيراً عن الإسلام، ولكن كل ما كان يسمع هو تشويه للإسلام وتنفير منه، وبخاصة عندما قامت الثورة الإيرانية وقبل ذلك لم يكن يسمع شيئاً، كان مشغولاً بالمسائل المادية.
وقال: إن الثورة الإيرانية، جعلت الصحف تتحدث عن الإسلام بتشويه شديد، حيث تثير أن المسلمين يقتل بعضهم بعضاً، بسبب الاختلاف في العقيدة، وكذلك قضية الأسرى الأمريكيين في إيران.
وسألته عن الموضوعات الإسلامية التي يمكن أن تؤثر في غير المسلمين في هذا البلد؟ فقال: الأولى أن يقال: كيف نقدم الإسلام بحقيقته الكاملة؟ في مجتمع منظم يظهر فيه الإسلام مشوها؟
والموضوع الأول: أن نسأل أنفسنا: كيف نستطيع الظهور بمظهر الإسلام الحقيقي في هذا البلد؟ حتى يتسنى للناس هنا وهم يقرءون ويسمعون عن الإسلام مشوهاً، أن يروا حقيقة الإسلام ويعرفوا من السلوك الإسلامي عدم صحة ما ينسب إلى الإسلام؟
أما ما يشاهده المجتمع هنا اليوم، فهو صورة تدل على التشويه، فالناس يرون في مقهى أمام فندق هلتون الرجل العربي وفي يده اليمنى سبحة وفي يده اليسرى كأس الخمر!!
ويرى آخر يلبس ثياباً عربية أمام أسواق الذهب ويشتري إطار نظاراته من الذهب، مع أن الإسلام يحرم استعمال الذهب للرجال.
وترى المسلمة لابسة الجلباب وهي تدخن. [لعله نسي أن يقول: وترى المسلمة تخطر في شوارع مدن الغرب عارية كالمرأة الغربية الكافرة].
والناس يسمعون ويقرءون عن الملايين التي يصرفها كبار رجال المسلمين في الملاهي الليلية، ومحلات القمار في ديفون وغيرها!!
ثم قال: والخلاصة: أن القدوة الحسنة هي الدعوة الحقيقية إلى الإسلام.
فمن أهم ما يجب أن يدرس في جامعات المسلمين، أن المسلمين رسل الإسلام في خارج بلادهم، وعليهم أن يبينوا للناس كيف تكون حياة المسلمين، فإذا فعلوا العكس فإن الناس ينفرون من الإسلام، وفي رأيي أن الناس هنا لا يحتاجون إلى موضوعات وإنما يحتاجون إلى القدوة الحسنة.
ولو وجدت مكتبة إسلامية تشرح الإسلام، وفيها من يفقه الإسلام ليفهم الناس عندما يسألون عن شيء منه، فإن ذلك سيفيد كثيراً، والمراكز الإسلامية الموجودة الآن ليس عندها هذه الإمكانات.
ألححت على الأخ حاتم أن يذكر بعض الموضوعات المؤثرة على الأوربي مع التسليم بصحة كلامه أن القدوة الحسنة هي أساس إقبال الناس على الإسلام.
فقال: ترجمة بعض الكتب إلى اللغة الفرنسية، كالبخاري ومسلم وبعض الكتب النافعة مثل كتب ابن تيمية.
ويرى الأخ حاتم أن بعض الأشياء لا ينبغي أن تترجم كختان البنت، وكصفة تقديم الذمي الجزية بحيث يقدمها وهو منحن، فإن هذا ينفر من الإسلام، من حسن الحظ أن الغربيين لا يطلعون على هذه الأشياء، كما في رسالة القيرواني في المذهب المالكي وقد ترجمت إلى الفرنسية.
وذكر من الوسائل النافعة:
المحاضرة العامة، وتكون فصلية في أوقات معينة، ويعلن عنها في كل مكان.
إيجاد مركز ثقافي إعلامي إسلامي، يوجه لغير المسلمين، ولا يكون بجانب المسجد، لأن الناس يخافون من المسجد ويظنون أنه شبيه بالكنيسة المعروفة عندهم، وهي لا تعد عندهم شيئاً يذكر، نحن محتاجون إلى أسلوب يجذب الناس إلى الإسلام، وهذا أهم من طرق موضوعات علمية.
والمفروض أن المسجد الذي يزخرف بعشرات ملايين الفرنكات يكتفي في بنائه بمليون واحد، ويبني بناءً متواضعاً، والملايين الباقية تنفق على أجهزة للإعلام بحيث يبنى بناء فيه إمكانات لاستقبال الناس ودخولهم على هيئاتهم التي لا يضر دخولهم بها فيه بخلاف المسجد الذي لا ينبغي أن تدخله النساء المتبرجات.
هذه الأمور هي التي أرى أنها أساسية، ولكنها لم تعمل، وبدلاً منها أوجدوا إذاعة سموها إذاعة الدين، وهي تذيع بجانب القرآن الموسيقى والأغاني وغيرها مما يخالف الإسلام.
وقال الأخ حاتم: إنه حاول أن يؤخذ بأفكاره في المؤسسة الثقافية الإسلامية ولكنه عندما جابههم بالحق وُوُجِهَ بعدم الرضا، ونبذت أفكاره، وكرر أن الناس في حاجة إلى مركز إعلامي، أما المؤسسة الموجودة بوضعها الحالي، فليست قادرة على أداء الواجب، فالإمام لا يأتي إلا في ساعات معينة، والإمام الذي عنده رغبة في العمل ومقدرة عليه لا يمكن ولا يعطي الفرصة. [لعل المدير الجديد للمؤسسة، وهو كمال سراج الدين يستطيع أن يحقق شيئاً من أفكار الأخ حاتم وقد نصحت الأخ حاتماً أن يتصل به].
وأبدى الأخ حاتم استياءه من بعض الموظفين في المؤسسة، وقال: إنه قد وجه نقده لهم خطياً ولم يردوا عليه!
وأكد أنه هو ومجموعة من المسلمين السويسريين، لا يمكن أن يستفيدوا من المؤسسة بوضعها الحالي، إلا أداء صلاة الجمعة واللقاء ببعض المسلمين الصالحين الذين لا يقدرون على عمل شيء من خلال هذه المؤسسة، مع رغبتهم في العمل.
وقال: إن الحاجة ماسة إلى شخص عنده علم وفقه عميق في الدين، وأن يكون ملماً بثقافة أهل البلد ويتحدث بلغتهم، وأن يكون عند الإمام استعداد للتفاهم مع الناس، وعنده اللغتان مع الأسلوب المناسب.
وقال: إنه سيحاول أن يعمل خارج المؤسسة، لتدريس الكتاب والسنة، وسيحاول أن يستأذن من بعض القسس ليعطوه مكاناً لذلك.
قلت للأخ حاتم: إن الله شبه المؤمن بالبصير السميع وشبه الكافر بالأعمى والأصم فهل شعرت بهذا المعنى؟
فقال: أي والله جداً، جداً! إني عندما أمشي في الشارع الآن وأتذكر الأيام التي كنت فيها مثل هؤلاء الناس، وأنظر إلى الرجال والنساء في وساختهم وقذارتهم وأحتقر عملهم وأستقبحه جداً، ولم أكن كذلك قبل الإسلام، بل كنت أعمل كما يعملون.
وسألته عن الجالية المسلمة الموجودة هنا ألا يرى أن خسارتها أكثر من ربحها في دينها؟
فقال إنه لا يرى بقاء المسلمين في بلدانهم والابتعاد عن الغرب، وإن كان الخطورة موجودة، لأن حضور المسلمين هنا يجعل غير المسلمين يعلمون شيئاً عن الإسلام وإلا كيف يعرفون الإسلام؟ [ولكن إذا كانت الخطورة تصل إلى تركهم دينهم فالواجب عليهم الهجرة إلى بلدانهم. وماذا سيستفيد أهل الغرب ممن خسر دينه عندهم؟!].
وقال: إن المراكز الإسلامية أصبحت كثيرة، والناس يستفيدون من وجود المسلمين.
وسألته عن عدد المسلمين السويسريين؟ فقال: مائة ألف تقريباً.
الجندي المجهول:
الخميس: 6/11/1407هـ
نسمع كثيراً في الإذاعات وغيرها من أجهزة الإعلام مديحاً يكال للجندي المجهول، وهو الذي يبذل نفسه في المعركة دفاعاً عن وطنه، فإذا قتل صعب التعرف على جثته لعدم وجود هوية معه، أو عدم وجود أهل يتعرفون عليه، أو لاختلاط أجزاء جسمه اختلاطاً يمنع من التعرف عليه، وتوضع للجنود المجهولين قبور خاصة يشيد عندها نصب عال يذكر بهم وبتضحياتهم، وقد يمد دائماً بشموع مشتعلة تخليداً عند الناس لذكراه، وإكراماً له جزاء ما بذل في الدفاع عن وطنه!
وقد يكون هذا الجندي المجهول لا يؤمن بالله واليوم الآخر، وقد يكون جباناً غير مقدام، ولكن الإكراه العسكري أمام الأوامر المسندة بنار القتل، اضطرته أن يكون في صف المقاتلين.
وقد يكون مقاتلاً شجاعاً، ولكنه ينصر الظلم والظالمين بقتاله، وقد يموت برصاص أهل الحق المظلومين الذين اعتدى عليهم في بلادهم.
وما أكثر الجنود المعلومين والمجهولين من هذا النوع أو ذاك، وهناك أصناف من البشر ينالون شهرة واسعة في شرق الدنيا وغربها، من أرباب السياسة، أو القتال، أو العلم، أو الرياضة، أو أرباب الرقص والغناء والموسيقى، أو غير هؤلاء وأولئك وكلهم ـ في الغالب ـ لم يقل يوماً من الأيام: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين، وإنما اشتهر لموافقة نشاطه لأهواء الناس وبخاصة الذين بأيديهم وسائل منح الشهرة، كالحكام والمؤسسات الإعلامية وغيرها، فيرفعون ذكره ويمجدونه، حتى يعرفه الصغير والكبير والمحب له والمبغض، وقد يكون وبالاً على الأمة وسبباً في زيادة انحطاطها...!
ولكننا في مقابل ذلك نعرف رجالاً ونساءً وشباباً وكهولاً، يخدمون أهداف الأمة العليا، ويفنون أعمارهم في محاولة تحقيقها، وهي أهداف سامية، وأعمالهم التي يبذلونها لذلك أعمال مجيدة، وإن قلت في النظر في بعض الأحيان، فهي جهد طاقتهم وغاية قدرتهم، ولكنهم حقاً جنود مجهولون عند البشر، وإن كان الله لا يضيع عمل عامل منهم من ذكر أو أنثى وهو مؤمن.
بل قد يكون في نشاط الرجل المؤمن والمرأة المؤمنة حياة الشعوب ومجدها، لما يثمره ذلك النشاط من الخير والتوجيه والبناء، فيكبت صوته ويؤمر بالانزواء داخل منزله، ليسدل عليه ستار النسيان، وتذلل الصعاب لرذيل أو رذيلة، في نشاط كل منهما موت الشعوب ودمارها، ولكنه ينال من التمجيد بقدر ما يفسد الأمة، وما أكثر هذا وذاك في العالم الإسلامي..!
هذا هو الجندي المجهول هنا!
أقول هذا، وأنا أمام رجل من رجالات الإسلام، وعلم شامخ من أعلام الدعوة إلى الله، ولكن في تواضع قلَّ أن يوجد في كثير من الرجال، وتَخَفٍّ ندر أن يقع ممن يقوم بجليل الأعمال!.
إنه الدكتور الطبيب الجراح الداعية إلى الله: زكي علي المصري الذي لم أسمع به إلا عندما بدأت أسأل عن أوائل الدعاة إلى الله في جنيف.
فقد طلبت من الأخ يحيى صالح باسلامة أن يتصل به هاتفياً، ليحدد لي معه موعداً التقيه فيه، فابتسم الأخ يحيى وقال: إنه لا يوجد لديه هاتف، فتعجبت من ذلك: طبيب وداعية في مدينة جنيف، وله فيها مدة طويلة، وليس عنده هاتف! وكيف نتصل به؟
فقال الأخ يحيى: إنني على صلة طيبة به، ويمكننا أن نذهب إليه في وقت من الأوقات التي أعرف أنها مناسبة لزيارته في الصباح، لأن الرجل ينام مبكراً في المساء، وبخاصة أنه كبير في السن وهو مريض بالقلب!.
وسألت الأخ يحيى: هل عنده أولاد؟ قال: إنه لم يتزوج، قلت: وهل عنده من يخدمه؟ قال: إنه يخدم نفسه فدهشت لذلك، وقلت: لله في خلقه شؤون!
في منزل الدكتور زكي علي:
وفي الساعة الحادية عشرة صباحاً، طرقنا باب الدكتور زكي علي، وبعد لحظات فتح الباب.
فرأيت ذلك الرجل العجوز النحيف الذي نحل جسمه، فقال: أهلاً وسهلاً، تفضلوا فدخلنا، فإذا منزل الدكتور زكي علي غرفة صغيرة في وسطها سرير، تحيط به من من جميع الجهات رفوف مملوءة بالكتب والجرائد والمجلات والوثائق، بها ممر صغير إذا أراد الدخول أو الخروج يمر به وبجانب هذه الغرفة مكتب الدكتور زكي، أتدرون ما هو مكتبه؟ إنه مطبخ صغير يعد فيه طعامه، وله في زاوية صغيرة منه طاولة صغيرة وكرسي يقعد عليه، وبقربها كرسيان يجلس من يزوره عليهما!
فكنت متحيراً، هل أصوب النظر إلى ذلك الجسم النحيف للشيخ العجوز، أو إلى ذلك المنزل الذي يقطن فيه وحده؟! ألا يخشى الدكتور زكي أن تفارق روحه جسده وهو وحيد في هذا المكان وقد وصل إلى هذه السن، وهو مريض بالقلب؟ ألا يخشى أن تسقط عليه وهو نائم على سريره تلك الكتب التي تحيط به متراكمة على الرفوف؟
وقلت في نفسي: لا بد أن آخذ منه بعض المعلومات والله تعالى يكون في عونه، ولم يدل بالمعلومات الآتية إلا بعد إلحاح شديد عليه.
ولد في سنة 1322هـ أي أنه بلغ من العمر 85 سنة، وقد ترك مصر وذهب إلى أوروبا ـ باريس ثم فيينا ـ سنة 1931م، وجاء إلى مدينة جنيف سنة 1934م أي له في أوروبا 56سنة، وله في جنيف بالذات 53 سنة.
قال: إنه عندما كان في فيينا سأل: هل يوجد مسلمون؟
فأخبر أنه يوجد شرقيون: هنود وأتراك وأفغان وعرب، ولهم اتحاد هدفهم منه التخلص من الاستعمار، قال: فدعوتهم إلى تكوين رابطة إسلامية باسم رابطة الثقافة الإسلامية، وقبل تأسيس الرابطة كان شكيب أرسلان في سويسرا، وأراد أن يزور الدكتور زكياً، وكان المسلمون في حالة احتفال بالمولد النبوي سنة 1932م.
وطلب عناوين المسلمين، وحضر شكيب أرسلان الاحتفال، فطلب من أحد السوريين أن يتلو القرآن، وطلب من الدكتور زكي أن يقرأ خلاصة للسيرة النبوية، ثم تحدث الأمير شكيب أرسلان ونبه الحاضرين على نعمة اجتماعهم في مكان واحد ـ وهم من بلدان متفرقة ـ باسم الإسلام ودعاهم إلى تكوين الرابطة الإسلامية، وأسست الرابطة في نفس السنة 1932م بعد انتهاء الحفل النبوي وحضر تكوينها الأمير شكيب أرسلان وتحدث مع الحاضرين وكان في يوم الأحد، ثم ذهب إلى البوسنة.
وعلمت الحكومة المصرية بنشاط الدكتور زكي، فطلبت منه العودة إلى مصر، وكان الإنجليز هم المسيطرين، وهددوه بالفصل من وظيفته إذا لم يعد، فلم يعد وفصلوه فعلاً.
وقال له شكيب أرسلان: أنت ضحيت بمركزك من أجل هذه الرابطة، وستتعب ولا تجد من يسعفك بالمال.
وممن حضر احتفال إنشاء الرابطة سفير الصين، وحضر غيره، وكان عدد المسلمين في الصين حسب قول السفير في ذلك الوقت خمسين مليوناً، قال الدكتور زكي: والعجيب أنهم الآن يقولون: أن عددهم خمسون مليونا!
قال: وكنت أكتب يومياتي في دفاتر.
قال: وقد تأكد لي صحة كلام الأمير شكيب أرسلان بعد أن اختبرت المسلمين، فأنشأت لجاناً بإذن من حكومة النمسا، وبعثنا خطابات إلى المسلمين نطلب منهم العون، لبناء مسجد في هذه السنة 1932م، فكانت النتيجة أن جاءتني ستة دولارات من الخارج، من مسلم روسي يعيش في فنلندا اسمه السيد إحسان في مدينة تامبري. [وقد حثني الدكتور زكي على زيارة فنلندا للتعرف على أحوال المسلمين هناك فزرتهم و تفصيل ذلك في الكتاب الخاص بفنلندا والنرويج وعرفت أن اسم الرجل الكامل زينة الله عماد الدين إحسان وأنه توفي في سنة 1946م. (5/62)].
كما جاءه جنيه واحد من تاجر مسلم في القدس.
وقال الدكتور زكي: قارن بين هذا وبين الراهبة تريزا التي تنصر أبناء المسلمين، الأيتام وغيرهم!.. المال الذي ينفقه المسلمون في الترف والإسراف، لماذا لا ينفقون بعضه في طاعة الله؟!
وأبدى الدكتور أسفه الشديد وقال: كيف يقوم الكفار بإعانة المجاهدين وأبنائهم وجرحاهم، والمسلمون يتأخرون عن ذلك؟
النصارى يقومون بتنصير المسلمين في العالم، كإندونيسيا والسودان ويدفعون الأموال الكثيرة، والمسلمون لا يبذلون في سبيل دينهم الأموال؟!
وسألت الدكتور عن الحوار المسمى بالمسيحي الإسلامي، فقال: لا فائدة فيه، وقد كتبت كتاباً في هذا الموضوع.
وقال: إنه عندما جاء إلى هنا، دعي ليتحدث في اتحاد الطلبة الدولي وأعطاه رجل دفتراً فيه وثائق مؤتمر عقد عن الأديان في جنيف سنة 1929م جاء ناس مسلمون من الهند والجزائر وغيرهما، ونصارى وهندوس وغيرهم من أهل الأديان.
والمسلمون مغرورون بدعوة النصارى إلى الاجتماع معهم ضد الإلحاد، مع أن الإلحاد والمادية موجودان عند النصارى. [ذكر لي بعض الإخوة في النرويج أن مؤتمرات تقام للنصارى ويدعون فيها المسلمين ويحصل فيها حوار مفيد جداً حيث يتضح لكثير من النصارى معان إسلامية كانوا يجهلونها ويبدأ بعضهم يحتك بالمسلمين ويستفسرون عن كثير من معاني الإسلام وإذا كان المسلمون على وعي فإنهم يقيمون الحجة على غيرهم في هذه اللقاءات].
وسألت الدكتور عن مقومات نجاح الدعوة إلى الإسلام، فقال: القدوة الحسنة التي يظهر بها المسلمون هي أساس النجاح، والإخلاص لله، لا لأجر دنيوي.
وسألته عن تاريخ اتصال المسلمين بسويسرا.
فقال: في القرن العاشر جاءت جاليات إسلامية، وسكنت قرب مدينة جنيف في جبل يسمى: موراي ـ تحريف المغاربة ـ ومكث بعضهم في منطقة فاليه ستين سنة، ولا بد أن يكونوا بنوا مساجد، ولكن المتعصبين النصارى لم يبقوا لهم أثراً، وتوجد أسر تلقب باسم: شرزان، وهو تحريف شرقيين، وسردان، تحريف صلاح الدين، ووجد الأمير شكيب أرسلان في منطقة تسمى ساموريس أثراً من كتابة القرآن، وتوجد قرية اسمها شمس، يحتمل أن المسلمين هم الذين أطلقوا عليها هذا الاسم. [للأمير شكيب أرسلان كتاب نفيس جمع فيه بين الوقوف بنفسه على آثار العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسط، وبين النقل من مصادر غربية واسمه تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسط].
هذه هي المعلومات التي استطعت انتزاعها من الدكتور زكي علي، وقال لي: إنه سيبعث لي عن طريق البريد بمعلومات أكثر، وعنده مذكرات وقصاصات كثيرة يحتفظ بها عن الإسلام والمسلمين في أوربا، وكتب عن سويسرا مقالاً خاصاً وعدني أن يبعث به على عنواني.
وكان الدكتور قد بدأ يتحدث قبل أن أسأله، عن حالة الإسلام في هذا العصر، وكيف ابتلى بحكام من أبناء المسلمين هم الذين ناصبوه العداء: إما عداءً سافراً، وإما عداءً مغلفاً، وذكر أمثلة كثيرة من مواقف أولئك الحكام الذين عادوا الإسلام، ومواقف لهم مخزية في السلوك والسياسة والاقتصاد، وموالاة أعداء الله الكافرين وخذلان إخوانهم المسلمين الذين يجاهدون في سبيل الله في أفغانستان وغيرها، وكرر أسفه الشديد على تبذير الأموال وصرفها فيما حرم الله والبخل بها عن نشر دين الله بالدعوة والجهاد.
ولشدة تفاعله وغيظه وهو يتحدث عن هذه الأمور مسك بقلبه وقال: أنا الآن لا بد أن آخذ دواء لأني مريض بمرض القلب، ثم قال: أنا طبيب وأتمنى لو كنت أستطيع أن أذهب إلى المجاهدين، لأساعدهم ولكني غير قادر لعجزي، ولا أستطيع أن أساعدهم إلا ببعض الأدوية التي تهدى لي بصفتي طبيباً، وقد أعددت بعض أدوات مطبخي التي لا أحتاج إليها ويمكن أن تنفعهم لأبعث بها إليهم، واشتد تفاعله ندماً على عدم قيام المسلمين بإعانة المجاهدين.
وعندما ذكرت له أن شباباً من العالم الإسلامي قد ذهبوا إلى المجاهدين يقاتلون في صفوفهم، وقد استشهد بعضهم نظر إلي واجماً وقال: هل أنت على يقين من هذا الأمر؟ فأجبته: بنعم، فتنفس الصعداء وقال: الحمد لله. وكان قد حضر معي لمقابلة الدكتور، الأخ عيسى سعد الدين عمر وهو أردني، وبقينا مع الدكتور خمساً وأربعين دقيقة، ودعناه بعدها وخرجنا. [وبعد رجوعي من هذه الرحلة وجدت رسالتين بعث بهما إلي الدكتور زكي بخطه في ورقتين صغيرتي الحجم يثني فيهما على كتابي: الكفاءة الإدارية في السياسة الشرعية الذي أهديته له عندما زرته، إحدى الرسالتين بتاريخ 20 من ذي الحجة لسنة 1407هـ والأخرى قبلها بتاريخ 8 ذي القعدة من نفس السنة].
والدكتور زكي هو طبيب كما سبق، وليس متخصصاً في العلوم الشرعية ولكنه عنده ثقافة إسلامية طيبة، بسبب اهتمامه بالدعوة ومطالعاته الشخصية، والمهم فيه هو أنه بذل جهده في الدعوة إلى الله وقلبه يحترق على أحوال المسلمين(6).

حوار مع أندريه لندر (ANDRI LINDER):
بعد أن التقيت الأخ المسلم السويسري (حاتم كول) الذي سبق الحديث عنه، طلبت منه أن يختار لي بعض من يعرف من أصدقائه غير المسلمين لأجري معه مقابلة، والهدف من الاتصال بغير المسلمين أمران رئيسيان:
الأمر الأول: دعوته إلى الإسلام بالطريق المناسب، وأفضل الطرق فيما بدا لي الحوار الهادئ الذي لا تشعر الشخص فيه من أول وهلة أنك تدعوه إلى الإسلام مباشرة، وإنما تسأله عن دينه، وهل هو متمسك به أو لا؟ وإذا لم يتمسك به فلماذا؟ ثم تسأله هل عنده علم عن دين الإسلام؟ وتحاوره في ذلك حتى تلفت نظره إلى صحة دين الإسلام... وهكذا.
أما الأمر الثاني: فهو أخذ معلومات عن ديانته وموافقتها للفطرة في نظره وعدمها، ومعرفته بدين الإسلام، وماذا يعرف عنه وعن أي طريق، ومعرفة ما يفكر فيه الأوروبي نحو الأديان، وهل قامت عليه الحجة بإبلاغه الإسلام، كل ذلك لأمهد لبحثي الذي أنوي كتابته بعنوان: البلاغ المبين، الذي أسأل الله أن يوفقني فيه لإبراز هذا الجانب، إبرازاً تقوم به الحجة أولاً على المسلمين، في أن البلاغ المبين فرض عليهم، لا تبرأ ذمتهم حتى توجد طائفة تقوم به كما أراد الله قياماً كافياً، وسأعقد لقاءات إن شاء الله مع دعاة الإسلام ومؤسساتهم، لأجري معهم حواراً حول مفهوم البلاغ المبين أو معناه، وهل قاموا به أو لم يقوموا، وما حكم من لم يبلغه الإسلام البلاغ المبين؟.
فاتصل الأخ حاتم بهذا الرجل وهو مدرسٌ للغات في مدرسة ثانوية، في مدينة جنيف، فوافق على أن أجتمع به، بعد أن سأل عن سبب رغبتي في الاجتماع به وأخبر بذلك.
وجاءني في الفندق الذي نزلت فيه: إنترناشيونال هوتيل، في الساعة الخامسة والنصف مساء من هذا اليوم، وكان المترجم بيني وبينه أيضا الأخ يحيى باسلامة، ودار الحديث في تبادل الأسئلة بيننا جميعاً: الرجل عنده أسئلة وأنا عندي أسئلة.
وعندما عرف أنني لا أجيد إلا اللغة العربية ـ وقد عرف مؤهلي ووظيفتي عندما تعارفنا ـ قال لي: أنا أتعجب من كونك في هذه المرتبة من الثقافة والعلم، وليس عندك لغة أخرى غير لغتك، فهل يعود هذا إلى خوفكم من الغرب فلم تتعلموا لغته، أو تحبون أن تغلقوا على أنفسكم الأبواب حتى لا تتصلوا بالناس؟
فأجبته: إن وجود مثقف في لغته وثقافة بلده، أو غيرها عن طريق التعلم وقراءة الكتب المترجمة مع عدم إجادته للغة أخرى ليس بغريب، هذا من جهة، ومن جهة أخرى كانت لي ظروف عندما كنت في سن التَّعَلُّم الرسمي، لم أتمكن معها من تعلم لغة أخرى، ومع ذلك فإني أرغب أن أتعلم الآن شيئاً من اللغة الإنجليزية، وعندي محاولة ولكنها ضعيفة بسبب كثرة المشاغل.
ثم أخبرته أن المسلمين لا يغلقون على أنفسهم الأبواب، كما يقول ولا يغلقون أبواب المعرفة التي من أهم مفاتيحها اللغة، لأنهم أهل رسالة عالمية، يجب عليهم إبلاغها للعالم، وعندما كان للمسلمين شأن وكانوا متمسكين بدينهم، فتحوا العالم بالدعوة السلمية في الغالب، وبإزالة العقبات الطاغوتية المعترضة لإبلاغ دين الله إلى الناس.
واستطاعوا أن يستوعبوا كل العلوم التي وجدوها في البلدان المفتوحة في عصرهم، وترجموا كتب العلم التي وجدوها في البلاد المفتوحة وغيرها، ونقلوا نظريات العلماء والفلاسفة والمفكرين قبلهم، وحولوها من النظريات المجردة إلى التطبيق العملي، وزادوا عليها، وكانت نواة للحضارة الغربية المادية التي تشاهد اليوم، وأحلته أن يقرأ بعض كتب المستشرقين في هذا الباب، ومنها كتاب: حضارة العرب لـ(غوستاف لوبون) الفرنسي، وكتاب: "شمس الله تشرق على الغرب" للفيلسوفة "زغريد هونكة"
ثم سألني عن الحماس الذي يسمع عنه الغربيون من قبل المسلمين الذين يريدون العودة إلى أصول الإسلام، وسبب ذلك؟
فأجبته: إن المسلمين يجب عليهم الرجوع إلى أصول الإسلام كما جاءت في القرآن والسنة، وهذا هو الأمر الطبيعي، فلا إسلام بدون ذلك، ولو رجع المسلمون فعلاً إلى أصول دينهم وطبقوها كما أراد الله، لما رأيتم في العالم الإسلامي إلا السعادة والسلام والخير، ولكان لذلك أثره على العالم كله، ومفهوم الأصول عندكم غير مفهومه عند المسلمين، ولهذا يعتبر إطلاق الغربيين كلمة أصولي بمفهومهم على المسلمين يعتبر ظلماً، لأن الأصول باصطلاح المسلمين بعيدة كل البعد عن المصطلح الغربي الذي يطلقونه على الغلاة من البروتستانت، وسبب هذا الإطلاق صادر من المعادين للإسلام من اليهود وبعض المستشرقين والمنصرين، وذوي الأهداف السياسية الظالمة.
فليس كما يظن أهل الغرب، من أن العودة إلى الإسلام ستكون سبباً في الاعتداء وسفك الدماء والقضاء على الحضارة الغربية المادية، ويجب عليكم أن تعرفوا هذه الأصول التي يريد المسلمون الصادقون أن يطبقوها، قبل أن تحكموا عليها.
والتصرفات التي تصدر من بعض المسلمين الآن من اختطاف الطائرات أو تفجير القنابل أو غيرها بين المدنيين الذي لا يحاربون المسلمين، ليست من الإسلام، في شيء ولهذا تجد فتاوى علماء الإسلام تصدر ضدها وتنكرها إنكارا شديدا، ولكن وسائل الإعلام الغربية تحجبها وتتحدث عنها بحسب أهواء أهلها.
ثم قلت له: هل تريد أن تعرف شيئاً عن الإسلام؟
فقال: نعم، ثم قال: أنا كنت مؤمناً عندما كنت صغيراً [يعني بدينه] ولما بلغت ست عشرة سنة، بدأت أشك في الإيمان، وازداد شكي عندما بلغت العشرين سنة، وأنا من أسرة متدينة، وأدعو الله أن يوفقني، ولكنه لا يسمع دعائي، وأنا لم أقل: إنه غير موجود، ولكن أقول: ربما تركنا وذهب بعيداً عنا يريد منا أن ندبر أنفسنا.
فقلت له: لعله قد أجاب دعاءك وذلك بمجيئي إليك من المدينة المنورة وطلبت أن أجتمع بشخص غير مسلم فكان أول لقائي بك أنت.
وأحب أن تسمع مني ثلاثة أسئلة مختصرة، ثم تسمع الجواب عن كل سؤال منها مع شيء من التفصيل، فهل تحب أن تسمع ذلك؟ فقال: نعم.
فقلت له: إن الإجابة الصحيحة والتطبيق السليم لهذه الإجابة على هذه الأسئلة، يتحقق بهما الخير والسعادة للبشرية، وفيها الإيمان الذي تريده أنت بإذن الله.
السؤال الأول: من أين جاءت المخلوقات، ومنها الإنسان؟
السؤال الثاني: لماذا جاء هذا الإنسان إلى الأرض؟
السؤال الثالث: ما مصير هذا الإنسان بعد الموت؟
ثم بدأت بالإجابة عن السؤال الأول بما خلاصته ما يأتي:
إن كل مصنوع لا بد له من صانع، وهذا الكون بما فيه من مخلوقات عظيمة متقنة لا بد له من خالق، وهذا الخالق لا بد أن يكون عالماً قادراً حكيماً، تدل على ذلك آثاره في هذا الكون.
وطال النقاش كثيراً في هذا الأمر وانتهى بالتسليم بصحة ذلك.
ثم إن الرجل قال لي: هل توافق أن تذهب معي إلى المنزل لتناول طعام العشاء حتى نكمل الحديث هناك؟ وإذا وافقت فسأتصل بزوجتي لأخبرها بذلك.
فقلت له: لا مانع عندي من ذلك. وسبب تلبيتي لطلبه أنه غلب على ظني أنه يريد أن تشترك أسرته في هذا النقاش الذي أظهر ارتياحاً له لعل زوجته إذا سمعت الحوار تتأثر فيسلمان جميعاً ولا يحصل بينهما صراع بإسلام أحدهما دون الآخر كما حصل ذلك كثيراً بين الأقارب الذين يسلم بعضهم ولا يسلم الآخرون.
فاتصل بزوجته ووافقت على ذلك وطلبتْ منه التأخر قليلاً حتى تعد العشاء.
وواصلنا الحديث مع الرجل إلى الساعة الثامنة إلا ربعاً تقريباً، ثم انطلقنا معه إلى منزله، وهو يقع في مكان هادئ قرب أحد الجبال المحيطة بمدينة جنيف، وواصلنا الحديث في السيارة.
وعندما وصلنا إلى منزله، استقبلتنا أسرته: زوجته وأولاده وقربوا الطعام، فأكلنا من بعض السلطات والفواكه، وحاولنا إكمال الحديث معه ولكن لم نتمكن، لأن أولاده كانوا يتحدثون في حال تحدثنا، فأشرت للأخ يحيى باسلامة بأن الجو غير مناسب لإكمال الحديث هنا، فاطلب منه أن يعيدنا حتى نكمل الحديث معه في السيارة، وكنا على موعد لتناول طعام العشاء مع بعض الإخوة ففعل.
وفي الطريق حاولت أن أذكر له الجواب عن السؤال الثاني، وهو أن كل شيء في هذا الكون وجد لحكمة، ومن ذلك الإنسان، فإنه وجد لحكمة، وهي عبادة الله، وكان هو قبل أن أذكر العبادة قد قال: الحكمة هي تسبيح الله؟ فقلت له: نعم إذا فهمنا من هذا التسبيح الشمول، وذكرت له العبادة وعرفتها له.
وذكرت له أن هذه الحكمة لا يعلمها حق العلم إلا الله الذي خلق هذا الإنسان من أجل تلك الحكمة، ولا أن يفسرها إلا هو تبارك وتعالى، ولو أن الله ترك الخلق يفسرون هم تلك الحكمة، لوقع بينهم خلاف شديد، لما يعتريهم من جهل وهوى وظلم. [وكنت تلك الأيام قد رافقت الشيخ عبد المجيد الزنداني كثيراً في محاضراته في بعض مناطق المملكة، ومحاضراته نافعة جداً في إقناع الملحدين بالدين أو إلقامهم الحجة]. وضربت له عدة أمثلة.
وحاولت أن أواصل الإجابة عن السؤال الثالث، ولكن الرجل وصل بنا إلى المكان الذي نريد، فقلت له: هل تستطيع أن تنزل معنا لنكمل الحديث؟ فأجاب: إنه من الصعب عليه الآن أن يتأخر عن أسرته، فقلت له: إذًا يكمل الحديث معك الأخ يحيى باسلامة فقال: نعم، وكذلك الأخ حاتم، وأظهر أنه مسرور جداً بهذا اللقاء والزيارة، وتمنى أن ألقاه مرة أخرى، وقال: أحب أن أسألك سؤالاً قبل أن أغادر؟ قلت له تفضل، فقال: ذكرت لي أن تخصصك في القانون الإسلامي ـ يعني الفقه ـ ولكن أشعر من مناقشتك أنك متخصص في الإلهيات فما سبب ذلك؟.
فقلت له: إن المسلم يجب عليه أن يكون إيمانه مبنياً على الحجة والبرهان، حتى يكون إيماناً يقينياً صادقاً وليس تقليدياً، ولهذا تجد المتخصص المسلم في أي مجال من المجالات على علم بإيمانه، فقال: نعم لأن تصرفات الإنسان كلها مبنية على ما يعتقد.
ماذا نأخذ من لقاء أندريه؟
إن هذا اللقاء مع هذا الرجل يؤخذ منه عدة أمور:
الأمر الأول: عدم صعوبة الوصول إلى غير المسلمين، بل يمكن أن يصل إليهم الداعية، إما عن طريق المسلمين أو بأي طريق أخرى.
الأمر الثاني: أن دعوة أهل الغرب إلى الإسلام، تحتاج إلى رجال عندهم علم واسع عن أصول الإسلام وفروعه، وعندهم إلمام بثقافة العصر والأديان المقارنة.
الأمر الثالث: أن الداعي إلى الإسلام بين هؤلاء، لا بد أن يكون قادراً على الاستماع إلى كلامهم وأفكارهم بصبر وأناة، وأن يكون قادراً على الإجابة عن أسئلتهم سواء كانت تتعلق بأصول الدين أو فروعه، وسواء كانت سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية، وأن يكون عنده إلمام بالشبهات بالتي يوردونها على الإسلام والرد عليها.
فإن كثيراً من أهل الغرب ليسوا عاطفيين يسمع الواحد منهم الكلمة فيطير موافقاً أو رافضاً، وإنما يسمع الكلمة فيُطرِق ويفكر ثم يتحدث، وهذا النوع في حاجة إلى من يصغي ويفكر مثله، ويحسب حسابه في كل كلمة يقولها، ولا يرمي الكلام جزافاً.
الأمر الرابع: أن المسلمين الموجودين في الغرب، لو كانوا قدوة حسنة، وقادرين على الاتصال بالغربيين بأساليب مناسبة مجتهدين في تبليغ دين الله، لنفع الله بهم كثيراً من الناس بالدخول في الإسلام، واقتلاع جذور ما غرسه أعداء الإسلام في نفوسهم من تشويه للإسلام.
هذا ويبلغ عمر الرجل فيما أظن 55سنة.
معلومات عن سويسرا:
الجمعة: 7/11/1407هـ
كنت أريد بعض المعلومات عن سويسرا، فجاءني الأخ يحيى باسلامة بجريدة عربية صدر العدد الأول منها، وتسمى: جريدة جنيف العربية، وهي ذات طبعة جميلة تتكون من 16 صفحة، وفيها معلومات عن سويسرا، وهي شهرية، وقد صدر هذا العدد ـ وهو الأول ـ لشهر يونيو من هذا العام 1987م وهو الشهر الذي كنت في أوائل أيامه في جنيف.
ورئيس تحرير الجريدة مسلم كما هو ظاهر من اسمه: "محمد عبد العزيز"، تصفحت الجريدة لأجد فيها ذكراً للإسلام ، فلم أجد أي ذكر له بل لا أظن أن لفظ الجلالة ذكر فيها.
لا شك أن الهدف الأول لأهل الجريدة هو الربح المادي، ولكن ألا يمكن للمسلم التاجر أن يستغل تجارته لذكر شيء من مبادئ الإسلام؟!.
على كل حال أنا لا أعرف اتجاه المسؤولين عن الجريدة، والأصل أن نحسن الظن بالمسلم. وإن كان كثير من المسلمين الآن ينتسبون إلى الإسلام اسماً وهوية، وقد يكون كثير منهم حرباً على الإسلام والمسلمين!
والذي يهمني هو أن آخذ من الجريدة بعض المعلومات المختصرة عن سويسرا.
فقد ذكر في الصفحة الثالثة من الجريدة تحت عنوان: ماذا تقول الأرقام عن سويسرا؟ ما يلي:
تأسيسها: (سويسرا دولة صغيرة تأسست عام 1291م وأخذت شكلها الحالي عام 1848م أي أن عمرها اليوم 695 سنة و9 أشهر).
المساحة: تبلغ مساحة سويسرا 41293 كيلو متراً مربعاً، منها 30715 كيلو مربع أراضي خصبة منتجة.
الحدود: وتشترك سويسرا في الحدود مع جمهورية ألمانيا الاتحادية بــ(346 كيلو مترا) ومع فرنسا بــ(572 كيلو مترا) ومع إيطاليا بــ(734 كيلو مترا) ومع النمسا بــ(65 كيلو مترا) ومع و ليختنشتاين بــ(41 كيلو مترا).
السكان: يسكن سويسرا حسب آخر الإحصائيات 6534200 نسمة منهم (1020000) من الأجانب، أي أن نسبة الأجانب إلى أهل البلد: 15,6 % من المجموع الكلي لعدد السكان.
وتعتبر مدينة زيورخ أكبر المدن السويسرية، حيث يسكنها (834000) نسمة، ويليها جنيف (300000) نسمة، وبعدها لوزان (257000) نسمة.
فئات العمر:
من صفر إلى 19 سنة.
من عشرين إلى 64 سنة.
من خمس وستين سنة إلى أكثر.
اللغات: يتكلم 65% من السويسريين اللغة الألمانية و18% اللغة الفرنسية، و 10% اللغة الإيطالية، و1% يتكلمون اللغة الرومانية القديمة، و6% يتكلمون لغات أخرى.
الديانات: روم كاثوليك 48%، بروتستانت 44%، وديانات أخرى 8%، ووعدت الجريدة بمزيد من المعلومات في العدد القادم.
نظام الحكم في سويسرا:
وفي نفس الصفحة قال عن نظام الحكم في سويسرا: وجدير بالذكر أن رئيس الدولة السويسرية ينتخب لمدة عام واحد فقط، ليس معنى هذا أن يذهب جميع أفراد الشعب السويسري إلى صناديق الانتخاب كل عام، كما هو الحال عند انتخاب رئيس أي دولة أخرى في العالم.... نظام عجيب تنفرد به سويسرا.
لا ينتخب الشعب السويسري رئيس الدولة السويسرية انتخاباً مباشراً، بمعنى أن يذهب الجميع إلى صناديق الانتخاب في نهاية كل عام، وإنما المتبع هو أن ينتخب البرلمان الاتحادي رئيس الدولة الجديد، من أحد أعضاء المجلس الفيدرالي السبعة.
ما هو البرلمان الاتحادي؟
هو السلطة التشريعية السويسرية، ويتكون بدوره من مجلسين هما:
1 ـ المجلس الوطني الذي يتألف من 200 عضو، ينتخبهم الشعب كل أربع سنوات، وكل محافظة لها نصيبها من الأعضاء، تبعاً لعدد سكانها، فمثلاً: محافظة جنيف لها 11 عضواً بينما زيورخ يمثلها 35 عضو.
2 ـ مجلس المحافظات، وينتخب سكان كل محافظة شخصين يمثلان المحافظة في مجلس المحافظات الذي يتكون بدوره من 46 عضواً.
ونستنتج من ذلك أن نظام تمثيل الشعب يتم على أساس سكان كل محافظة، ولتكون الديمقراطية كاملة يمثل كلَّ محافظة شخصين (هكذا! والصواب شخصان) في مجلس المحافظات.
ولتعيين الرئيس السويسري الجديد، لا بد من اتفاق المجلس على انتخابه، أي ممثلي الشعب السويسري، وممثلي محافظات سويسرا!
ولتسهيل مهمتهم أمامهم سبع (هكذا! والصواب: سبعة) أشخاص هم أعضاء المجلس الفدرالي، وعليهم أن يختاروا واحدا منهم ليكون رئيس الدولة الجديد.
ما هو المجلس الفدرالي؟
هو تقريباً ما نسميه مجلس الوزراء في الدول الأخرى، مع فرق جوهري، هو أن أعضاء المجلس الفيدرالي يتم انتخابهم عن طريق البرلمان الاتحادي، ومدة العضوية أربع سنوات، وحفاظاً على استقرار البلاد، لا يجوز انتخاب جميع أعضاء هذا المجلس في نفس العام.
وكذلك لا يمكن لأي محافظة أن يكون لها أكثر من شخص واحد في هذا المجلس.
وكل عضو من أعضاء المجلس الفيدرالي له مهام واضحة ومسؤوليات معينة، يمكننا أن نصفها بمهام وزارية، وعلى ذلك فسويسرا لها سبع (هكذا! والصواب: سبعة) وزراء ـ رؤساء بالانتخاب، ووزراء بالمهام ـ ومن الواضح أن مسؤولياتهم كبيرة، فيراهم الشعب السويسري كوزراء أكثر من رؤساء.
وكنتيجة طبيعية لتغيرهم المستمر سنوياً، فإن بعض أفراد الشعب السويسري لا يعرفون اسم رئيس الدولة.
وإذا تكلمنا عن نظام الحكم في سويسرا، فلا يمكن أن نتجاهل دور الشعب السويسري، وكيف يسيطر على الأمور.
فبالرغم من وجود سبع (هكذا! والصواب: سبعة) رؤساء ينتخبهم ممثلو الشعب، وبالرغم من وجود المجلس الوطني الذي يمثل الشعب، وبالرغم من وجود مجلس المحافظات الذي يمثل المحافظات، فإن جميعهم مجتمعين لا يستطيعون تغيير فقرة قانون، أو تغيير جزء من الدستور.
إن الشعب كله، بكل أفراده هو صاحب الكلمة الأخيرة، فعلى الآخرين أن يقترحوا ما يشاءوا [هكذا و الصواب: ما يشاءون] ولكن للتطبيق فإنه صاحب القرار النهائي.
وهناك مهمة ومسؤولية أخرى تقع على عاتق الشعب السويسري، وهي مهمة ومسؤولية المحافظة على الحياد السويسري، فلا يمكن لأحد سوى الشعب نفسه أن يقرر دخول أو انضمام سويسرا إلى الأحلاف أو حتى المنظمات الدولية.
وخير مثال على ذلك: هو الاقتراح الذي قدمه المجلس الفيدرالي السويسري... إلى الشعب بأن تدخل سويسرا منظمة الأمم المتحدة وتكون أحد أعضائها، رفض الشعب هذا الاقتراح بأغلبية ساحقة. ـ ثم قال الكاتب ـ : نظام ديمقراطي، الوحيد من نوعه، حقاً أنه صنع في سويسرا!.
رعب الحرب النووية وتكلفتها في سويسرا:
قالت الجريدة المذكورة في نفس العدد في ص 4: سويسرا هي الدولة الوحيدة في العالم، تأخذ تهديدات الحرب الذرية والنووية مأخذاً جدياً، فبعد تطبيق قانون إلزام كل من يريد أن يبني مبنى أو مسكن ـ هكذا! والصواب مسكناً ـ ببناء مخبأ للحماية من الإشعاعات الذرية، نجد الآن أماكن تحت الأرض لحوالي 80% من الشعب السويسري يذهبون إليها في حالة نشوب حرب ذرية أو نووية.
هذه المخابئ لها مواصفات خاصة وتحتوي على كل ما هو أساس للحياة من مولدات كهربائية ومرشحات للهواء والمياه... الخ.
ولم يتوقف استعداد السويسريين للحرب النووية عند هذا الحد، بل أنشأوا أيضاً مستشفيات تحت الأرض ظهر منها حتى الآن اثنان: الأول: في ميران، والثاني: أسفل المستشفى الجامعي بجنيف، أما الثالث: الذي يفوقهما تقدماً، إنه المركز الجراحي المقرر بناؤه في منطقة بل إير، لأغراض الحماية المدنية، وذلك على مساحة 2500متر مربع وبعمق 1,10متر تحت سطح الأرض والذي تغطيه طبقة خرسانية سمكها 50 سنتمتراً، وقد صمم هذا المركز بحيث أنه لو انفجر صاروخ نووي متوسط المدى "قوة انفجاره" 150 كيلو طن على بعد 800 متر فإنه لن يصيب نزلاء المستشفى بخدش، وسطح المركز سيعد ليتحمل قوة ضغط هائلة تصل إلى 30 طن للمتر المربع، كما سيتم تزويد هذا المستشفى المركزي بأحدث أجهزة النجدة من أجل توفير الحياة وتوليد الكهرباء، وحفظ كميات ضخمة من المازوت، هذا بالإضافة إلى جهاز التهوية، ولتنقية الجو في حالة وقوع حرب كيماوية وسيتكلف المشروع 6,5 مليون فرنك، تساهم الحكومة الفيدرالية، بـ(30% )من التكلفة الإجمالية.
مع رئيس جمعية الاهتمام بالشؤون الإنسانية:
حدد لنا أحد موظفي المؤسسة الثقافية الإسلامية ـ التي تديرها رابطة العالم الإسلامي ـ موعداً مع سويسري آخر واسمه غلوتز سنقر (GLUTS SINGER) وهو رئيس جمعية تسمى: جمعية الاهتمام بالشؤون الإنسانية، وقد ألف كتاباً ونشره في الأسبوع الماضي، عنوانه: السياسة الإنسانية، وهو عضو في البرلمان السويسري، وحضر اللقاء مدير عام المؤسسة الثقافية الإسلامية في جنيف اللواء المتقاعد كمال سراج الدين، وكان اللقاء في فندق إنتركونتننتال واستمر النقاش مدة طويلة، وكان يرافق الرجل رجل آخر من أنصار فكرته التي يدعو إليها.
وقد تحدث عن أهداف جماعته ووسائلها، وأبدى حماسه الشديد لها(7).

أوراق الجمعية المبينة لخطوات تنفيذ المشروع:
وقد أعطاني ثلاث أوراق ترجمها لي باختصار الأخ يحيى باسلامة، وأنا أثبتها هنا، للاطلاع على محاولات بعض المفكرين في الغرب الوصول إلى حلول للمشكلات التي تهدد كيانهم، على الرغم من الاتهامات التي توجه ضد بعضهم.
الورقة الأولى عنوانها: إعلان حركة الجماعة المهتمة بالقيم الإنسانية. [هذه الوثيقة هي التي يوقع عليها العضو الراغب في الانضمام للجماعة].
اقتناعاً منا بأن الائتلاف بين الناس يمر بالمحافظة على القيم الإنسانية العالمية، التي أوعزت بإعلان حقوق الإنسان، ونظراً إلى أن هذه القيم يشترك في الأخذ بها كل الديانات والفلسفات، وهي: الكرامة الإنسانية والحرية والعدالة والتضامن.
واقتناعاً بمسئوليتي كابن أو ابنة لوطني، وكمواطن أو مواطنة في العالم، وبما أن لفظ الحرية أصبح معناه عند الإنسان في الغالب طلب الحقوق، دون التفكير في الواجبات والمسؤوليات، بحيث أصبح الإنسان باسم الحرية التجارية والصناعية لا يفكر إلا في الحصول على الربح، فأصبح عبداً للإنتاج والاستهلاك، غافلاً عن أساسه الفطري.
ونظراً لازدياد التلوث في الماء والهواء والأرض، والتهديد بعدم الهدوء، وهو تلوث عام ضاعفته التقنية الحديثة التي ملأت أدواتها الأسواق العالمية.
وإيماناً بأن الحرية الحقة، إنما تكون بالعمل اليومي للانتصار على الهوى والسيطرة للمعاني الروحية، وبأن الحرية الخارجية ـ المادية ـ لا يمكن بقاؤها، إلا بالحرية الداخلية التي يجب أن يفوز بها كل شخص، بدون توقف عن المجاهدة النفسية، ولما كانت الكرامة الإنسانية تتطلب التقدير للحياة بكل أشكالها بالمحافظة على الفضيلة والحشمة لكل شخص.
لكل ذلك فإنني أتعهد بأن أعمل على الأخذ بهذه المعاني الإنسانية بالاتصاف بها، لأكون قدوة حسنة لغيري، وأن أجاهد بكل حرية، من أجل إصلاح وتثبيت هذه المعاني في كل مكان تكون هذه القيم مهدرة فيه بكل ما أملك من وسائل، ولكن بالطريقة الديمقراطية لا بالعنف، وأتعهد أن أناصر كل المحاولات التي تبذلها حركة الجماعة المهتمة بالقيم الإنسانية.
وقد وضعت هذا الإعلان الجماعة في مدينة منترو في تاريخ 28 سبتمبر سنة 1986م.
التوقيع
الأعضاء المؤسسون.
الورقة الثانية: فيها مشروع قانون إضافي للدستور السويسري الاتحادي، وهذا نصها: "يمنع في الأراضي السويسرية على أجهزة الإعلام عرض الصور ذات العنف وإثارة الشهوات، من أجل الاستغلال التجاري الذي يدوس معاني الكرامة الإنسانية وما تفوت به المساواة بين الرجل والمرأة، من حيث استغلالها في الربح التجاري ونحوه من إضاعة كرامتها. وعلى السلطات المختصة أن تطبق هذا النظام بكل الوسائل المتاحة لردع من يخالف هذه الفقرة ".
الورقة الثالثة: مشروع المبادرة الفدرالية للتربية والتعليم العام والخاص، من أجل القيم الإنسانية والموافِقة لما في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وهذا نص الفقرة المطلوب إدخالها في الدستور:
"إن تعليم القيم الأساسية المتناسقة مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والتي تأخذ بها كل الديانات والأفكار الفلسفية، مما يهتم به التعليم العام والخاص اهتماماً كبيراً في كل المحافظات السويسرية، وكل مستويات المعاهد، ويجب أن يعنى بها في أمور التعليم، وعلى إدارات المدارس مسؤولية تطبيق هذه المعاني وإيصالها إلى كل فصل دراسي، وعلى السلطات المختصة أن تطبق هذه الفقرة الجديدة ".
شرح لنا الرجل هذه المعاني، وقال: إن جمعيتنا لما قامت تحدثت الصحف عنها وعما ستفعله، ولكن تلك الصحف ليست هي المرجع لجمعيتنا، وإنما المرجع هو كتابنا، الذي يعتبر دستور الجمعية وأساساً في هذا الباب، فنحن مسؤولون عما ذكر في هذا الكتاب، وليس عما ذكر في الصحف.
والمبادئ الأساسية مسجلة في صفحة واحدة، وهي الورقة الأولى التي تقدمت ترجمتها ـ وهذا الكتاب شرح لها. [وقد سلمنا الأوراق والكتاب].
وكان الرجل نائباً لمحافظة من محافظات سويسرا، وتحدث في التلفزيون وأبدى استياءه للسياسة التي تتبعها أجهزة الإعلام في انتهاك كرامة الإنسان، وتسخير المرأة لأغراض دنيئة، كالربح التجاري ولقيت فكرته ترحيباً وأتباعاً ومؤيدين، واجتمع أكثر من مائة شخص وأعلنوا هذه المبادئ، وتكونت الجمعية على هذا الإعلان بالرغم من الخلاف الديني والفكري والفلسفي بين الأعضاء، إلا أنهم يشتركون في الاقتناع بوجوب الارتفاع بالقدر الإنساني وعدم الاستخفاف بالكرامة الإنسانية.
وسألته: ألا تخشون أن يظن أنكم حركة ماسونية؟
فقال: أنا أوضحت في هذا الكتاب أنني نصراني، ولكن أشترك مع كل من يوافقني على تحقيق هذا الهدف.
وإدارة الجمعية مكونة من سبعة أعضاء.
وأول الموضوعات التي سنحاول الاهتمام بها هو: منع استغلال الصور الإباحية الخليعة، ثم منع الصور المرعبة التي تجعل الأطفال يحبون الإرهاب والقسوة.
وكذلك سنحاول إدخال المادة المذكورة في الدستور وتطبيقها في التربية والتعليم.
وقال زميله، ويسمى: إلبرت: إننا هنا سواء كنا مسلمين أو نصارى، بيضاً أو ملونين، يجب أن نحقق هذا الهدف لأنا كلنا متفقون عليه.
وأي فكرة يراد أن تعرض على البرلمان، لا بد أن يحصل مقترحها على توقيع موافقين عليها لا يقل عددهم عن مائة ألف شخص، ولذلك نحاول نشر الفكرة لنحصل على هذه التوقيعات المطلوبة.
كان غلوتز يتحدث بتفاعل شديد وإظهار حماس لفكرته، فتركته حتى انتهى من كلامه.
تعقيب وحوار:
إن هذا الهدف الذي تسعون لتحقيقه، هو من أهم الأمور التي لا يجوز الاختلاف في جوهرها، وفي سعيكم لهذه المعاني ما يدل على حرصكم على مصالح أمتكم، وإذا ما فسرت هذه الأوراق تفسيراً سليماً يوضح فعلاً أن المراد حفظ كرامة الإنسان في الأرض، حفظاً حقيقياً يسعى من اقتنع به مختار لتحقيقه لا يصرفه عنه صارف من هوى أو شيطان أو إغراء مادي، فإن تلك الكرامة ستثبت وتدوم وكرامة الإنسان تبدأ بما هو أهم مما ذكرتم من استغلال المرأة للربح المادي ونشر الأفلام المرعبة.
أساس كرامة الإنسان التربية الإيمانية الربانية:
إن كرامة الإنسان تبدأ من ضرورة تربيته على الإيمان الصحيح الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، الإيمان الذي يفرق بينه وبين سائر الحيوانات في الأرض، وإذا وجد هذا الإيمان في الإنسان، فإن كل المشكلات ستحل بدون صعوبة، وسيجد كل إنسان عنده هذا الإيمان أنه كريم عند الله وعند خلقه وعند نفسه.
وسيعرف معنى الحرية وضابطها، ومتى يكون حراً ومتى يكون مستعبداً.
وعندنا في الإسلام ما يجتث جذور كل مبدأ يهدد كرامة الإنسان، وهو أن يكون الإنسان عبداً لله وحده، وعندئذٍ لا يستعبده مال ولا منصب ولا جاه ولا امرأة ولا خمرة ولا فرنك ولا دولار، وهو كما يشعر أنه عبد الله وحده، يشعر أن الناس كلهم مثله عبيد الله، فلا يرى لنفسه حقاً في استعبادهم بأي وسيلة من وسائل الاستعباد.
ولو أنكم قرأتم القرآن الكريم، وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وسيرة الصحابة رضي الله عنهم الذين كانوا النموذج الأول لتطبيق الإسلام، لعلمتم أن الحل الكامل لكل المشكلات التي تعانيها البشرية، هو عند الإسلام وليس عند أي فكر أو قانون أرضي.
والسبب في ذلك أن هذا الدين هو من عند الله، والله عز وجل يعلم ما يُصلح البشرية وما يُفسدها، لا يوصف بالجهل، ولا الغفلة، ولا الهوى، ولا الحسد، ولا الظلم، ولا الفقر، وهذه هي آفات البشر عندما يريدون أن يشرعوا للبشر، فإن هذه العيوب والنقائص موجودة في كل الناس والله وحده هو المنزه عنها.
وهذا الدين هو خاتم الأديان والمهيمن عليها، يجب على كل البشر أن يهتدوا بهداه، وكل الكتب السماوية السابقة قد حرفت، ولا يوجد كتاب واحد له سند يصل به إلى الرسول الذي بعثه الله به، إلا هذا القرآن الذي روته الأمة الإسلامية عن الأمة التي قبلها، من زمن الرسول صلى الله عليه وسلم إلى هذه الساعة.
وهو منهج حياة للبشرية لا خير إلا فيه الدعوة إليه، ولا شر إلا فيه التحذير منه، فلماذا لا يحاول المفكرون في الغرب دراسته والرجوع إليه بإنصاف، ليعلموا ما فيه ويعلموا أنه هو المنقذ للبشرية من كل النكبات التي تعانيها؟
وذكرت له أن في الإسلام ضرورات خمساً، يجب المحافظة عليها، وكل تصرفات البشرية يجب أن تنصب لحماية تلك الضرورات، لأنه لا يمكن أن توجد حياة سعيدة في الدنيا والآخرة إلا بها، وهي: حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ النسل، وحفظ المال.
فقال صاحبه (JEAN ـ PIERRE LABARTHE): هذه الأمور التي ذكرتها هي موجودة عندنا، وعندنا نفس الفكرة.
ثم قال ـ وقد شعر بأني أبين لهم محاسن الدين الإسلامي الذي هو المنقذ دون غيره من الأديان والنظم ـ: ولكن عندنا مشكلات يجب أن يوجد لها حل، وهي الإرهاب والعودة إلى الأصول.
فقلت له: العودة إلى أصول دين الإسلام عندنا، هي الأساس الذي يجب أن يسعى لتحقيقه كل المسلمين، بل حتى غير المسلمين لو علموا ما في العودة إلى أصول الإسلام من الخير من البشرية جمعاء لطالبوا بذلك.
وبعد أن أستمع الرجلان لما ذكرت قالا: إن الطريق الذي تسيرون فيه هو الطريق الصحيح، ولكن نحن في أوروبا لا نستطيع أن ننشر هذا الكلام في مشروعنا للحساسية الموجودة عندنا.
فقلت لهم: همنا أن تدرسوا الإسلام بأسلوب سليم، وتأخذوا معانيه من أهله من العلماء في مصر وباكستان والسعودية، ولا تأخذوا عن كثير من كتابكم الذين قد لا يفهمون المعنى الصحيح، أو يفهمونه ولكنهم يتعمدون تشويهه وكتمان الحق الذي جاء به.
فأظهرا موافقتهما على ذلك.
وقد سجلت في شريط بعض تلك المقابلة، ولهذا فإن نقل ما سجل قد يكون أكمل في بعض الجوانب مما كتبته في حينه، إلا أني قد أختار تغيير بعض الكلمات مفضلاً لها على ما سجل، تحسينا للأسلوب لا تغييراً للمعنى.
مما قلته لهما: إن الإسلام شامل لحياة الإنسان كلها ابتداء من الفرد والأسرة وانتهاء بالدولة.
فإذا دخل الفرد على أسرته، وجد أن هناك نظاماً يحكم حياة الأسرة: العلاقة بين الزوج والزوجة، والعلاقة بين الابن وأبيه، والعلاقة بين المخدوم الخادم، وهو في الأساس ليس من الأسرة، وبين أهل البيت، كل ذلك مفصل في الإسلام تفصيلاً واضحاً لا لبس فيه.
والمسلمون إيمانهم مبني على اليقين، وليس على الشك، بمعنى أنه يوجد من الأدلة العقلية والكونية التي تتمثل في مخلوقات الله تعالى، ما يثبت إثباتا كاملا لا نقص فيه على صحة الإيمان الذي يعتقدونه.
ولهذا جميع تصرفات المسلمين يجب أن تبنى في الأساس على هذه الإيمان، ولهذا مناهج التعليم عندنا أول ما تبدأ بتعليم الطفل المسلم هذه العقيدة وأركانها التي لا يصح الإسلام إلا بها.
والمسلم لا يستقر له قرار إلا بمعرفة الحكمة التي وجد من أجلها في هذه الأرض، لماذا وجد؟ لهذا يسأل ما الحكمة في خلق عيني؟ هل خلقتا لحكمة أو عبثاً لا معنى لهما؟ فهل يقول أحد من الخلق: إن أي جزء من أجزاء الإنسان خلق بدون حكمة؟ فإذا كان كل جزء في الإنسان خلق لحكمة، فهل الإنسان كله خلق لغير حكمة؟
فإذا عرف المسلم أن كل جزء من أجزاء جسمه خلق لحكمة، وهو كله خلق لحكمة، فانه عند ذلك ينطلق في كل تصرفاته من أجل تلك الحكمة.
فعيني لا أنظر بها إلى محرم، وإنما أنظر بها إلى ما خلق الله لها من المباحات، وكذلك يدي وكذلك رجلي وكذلك عقلي وكذلك كل أعضاء جسمي، لا أستعملها إلا فيما أباحه الله سبحانه وتعالى، ولذلك تحصل السعادة الكاملة عندما يلتزم الإنسان بهذه الأمور.
وأضرب لذلك مثالين:
أحدهما يتعلق بما ذكروه من أنهم في حاجة ماسة إلى المحافظة على الأخلاق، وعدم إهدار الكرامة الإنسانية.
عندنا في المملكة العربية السعودية نعتقد بأن المرأة جوهر ثمين، ولا يجوز المساس بها مطلقاً، إلا في الحدود التي أباحها الله سبحانه وتعالى، ولهذا بنينا على هذا المعنى أن المرأة في كل أنحاء المملكة العربية السعودية، تدرس ثماني ساعات كل يوم في مدرسة مستقلة بالمرأة، من المديرة والمدرِّسة والكاتبة إلى الخادمة، كلهن نساء محتشمات عندهن مناهج الطلاب، ولا يوجد أي نوع من الاختلاط بالرجال حفاظاً على كرامة المرأة، وقد وصلت المرأة إلى الدكتوراه: في الطب والهندسة وغيرها من العلوم التي يدرسها الرجل تدرسها المرأة، ومع ذلك فهي من الصباح إلى المساء في عالم آخر بسبب الحفاظ على كرامتها.
وعندنا بالنسبة للمحافظة على الكرامة الإنسانية والحفاظ على الإنسان من حيث هو إنسان سواء من الناحية المادية أو الروحية، عندنا مناهج، قبل أن يبدأ الإنسان في الزواج والإنجاب، يبين له المنهج كيف يختار الرجل زوجته؟ وكيف تختار المرأة زوجها؟ من أجل الحفاظ على كرامة الإنسان بحيث تصبح الأسرة أسرة صالحة، ثم مجتمعاً صالحاً، ثم دولةً صالحة.
فإذا كان الرجل يريد أن يتزوج أمامه أربع نساء: واحدة جميلة جداً، وواحدة عندها مال كثير، وواحدة عندها حسب رفيع، وواحدة ليس عندها واحدة من هذه الثلاث، ولكن عندها الدين والخلق، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ((فاظفر بذات الدين، تربت يداك))، فأمر أن تترك ذات الجمال وذات المال وذات الحسب، إذا لم تكن ذات دين، وأمر بالحرص على الرابعة وهي ذات الدين، كل ذلك من باب الحرص أن يكون الإنسان الذي يكون ابناً للرجل والأنثى إنساناً شريفاً، عنده أخلاق فاضلة تتحقق بها كرامة الإنسان.
ومع تحديد الإسلام للعلاقة الزوجية والأسرية، كذلك حدد الإسلام العلاقات الاجتماعية : الجار مع الجار، والرفيق في السفر مع رفيقه، وكذلك العلاقات السياسية: الحكم والشورى، والعلاقات الاقتصادية الحلال والحرام، يعني ليس عندنا شيء نتصرف فيه إلا ونحن نعرف هل هذا حلال عند الله أو حرام.
وعلى الرغم أنه لا توجد حكومة في هذا العصر تطبق أحكام الإسلام كما كانت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، إلا أن النموذج الموجود الذي حاول أن يطبق كثيراً من أحكام الإسلام... لو رأى غيرُ المسلمين في ظل هذا النموذج كيف تتعامل الأسرة والجيران والمجتمع، لوجدوا حسن التعامل القليل يدل على ما يغرسه الإسلام في نفوس أهله، إلى حد أن الجار قد يغيب عن أهله شهرين أو ثلاثة أو أكثر، ويقوم جاره بواجبه مع البعد عن كل ما يضره في أهله وماله وعرضه، ثم ذكرت له الأهداف التي يجب أن توجه لها أعمال المسلمين وهي الضرورات الخمس التي ذكرت أولاً.
بقيت مسألة ذكروها من قبل، وهي تقييد الحرية.
الحرية عندنا لها إطار معين، بحيث إنه لا يجوز الخروج عن هذا الإطار، وضربت مثالاً لذلك بالشورى التي يجب أن تتحقق بها المصلحة العامة، ولا يجوز الخروج على ما يحقق تلك المصلحة.
ولا يجوز أن يستعبد الإنسان لشهواته ويقال ذلك حرية، بل الحرية الحقة عندنا هي أن يمتثل أمر الله ولو أكره نفسه عليها، وأن يترك معصية الله ولو تاقت نفسه إليها.
وقلت: إن الفكرة التي ينادون بها فكرة ممتازة جداً وهي المحافظة على كرامة الإنسان، وقد ذكروا أنه سيحصل اختلاف في الوسيلة التي تحققها.
وأرى من باب الإحاطة بالموضوع أن لا يأخذوا ما يتعلق بالإسلام من الكتب الموجودة في أوروبا مثلا لأمرين:
الأمر الأول: أن الذين يكتبون عن الإسلام من غير علماء الإسلام لا يفقهون الإسلام كما يفقهه أهله المتخصصون فيه.
الأمر الثاني: أن بعض الذين يكتبون عن الإسلام قد يكون عندهم هوى، لأن الأفكار والثقافات تختلف.
فعليهم أن تكون مراجعهم موثقة من قبل علماء الإسلام.
وهنالك شيء يسلم به الناس، وهو أن البشر متفقون في الأمور الكونية، كالطب والهندسة والكيمياء والحساب، وكل ما يدخل تحت التجربة.
أما ما يتعلق بسلوك الإنسان فالناس مختلفون فيه، ولا يستطيع عقل أي شخص أو أي جماعة ادعاء الإحاطة بكل ما يصلح الإنسان.. لماذا؟ لأن الإنسان معرض للجهل، ولهوى نفسه، وللغفلة والنسيان، وهو فقير يحتاج إلى أن يغني نفسه بما يضع من قوانين عادلة كانت أو ظالمة، ولا يمكن أن يخلو من هذه النقائص إلا الله.
وإذا كان الأمر هكذا فلا يمكن أن يقيم هذه البشرية على الصراط المستقيم إلا الوحي الإلهي الذي ثبت يقينا أنه من عند الله، وهل يوجد في الأرض الآن وحي غيره قامت عليه الحجة اليقينية فعلا أنه من عند الله بدون شك؟ كلا!
أرجو أن يسمحوا لي أن أقول لهم شيئاً، لو كنت هنا عندهم مقيماً، كانت هذه النتيجة لا أصل إليها إلا بعد مدة طويلة جداً، ولكن لقصر وقتي وحبي لهم وللبشرية كلها أحب أن أقول هذه النتيجة، ما هي النتيجة؟
هي أن جميع الكتب التي نزلت قبل القرآن الكريم، أهلها يعترفون بأن بينها خلافاً وليست متفقة، وأن كثيراً منها يخالف العقل، ولذلك ثار أهل أوربا على رجال الكنيسة لأنهم كانوا يفسرون لهم أن مرجعهم هو من عند الله، وهو يخالف العقل والعلم، ولو كانوا خضعوا لرجال الكنيسة لكانت شوارعهم الآن مظلمة وليست مضاءة، ونحن نسمع أن الكنيسة اعتقلت وذبحت وأحرقت العقلاء والمفكرين في القرون الوسطى، وهذا ليس من عندي، وإنما من عند علمائهم ذكره غوستاف لوبون في حضارة العرب وزغريد هونكه المستشرقة الألمانية في كتابها: شمس الله تسطع على الغرب.
أما عندنا نحن المسلمين فالقرآن الكريم يدعو من أوله إلى آخره إلى التفكر والتعقل، وإلى استغلال كل ما يمكن من طاقات الكون، ولو ذهب الإنسان ليطلع على المصحف في كل العالم، لوجد أن المصحف في جنيف هو المصحف في مكة، هو المصحف في جاكرتا، هو المصحف في طوكيو، هو المصحف في موسكو، وفي كل العالم، وهو نفسه يحمل من المعاني ما يدل أنه يستحيل على البشر أن يقول مثله.
وأنا فقط أدعو إلى دراسته، لأن الشيء الذي يلتمسونه موجود فيه وأكثر مما يسعد البشرية كلها.
وهنا نقطة مهمة جداً، وهو أن الإلحاد الذي يوجد الآن في الشرق وفي غيره، لا يوجد أي دين فيه من القوة والأدلة والحجج التي تحطم الإلحاد تحطيماً كاملاً مثل ما يوجد في القرآن، لأن القرآن الكريم استعمل الكون والعقل والخلق ضد كل إلحاد أو تحلل.
وأنا فقط أريد منهم أن يدرسوا ما أشرت إليه.
قال JEAN ـ PIERRE LABARTHE: إن الإسلام نحن نعتبره طريقة من الطرق التي توحد بين الناس، والإله الذي أنا أحبه هو الإله الذي تحبونه أنتم، ولكن نحن لا نسميه إلهاً لأنا تربينا بطريقة غير طريقتكم.
ثم أجبتهم عن سؤال لهم، وهو: أنه ظهرت الآن مشكلات تحتاج إلى حل، وهي تتمثل في الإرهاب والدعوة إلى العودة إلى الأصول.
قلت: أولاً: أنا صريح وليس عندي دبلوماسية ألف وأدور بها، والذي أريد أن أقوله: إن المسلمين لو استطاعوا فعلاً أن يعودوا إلى أصول دينهم التي أنزلها الله سبحانه وتعالى وطبقها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي الله عنهم، لوجدوا أن العالم الإسلامي نموذج صادق للسعادة والأمان في كل أنحاء الدنيا، ولما وجد هذا الصراع وهذا الإرهاب الذي يطبق على العالم كله.
والسبب الأصيل الذي نعتقده لهذه المشكلات الموجودة بين المسلمين، هو أن طائفة منهم تريد الرجوع إلى هذا الدين الذي قلتُ: إن فيه السعادة والأمان والخير، وطائفة أخرى ضدها، ولذلك فالحكام الذين يحكمون بغير الإسلام في بعض الشعوب الإسلامية، لا يمكن لشعوبهم أن تستقر حتى يعود إليها الحكم بالإسلام مرةً أخرى.
ومن الأمور المهمة التي يجب أن يعرفوها منا، أن دول الغرب هي من الأسباب في حدوث المشكلات التي يعاني منها المسلمون فيما يسمى بالشرق الأوسط وفي غيره، لأنها عندما استعمرت هذه البلدان أجبرت أبناءنا على مناهج الغرب، وعندما تُجبَر الشعوب على شيء يخالف عقيدتها تصاب بالمسخ، لذلك حصل مسخ لعقول كثير من شبابنا، بسبب المناهج الغربية التي تخالف دينهم وأخلاقهم.
وقد وضح هذا المعنى أيضاً غوستاف لوبون في كتابه حضارة العرب فقال: إن دول الغرب جنت جناية كبيرة على المسلمين وعلى البلدان التي استعمرتها، والسبب أنها أرغمتها على المناهج التي تخالف عقيدتها وأخلاقها، فأصبحوا ممسوخين لا غربيين ولا شرقيين.
والصراع الآن يدور بين هذه العقول الممسوخة وبين الشعوب التي تريد العودة إلى الإسلام كما نزل من عند الله.
فقال قلوتز: أنا واثق أن ما ذكرتَ مهم وأساس، ولكن نحن في هذه البلاد لا نستطيع أن نتحدث بهذه الطريقة ولكن نخطو هذه الخطوات الخفيفة حتى نقنع الناس بما نريد لا عن طريق الدين.
انتهى الحوار مع زعيم هذه الجماعة.
مع الشيخ محمود بوزوزو:
وهو إمام مسجد المؤسسة الثقافية الإسلامية في جنيف، ومدرس اللغة العربية في معهد الترجمة التابع لجامعة جنيف.
كنا عند الشيخ محمود في الساعة السابعة مساء.
ولد الشيخ محمود في مدينة بيجاية سنة 1918م بالجزائر التي كانت عاصمة عِلْم في العهد الإسلامي، أسسها الملك الناصر في الدولة الحمادية في القرن الرابع الهجري، وازدهرت وكانت موئلاً للعلماء.
وكانت دراسته كلها في الجزائر، على المولود بن الموهوب مفتي مدينة قسطنطينة، ومفتي جامع باديس، والشيخ محمد الصالح بن العابد وهو فقيه أصولي.
وحضر دروس الشيخ عبد الحميد بن باديس من سنة 1934م ـ 1938م، وكان ابن باديس باعث النهضة العلمية والحركة السلفية.
وسجن الشيخ بوزوزو في الأسبوع الأول من انفجار الثورة سنة 1954م، ثم أبعد بعد الخروج من السجن سنة 1955م.
وجاء إلى جنيف سنة 1962م، لتأسيس المركز الإسلامي مع الدكتور سعيد رمضان، وكان عدد المسلمين من الطلبة والجاليات الإسلامية قليلاً.
وقال: إن عدد المسلمين الآن في جنيف نحو عشرة آلاف، وعددهم في سويسرا كلها نحو ستين ألفاً، ومعظمهم من الأتراك وأكثرهم جاليات، وعدد الطلبة قليل، وهم موزعون على الجامعات والمعاهد.
وسألته عن أبناء المسلمين هل توجد محاولة للمحافظة على دينهم؟ فقال: نعم توجد محاولات جادة من بعض المسلمين، وهم من بلدان مختلفة: عرب، وإندونيسيون وإفريقيون وباكستانيون، وهم موجودون في وسط غريب عن الإسلام، ولذلك فإن هذه المحاولة تعتبر جهاداً لشدة تأثير المحيط غير الإسلامي، وتظهر هذه المحاولات في التحفظ من تقليد غير المسلمين وتجنب الاختلاط بمن لا يراعي قواعد الدين، ويكادون يعيشون في عزلة، وموقفهم جدير بالتقدير نظراً للمغريات الداعية إلى نبذ القيم الإسلامية(8).

المدارس الإسلامية في سويسرا:
وسألته عن المدارس الإسلامية إن كانت توجد؟ فقال: المسلمون يترددون إلى المساجد التي تقام فيها الصلاة لأداء الصلاة والاستفتاء.
وتوجد مدرسة في المؤسسة الثقافية الإسلامية، وتوجد ثلاث مدارس حرة:
واحدة تشرف عليها أستاذة جزائرية في جنيف، وهي تحمل ليسانس في علوم التربية من معهد الدراسات التربوية في جنيف، وهي ملتزمة ومناهج مدرستها عربية إسلامية، والمدْرسة معترف بها رسمياً.
والمدرسة الثانية يشرف عليها رجل أردني، دكتور في الآداب، من جامعة جنيف.
والثالثة أسست أخيراً، تشرف عليها لجنة من مسلمين سودانيين ومصريين. [سيأتي تعقيب من الأخ باسلامة على بعض المعلومات التي ذكرها الشيخ بوزوزو].
والمدرسون في المؤسسة هم طلاب في الجامعة يحملون ليسانس: واحد من المغرب وواحد من تونس.
وقد سألت الشيخ: هل الذين يجتهدون في المحافظة على أبنائهم هم الأكثر أو الأقل؟ فقال: هم الأقل.
وقال الشيخ محمود: إنه أول ما بدأ التعليم في هذا المكتب ـ مكتبه الذي زرناه فيه وفيه مكتبة له ـ سنة 71 ـ 1972م، وتوجد معاهد سويسرية دولية، فيها طلاب مسلمون تشرف عليها أمريكا وإنجلترا وفرنسا، موزعة في الولايات السويسرية، ومناهجها غربية، ولا توجد بها مواد إسلامية ولا عربية، ولهذا فكرت في إنشاء معهد يكون فيه جناح للدراسات الإسلامية، لأن عدد الطلاب في المعاهد يجاوز ثلاثمائة، في واحد منها مائة وثمانون طالباً، وهذا المعهد أراد صاحبه بيعه فرغبت أن يشتريه المسلمون من قبل إحدى الدول أو الجماعات من أجل أبناء المسلمين، لأن هؤلاء الطلاب إذا أنهوا دراستهم قد يتولون مستقبلاً مسؤوليات كبيرة في بلادهم، فإذا كان تعليمهم علمانياً فسوف يكون مستقبل بلادهم سيئاً.
ويبقى المعهد كما هو ما عدا الجناح الخاص بالمسلمين، ولكن لم نجد المال وهو بين عشرة ملايين إلى خمسة ملايين دولار، لأن مرافقه كاملة، مساكن، ومستوصف وغير ذلك للأساتذة والطلبة.
وسألته: هل توجد لكم صلة بغير المسلمين؟
فقال: كان يدعونا بعض القسس لإلقاء محاضرة إسلامية في معاهدهم أو كنائسهم، وكنت ألقي محاضرات، أشرح فيها مبادئ الإسلام، وأجيب عن بعض الأسئلة.
وإلى جانب ذلك تأسست لجنة استشارية للديانات الكبرى برئاسة القس البروتستانتي، فيها ممثلون للكاثوليك والبروتستانت واليهود والبوذيين والشنتوية والمسلمين، وكنت أنا أمثل المسلمين، وقد كان تأسيسها سنة 1969م.
وكنا من حين إلى آخر نعقد اجتماعات حول موضوع معين، وكل يدلي بوجهة نظره على أساس تعاليم دينه.
وقد دهشوا عندما وجدوا في الإسلام ثروة كانوا يجهلونها، فصاروا يقدرون الإسلام ويجلونه بعدما زال عنهم الحكم المسبق الخاطئ على الإسلام، ولا زالت مستمرة ولكن الاجتماعات قلَّت الآن.
وأهم ما يثيرونه عن الإسلام الحدود وتعدد الزوجات.
وقد نقيم محاضرات أحياناً قليلة يقوم بها أساتذة وتكون عامة، يدعى إليها غير المسلمين في قاعة المؤسسة الثقافية الإسلامية.
وكان من الحاضرين في بعض تلك المحاضرات، الدكتور صبحي الصالح رحمه الله، والدكتور جعفر شيخ إدريس، والدكتور محمد فتحي عثمان، والدكتور موريس بوكاي، وأستاذ صحفي روجي دي باكي، واسمه الإسلامي عبد الكريم، وهو سويسري والأستاذ ميشون وهو فرنسي، وشوكت الملا، وهو لبناني نائب رئيس المجلس التشريعي الأعلى في لبنان، وقد توفي، وقبل هؤلاء نجم الدين بامات، أصله أفغاني، والده حيدر بامات، صاحب مجالي الإسلام.
أما الاتصال الفردي بالسويسريين، فإن أهل البلد يتحفظون بسبب سيطرة الأحكام السابقة على عقولهم فيما يتعلق بالإسلام، ولأن الأخبار التي يسمعونها عن حالة المسلمين من زوار البلدان الإسلامية ورجال الإعلام المغرضين أخبار مشوهة لحقيقة الإسلام، كما أن تصرف بعض المسلمين المنافي للإسلام جعلهم ينفرون ويشكون في قيمة هذا الدين، ويزهدون في معرفته، ولم تحصل صداقة بيننا وبينهم، لأنهم منعزلون وخائفون من الاختلاط بالأجانب، إلا لفائدة مادية. [هذه كلها أوهام وأعذار غير صحيحة وقد ثبت لي أنه في الإمكان الاختلاط بغير المسلمين في أوروبا إذا أحسن من يريد ذلك الأسلوب وقد سبق وسيأتي ما يدل على هذا].
وقال الشيخ: إن عدد المسلمين من أهل البلد يقارب ألفين، إلا أن بعضهم لا يظهر إسلامه، والقليل منهم يظهره.
قلت له: ألا يمكنكم الاتصال بغير المسلمين عن طريق المسلمين منهم؟
فقال: حاولنا أن نجمع المسلمين من أهل البلد ولو مرة في الشهر للمذاكرة ولم ننفذ هذه الفكرة، والأسباب راجعة إلى الجانبين: إلينا وإليهم.
وسألت الشيخ عن الموضوعات الإسلامية التي يمكن أن تؤثر في الأوربي؟
فقال: شرح النظام الإسلامي، نظام الحكم في الإسلام والزكاة والتكافل الاجتماعي، والربا، ولو علموا أن هذه الأمور مبنية على اعتبارات روحية في الإسلام لأثرت فيهم.
قلت له: هل قامت الحجة على أهل الغرب بالدعوة إلى الإسلام؟
فقال: التقصير حاصل منا في إقامة الحجة، لم نسلك السبيل الذي يرغبهم في الإسلام ومعرفته، وأعتقد أن من خير الوسائل لذلك إبراز الأخلاق الإسلامية في التعامل مع الغربيين، لأن الإسلام انتشر في إندونيسيا وغيرها عن طريق القدوة الحسنة والمعاملة الطيبة.
وسألته: هل تصل إلى الغربيين وسائل الإعلام في الشعوب الإسلامية؟
فقال: لا تصل، ولو وصلت ما فهموها، لأن أهل الغرب يجهلون لغتنا، ولو كانت توجد أجهزة إعلام تشرح الإسلام باللغات الغربية، وهي منظمة تنظيماً دقيقاً، لكان ذلك من أكبر عون على إثارة الرغبة عند الغربي للتعرف على الإسلام.
قلت له: إذا كانت الحجة لم تقم على أهل الغرب في نظرك فما حكمهم؟ فاعتذر الشيخ عن الإجابة على هذا السؤال.
تعقيب للأخ يحيى باسلامة:
الجزائرية صاحبة المدرسة تصلي ويظهر أنها طيبة، ولكنها كانت تُدَرِّس في المؤسسة الثقافية الإسلامية كاشفة الرأس، فطلب منها أن تغطي رأسها على الأقل عندما تدرس الأطفال، ولا زالت إلى الآن تأتي إلى الصلاة كاشفة الرأس، وتأخذ الغطاء في حقيبة ولا تلبسه إلا في داخل المسجد.
والمعهد الذي ذكر الشيخ أنها تشرف عليه هو لأخيها، وهو يعلم اللغة العربية، وعنده أفكار غريبة جداً ويقول: الإيمان والخير في قلبه ولا يصلي، ولم يتزوج وهو شاب، وأخته كذلك لم تتزوج، ولكنها مؤمنة عاملة بخلاف أخيها، وهذا المعهد لا صلة له بالدين وإنما تدرس فيه اللغة العربية فقط.
وأما الأردني الذي ذكر أن له معهداً، فالذي أعرفه أنه يساعد الطلبة العرب من أجل الدخول في اختبارات البلدان العربية متوسطة وثانوية مقابل ما يدفع له من مال.
وبدأ هذا العمل في منازل أهل الطلاب، وعندما كثر عددهم، استأجر لهم فصلاً في مدرسة إنجليزية يدرسهم فيها أياماً معينة.
أما المدرسة التي يشرف عليها بعض السودانيين والمصريين، فإنها تدرس بعض المواد الإسلامية واللغة العربية، وأهلها متوجهون لتدريس الإسلام، واللجنة فيه مؤقتة وليست بصفة مستمرة، وهم يصوغون النظام الأساسي للجمعية وتسمى جمعية تعليم أبناء المسلمين في جنيف.
وإذا انتهى النظام الأساسي ستقوم لجنة ثابتة وسأحكم على هذه اللجنة عندما يصدر نظامها الأساسي أهو صالح أم غير صالح.
أما الاشتراك في لجنة الديانات الكبرى، فإن رئيس هذه اللجنة هنري بابل، قسيس بروتستانتي وهو رجل حقير منافق، ويدعو أهل الأديان إلى كنيسة كاتدرائية جنيف ـ أي الكنيسة الكبرى ـ ومن الموضوعات التي يدعو إلى الاشتراك فيها إقامة الدعاء المشترك، وكان ذلك قبل سنة وحضر معهم الشيخ بوزوزو، ونشرت الصحف ذلك قبل الاجتماع وذكرت هدفها.
قال الأخ يحيى: وذهبت إلى الشيخ بوزوزو ونصحته وقلت له: إنه لا يليق حضوره معهم في دعاء مشترك، ولكنه حضر معهم ورأيناه في التلفاز، وذلك غير لائق.
ومما انتقده الإخوة على الشيخ بوزوزو، أنه لا يحضر إلى المسجد الجامع في المؤسسة الثقافية الإسلامية إلا للصلاة وخطبة الجمعة ولا يلقي دروساً في المسجد ولا يبقى فيه لتعليم الناس.
رجال الدعوة ورجال التكسب بها!
السبت: 8/11/1407هـ.
اتفقنا أنا والأخ يحيى باسلامة أن نسافر إلى مدينة زيورخ بالقطار، وقبل السفر مررنا بالدكتور زكي علي لتوديعه واستقبلنا الرجل ببشاشة، وقال عندما فتح الباب ورآني: الآن كنت أفكر فيك، وأخرج مجلة قديمة فيها صورة للمسجد النبوي وقال: إني لشدة محبتي للرسول صلى الله عليه وسلم، أضع هذه المجلة بجانبي قرب سريري لأنظر إلى مسجده الشريف صلى الله عليه وسلم، وأتمنى أن أحج فأطوف بالكعبة وأصلي في الروضة.
وذكر لي مرة أخرى أنه عندما حاول تأسيس مركز في فيينا، كتب إلى المسلمين يطلب منهم المساعدة في بناء المركز، فلم تأته إلا ستة جنيهات ـ أو دولارات ـ في ظرف من أحد تجار روسيا المسلمين الذين لجأوا إلى فنلندا، وقال: إن هذه الجنيهات بقيت عندي في ظرفها، إلى أن سمعت أن المسلمين عندما كثروا في النمسا من الأتراك وغيرهم، بدءوا في بناء مركز ومسجد في فيينا، وأن منظمة المؤتمر الإسلامي تساعد في بنائه، فبعثت بالظرف وفيه الجنيهات الست إلى حسن التهامي أمين منظمة المؤتمر، وكان سفير الجمهورية المصرية في فيينا في ذلك الوقت، وأخبرته أني حاولت أن أقيم مركزاً قبل هذا الوقت بمدة طويلة، وفشلت لعدم وجود مساعدة من المسلمين، وأن المساعدة الوحيدة التي جاءتني هي هذه، وقد نقلتها من ذمتي إلى ذمتك، ثم قال الدكتور: والمؤسف أني لم أتناول منه رداً، وهذه عادة العرب إذا كتبت لهم يهملون الإجابة على خطابك.
وهذه القصة تدل على مكابدة ذوي الغيرة الإسلامية، وسعيهم الحثيث في الدعوة إلى الله، والتماس أسباب قوتها مع قلة الحيلة وعدم المساعدة، كما تدل على الأمانة الفائقة، فالرجل يحتفظ بستة جنيهات سنين طويلة، ولا ينفقها لا على نفسه ولا على غيره، حتى يسمع أن المركز الذي كان يتمنى أن يقيمه في فيينا قد قام به بعض المسلمين، فيبعث تلك النقود القليلة إلى أكبر مسؤول عن نفقات المركز، ثم لا يأتيه رد يطمئنه بوصولها!
وما أكثر من يدعون في هذه الأيام أنهم يخدمون الإسلام، ويلحون في طلب المساعدات، ويضخمون ما يقومون به من أعمال، حتى يظن من يسمع أحاديثهم عن أنفسهم أو يقرأ تقاريرهم، أنهم قد فتحوا العالم وأقاموا الحجة على الناس بإبلاغهم هذا الدين!!
وكثير منهم يتخذون ذلك وسيلة للحصول على الأموال ليرتزقوا بها، ولا ينفقون منها على الدعوة إلا المزيد من الدعاية لأنفسهم من أجل أخذ المزيد من التبرعات.
لذلك تجد قلة رجال الدعوة الصادقين، وكثرة المتكسبين بالدعوة.
السفر إلى مدينة زيورخ:
وبعد أن ودعنا الدكتور زكي علي ذهبنا إلى محطة القطار، الذي تحرك بنا من مدينة جنيف في الساعة الحادية عشرة والربع صباحاً، وبدأ مسيره إلى الشمال، غرب بحيرة جنيف، وبعد نصف ساعة مررنا بمدينة لوزان، ثم وقف القطار في مدينة فريبورج في الساعة الثانية عشرة والنصف، وهذه المدينة (FRIBOURG) فيها أكبر مركز للرهبان في سويسرا، وفي الساعة الثانية عشرة والدقيقة الخمسين وقف القطار في مدينة: بيرن عاصمة سويسرا السياسية، ومررنا بعدة قرى، وتكثر في المنطقة المزارع والغابات.