1- في مدينة (فيينا)
1- في مدينة (فيينا)
وهبطت الطائرة في مطار فيينا، عاصمة النمسا في الساعة الحادية عشرة والربع 15ر11، فكانت مدة الطيران من مطار فرانكفورت إلى مطار فيينا ساعة كاملة.
وجدت في المطار الشاب المسلم الطالب معتز الشققي الذي يواصل دراسته في هندسة الكمبيوتر، وهو من شباب حماه، وعمره 23 سنة، وله في فيينا ثلاث سنوات.
أنزلني في فندق هيلتون في وسط البلد، وأجرة النفر في الغرفة ألفان ومائتان وثمانون شلناً نمساوياً في الليلة الواحدة، وهي تساوي أكثر من ثلاثمائة مارك ألماني ـ أكثر من ستمائة ريال سعودي ـ وقد نزلت في فندق ممتاز من الدرجة الأولى في مدينة فرانكفورت بمائتين وعشرين ماركاً ألمانيا، فقلت للأخ معتز: إن أجرة هذا الفندق مرتفعه جداً، ويبدو أن السبب وجوده في مركز المدينة، وهو موقع تجاري يؤمه السائحون ورجال الأعمال، وأنا لست حريصاً على مثل هذا المكان، فإنه كثير الصخب والزحام، وأنا أحب الهدوء ولأماكن البعيدة عن الزحام، فقال: إني أعرف فندقاً نظيفاً جداً ومكانه هادئ، وهو بجوار مناظر جميلة، والمواصلات منه وإليه متوفرة في كل الأوقات، واسمه: (MODUL) قلت له: إذا اتصل بموظفيه واحجز لنا ننتقل إليه غداً إن شاء، الله فاتصل وحجز. وأجرة الغرفة فيه ألف وثلاثمائة وستون شلنا، وهو أقل من فندق هيلتون بما يقارب النصف.
وقد جربت في أسفاري في مدن كثيرة من العالم، أنه توجد فنادق في خارج مراكز المدن ممتازة، لا تقل عن الفنادق الموجودة في المراكز وأسعارها أقل بكثير، ولكن قد لا يعرفها الإخوة الذين يسكنون في تلك المدن.
واتفقنا أنا والأخ معتز الذي فرغه الإخوة المسلمون في مدينة فيينا لمرافقتي جزاهم الله جميعاً خيراً، أن نبدأ من يوم غد بزيارة المراكز الإسلامية والمساجد والمسلمين من أهل البلد، وأن نبدأ اليوم بما تيسر من ذلك.
زيارة مسجد أيا صوفيا:
وفي الساعة الرابعة مساء زرنا مسجد الأتراك يسمى: أيا صوفيا، وهذه التسمية تدل على عاطفة شديدة عند الأتراك وحنين زائد إلى عودة ذلك المسجد العظيم الذي كانت دماء المسلمين الشهداء هي القنطرة التي عبروا عليها ليصلوا إليه، في قلب مدينة اسطنبول: مسجد أيا صوفيا الذي كان النصارى قبل الفتح يتخذونه مكانا لعبادة الشيطان، فحوله عظماء قادة الفتح الإسلامي إلى مسجد يرفع فيه ذكر الله ويعبد وحده لا شريك له، ولم تطب نفوس أعداء الدين الذين قلبوا الموازين من أجل إرضاء سادتهم الأوروبيين إلا بجعله متحفاً يتجاور فيه التوحيد والشرك، ويدخل من أجل رؤيته أولياء الله وأولياء الشيطان، وبخاصة العاهرات الساقطات من سائحات الكفرة من الشرق والغرب.
وبمنأى عن أيا صوفيا اسطنبول، وفي بلاد الكفر والغربة يسمي المسلمون مساجدهم به إظهاراً للسخط على تحويل ذلك المسجد العظيم إلى متحف من متاحف التاريخ، تفاؤلاً من أولئك المسلمين باليوم الذي يرزق الله مسجد أيا صوفيا اسطنبول من يعيد إليه التوحيد ويحميه من الإهانة!
وجدنا في مسجد أيا صوفيا في (فيينا) بعض الإخوة الأتراك ومنهم الإمام: علي جل، ولم نجد رئيس الجماعة الذي يدعى: الحاج صادق أوير.
قال الإمام: إن هذا المسجد أسس سنة 1981م قام بتأسيسه مجموعة من الأتراك.
وعدد أعضاء الجماعة مائة وعشرة.
ويقومون بصلاة الجماعة والجمعة في المسجد، ويعقدون حلقات لقراءة القرآن الكريم، ويحفظون أولادهم القرآن الكريم وقد حفظ القرآن كله ثلاثة أولاد، ويدرسون في المسجد في النهار، ويتعلمون المبادئ الإسلامية خمسة وعشرون طفلاً، وعشرة يدرسون في المدارس الحكومية ويتعلمون في المسجد وينامون في بعض الغرف التابعة له، وسيبدءون بتعليم اللغة العربية بعد نصف شهر.
وفي صلاة الجمعة، وفي رمضان يحضر للصلاة ما يقارب مائتي شخص.
وسألت الإمام عن دعوة غير المسلمين إلى الإسلام؟ فقال: إنه أسلم في هذا المسجد خمسة أشخاص من النمساويين، بدعوة من بعض أعضاء المسجد ويصلي معهم عدد من المسلمين النمساويين.
وقال: إنه يوجد مسلمون نمساويون، مهندسون ومثقفون، بعضهم يؤلفون كتباً إسلامية باللغة الألمانية ـ وهي اللغة الرسمية في النمساً ـ وينشرونها.
ويوجد طلاب أتراك لهم اتصال بالنمساويين في الجامعة ويشرحون لهم الإسلام.
و أهل هذا المسجد من جماعة (ملي قرش) وأصلهم من حزب السلامة، ويتبع الجماعة في النمسا ثلاثون مسجداً، وعدد جماعتهم في النمسا كلها خمسة آلاف تقريباً.
وعدد المساجد التركية التابعة لغير هذه الجماعة ثلاثون مسجدا أيضاً.
وعدد المسلمين الأتراك كلهم في النمسا سبعة آلاف، وسألته عن التطبيق العملي للإسلام في الجالية التركية؟
فقال: إن جماعة (ملي قرش) يطبقون الشريعة الإسلامية أكثر من غيرهم وهي محفوظة بحفظ الله، فلا يفسد أحد منهم فساداً يجعله يلتحق بركب الكفار.
والمساجد التي تتبع الأتراك في مدينة فيينا سبعة، منها أربعة لجماعة ملي قرش.
زيارة المركز الإسلامي في مدينة فيينا:
اجتمعنا بإمامه الشيخ محمد معصوم بن محمد شفيق آيدن(44).


ولد الأخ محمد سنة 1948م في ديار بكر في تركيا.
ودرس في مدرسة الأئمة والخطباء في بلاده.
ثم التحق بالجامعة الإسلامية في اسطنبول، وفيها درس اللغة العربية.
عمل في مدرسة الأئمة والخطباء عشرة سنوات.
وانتقل إلى النمسا مفتياً في الجمعية الإسلامية رسمياً، وهي جمعية رسمية في النمسا، وكان في هذه الجمعية من سنة 80 ـ 1982م، وفي سنة 1982م انتقل إلى هذا المركز متعاقداً مع الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد في المملكة العربية السعودية.
وسألته عن تأسيس هذا المركز الذي يضم مسجداً عظيماً ومرافق كثيرة؟
فقال: بدأت المرحلة الأولى لبناء المركز سنة 1967م [بعد أن أكتب نص ما أدلى به الشيخ محمد معصوم، سأنقل نبذة عن إنشاء المركز وما سبقه من نشرة خاصة لذلك]. ولم يتم بناؤه لعدم الإمكانات المادية.
وفي سنة 1975م قدم سفير المملكة العربية السعودية من الملك فيصل ستين مليون شلن.
وفي سنة 1977م كُلِّفَتْ إحدى الشركات بناءه.
وفي أول محرم سنة 1400هـ افتتح المركز.
والمرافق الموجودة في المركز: الجامع الكبير الذي يصلي فيه المسلمون الجمعة، ومسجد أصغر تقام فيه صلاة الجماعة في الأيام العادية، ومكتبة مزودة بكتب ومراجع إسلامية معدة للمطالعة بطاولاتها ومقاعدها، وقاعة محاضرات كبيرة، ومكاتب إدارية وسكن للإمام.
وبه مدرسة إسلامية يطبق فيها المنهج السعودي، وهي ابتدائية والطلاب الذين يدرسون فيها كلهم عرب، وبها: حضانة وروضة.
وعدد الأولاد فيها كلهم 35، ولم يمض على افتتاحها إلا سنة واحدة.
ويؤخذ من كل طالب رسوم لتغطية النفقات 22 ألف شلن. وسألته عن نشاط المركز؟
فقال: أداء الصلوات، وعقود الزواج، وإشهار الإسلام، والذين أشهروا إسلامهم من النمساويين في المركز 128 من وقت افتتاحه. [الذين يشهرون إسلامهم في المراكز أكثرهم يسلمون خارج هذه المراكز لأسباب مختلفة وإشهار إسلامهم في المراكز قد يكون لحاجتهم إلى إثبات إسلامهم رسميا لما ينبني عليه من الزواج بين المسلمين أو غير ذلك].
وتلقى في شهر رمضان محاضرات دينية، وتصلى فيه الأعياد وعدد المصلين في العيد يزيد على ثلاثة آلاف مسلم.
وفي أيام السبت والأحد يدرس الأطفال القرآن مجاناً، والمكتبة مفتوحة لمن يريد الاستفادة.
ويتردد النمساويون المسلمون للاستفسار عما يشكل عليهم [يلاحظ عدم زيارة المسلمين ومتابعتهم إذا لم يحضروا بأنفسهم إلى المراكز]. وتوجد محاولة لإصدار مجلة إسلامية باللغة العربية واللغة الألمانية واللغة التركية.
وتوزع بعض الكتب والسجاجيد للمساجد.
ويزور النمساويون غير المسلمين المسجد يومياً تقريباً، من شهر سبتمبر إلى آخر شهر يونيو للسؤال عن الإسلام، وأخذ معلومات عنه وقد يصل عددهم في اليوم إلى سبعين شخصاً.
وسألته عن موظفي المسجد؟
فقال: مدير المركز: الأستاذ عبد الرحمن ذاكري وهو كويتي.
وله إمامان: وهو الشيخ محمد معصوم، والشيخ عبد الحميد حدادة، الأول مبعوث من الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، والثاني مبعوث من رابطة العالم الإسلامي، وهو مدير المدرسة ويوجد حارس ومؤذن وبواب.
ويوجد سبعة من المدرسين وهم مصريون.
وسألته عن النشاط في الجالية الإسلامية؟
فقال: تحصل زيارات للجالية الإسلامية في فيينا وخارجها، وتوجد بالمركز كتيبات صغيرة إسلامية ترجمها رجل في ألمانيا اسمه محمد رسول باللغة الألمانية، والمؤلف مصري.
وسألته عن الموضوعات الإسلامية التي يهتم بها النمساويون؟
فقال: يسألون كثيراً عن سبب تحريم أكل لحم الخنزير، وسبب تحريم شرب الخمر، وأي موضوع يشرح لهم عن الإسلام يحبون أن يسمعوه.
قلت له: هل ترى أن الحجة قد قامت على غير المسلمين بالدعوة إلى الإسلام؟
فقال: بعضهم قد يكون سمع عن الإسلام معاني صحيحة، وأغلبهم لم يبلغهم على وجهه الصحيح، لعدم وجود العدد الكافي الذي يقوم بالدعوة وهو يفقه الإسلام، ويتفرغ للدعوة.
قلت: أي الفئات من غير المسلمين أكثر سماعاً وقبولاً للإسلام؟
فقال: الذي نعرف أن كبار السن أكثر عناداً، ولو فهموا الإسلام، والشباب إذا فهموا الإسلام إقبالهم أكثر.
قلت له: هل يمكن أن تتاح الفرصة للمسلمين لينشروا دينهم عن طريق أجهزة الإعلام النمساوية، كالإذاعة والتلفزيون؟
قال: يوجد في كل شهر برنامج عن الإسلام في الإذاعة، وبعنوان صوت الإسلام، وكذلك في التلفزيون، ويدير هذا البرنامج الجمعية الإسلامية الرسمية، وهي مكونة من الجاليات الإسلامية، والمسؤول عنها هو عبد الرحيم زاي الأفغاني. [سيأتي الكلام عن هذه الجمعية وعن عبد الرحيم الذي يشكو منه المسلمون شكوى مرة].
والمسلمون لهم حرية الدعوة في هذا البلد، لأن الدولة اعترفت رسمياً بالإسلام.
قلت: ما علاقة المركز بالجمعية الإسلامية؟
قال: لا توجد علاقة، لأن المركز يدار من قبل سفراء الشعوب الإسلامية، والجمعية تعتبر حكومية، ومشكلة المركز مادية. [إلى هنا انتهت المقابلة مع الشيخ محمد معصوم إمام المركز].
معلومات عن المركز الإسلامي في مدينة فيينا:
عندما التحق البوشناق والهيرتسكوفينا، انضموا إلى الإمبراطورية النمساوية بعد مؤتمر برلين في عام 1878م، أخذت السلطات آنذاك تلتفت إلى حاجات وأمور المسلمين، فأقامت مسجداً للجيوش الإسلامية في شارع الألزر بمدينة فيينا، بعدها تبرع القيصر فرانس جوزيف الأول بمبلغ 25 ألف كولدن من أجل إنشاء مسجد للمسلمين، وقد خصص محافظ مدينة فيينا: كارل لويكر في حينه أرضاً ليقام عليها هذا المسجد، إلا أن انحلال الإمبراطورية النمساوية في أعقاب الحرب العالمية الأولي، كان قد أعاق تحقيق هذا المشروع.
وكان قد أقيم في مدينة فيينا في تلك الفترة مصلى للمسلمين في دار السفارة التركية، وآخر في دار أحد رجال الأعمال، في شارع بينسلاندورفر بمدينة فيينا أيضاً.
بعدها بدأ يتزايد عدد المسلمين في النمسا حتى بلغ سبعين ألفاً، وكانت الصلاة، ولا زالت تقام للطلاب وغيرهم من المسلمين، في إحدى قاعات المعهد الآسيوي الإفريقي، وفي قاعة جمعية الخدمات الاجتماعية الإسلامية(45).

وفي عام 1968م تَكَوَّن مجلس للأمناء من ممثلين عن ثماني دول إسلامية، برئاسة سفير الجمهورية المصرية في فيينا: حسن التهامي، وعضوية سفير المملكة العربية السعودية: فخري شيخ الأرض، وسفير الجمهورية التركية في فيينا حسن استنلي، وسفير الجمهورية الإندونيسية في فيينا: ليلي أوتسار، وسفير الجمهورية الباكستانية في فيينا: أنور مراد، وسفير الجمهورية اللبنانية في فيينا: عبد الرحمن الصلح، وسفير الجمهورية العراقية في فيينا: خالد الهاشمي، وسفير إيران في فيينا: أمير أصلان أفشار.
واشترى المجلس أرضاً من بلدية فيينا، ثم وضع حجر الأساس عليها في التاسع والعشرين من شهر شباط (فبراير) عام 1968م بحضور وزير الخارجية النمساوية آنذاك: الدكتور كورت فالدهايم، [وهو الآن رئيس الجمهورية النمساوية]. وأسقف فيينا الدكتور فرانس كونيك، وأكثرية سفراء الدول الإسلامية.
وقد نقشت على الحجر الأساس الكتابة الآتية:
(الله ـ المركز الإسلامي في "فيينا")
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته المتقين، الحمد لله الذي وفقنا لإقامة المركز الإسلامي في فيينا في شهر رمضان المبارك سنة 1378هـ. سبحانك.. اللهم اجعل هذا صرحاً منيراً بالعلم والهدى، واجعله نبراساً يهدي في هذا المكان من العالم ووسيلة لهداية خلقك، وجمع القلوب إلى محبتك وعبادتك".
إلا أن قلة الأموال في حينه حالت دون بناء المركز إلى أن تبرع له الملك فيصل بن عبد العزيز ببنائه في عام 1975م وكلف القيام بهذه المهمة سفير المملكة العربية السعودية في فيينا الشيخ فريد بصراوي.
وتقدمت عدة مؤسسات إنشائية لإقامة هذا المشروع، حيث رسا على المقاول ريجارد لوكر الذي شرع بالبناء في السادس من شهر حزيران (يونيو) عام 1977م، وفي الحادي عشر من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1977م سمع الأذان لأول مرة من على منارة المسجد التي اعتلاها الهلال.
وفي السادس والعشرين من شهر نيسان (أبريل) سنة 1978م، كان الهلال ينتصب على قبة المسجد.
أصناف المسلمين المنتفعين بالمركز الإسلامي في فيينا:
إن إقامة هذا المركز الإسلامي، إنما يخدم الأعداد المتزايدة من المسلمين النمساويين، وأفراد الجالية الإسلامية المقيمة في النمسا، أو الذين اكتسبوا الجنسية النمساوية نتيجة استقرارهم في هذا البلد، أو المهاجرين من بلادهم لأسباب اجتماعية أو سياسية كالألبانيين الأرناؤط واليوغسلافيين البشناق، وغيرهم من سكان المناطق التي انحسر عنها سلطان الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، أو التي غمرتها الموجة الشيوعية في أعقاب الحرب العالمية الثانية.
والمسلمون في النمسا يتمتعون بكافة الحقوق والامتيازات التي يتمتع بها غيرهم من أبناء الأديان الأخرى، [إلا أن بعض الشياطين المنتسبين منهم إلى الإسلام يحولون بين المسلمين وبين تمتعهم بالحقوق الممنوحة لهم في اتخاذ القرار فيمن يتولى أمورهم حيث تتخذ الوسائل الماكرة ليقفز إلى قيادتهم من يخدم أعداء الدين وسيأتي مزيد بيان لذلك عند الكلام عن عبد الرحيم زاي الأفغاني الذي يتزعم المسلمين رغم أنوفهم!]. بموجب القوانين والشرائع الموضوعة، وأنهم إذا كانوا من أبناء البلد يجدون أمامهم نفس الفرص التي تتوفر لسائر المواطنين في مختلف مجالات العمل، سواء في الحقل الأهلي أو في دوائر الدولة الرسمية، فليس في النمسا تمييز بين أبناء الشعب الواحد في العقيدة الدينية أو المذهب السياسي أو الاتجاه الفكري.
وهناك عدد من المسلمين النمساويين يشغلون مناصب حكومية محترمة، ويؤدون واجبهم في خدمة وطنهم، كأي نمساوي آخر دون أن يكون إسلامهم عائقاً لهم عن بلوغهم المرتبة الإدارية أو الفنية التي تؤهلهم لها كفاءتهم أو مكانتهم.
بل إن المسؤولين في النمسا، كثيراً ما أظهروا عاطفة خاصة نحو مواطنيهم من المسلمين.
واستطردت النشرة إلى ما يقوم به بعض أساقفة النمسا من الدعوة إلى تقارب المسلمين والمسيحيين، ولا داعي للكلام عن ذلك هنا.
فالمسيحيون يدعون إلى التقارب الذي فيه الرضا بدينهم، والتنازل عن معنى الولاء والبراء الذي يأمر به ديننا، ولهذا الموضوع مكان آخر.
ثم ذكرت النشرة أنه: (في اليوم الأول من شهر محرم سنة 1400هـ الموافق العشرين من تشرين الثاني سنة 1979م تم افتتاح هذا المركز الإسلامي على بركة الله..). [وحضر حفل الافتتاح رئيس الجمهورية النمساوية الدكتور روولف كرخشليكر ومستشار النمسا الدكتور برونوكرايسكي، وعمدة فيينا ليوبولدكراتس ووزير خارجية النمسا الدكتور بار.... وحضر حفل الافتتاح وزير المعارف في المملكة العربية السعودية الدكتور عبد العزيز الخويطر، وسفراء الدول الإسلامية والعربية وتضمن الكتيب نصوص كلمات الافتتاح].
ضرورة وجود العمارة المعنوية مع العمارة المادية:
ولا بد لي من كلمة بعد هذه المعلومات عن المركز الإسلامي في مدينة فيينا، وهو قلعة ضخمة جزى الله من تسبب في إنشائه وإقامته خيراً، فهو مسجد كبير ألحقت به مرافق مهمة، يعجب به الرائي عندما يراه في تلك الأرض الأوربية، من حيث الموقع والفخامة والمرافق والجمال!
وفيه نشاط طيب يشكر عليه من أسهم فيه إسهاماً مباشراً أو غير مباشر.
ولكن النشاط الذي يؤدى فيه ضعيف جداً، بالنسبة لفخامته وكثرة مرافقه والبلد الذي شيد فيه. [هذا في الوقت الذي زرت المركز فيه، ويجوز أن تكون قد تحسنت أحواله بعد ذلك].
فالمسجد وما يتبعه يتسع لآلاف المصلين، ولا يصلي فيه في الأوقات العادية إلا عدد قليل جداً وبخاصة في الإجازات الخاصة به، فقد صلينا فيه العصر أنا ومرافقي والحارس فقط وجاء الإمام وصلى وحده، ويمكن أن يكون عدد المصلين لا بأس به عندما تكون مدرسة المركز مفتوحة وبها الطلبة الصغار والموظفون والأساتذة، ولكن المفروض أن يؤم المسجد المسلمون ليصلوا فيه، وإذا كان سبب عدم توافد الناس إليه بعده عن المسلمين فلم يكن اختياره موفقاً، لأن الهدف من المساجد أن يعبد المسلمون فيها ربهم في كل الأوقات، وليس الهدف منها أن تشيد كالكنائس وتقفل إلا في أوقات محدودة.
والمفروض أن يوجد في هذا المركز جهاز قوي، به كفاءات تستطيع أن تنطلق منه بالدعوة ونشر الإسلام، بين الجالية الإسلامية والمسلمين من أهل البلد، وغير المسلمين، وأن يكون نشاطه داخلياً وخارجياً، وأن ينسق تنسيقاً قوياً ومفيداً في العمل الإسلامي، مع الجمعية الإسلامية الدينية الرسمية التي تعترف بها الحكومة النمساوية حتى يثمر العمل ويوجه توجيهاً سليماً.
اقتراحات:
إن من أهم الأمور التي يجب العناية بها في المركز ما يأتي:
1 ـ إنشاء مدرسة كاملة لأبناء الجالية الإسلامية في فيينا، يقومون هم بتوجيه من المركز بإنشائها ومطالبة الحكومة النمساوية بدعمها، ويساعد المركز بالمكان، مجاناً أو بأجر رمزي لصيانة المقر، كما يساعد في إعداد المنهج والمقررات الدراسية، عن طريق علماء المسلمين والمؤسسات الإسلامية، التي لحكوماتها سفارات في فيينا، ويجمع فيه ـ أي في المنهج ـ بين المواد الإسلامية والعربية، والمواد المقررة في المدارس الحكومية، وينشأ هؤلاء الطلاب تنشئة إسلامية، في جو بعيد عن الاختلاط بالطلبة غير المسلمين الذين هم الكثرة الغالبة في المدارس النمساوية، وسيكون هؤلاء الطلاب نواة لمواصلة الدراسة إلى المرحلة الثانوية. وقربهم من المسجد يجعلهم يصلون فيه جماعة في الأوقات التي يدرسون فيها، وتقام لهم أنشطة ثقافية وتربوية ورياضية.
وما دامت الحكومة معترفة بالإسلام، فإنها تساعد بحكم القانون في تكلفة المدرسة ونفقاتها، ويمكن أن يختار لها مدرسون صالحون ويستقدمون من البلدان الإسلامية على هذا الأساس.
2 ـ عقد حلقة في آخر الأسبوع خاصة بالمسلمين النمساويين، يدرسون فيها القرآن الكريم، وبعض المواد الإسلامية التي تقوي إيمانهم وتزيد من فهمهم للإسلام، كالتفسير والحديث والفقه والعقيدة والسيرة النبوية واللغة العربية...
3 ـ عقد ندوة دورية، تعد إعداداً قوياً، ويتولاها من عندهم فقه في الدين واطلاع واسع على الأديان المقارنة وثقافة العصر، وإجادة اللغة الألمانية، ويكون الهدف من هذه الندوة التعريف بالإسلام والإجابة عن أي سؤال أو شبهة، ويدعى لهذه الندوة غير المسلمين، بحيث تفتتح بكلمة قصيرة حول الموضوع الذي يراد بحثه في الندوة، ثم يفتح المجال للمناقشة والحوار، ويعلن عن هذه الندوة وموضوعاتها في الصحف وبالملصقات والنشرات في الأماكن العامة كمحطات القطارات وسيارات النقل العام وغيرها.
4 ـ إلقاء محاضرات شهرية في موضوعات مختلفة، يدعى لها المسلمون وغيرهم، ويدعى لإلقاء تلك المحاضرات القادرون حسب الاستطاعة من داخل النمسا ومن خارجها، ويعلن عنها كذلك في كل مكان يمكن الوصول إليه.
5 ـ عقد لقاءات للجالية الإسلامية وأسرها، لأخذ دروس مستمرة وتوجيهات دائمة، يكون ذلك على قسمين: قسم خاص بالرجال يتولى إدارته والإشراف عليه وإلقاء الدروس والمناقشات لجنة تتكون من بعض أئمة المسجد أو موظفيه، ومن الذين يرى أنهم صالحون لذلك من أفراد الجالية.
وقسم خاص بالنساء، يختار له لجنة نسائية من ذوات الصلاح والثقافة الإسلامية والتربية الإيمانية، وإذا ما احتجن إلى رجال لإلقاء المحاضرات فيمكن أن يخصص لهن في كل محاضرة من يقوم بذلك، وترتب لهن دروس إسلامية في المواد المختلفة، ويهتم في ذلك كله بما يتعلق بتربية الأسرة وحقوق بعض أفرادها على بعض، وعلى نشر الدعوة بين الأسر المسلمة.
6 ـ إنشاء مطبعة تقوم بطبع الكتب الصغيرة والنشرات التي تعرف الناس بالإسلام، باللغتين العربية والألمانية ومجلة أو جريدة.
7 ـ إنشاء ناد ثقافي رياضي تربوي، لأبناء المسلمين يتولى الإشراف عليه أكفاء.
8 ـ أخذ إذن من الحكومة بتخصيص موجة إذاعية، على مستوى النمسا إن أمكن، وإلا فعلى مستوى مدينة فيينا وضواحيها، تعد لها برامج باللغة العربية واللغة التركية واللغة الألمانية، يكون الهدف منها نشر المبادئ الإسلامية الشاملة: العقيدة والعبادة والمعاملة، والأخلاق والآداب، والتعريف بتاريخ الإسلام والمسلمين، وتخصص برامج للأسرة: المرأة والأطفال والعلاقات الأسرية والعلاقات الاجتماعية، وبرامج لتعريف غير المسلمين بالإسلام وبمعاني القرآن الكريم وبالرسول صلى الله عليه وسلم وغير ذلك.
ولكن أين الإمكانات التي تنفذ بها هذه المقترحات؟
وهنا يأتي سؤال، وهو أين الإمكانات التي يمكن أن تنفذ بها هذه المقترحات الطيبة الواسعة؟
والجواب فيما يأتي:
على المسؤولين في المركز أن يقتنعوا بهذه المقترحات، ثم يتحركوا بالمطالبة بالمساعدة على المستويات المختلفة:
المستوى الأول: إقناع الجمعيات الإسلامية الرسمية بهذه الأمور والتخطيط لها، وهي إذا اقتنعت يمكنها أن تطلب من دولة النمسا الإسهام بقسط فيها.
المستوى الثاني: سفراء حكومات الشعوب الإسلامية الذين هم الجهة المشرفة على المركز، وإذا كانت بعض حكومات الشعوب الإسلامية ـ مع الأسف الشديد ـ لا يسرها النشاط الإسلامي فلتترك، ويتجه إلى غيرها من الحكومات التي تريد الإسهام في هذا النشاط.
المستوى الثالث: تجار المسلمين وأغنياؤهم في الشعوب الإسلامية، فإن كثيراً من أغنياء المسلمين لو علموا أن أموالهم ستوضع في مصلحة عامة تعود بالخير على الإسلام والمسلمين، ما تأخروا عن المساعدات السخية في ذلك.
المستوى الرابع: المؤسسات الإسلامية القادرة على توظيف من يقوم بشيء من النشاط المطلوب، من مدرسين ودعاة ومناهج وكتب دراسية وطبعها، وإعلاميين وغير ذلك.
والمهم أن توجد أولاً الإرادة ثم الإدارة، ثم التخطيط، ثم التحرك بعد التوكل على الله، في كل اتجاه، وليس شرطاً أن ننفذ كل هذه المقترحات في وقت واحد، بل يمكن أن نبدأ بأسهلها، ثم نسير على بركة الله خطوة خطوة، والله تعالى لا بد أن يعين من استعان به صادقاً: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ }.
فإذا لم نتحرك لتحقيق ما نقدر عليه من هذه الأمور، فإن مثل هذا المركز الكبير سيبقى في عداد المتاحف يزورها الناس ويعجبون ببنائها وتنتهي بذلك مهمتها التي أنشئت من أجلها، ولهذا فقد أدرجته الدولة ضمن المتاحف التي تزار!
على برج الدانوب (DONAUB TURM):
وبعد أن فرغنا من الاجتماع مع إمام مسجد المركز الإسلامي: الشيخ محمد معصوم ذهبنا إلى برج الدانوب، وهو قريب من المركز، المسافة من المركز إلى البرج لا تزيد على كيلو متر واحد، ولهذا ذهبنا إلى البرج مشياً على الأقدام، وكنا في دوار البرج في الساعة السابعة والنصف تقريباً.
وهذا البرج هو أعلى بناء في مدينة فيينا، يبلغ طوله 252 متراً، تم افتتاحه في 16 أبريل سنة 1964م وفيه مطعم دوار على ارتفاع 160 ـ 170 متراً وشرفة يبلغ ارتفاعها 150 متراً.
ومصعده يوصل الراكب إلى 165مترا خلال 45 ثانية، ويقع البرج بين نهر الدانوب القديم، وهو شبيه ببحيرة مغلقة متصلة بالنهر وهي في شمال البرج، ونهر الدانوب الجديد، وهو النهر الطويل الذي تمتد عليه الجسور التي تربط بين مدينة فيينا في الشمال والجنوب.
وبجانب البرج حديقة دونا بارك (DONAU PARK)، وهي التي جمع فيها البابا المسيحيين قبل فترة، وخطب فيهم وقد نصب في المكان الذي وقف فيه خطيباً صليب كبير من مادة الألمونيوم.
ويقسم نهر الدانوب مدينة فيينا قسمين: القسم الجنوبي وهو أعظمها، والقسم الشمالي وهو أقلها، ويبدو كأنه ضاحية جديدة.
والبرج يقع في الشمال الشرقي للمدينة.
زيارة القنصل السعودي في مدينة فيينا:
الثلاثاء: 25/11/1407هـ.
في صباح هذا اليوم ذهبنا إلى القنصل السعودي في فيينا، أسعد نوري جوتة، لمساعدتي في منح سفارة فنلندا تأشيرة دخول، لأني لم أكن من قبل أخذت لها تأشيرة، كما أخذت من بقية السفارات تأشيرات للبلدان التي عزمت على زيارتها.
والأخ أسعد من مواليد سنة 1953م في مكة المكرمة، تخرج في جامعة الملك عبدالعزيز بجدة في قسم الاقتصاد وإدارة الأعمال: بكالوريوس، والتحق بوزارة الخارجية لمدة سنتين في الإدارة القنصلية، وكان مسؤولاً في قسم المصادقات.
ثم انتقل إلى السفارة السعودية في الرباط بالمغرب، لمدة ثلاث سنوات، مسؤولاً عن شؤون الرعايا السعوديين، ثم عاد إلى المملكة فعمل في الإدارة القانونية بوزارة الخارجية ما يقارب سنتين.
ثم انتقل إلى السفارة في فيينا، عمل نائباً لرئيس القسم القنصلي إضافة إلى عمله في السفارة لمدة سنتين.
وهو الآن رئيس القسم القنصلي في فيينا.
وبعد ثلاثة شهور سينتقل قائماً بالأعمال في غانة بإفريقيا، وله في وزارة الخارجية إحدى عشرة سنة تقريباً، وقد كتب للسفارة الفنلندية ووعدونا أن يتم منح التأشيرة في السويد.
جنات الدنيا!
عدت إلى الفندق "مودول" وأخذت أتأمل في تلك المناظر الطبيعية الجميلة: أنهار وبحيرات، وغابات ومزارع وخيرات، ووسائل عيش ورفاه في بلاد الغرب، فرأيت أنها جنات هيئت للأجسام لتأخذ حظها من نعم الباري جلت قدرته، وبخاصة إذا قورنت بالبلدان التي حرمت منها: الأنهار المتدفقة، والمناخ المعتدل أو البارد، والغابات الكثيفة، والمناظر الطبيعية الجميلة.
ولكن الإنسان عندما يتعمق في نظرته برؤية إيمانية، يرى أن هذه الجنات، هي صحارى قاحلة ذات مناخ محرق قاس يشقي القلوب ويتعسها، بسبب فقده ما يسعدها، وهو الإيمان الذي به تطمئن القلوب، والوحي الذي على نهجه تسير في حياتها، الإيمان والوحي اللذان يكون الإنسان الذي حازهما سعيداً في حياته مطمئن القلب راضي النفس، ولو كان في صحراء قاحلة وجو حار محرق للأجسام.
ولهذا يجب على أولئك الذين غرهم بريق الحضارة الغربية المادية في الغرب، أن يغوصوا في أعماق المجتمع الغربي وفي مسارب أفراده، ليروا أن الخير الذي عندنا نحن المسلمين هو سبب السعادة، وإن قلت وسائل الراحة الجسمانية، وأن فقد ذلك السبب عند غيرنا هو سبب الشقاء وإن كثرت وسائل الراحة الجسمانية.
وليس معنى هذا أن يقعد المسلمون عن أسباب الكسب المادي وطلب الرزق والسعي في اتخاذ أسباب القوة التي يدفعون به العدوان من قبل الطغاة الذين يدأبون على الظلم الذي يهدر به ضرورات حياة البشر، فإن ذلك هو المشروع لهم عند الله، ولكن معناه مع ذلك أن يحافظوا على طمأنينة قلوبهم بطاعة ربهم والسير على صراطه المستقيم الذي يكسبهم الحياة السعيدة في الأرض وينالوا به رضا الله وحسن ثوابه في الآخرة.
حراج الشحاذين الذين يُرَقِّصون أهل الغرب:
سميت في الكتاب الخاص ببريطانيا حديقة "هايد بار" بـ(سوق حراج الأفكار) لأن الخصام الذي يحصل بين الخطباء والمتحاورين معه تكون موضوعاته مرتبطة بالأفكار المتنوعة، في الأديان والعقائد والفلسفات، والشئون السياسية والاقتصادية والإعلامية وغيرها.
وسميت الملعب الكبير في منطقة "سنيان" في جاكرتا: بـ(سوق حراج الرياضة والموسيقى) لأن المجموعات المتنافسة فيه على من يقصده للرياضة يغرونهم بالحركات الرياضية المتنوعة والموسيقى.
وهنا في فيينا يوجد شارع سياحي في قلب مدينة فيينا، وشوارع مجاورة له، لا يسير فيها إلا المشاة، وأغلبهم من الزوار من خارج مدينة فيينا أو النمسا، ويكثر في هذه الشوارع الأسواق والبضائع التي يرغب الزوار في شرائها، من التحف القديمة وغيرها.
ويفد إلى هذه الشوارع كثير من الشحاذين من بلاد الغرب وإفريقيا ومن بلاد الشرق، كالهند وغيرها، ويتخذ كل واحد منهم أي أداة من أدوات الموسيقى، ويحجز مكاناً في الشارع ويفرش قطعة من القماش فيه، ثم يأخذ في العزف على آلته، ويغرد بغنائه، ويرقص بجسمه ويتجمع الناس حوله، فتصبح حوله أمة من البشر من كل حدب وصوب، ويأخذ الغربيون يرقصون معه محاولين تقليده في رقصته، سواء كانت غربية أو شرقية أو إفريقية، وقد يكون الراقص مبتكراً لتلك الرقصة أو الحركات من أجل جلب الناس إليه وعطفهم عليه.
وبعضهم لا يملك إلا مزماراً، فيأخذ في الزمر وفي عمل حركات جنونية بجسمه.
والذي يمشي في هذا الشارع يجده مليئاً بالبشر الذين يلتفون على أولئك الشحاذين، لا يجاوز حلقة إلا وجد بجوارها حلقة أخرى، ورؤوس الغربيين الملتفين حول الرقاصين تصعد وتهبط رجالاً ونساء، صغاراً وكباراً، يشاركون الشحاذ الذي يلتفون حوله، وقليل منهم يرمي له شيئاً من القروش.
قلت للأخ معتز الذي كان يرافقني مدة بقائي في فيينا: إن هذه الأسواق وما يوجد بها من تجمعات شبيهة بأسواق العرب في الجاهلية، فلو أن شخصاً يجيد لغتهم وقف في بقعة من هذا الشارع كما يقف هؤلاء الشحاذون، وصاح في الناس أن يجتمعوا حوله، وهو قادر على مخاطبتهم بأساليب جذابة، ويبدأ يتحدث عن الإسلام بأسلوب مناسب، متخذاً فيها النكتة والطرفة وسيلة من وسائل جذبهم، ومع ذلك يقدم لهم الإسلام بحجج دامغة ويبين لهم أضرار تسيبهم وما يجلبه عليهم من شقاء، فهل تراهم سيقبلون عليه كما يقبلون على الرقاصين ويسمعون منهم؟
فقال الأخ معتز: إن هؤلاء يأتون إلى هذه الأماكن السياحية ليسلوا أنفسهم، ومن السهل أن يستجيبوا لمن يرقص لهم ويرقصهم، أما الموضوعات الدينية فلا أظن أنهم يستجيبون لسماعها.
قلت: ومع هذا فإن المفروض على الداعية القادر على مخاطبة القوم بلغتهم أن يجرب، وأن يقف للناس في أماكن تجمعاتهم، ويدعوهم إلى الله، المرة تلو الأخرى، ولا ينبغي أن نستسلم لليأس، فقد يكتب الله على يديه هداية بعض الناس.
وهذه هي سنة رسل الله عليهم الصلاة والسلام في قومهم، وبخاصة خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم، الذي كان يتتبع بدعوته الناس في أسواقهم ومنازلهم ومواسمهم، وكان ينال منهم الأذى والطرد، ويصبر على ذلك حتى نصره الله، بعد أن بلغ دعوته وأقام الحجة على الناس، ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو القدوة الحسنة لمن يريد اتباعه صلى الله عليه وسلم : { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي}. [يوسف: 108].
وإذا كان الخطاب الجاد لا يجذبهم، فلنبتكر الوسائل التي يمكن أن تجذبهم، ما هو مباح، أما تركهم بدون أن يصل إليهم البلاغ المبين الذي كلفناه الله تعالى فإنا به آثمون. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
الاجتماع بالطلبة المسلمين في فيينا:
وفي الساعة السابعة مساء كنا في منزل الأخ سمير أبي اللبن، حيث التقينا عدداً من الإخوة الطلبة المسلمين في فيينا، وحصلت مناقشات وأسئلة كثيرة تتعلق بالدعوة إلى الله.
وكانت شكوى الإخوان مرة، من تفرق كلمة المسلمين الذين نصبوا أنفسهم للدعوة وقيادة الناس باسم الإسلام، وأن مشكلات المسلمين في بلادهم تنتقل معهم إلى البلدان الأجنبية، كما هو الحال في أوربا، ومنها النمسا.
وبعد أن تناولنا طعام العشاء عدنا إلى الفندق في الساعة العاشرة والنصف.
موقف النمساويين من الأديان وبخاصة الإسلام :
الأربعاء: 26/11/1407هـ.
في الساعة الثانية عشرة والنصف جاءني الأخ السوداني كمال عبد الله محمد أحمد، وهو طالب في هندسة الكمبيوتر، لنقلي إلى منزل الأخ السوداني الفاتح علي حسنين حيث كنا على موعد معه لتناول طعام الغداء.
وفي الطريق سألت الأخ كمالاً، عن صلته بزملائه من النمساويين في الجامعة، وهل يقبلون أن يسمعوا شيئاً عن الإسلام؟
فقال: الغربيون أقسام:
القسم الأول: نسبة كبيرة منهم لا يريدون أن يسمعوا عن الدين شيئاً، ويرون أن ذلك مضيعة للوقت.
والقسم الثاني: عندهم معلومات عن الدين، ويرى بعضهم أن الدين فيه قوانين طيبة ومبادئ ممتازة، ويحبونها، ولكن لا يستطيعون تطبيقها على أنفسهم، لما فيها من القيود عليهم.
والقسم الثالث: متمسكون بالمسيحية.
وقال الأخ كمال مبيناً نسبة المتمسكين بالدين وغيرهم: إن 40% من الذين أتصل بهم لا يدينون بدين.
وإن 20% متمسكون بالمسيحية.
وإن نسبة 40% يحبذون الإسلام، ولكن لا يستطيعون أن يتقيدوا به.
وقال الأخ كمال: إننا نحاول إقناع بعضهم بالإسلام، ولكن ليس عندنا الحجج المقنعة، ولو وجد داعية مسلم عنده القدرة على الإقناع لنفع الله به.
وسألته: هل يمكن للأسر المسلمة أن تزور الأسر النمساوية غير المسلمة أو العكس ويقبل النمساويون ذلك؟
فقال: نعم يمكن أن يقبلوا، ولكن الأسر المسلمة لم تفعل ذلك تقصيراً منها.
و قال: إني اقترحت أن يوجد لقاء أسبوعي بين الأسر النمساوية المسلمة والأسر العربية المسلمة، يلقي فيه دروس دينية وتعلم اللغة العربية، ولم يحصل تجاوب من المسلمين العرب، لأنهم مشغولون بأنفسهم وبينهم مشكلات وخلافات تحول بينهم وبين القيام بالدعوة إلى الإسلام.
ولكن هذه الخلافات كادت تحل وتنتهي. [هكذا قال الأخ كمال! ولكني فهمت أنها لا زالت مستفحلة! وهذا الخلاف بين الطلبة أما خلاف الجاليات فحدث ولا حرج!].
جمعية الخدمات الإسلامية:
أولاً: ينبغي أن يعلم أن أسباب الخلافات كثير منه مادي صرف، فالأهداف عند كثير منهم واحدة والوسائل متقاربة، ولكن الشيطان ينزغ بين المسلمين.
كنت سمعت عن هذه الجماعة قبل أن أصل إلى النمسا بفترة طويلة، وعندما وصلت إلى مدينة فيينا أخذت أسأل الإخوة الذين اجتمعت بهم عن هذه الجماعة؟
تاريخ نشأتها؟ ووقت الاعتراف بها؟ وسبب ذلك؟ ومن المسؤول عنها؟ وما الثمار النافعة التي ترتبت على وجودها للمسلمين؟
وكنت أتلقى من هذا جواباً ومن ذاك آخر، ولكنها أجوبة غير منظمة ولا دقيقة وقال لي أحد هؤلاء الإخوة الذين كانوا يعطونني تلك المعلومات: إنك ستجد المعلومات المفصلة المنظمة عن هذه الجماعة عند الأخ أنس الشقفة.
وعند جهينة الخبر اليقين!
فطلبت منهم فوراً أن يتصلوا به ويحددوا لي موعداً معه، فجاءني جزاه الله خيراً بعد العصر في فندق مودول الذي كنت نازلاً فيه.
وقد وجدت عند الأخ الأستاذ أنس الشقفة السوري معلومات طيبة منظمة.
والأخ أنس من مواليد حماه لعام 1943م.
بدأ دراسته في كلية الطب ولم يتيسر له إكمال دراسته.
ووظيفته الآن الترجمة من اللغة الألمانية إلى العربية والعكس، فهو مترجم محلف لدى المحاكم النمساوية، وهو موظف في المكتب التعليمي السعودي، الشؤون الفنية، ويدرس مادة الدين الإسلامي في المدارس الثانوية النمساوية الرسمية.
وهو في النمسا من سنة 1965م.
ومتزوج وعنده ابنتان.
قال الأخ أنس: إن الجماعة الدينية الإسلامية الرسمية في النمسا أسست رسمياً سنة 1979م.
اعتراف النمسا بالإسلام في قانون قديم وسبب ذلك.
وقد قامت على أساس قانون قديم اعترف بالإسلام في العهد القيصري الإمبراطوري سنة 1912م، ويسمى قانون الإسلام.
وسبب الاعتراف بالإسلام آنذاك: أن إمبراطورية النمسا ومملكة المجر اكتسبت مقاطعات من الدولة العثمانية، وفيها غالبية إسلامية، وهي مقاطعة البوسنة والهرسك، وهي في يوغسلافيا حاليا، والبوسنة فيها غالبية إسلامية، فاضطرت الإمبراطورية إلى إصدار قانون الاعتراف بالإسلام، وكان يوجد مفتٍ رسميٌّ في سراييفو، عاصمة البوسنة، ولما كان المذهب الحنفي هو المذهب الرسمي في الدولة العثمانية، فقد كان القانون الصادر من الإمبراطورية النمساوية مبنيا على المذهب الحنفي.
تجميد القانون وسببه:
وفي نهاية الحرب العالمية الأولى انهارت الإمبراطورية وانقسمت إلى دول، وفقدت الأراضي الإسلامية، حيث أصبحت جزءاً من مملكة يوغسلافيا الناشئة، وبقي القانون في النمسا مجمداً، لعدم وجود مسلمين في الدولة، إلى أن وفد طلبة مسلمون في الخمسينات والستينات إلى النمسا وتزايد عددهم، واستولى الشيوعيون على الحكم في يوغسلافيا، فأخذ المسلمون يهاجرون من البوسنة ومن ألبانيا، وكذلك هاجر إلى النمسا بعض الأتراك، فنشأت بذلك جمعيات إسلامية مختلفة لها طابع إسلامي وتقيم الشعائر الإسلامية، ولم تكن لها صفة رسمية، وإن كانت معتَمَدة لدى البوليس.
أول جمعية إسلامية أسست في النمسا: جمعية الإسلام:
وأول جمعية إسلامية أسست في النمسا: الجمعية التي أطلق عليها: جمعية الإسلام، قام بها بعض اللاجئين البشناق والألبان، وأبرزهم الدكتور إسماعيل بالتش (بشناقي). وكان عملها منصباً على رعاية المهاجرين المسلمين من الدول الشيوعية، ويقال: إن هذه الجمعية كان لها صلة بالمخابرات الأمريكية، ولكن لم يقم على تلك الصلة دليل، ثم حلت هذه الجمعية وتلاشت.
جمعية الخدمات الإسلامية:
ثم أسس الدكتور إسماعيل بالتش بالتعاون مع بعض البوشناق والألبان والأتراك، ورجل أفغاني يسمى أحمد عبد الرحيم زاي: جمعية الخدمات الاجتماعية الإسلامية في بداية الستينات: 61ـ1963م، ومهمتها الرعاية الاجتماعية، وكانت إمكاناتها ضعيفة، وكان يتبادل رئاستها أحمد عبد الرحيم زاي وإسماعيل بالتش.
وقد درس إسماعيل بالتش التاريخ في النمسا، وحصل على درجة الدكتوراه، وكان أميناً في المكتبة الوطنية النمساوية في قسم المخطوطات الشرقية.
وكان له نشاط في الكتابة في موضوعات إسلامية، وفي الاستشراق، ويتصل بالهيئات الإسلامية في الخارج: في السعودية ومصر وليبيا، وألف بعض الكتب التي تتناول حضارة البوسنة بطابع إسلامي أو غيره.
وألف كتابا سماه: نداء المئذنة، والمقصود منه تسهيل المبادئ الإسلامية لأطفال المسلمين أو غير المسلمين، وعليه ملاحظات بسبب موقف المؤلف في العقيدة والسلوك، لأنه يدعو إلى نمط تدين تحرري (ليبرالي) لتأثره ببعض أفكار المستشرقين.
ومما يدعو إليه في كتاباته فصل الدين عن السياسة، يرى أن الأصل هو العهد المكي الذي لم يكن مرتبطاً بالسياسة، أما العهد المدني فهو وضع خاص في بلاد معينة وحالة تاريخية معينة.
ويرى أن البلدان التي فيها أقليات إسلامية، ينبغي أن يهتم المسلمون فيها بالعهد المكي.
وله موقف من السنة، وهو أنها ليست ملزمة في كل الحالات، وله آراء في موضوع المرأة، وهو معجب بكتابات قاسم أمين في هذا الموضوع، ويرى أن الحجاب من التقاليد المحلية (فلكلور).
وأنشأ مجلتين: إحداهما سميت: الصراط المستقيم وقد توقفت.
والثانية: تسمى: الإسلام، ينشر الآن أفكاره فيها، وهو مقتنع بأفكاره، بسبب تأثره بالمستشرقين.
وله اطلاع واسع على كتب علماء الدين من اليهود والنصارى وكتب الفلسفة العامة.
أما الرجل الثاني ـ وهو أحمد عبد الرحيم زاي الأفغاني ـ فقد ابتعث ـ وهو ضابط شرطة ـ من الحكومة الأفغانية سنة 1955م، وقد درس في بلاده كلية الحقوق في كابول والتحق بالشرطة، وبعث للتدريب في أكاديمية البوليس في النمسا، وبعد أن أنهى دراسته فضل البقاء في النمسا، وتابع الدراسة وحصل على الدكتوراه في القانون.
وعمل في أحد البنوك النمساوية، وتزوج امرأة نمساوية، يقال: إنها أسلمت، ولما سئلت عن سبب إسلامها؟ قالت: لما كان زوجها مسلماً فضلت أن تسلم حتى لا يحصل انفصام في تربية الأولاد، واستمر في البنك إلى أن بلغ عمره خمسين سنة، ثم تقاعد، وكان يتعاون مع إسماعيل ويتناوبان رئاسة الجمعية.
وتعرف إسماعيل بالتش على الشيخ محمود صبحي رئيس جمعية الدعوة الإسلامية في ليبيا، وشرح له أوضاع الجمعية، وحصل على مساعدات للجمعية فتحسن وضعها وأعيد تجهيزها وترميم مقرها.
وكان إسماعيل يسعى إلى تجديد الاعتراف بالدين الإسلامي.
محاولة إحياء العمل بقانون اعتراف النمسا بالإسلام:
وباعتباره متخصصاً في تاريخ البشناق، كان على علم بقانون الاعتراف بالإسلام، فكان يراجع الدولة في ذلك، ولم تكن الدولة متحمسة للاعتراف وتعتذر بأن عدد المسلمين قليل وأكثرهم أجانب، فلما كثر عدد المسلمين وخاصة العمال الأتراك وحصل إسماعيل على المساعدة الليبية ـ وكانت تقدر بأربعة ملايين شلن، نشط إسماعيل في مساعيه، وتقاعد أحمد عبد الرحيم زاي من البنك وتعاون مع إسماعيل وحدثت أمور أخرى في النمسا، فزاد عدد الطلبة المسلمين، واستأجروا لهم مكاناً يصلون فيه الجمعة فقط.
وكان يوجد معهد للطلبة عامة أنشأته الكنيسة الكاثوليكية وهو مخصص للطلاب الأفارقة والآسيويين، ويسمى المعهد الإفريقي الآسيوي.
وأنشأت الكنيسة مصلى للمسلمين في هذا المعهد، وكانت تتلقى دعماً للمعهد من الحكومة النمساوية.
وكانوا قبل ذلك يصلون في الجامعة التي سمحت لهم بالصلاة في صالة النشاط الرياضي.
تأسيس اتحاد الطلبة المسلمين:
وكانت توجد مجموعة من الطلبة الإيرانيين تسمى جمعية الطلبة الإيرانيين المسلمين في فيينا، في حدود سنة 66 ـ 1967م، وقد أحدث وجود الطلبة في مكان واحد احتكاكاً مع الطلبة الإيرانيين الذين كانوا يظهرون التسامح في تلك الأيام، فالتقوا جميعاً لتأليف جمعية، على أن تُحَل جمعية الطلبة الإيرانيين، وكان ذلك سنة 1968م، حيث أسس اتحاد الطلبة المسلمين في فيينا، ولكن الإيرانيين لم يحلوا جمعيتهم على رغم مشاركتهم في الاتحاد الجديد.
وأخذ الاتحاد من إدارة المعهد الإفريقي الآسيوي غرفة لمكتبته وإدارته، وكان يقوم برعاية الطلبة في العبادة والخدمات الدينية كلها، مع وجود جمعية الخدمات الاجتماعية الإسلامية بدون ارتباط بينهما، إذ كانت الصلة بينهما خفيفة جداً، لاختلاف طابع الأعضاء في كل منهما، لأن أعضاء الاتحاد طلبة وأعضاء الجمعية من الجالية.
وإن كانت الأوضاع قد اختلفت بعد ذلك، فبقي كثير من الطلبة بعد تخرجهم، كما بقي كثير من العمال، ولم يكونوا من قبل يظنون أن يبقوا في النمسا، فحصلت اتصالات بين الاتحاد والجمعية للتنسيق بين جهودهما من أجل تجديد الدولة الاعتراف بالإسلام، وعقدت عدة اجتماعات لوضع نظام للجماعة التي ستنشأ.
وكان يوجد نشاط إسلامي رسمي على مستوى السفراء، حيث قرروا بناء مسجد في فيينا، وكان سفير مصر حسن التهامي هو صاحب الفكرة، وكان من ثمرات اجتماع السفراء الحصول على قطعة أرض من بلدية فيينا لإنشاء المسجد ولكن السفراء عجزوا عن جمع المال اللازم لإنشائه.
وحصلت اتصالات بالملك فيصل رحمه الله في شأن إنشاء المسجد وتبرع بمبلغ كان السبب في بناء المسجد.
ورافق بناء المسجد زيارات وزراء خارجية مسلمون، طلبت منهم الجالية الدعم للاعتراف بالإسلام، فدعموا ذلك، وكان ذلك في فترة الستينات حيث كان اقتصاد الشعوب الإسلامية يرتفع.
وكان من ضمن الأعذار التي تبديها الحكومة النمساوية لعدم الاعتراف بالإسلام، تعارض القانون النمساوي مع مشروعية تعدد الزوجات في الإسلام، وهذا يعتبر من المشكلات الدستورية [التعارض بين الإسلام والقوانين البشرية، ومنها القانون النمساوي، ليس في تعدد الزوجات فحسب، بل في أمور كثيرة جداً، ولكن الحكومة النمساوية تعلم أن المسلمين لا زالوا في بلدانهم يطبقون قانون الأحوال الشخصية ومنه تعدد الزوجات في بعض تلك البلدان رسمياً، فخشيت من المطالبة بتطبيقه، أما ما عدا ذلك فإن أكثر الحكومات في الشعوب الإسلامية تعارض تطبيق أحكام الإسلام، فلا خوف منه!]. فطلبت من المسلمين أن يعطوها ما يدل على عدم مطالبتهم بهذا القانون، فحصل إسماعيل بالتش على فتوى من الأزهر في مصر تنص على أن الزواج بأكثر من واحدة هو رخصة وليس واجباً، فإذا منع القانون المدني ذلك فلا بأس، وعلى أثر ذلك اعترفت الحكومة بالإسلام سنة 1979م.
وجرت أول انتخابات للمسلمين في سبتمبر سنة 1979م.
هيكل الجماعة التنظيمي:
نص الدستور على أن الجمعية الدينية الإسلامية الرسمية في النمسا، تتكون من أربع جماعات دينية محلية، تقوم على المقاطعات النمساوية، وتتكون دولة النمسا من تسع ولايات اتحادية، ولا توجد كثافة إسلامية في كل الولايات.
فتكون الجماعات أربعاً:
1 ـ الجماعة الإسلامية الدينية في فيينا، وتشمل صلاحيتها ولايات فيينا والنمسا السفلى والبره جنلندة.
2 ـ والجماعة الإسلامية الدينية في " لنز " وتشمل صلاحيتها ولايتي النمسا العليا وسالزبوك.
3 ـ والجماعة الإسلامية الدينية في: بريجنس، وتشمل صلاحيتها ولايتي تيروول وفور أرلبرج.
4 ـ والجماعة الإسلامية في قراتز، وتشمل صلاحيتها ولايتي شتاير مارك وكرنتن.
وكل واحدة من هذه الجماعات، يقوم على إدارتها مجلس إداري مكون من ثمانية أعضاء، ينتخبون من قبل أعضاء الجماعة في الولايات التابعة لها.
وهؤلاء الثمانية ينتخبون من بينهم رئيساً ونائب رئيس وأمين سر، ونائب أمين السر، ومحاسباً أو أمين صندوق، ونائب أمين الصندوق.
ويعين إمام لهذه الجماعة المحلية يكون عضواً مراقباً وليس له حق التصويت في المجلس.
ويؤخذ من كل جماعة الرئيس وأمين السر وأمين الصندوق والإمام، ويوفدون إلى مجلس مشترك للجماعات المحلية يسمى مجلس الشورى، وهو الذي يقر دستور الجماعة أو يعدله بأغلبية الثلثين، وهو السلطة العليا للجماعة.
وينتخب هذا المجلس عشرة من أعضائه يتكون منهم المجلس الأعلى، وهذا المجلس ينتخب من أعضائه الرئيس وأمين السر، ورئيس المجلس الأعلى هو رئيس الجماعة الإسلامية الدينية الرسمية في النمسا.
ويعين مجلس الشورى المفتي الذي يكون عضواً في المجلس الأعلى وليس له حق التصويت.
وعدد المسلمين في النمسا يتراوح ما بين 70 ـ 90 ألفا وفي فيينا: ما بين 40 ـ 50 ألفا.
وفي سنة 1979م جرى أول انتخاب في فيينا، فقد انتخب ثمانية أشخاص وهؤلاء الثمانية رشح لهم رئيسهم أحمد عبد الرحيم زاي ستة عشر شخصاً، ليكونوا مجلس الشورى فوافقوا على ترشيحه.
وهؤلاء المرشحون انتخبوا من بينهم عشرة أشخاص، فأصبحوا هم المجلس الأعلى، وهؤلاء العشرة انتخبوا الرئيس.
كيف تمكن أحمد عبد الرحيم أن يكون رئيساً؟
أكثر المنتخبين من العمال الأتراك، وهم أكثر من 90% وينقسمون إلى مجموعات، كل جماعة توالي هيئة من الهيئات في بلادها.
وأكبر المجموعات الإسلامية التركية في النمسا هي:
الجماعة الأولى: جماعة ملي قرش، وهي امتداد لحزب السلامة الذي يرأسه نجم الدين أربكان.
والجماعة الثانية: جماعة صوفية نقشبندية، وتسمى بالسليمانية، نسبة إلى مؤسسها الشيخ سليمان.
والجماعة الثالثة: جماعة قومية تتبع الحزب القومي في تركيا يرأسه ألب أرسلان تركش.
الجماعة الرابعة: مجموعة صغيرة توالي الحكومة التركية، وهذه نشأت حديثاً.
وجماعة ملي قرش كانت تتعاون مع اتحاد الطلبة المسلمين.
وجرى الحديث حول المرشح، واعتذر الأخ أنس عن ترشيح نفسه، واعترض على ترشيح إسماعيل بالتش، وكذلك اعترض على ترشيحه آخرون، وكان أحمد عبدالرحيم زاي يبدو في ذلك الوقت أن عقيدته سليمة، وإن لم يكونوا متيقنين من التزامه، وكان يظهر للاتحاد ولجماعة ملي قرش أنه أقدر على تولي الأمر من إسماعيل.
وكان إسماعيل على قائمة النقشبندية والقوميين، وكان أحمد عبد الرحيم على قائمة الاتحاد وملي قرش وفاز أحمد عبد الرحيم.
والنمسا دولة علمانية، تفصل بين الدين والدولة فصلاً مطلقاً، ولكنها تعطي الأديان المعترف بها امتيازات وأوضاعاً خاصة، فالتعليم الديني في المدارس تموله الدولة، أي تدفع رواتب المدرسين وثمن الكتب، وتترك للهيئة الدينية الرسمية، أياً كانت أن تضع المنهاج التعليمي وتختار الكتب وترشح المدرسين والمفتشين وتمنحها مقابر خاصة، وغير ذلك.
ولا زالت الفوائد التي يحصل عليها المسلمون من الاعتراف الرسمي بالإسلام، محصورة في التعليم الديني في المدارس الرسمية، وقد بدأ ذلك في نهاية سنة 1981م.
وقد عين أحمد عبد الرحيم مفتشاً لمادة الدين الإسلامي في وزارة التعليم النمساوية.
ولكن هذا الرجل ـ أحمد عبد الرحيم ـ ظهر بعد فترة من انتخابه على غير ما ظهر للمسلمين أولاً، فتسلط على شؤون الجماعة واستبد بالأمر وله صلات واسعة وقوية مع الموظفين في الحكومة، ولا سيما فئة البوليس الذين كانوا زملاؤه في الأكاديمية.
فاختلف مع نصف المنتخبين الثمانية، واكتسبوا أغلبية ضده وعزلوه قبل أربع سنوات، وانتخبوا منهم رئيساً وهو أحد الأتراك، فرفض أحمد عبد الرحيم قبول قرار العزل، وتمسك بمنصبه، وأفلح في إيجاد فرقة بين الذين عارضوه وبين الذين أيدوه أولاً.
وحصل على أغلبية، وثبت نفسه رئيساً، وتمسك الآخرون بقرار عزله، ورفعوا الأمر إلى دائرة شؤون الأديان في وزارة التعليم والفنون والرياضة، ولكن صلته بالدائرة كانت أوسع، فحصل على دعمهم ومصادقتهم، وعدل الدستور السابق بحيث يكون العزل صعباً في المستقبل، ولكن خصومه رفعوا الأمر إلى المحكمة العليا، وآخر جلسة عقدتها المحكمة كانت في 9 أو 10 يونيو، أي قبل شهر من الآن.
ويبدو أن المحكمة العليا أقرت وجهة نظر المعترضين، وفي نفس الوقت اكتشفت المحكمة أن قرار الترخيص حصل عن طريق إخطار رسمي، وليس عن طريق قرار منشور، والواجب أن يكون قراراً منشوراً، وليس مجرد إخطار، ومعنى هذا أن هذا القرار يمكن أن يلغى ويجري التأسيس من جديد، ولكن قرار المحكمة لم يبلغ لأصحاب الشأن إلى الآن.
وهذا قد يكون فيه مصلحة إذا أعطي المسلمون حق تقرير أمرهم، ولكن أحمد عبدالرحيم يسعى لأن يعطى فترة انتقالية بحيث، يشرف هو على تصحيح الأوضاع الإجرائية.
والحقيقة أن الخلاف ليس بينه وبين الأربعة فقط، وإنما الخلاف بينه وبين كل الجماعات الإسلامية، والأربعة إنما تابعوا أمر عزله، وعندما عارضه الأربعة عين من عنده أربعة بدلهم من الموالين له.
وسيطر على الأئمة فلا يُعَيَّنُ إمام الجماعة في المسجد إلا بترخيص منه، على رغم أن راتب الإمام يصرف له من الجماعة نفسها، ولهذا مله المسلمون، وبخاصة الأتراك وتعامله مع المسلمين سيئ جداً منذ ثمان سنوات.
والنظام المقرر في الانتخابات أن تجرى الانتخابات للهيئات بعد كل أربع سنوات، ولكن هذا الرجل لا يجري انتخابات ويتعلل بأعذار لا قيمة لها.
وظن بعد فترة أن كل الجماعات مضطرة لتأييده، فحدد موعداً للانتخابات، وكان الموعد في ثمانية مارس من هذا العام 1987م.
وقد نص في الدستور الذي عدله أن أي قائمة لا تحصل على 30% لا تعرض على الانتخابات، واتصل بالمجموعات المختلفة وتحدث معهم عن الأشخاص المرشحين، فوعدوه خيراً، ولكن المجموعات التركية اتصل بعضها ببعض واتفقوا على عزله على رغم الخلاف الجاري بينهم.
وقال الأخ أنس: إن المسؤولين عن الجماعات الإسلامية اتصلوا بي وطلبوا مني أن أرشح نفسي، وأن لا أرشح أحمد عبد الرحيم، فعارضت أولاً ذلك الطلب، لأني لم أكن متيقناً من فجور أحمد عبد الرحيم، ولأني أرى أنه متفرغ للعمل ليس عنده وظيفة أخرى تشغله، ويسكن معه سبعة أشخاص موثوق بهم، وهو وإن كان رئيساً لهم لا يستطيع أن يغلبهم لأنهم أغلبية، وتفاوضت مع الإخوة الأتراك أسبوعاً لأقنعهم برأيي، ولكنهم رفضوا أن يرشح أحمد عبد الرحيم، فقلت لهم: إذا يبقى على وظيفة مفتش وله راتب ويعين رئيساً فخرياً، لاتقاء شره، فوافقوا على ذلك.
فاجتمعوا وأخذوا توقيعات الأعضاء على ذلك وقدموا له القائمة، ولم يكن مسجلاً فيها ضمن الثمانية وكان ذلك في 13 فبراير منذ ستة شهور.
فما كان منه إلا أن جمع المجلس الأعلى التابع له، وقد وضع مادة في النظام المعدل أنه لا بد أن يوافق المجلس الأعلى على القائمة، فأجلوا الانتخابات إلى أجل غير مسمى.
وحَدد بعد عدد من الاجتماعات موعداً آخر للانتخابات، بحيث لا يتجاوز الأسبوع الأول من شهر أبريل، فانقضى الموعد ولم يحصل على شيء، ثم حدد يوم 24 مايو فانقضى ولم يحصل على شيء، وبعد مفاوضات رأى المسلمون أنهم إما أن يتصارعوا معه، وهذا سيقتضي تطويل الوقت، لما عنده من إمكانات دستورية ولصلته بالدولة وتبقى الأمور معلقة، وإما أن يعطوه القدر الذي لا يضرهم وتسير الأمور في صالحهم، وبعد مفاوضات أدخل في القائمة بشرط أن تجري الانتخابات، وأجريت الانتخابات في 31 مايو وفازت القائمة بإجماع مطلق وهو واحد من المنتخبين.
والثمانية هم الذين ينتخبون الرئيس ونائبه وأمين السر، ولم يحضر أحمد عبدالرحيم، لأنه خشي أن يحضر أمام الناس وهو يعرف كراهيتهم له.
ووضع في القائمة: نعم، ولا.
لأنه لو كتب في القائمة أسماء لشطبوا اسمه.
وماطل ثم اجتمعوا وانتخبوه أمين سر باتفاق معه، وانتخبوا الأخ أنساً رئيساً.
ولكن أحمد عبد الرحيم قد وضع مادة في الدستور مضمونها أن المجلس الأعلى هو الذي يوافق على الانتخاب، ولهذا ما زال يماطل ويحاول أن يكون رئيساً، ووضع مادة أخرى في الدستور أن الرئيس ينتخب بأغلبية مطلقة، ولا يعزل إلا بثلثي الأعضاء، ولا زال الصراع مستمراً. [هكذا يصاب المسلمون بالمستبدين الظلمة في كل مكان، حتى في الغرب الذي فيه ديمقراطية يحرم المسلمون منها على مرأى ومسمع من نفس الدولة الديمقراطية، ولا يبعد أن يكون الأمر مرتباً مع هذا الرجل المشبوه من داخل النمسا وخارجها!].
من يؤيد هذا الرجل؟
عندما أسست الجماعة واعترفت الدولة النمساوية بالدين الإسلامي، وبدأ تدريس مبادئ الإسلام في المدارس الحكومية لأبناء المسلمين، لم تكن السفارة التركية، وهي تمثل تركيا، راضية بذلك [لأن الحكومة النمساوية علمانية، غير منتسبة للإسلام، ومع ذلك تعطي الأتراك المسلمين حقاً في تعليم أبنائهم الإسلام في مدارس رسمية وهو أمر لم يحصلوا عليه في بلادهم تركيا التي تحكمها دولة علمانية تنتسب إلى الإسلام وتحارب دعاته؟!]. فاحتجت السفارة التركية على وزارة الخارجية النمساوية، وكان أحمد عبد الرحيم ضد هذا الاحتجاج، ولكنهم تفاوضوا معه حتى اتفق معهم على أن تقوم الحكومة التركية بتحمل عدد من المعلمين الأتراك، حسب رغبة الحكومة نفسها وهو يعين هؤلاء المعلمين، وسافر إلى تركيا قبل سنتين وجاء بعشرة مدرسين أتراك من قبل وزارة التعليم التركية، ولم يكن الأتراك المسلمون في النمسا راضين بذلك، بل كان ذلك التصرف ضد رغبتهم، ولما احتجوا على ذلك قال لهم: إن هؤلاء المعلمين عشرة فقط وعددهم قليل فلا يضر ذلك، ولكنه بعد فترة وجد أن هؤلاء المعلمين المعينين من قبل الحكومة التركية يحترمونه فأعجبه سلوكهم معه، واستقدم أحد عشر معلماً زيادة على العشرة السابقين.
وإضافة إلى تأييد السفارة التركية، يتلقى التأييد من السفارة الإيرانية، لأنها لم يبق لها مجال في صفوف المسلمين، كما كان ذلك في بدء الثورة الإيرانية، ولهذا عين أحمد عبد الرحيم أحد الإيرانيين في مجلس الشورى، فهم يدعمونه خوفاً من ابتعادهم نهائياً عن صفوف المسلمين، وتوجد مجموعة صغيرة من جماعة ملي قرش التركية تتعاون مع الإيرانيين وهذه المجموعة تدعم أحمد عبد الرحيم.
المسلمون النمساويون:
قال الأخ أنس: الذين دخلوا في الإسلام من النمساويين آحاد، لأن الدعوة إلى الإسلام ضعيفة، والعاملون كانوا متفرقين، ولم يكن الطلبة يظنون أنهم يقيمون بعد دراستهم في هذا البلد، فكان همهم الأول المحافظة على دينهم، فإذا دخل أحد من النمساويين في الإسلام بالموافقة، وليس بالدعوة.
واستعداد النمساويين للدعوة الإسلامية صعب، للاتجاه المادي المسيطر على عقولهم والملَل من التدين، والذين يتوجهون إلى الدين يبحثون عن مذاهب روحانية، كالهندوكية والبوذية، أي الديانات غير العقلية.[مما يؤسف له أن كثيراً من الأوروبيين الذين يدخلون في الإسلام لا يجدون من يتولى أمرهم ويرعاهم بعد الإسلام ليشبع رغبتهم في ملء نفوسهم بما في الإسلام من روحانية، من كثرة الأذكار المطلقة والمقيدة الواردة في صحيح السنة، فيتلقفهم غلاة الصوفية أو بعض أهل الأديان الأخرى وينحرفون عن الدين الإسلامي الحق، والإسلام ملئ بما يشبع العقل والروح والجسم من الأعمال الصالحة ولو عني الدعاة إلى الله بما يحتاج إليه الناس من الإسلام وبخاصة تقوية الجانب الإيماني لما وجد هذا النفور الشديد من الإسلام].
وبعض المسلمين النمساويين انتقلوا إلى البهائية، لعدم وجود جماعة إسلامية قائمة يتمثل فيها الإسلام على حقيقته، بحيث تكون الجماعة متماسكة، والبهائية يعيشون مترابطين، ولهذا يحس الأوروبي بالاطمئنان لهذا الترابط، وهو لا يعلم فساد عقيدتهم بسبب جهله.
والثورة الإيرانية شوهت الإسلام في أوروبا، ونفر الأوروبيون من الإسلام بسبب ذلك إضافة إلى العوامل الأخرى المذكورة.
ولو وُجِد المسلمون الفقهاء في الدين الدعاة إلى الإسلام، فإنهم يحتاجون إلى وقت طويل حتى يؤثروا في الناس، لما علق بأذهان الأوروبيين من الدمار والاعتداء والقتل الذي يحصل بين المسلمين، وظنهم أن الإسلام هو السبب في ذلك، كما هو الحال في الثورة الإيرانية، يجعلهم يبتعدون عن الإسلام.
والأصل في الأوروبي أنه يسمع ويصغي إذا شرح له الإسلام، وإن لم يسلم، ولكن خف هذا الإصغاء بعد الثورة الإيرانية، وينبغي الاهتمام بالمسلمين وأبنائهم الذين يبلغون تسعين ألفاً في النمسا، فإنهم يضيعون لعدم وجود مجتمع إسلامي يجمعهم ويحفظهم من الذوبان في المجتمع غير الإسلامي.
الإمكانات القانونية المتاحة للدعوة الإسلامية في النمسا:
وسألته عن ترجمات معاني القرآن الكريم باللغة الألمانية؟
فقال: إن الترجمات الموجودة الآن إما ترجمات نصارى، وإما ترجمة قاديانيين.
وترجمة مؤسسة بافاريا جيدة فيما يبدو. [كتبت عنها معلومات في الكتاب الخاص بألمانيا].
وسألته عن إمكان استفادة المسلمين من أجهزة الإعلام النمساوية؟
فقال: لنا حديث ديني في التلفزيون والراديو: ثمانية أحاديث في الراديو طول السنة، كل حديث 15 دقيقة، وثمانية أحاديث في التلفزيون كذلك، لكل حديث خمس دقائق، ولنا حرية كاملة في المضامين.
والقانون النمساوي يحتكر البث الإذاعي والتلفزيون للحكومة، ولكن هناك محاولة لإيجاد إعلام خاص ـ أي لغير الحكومة ـ ويمكن للمسلمين أن يستغلوا ذلك عندئذ إذا وجدت لهم إمكانات.
والإمكانات القانونية تمكن من فتح مدارس إسلامية تجمع بين تدريس الإسلام والعربية ومنهج الدولة، وتوجد الآن مدرسة ابتدائية ـ غير المدرسة الإسلامية ذات المنهج السعودي ـ في المركز الإسلامي، وهي تجمع بين منهج النمسا باللغة الألمانية ومنهج الإسلام واللغة العربية، والذي يدرِّس المنهج النمساوي مسيحي، والذي يدرس الإسلام واللغة العربية مسلم، وإذا وجدت إمكانات فإنه يمكن إنشاء مدارس إسلامية من مرحلة الروضة إلى الكلية، وهذا موجود عند الكاثوليك واليهود، لهم مدارس خاصة لوجود الإمكانات عندهم.
وقال الأخ أنس: إن صلة الجماعة الإسلامية الرسمية بحكومات الشعوب الإسلامية شبه منقطعة، بسبب مواقف أحمد الأفغاني وتعامله السيئ، ولهذا لم تتعارف أي دولة إسلامية مع هذا الجماعة.
وقال الأخ أنس: إننا نتمنى أن ينفرج الأمر ويتمكن المسلمون هنا من تسيير أنفسهم، حتى يتمكنوا من الاتصال بحكومات الشعوب الإسلامية للتعاون معها والاستفادة منها.
وقال: إن حكومة المملكة العربية السعودية وافقت على دفع رواتب لأبناء المسلمين في المدارس النمساوية، ولكن أحمد الأفغاني لم يتحرك في هذا الموضوع.[في الكتاب المخطوط زيادة معلومات عن الأفغاني ( 3/29 )].
معلومات عن النمسا:
الخميس: 27/11/1407هـ.
كنت طلبت من الأخ معتز أن يحضر لي بعض المعلومات عن النمسا، تتعلق بالمناخ والموقع والسكان والتنظيم الإداري، وغير ذلك فاشترى كتاباً فيه معلومات جيدة ولخص لي منه المعلومات الآتية: [والكتاب باللغة الألمانية].
عدد السكان والحدود.
النمسا جمهورية منذ عام 1919م، ومحايدة منذ عام 1955م.
مساحتها: 83855 كيلو متر مربع، ومحيطها: 2707 كيلو متر.
وعدد سكانها: 7.555.328 نسمة بإحصاء سنة 1981م.
حدودها: يحدها من الشمال الغربي ألمانيا الغربية التي تشترك معها بمسافة 815 كيلو متر.
ومن الشمال الشرقي تشيكوسلوفاكيا بحدود: 574 كيلو متر.
ومن الغرب سويسرا بمسافة 168 كيلو متر.
ومن الجنوب: إيطاليا بمسافة 430 كيلو متر.
ومن الجنوب الشرقي: يوغسلافيا بمسافة 330 كيلو متر.
ومن الشرق هنغاريا (المجر) بمسافة 354 كيلو متر.
ولايات النمسا:
1- بورغين لاند (BURGEN LAND) وعاصمتها آيزن شتان(EISENSTEN).
2- كيرنتن (KAERNTEN) وعاصمتها كلاجن فورت (KLAGENFURT).
3- نيدر أوسترايش ـ النمسا السفلى ـ (NIDER OESTERREICH) وعاصمتها وين (WIN) وأكبر مدنها جموند (GMUEND).
4- أوبر أوسترايش ـ النمسا العليا ـ (OBER OESTERREICH) وعاصمتها: لينز (LINZ).
5- سالز بورغ (SALZBURG) وعاصمتها: سالز بورغ.
6- شتير مارك (STEIERMARG) وعاصمتها: غراتز (GRAZ).
7- تيرول (TIROL) وعاصمتها: إينس بورك (INNSBURCK).
8- فورال برغ (VORALBERG) وعاصمتها: برغنتس (BREGENZ)
9- فين ـ فيينا ـ (WIEN) وعاصمتها فيينا.
العملة في النمسا.
هي: شلنغ (SCHILING) وهو يتكون من مائة غروشن.
المنظمات الموجودة في النمسا:
يوجد في النمسا عدد من المنظمات العالمية بسبب حيادها، مثل منظمة أوبيك، وبعض منظمات الأمم المتحدة، والمنظمة الدولية للطاقة الذرية، وغيرها.
الطقس:
تتفاوت درجات الحرارة وكميات الأمطار والثلوج حسب ارتفاع الجبال عن سطح البحر.
فعلى ارتفاع ثلاثة آلاف متر تكون درجة الحرارة في فصل الشتاء 13 درجة تحت الصفر، وفي فصل الصيف 4 درجات فوق الصفر.
وعلى ارتفاع متوسط 1200متر تكون درجة الحرارة في فصل الشتاء 5 درجات تحت الصفر، وفي فصل الصيف 16درجة مئوية.
وعلى منخفض 300متر تكون درجة الحرارة في فصل الشتاء درجتان تحت الصفر، وفي فصل الصيف20 درجة مئوية.
الأمطار والأنهار والبحيرات:
مجموع المياه النازلة سنوياً 30 ألف مليمتر تقريباً، ويمر في النمسا نهر الدانوب الذي ينبع من جبال الألب، ويمر بألمانيا الغربية، والنمسا والمجر ورومانيا، ويصب في البحر الأسود، وطوله في النمسا 351كيلو متر، وطوله بشكل عام 2850 كيلو متر.
وقد أنشئ على النهر في النمسا 19جسر.
وتوجد أنهار صغيرة في النمسا، أغلبها يصب في نهر الدانوب، وتوجد في النمسا أكثر من 15 بحيرة كبيرة، أكبرها بحيرة الأرض (BODENSEE) بودن زي.
حالة شعب النمسا:
عدد المنتحرين في عام 1984م 27 شخصاً من كل مائة ألف نسمة، وهو عدد كبير بالمقارنة بالانتحار في أوربا.
نسبة النساء: 52,7% والرجال: 47,3% ،ونسبة الأطفال الذين هم أصغر من 15سنة: 20% ومن 15 ـ 65سنة: 65% وأكبر من 65سنة: 15%.
نسبة العاملين: 45,2%.
والمتقاعدون: 18,2%.
ونسبة التابعين لأهلهم في الإنفاق 35,3% وغير ذلك: 1,4%.
نظام الحكم والأحزاب السياسية:
1 ـ يوجد في النمسا أربعة أحزاب كبيرة ـ سيأتي ذكرها ـ .
2 ـ ويوجد في النمسا مجلسان:
المجلس الأول: البرلمان ـ المجلس العام ـ الذي ينتخب من قبل الشعب عن طريق انتخاب قوائم الأحزاب.
ويتألف البرلمان من 183 عضواً.
وهو الآن مؤلف من الأحزاب الأربعة الكبيرة وهي: الحزب الاشتراكي النمساوي، وحزب الشعب النمساوي (المسيحي) وحزب الأحرار النمساوي، وحزب الخضر.
والمجلس الثاني: هو المجلس المحلي، ويسمى مجلس الجمهورية الذي يضم المجالس التسعة المحلية والبرلمان ورئيس الدولة والوزراء.
ولكل ولاية مجلسها المحلي في عاصمتها، ويقوم بأعمالها المحلية.
رئيس الجمهورية:
ينتخب من قبل الشعب، وهو الذي يفوض إلى الحزب الفائز بالأغلبية تأليف الحكومة.
وإذا كانت نسبة مقاعد الحزب الفائز في البرلمان أقل من 50%، وجب أن يتحالف مع أحد الأحزاب الأخرى حسب رغبته، بحيث تكون نسبة مقاعد الحزبين أكثر من 50%.
والآن يوجد تحالف بين حزبين، وهما: الحزب الاشتراكي وحزب الشعب.
ويؤلف رئيس الوزراء مجلس الوزراء من حزبه فقط، إذا فاز بالأغلبية، وإلا فمن الحزبين المتحالفين.
التعليم:
التعليم الابتدائي إجباري، والتعليم الإعدادي والثانوي والعالي حر.
نسبة الطالبات في الجامعات: 43% والأجانب: 15%.
الاقتصاد:
نسبة العاملات من النساء: 40,4%.
والإنتاج الداخلي في النمسا: 3,7% زراعة ومواشي و37,9% صناعة، و10%ضرائب و48,5% من الخدمات السياحية.
وأهم الحاصلات الزراعية: الفواكه، والحبوب، والبطاطا.
والحيوانات: أبقار، أغنام، خيول، خنازير.
والحاصلات الحيوانية: الحليب والزبدة والجبن.
وتعتمد على الأخشاب، حيث قطعت 12مليون شجرة، في عام 1984م.
وتوجد معادن: الحديد، والفحم الحجري، والغاز، والألمونيوم، والملح.
وتعتمد في الصناعة على استخراج المعادن وتصنيعها، وبخاصة الحديد والألمونيوم والأخشاب.
ومن الصناعات المشهورة: الزجاج (كريستال) والنسيج والجلود والأدوية والأغذية والكيماويات.
وأهم دعامة للاقتصاد النمساوي السياحة صيفاً وشتاءً.[كنت أود أن آخذ عن كل بلد زرته نبذة من المعلومات كما في النمسا ولكن لم يتيسر لي ذلك لضيق الوقت وانشغال الإخوة الذين يمكن أن يزودوني بتلك المعلومات وإن كانت هذه المعلومات ليست مقصودة أساساً في رحلتي].
حوار في شؤون الدعوة مع بعض الطلبة المسلمين:
وفي مساء هذا اليوم اجتمعت ببعض الإخوة العرب المسلمين من الطلاب، في منزل أحدهم وهم من سوريا ومصر والسودان وغيرها، في حلقة كانوا يتدارسون فيها القرآن الكريم، وبعض العلوم الإسلامية وحصلت مناقشات في شؤون الدعوة في أوربا.
وعدت بعد ذلك إلى الفندق، وقد هطلت هذه الليلة أمطار غزيرة جداً، حيث كانت تنزل على هيئة سحب، وكانت الصواعق شديدة متوالية، وكان المطر النازل يصطدم بالنافذة الزجاجية فيحدث صوتاً مستمراً لم أتمكن معه من النوم إلا في وقت متأخر من الليل.
والعجيب أن هذه الأمطار على كثرتها، لا ترى منها في الصباح مياهاً متجمعة في الأرض ـ في المزارع ـ وتعجبت لذلك وظننت أنه توجد في المزارع غرف ومجاري يتسرب فيها الماء، كما هو الحال في الشوارع، ولكني سألت الإخوة؟ فقالوا: لا يوجد شئ في المزارع من المجاري والغرف المذكورة، هذا مع العلم أن الأمطار في بلدان أوربا كثيرة وغزيرة، ومعنى هذا أن الأرض تشرب المياه شرباً متناهياً، ويبدو أن تلك الغابات والمزارع في السهول والجبال لو انقطع عنها الماء فترة من الزمن لأصابها القحط الشديد.
وفي بلادنا، وهي صحراوية، والأمطار نادرة، إذا نزل المطر بغزارة في بعض الأحيان تجد المياه متجمعة في كثير من الأرض الصحراوية، وتبقى فترة من الزمن.
وعلى كل حال أترك التعليل لخبراء الأرض وأنواع تربتها وكثرة أشجارها أو غير ذلك.
خطبة الجمعة:
الجمعة: 28/11/1407 هـ.
طلب مني الإخوة أن أقوم بخطبة الجمعة وإمامة الناس في مسجد المركز الإسلامي الذي يقع في وسط البلد، ويصلي فيه المسلمون الذين عندهم أعمال في نفس المنطقة أو المناطق القريبة منها، لأن الجامع الكبير بعيد عن وسط البلد.
فوافقت على ذلك، ولكنا تأخرنا قليلاً، فوصلنا والأخ الطبيب المسلم الدكتور مظهر السوري يخطب في الحاضرين، وكانت خطبته تتعلق بالحج والعمرة وآثارهما في حياة المسلمين، وفوائد الحج العائدة على المسلمين إيمانياً وسلوكياً وسياسياً واقتصادياً وغير ذلك.
وحاول الإمام جزاه الله خيراً عندما رآني أن يترك لي المجال بالسكوت والإيماء، ولكني أشعرته بالاستمرار، حيث أحرمت بصلاة تحية المسجد.
وبعد أن أتم الصلاة أعلن للمصلين أني سأقوم بإلقاء محاضرة، فألقيت حديثاً قصيراً يتعلق بوقاية المسلمين أنفسهم وأهليهم من الكفر وعادات الكافرين.
لقاء مع الأخ المسلم التركي سعد السباعي:
وبعد صلاة الجمعة التقيت الأخ سعد السباعي الذي عاش في يوغسلافيا وهو يجمع الجنسية اليوغسلافية والنمساوية(46).

ولد الأخ سعد في سنة 1943م.
وهو مهندس مدني، وله في النمسا اثنتان وعشرون سنة.
وكانت أسرته متمسكة بالإسلام، بل كان أبوه وجده إمامين للمسلمين في مسجد بلغراد.
وسألته: هل كانوا يدعون جيرانهم من غير المسلمين إلى الإسلام؟
فقال: نعم. وقد كان جيراننا يعرفون عراقتنا في الإسلام والعمل الإسلامي ويستفسرون عن أمور الدين.
وذكر أن والده دخل السجن ثلاث مرات من أجل النشاط الإسلامي في بلغراد، ولم يستجب الناس للدخول في الإسلام، ولم يكن ذلك لعدم اقتناعهم بأن الإسلام حق، ولكن الجو العام كان مهيئاً ضد الإسلام، والمسلم كان يعاقب على إسلامه، ولهذا يصعب على غير المسلم الدخول في الإسلام في مثل تلك الظروف.
هل قامت الحجة على غير المسلمين بالبلاغ المبين؟
وسألته: هل تظن أن الحجة قد قامت على غير المسلمين في النمسا بالدعوة إلى الإسلام؟
فأجاب: إن الشعب النمساوي سمع كثيراً عن الإسلام، ولكنه سمع الصورة المشوهة من طريق الإعلام النمساوي إضافة إلى الكتب الكثيرة التي كتبت ضد الإسلام باللغة الألمانية، وهي تمثل وجهة نظر الأوربي غير المسلم، ومن ذلك ترجمة معاني القرآن الكريم التي ترجمت من اللغة العربية إلى اللغة الألمانية سنة 1711م.
وقال الأخ الفاتح الذي كان يترجم بيني وبين الأخ سعد: إن عنده نسخة من هذه الترجمة، اشتراها من سوق المزاد (سوق الحراج)، وتوجد ترجمة أخرى أيضاً من اللغة العربية إلى اللغة الألمانية.
وقال الأخ سعد: إن عنده خمس ترجمات لمعاني القرآن الكريم إلى اللغة الألمانية، والجهات التي تتولى الترجمة تتعمد الإساءة إلى الإسلام والمسلمين.
وتوجد فئة قليلة من النمساويين سمعت عن الإسلام من طريق صحيحة، وهي الفئة التي عندها رغبة في البحث والتنقيب عن الإسلام.[هذا يدل على أن الذي يرغب في فهم الإسلام ويجتهد بنفسه يمكنه أن يحصل على من يعلمه مبادئ الإسلام].
ويرى الأخ سعد أن عامة الناس لم تقم عليهم الحجة، لأن الإسلام لم يبلغهم على الوجه الصحيح.
والذين يبحثون عن الإسلام، غالبهم من صغار السن المثقفين المتعلمين، ومن الذين تأثروا ببعض أصدقائهم ممن دخلوا الإسلام.
وسألته: هل عند غير المسلمين من أهل البلد استعداد لمصاحبة المسلم ومرافقته وسماع ما عنده عن الإسلام، والتحدث معه ومناقشته؟
فقال: الشباب المتعلم عنده هذا الاستعداد إذا أحسنت الصلة به.
وسألته: عن الموضوعات التي يمكن أن تؤثر في الأوربي؟
فقال: إنها تختلف باختلاف ثقافة غير المسلم، وقال: إن من تجربتي أن الجهلة يسألون عن لحم الخنزير، وسبب تحريمه في الإسلام، والمتعلمون يسألون عن وحدانية الله، ويسأل النمساويون عن موضوع الجهاد في الإسلام، نظراً لوجود الحرب بين المسلمين واليهود.
وتتهم الصحف الأوربية الإسلام بأنه دين حرب.
وهناك موضوع آخر يثار الآن، وهو موضوع الشيعة والسنة بعد الثورة الإيرانية، فإذا أحسن المسلم عرض هذه الموضوعات بحججها وأقنعهم بموقف الإسلام منها، وأثبت عدم صحة بعض التهم الموجهة ضد الإسلام، فإن ذلك قد يؤثر في الأوربي.
والبترول العربي ومشكلاته جعل الأوربيين يفكرون في الإسلام.
وبعض الأفراد أسلموا نتيجة لاقتناعهم بموقف الإسلام من هذه الموضوعات.
وسألت الأخ سعداً عن الوسائل النافعة لنشر الإسلام في دعوة الأوربيين؟
فقال: أولاً يجب أن تكون قدوة حسنة للناس، فالقدوة الحسنة أهم وسيلة لاجتذاب الأوربي إلى الإسلام، ومن ذلك أن يرى الأوربيُّ المسلمَ يطبق المساواة بين الناس في تصرفاته.
وقال: إن الناس يتأثرون إذا عرض لهم الإسلام بالطريقة الصحيحة، وينفرون بسرعة من أي خطأ نرتكبه نحن المسلمين.
ومن الوسائل النافعة لنشر الإسلام محاولة المسلمين استغلال الراديو والتلفزيون وغيرها من أجهزة الإعلام استغلالاً حسناً، والقانون الذي اعترف بالإسلام يمنح المسلمين فرصة هذا الاستغلال.
ومن أهم الوسائل النافعة إنشاء المدارس الكاملة.
وسألته: هل تسمعون أجهزة الإعلام الموجهة من الشعوب الإسلامية أو تقرءون في صحفها شيئاً عن الإسلام بلغة البلد؟
فقال: لم نسمع أبداً شيئاً من ذلك ولم نقرأ.
قلت له: بماذا تنصح الدعاة إلى الإسلام، إذا أرادوا نشر الإسلام في أوربا؟
قال:
أولاً: أن يكون عندهم صبر طويل وسعة بال.
ثانياً: أن يكونوا هم قدوة حسنة لغيرهم.
ثالثاً: أن يتحدثوا لغات كثيرة، منها لغة القوم الذين يدعونهم.
رابعاً: لا بد أن يكونوا فقهاء في الدين مثقفين بثقافة العصر.
خامساً: لا بد من معرفة عقلية أهل هذه البلدان وطرق تفكيرهم.
سادساً: لا بد أن يكون الداعية واقعياً ـ بمعنى أن لا يتوقع دخول الناس في الإسلام بمجرد دعوتهم.
قلت له: هل ترى ربح المسلمين الموجودين في أوربا أكثر من خسارتهم، أو أن خسارتهم أكثر من ربحهم بالنسبة للإسلام؟
فقال: خسارتهم أكثر وبخاصة العرب!
قلت: أيهما أكثر نفعاً لنشر الإسلام في أوربا وجود الجالية الإسلامية أو الطلاب؟
فقال: الطلاب أكثر نفعاً، وحبذا لو بعثت المؤسسات الإسلامية طلاباً صالحين إلى جامعات أوربا، ليجمعوا بين التعليم والدعوة.
لقاء مع الأخ اليوغسلافي المسلم: سالم عابد الحاج:
التقيت الأخ سالماً في منزل الأخ السوداني الفاتح على حسنين في الساعة السادسة مساء.
ولد الأخ سالم سنة 1954م في يوغسلافيا في جمهورية بوسنة، في أسرة مسلمة.
درس الابتدائي والإعدادي في مدرسة غازي خوسروبيك، في سرايون، وهو معهد ديني، وانتقل إلى فيينا سنة 1973م، ودرس الفلسفة والاستشراق في الجامعة، وهو الآن يكتب الدكتوراه، يحقق مخطوطة كتبت في القرن الثامن عشر بعنوان: تبشير الغزاة، وهو باللغة العربية ومؤلفه مصطفى فصحاري، وهو من منطقة بوسنة في يوغوسلافيا.
وهذا المخطوط كتاب كبير، أخذ منه الأخ سالم موضوع الجهاد في سبيل الله.
وقال: إن الأوربيين يفهمون من الجهاد في الإسلام أن الإسلام كله سيف وحرب وقتل، وأنه يريد أن يثبت لهم أن الإسلام انتشر في الأرض بطريق الدعوة والإقناع، ولم يكره الناس على الدخول فيه.[وقد وعدته ببعث كتابي].
وقد كان اللقاء مع الأخ سالم من أجل مرافقتنا إلى منزل الأخ المسلم النمساوي علي كوفمن.
حوار مع الأخ النمساوي المسلم علي كوفمن:
كنا في منزله في الساعة السابعة مساء.
ولد الأخ علي سنة 1934م في 6مايو.
ودخل الإسلام منذ عشر سنوات، يعني سنة 1977م، في مدينة فيينا.
وهو في الأصل نصراني بروتستانتي، وهم يقولون بإله واحد وليس بالتثليث.
و قال: إن سبب إسلامه أن لزوجته محلاً تجارياً، وجاء عندها رجل إيراني، وقال لها: إنه مسلم، ولا دخل له في شؤون الشيعة، وصادقه سنة كاملة، وحدثه عن الإسلام، حتى فهم الإسلام منه، وحصلت مناقشة في كون عيسى ابن الله، وقال الأخ علي للإيراني: أنا لا أجد نهاية لهذه الأمور، فقال له الإيراني: نبقى أصدقاء وأنت حر تقتنع بالإسلام أو لا تقتنع هذا يعود إليك.
قال: وفي ليلة الأحد رأيت في المنام أن رجلاً يكلمني ولم أره، وقال لي: لماذا تحاربنا؟ ثم قال: ادخل في الإسلام واسمك علي.
قال: وفي اليوم الثاني ذهبت إلى الإيراني وقلت له: أنا مسلم فعلمني الصلاة، وكانت هذه أحسن بداية في حياتي.
قلت له: هل كنت متمسكاً بدينك قبل الإسلام؟
قال: لا، كأغلب الأوربيين.
قلت: متى سمعت عن الإسلام في حياتك؟
قال: سمعت عن الإسلام منذ ثلاثين سنة في المدرسة، عن الإسلام والأتراك، وكان ما سمعته سلبياً ـ يعني ضد الإسلام ـ و قال: إن كل الأوربيين يعرفون أن الإسلام سيئ جداً.
قال: وبعد المدرسة لم أسمع عن الإسلام إلا ما ينشر في الأفلام، وكله ضد الإسلام.
قلت: هل فكرت في البحث عن الإسلام بنفسك قبل أن يأتي الإيراني إليك؟
قال: كنت أفكر أن النصارى هادئون، وأن اليهود ماكرون، وأن الإسلام سيف، لذلك لم أكن أفكر في الدخول في الإسلام.[وهذا يدل أن من الناس من يكره الإسلام بسبب تشويه حقائقه وعدم وجود ما يدحض ذلك التشويه، فإذا تبين له وجه الحق دخل في الإسلام، فهذا الرجل دخل في الإسلام بعد أن كان يكرهه عن طريق رجل إيراني].
و قال: إنه أول ما قرأ ترجمة معاني القرآن الكريم باللغة الألمانية، ترجمة رجل مستشرق يدعى رودي بارت، وقد مات قبل أربع سنوات، وكتب كثيراً عن الإسلام.
ومن الترجمات التي قرأها الأخ علي لمعاني القرآن الكريم، ترجمة امرأة تدعى: آن ماري شيميل (ANNE MARIE SCHIMMEL) وقد أسلمت في مدينة اسطمبول، وكانت من قبل في باكستان، وهي ألمانية.[هكذا قال... والمشهور أنها لم تسلم، مع أنها تظهر الدفاع عن الإسلام حسب فهمها له].
وقرأ كتباً أخرى عن الإسلام.
وقال: إن أي ترجمة لمعاني القرآن الكريم، لا يقال: إنها صحيحة مائة بالمائة، ولا بد فيها من أخطاء، إما بقصد من المترجم أو عدم فهم للغة العربية والمعنى المراد، واللغة الألمانية صعبة ودقيقة أكثر من اللغة الإنجليزية.
وترجمة معاني القرآن الكريم باللغة الإنجليزية أسهل من ترجمتها باللغة الألمانية.
سألته: عن شعوره بالحياة قبل الإسلام وبعده؟
فقال: الإسلام دين يوافق العقل، والعقل يقود إلى الحقيقة،[إذا اهتدى بنور الوحي]. بخلاف الدين النصراني فإنه لا يقبله العقل.
وقال: إنني بصفة ثقافتي الأوربية، عندما علمت عن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، وحياة الخلفاء الراشدين وبساطتها، مع ما قدموه من الخير بنشر الإسلام تأثرت بذلك، وأرى أن مسئوليتي بعد الإسلام أصبحت كبيرة.
والإسلام خط فاصل بين المسلم وغيره.
قلت له: إن الله شبه المسلم بالمبصر السميع، والكافر بالأصم الأعمى، فهل شعرت بهذا المعنى؟
قال: نعم، جداً.
وأبدى الأخ علي أسفه من قلة اهتمام المسلمين بدينهم، مع أنه دين صحيح، واهتمام غير المسلمين بأديانهم، مع أنها غير صحيحة، و قال: إن اليهود مع قلتهم أقوياء، وهم يسطرون على أجهزة الإعلام وغيرها في أوربا، بخلاف المسلمين مع كثرتهم وكثرة حكوماتهم وأموالهم، ومع الأسف ليس عندهم إذاعة واحدة في أوربا، ولا خدمة اجتماعية ولا تأثير لهم في مجرى الحياة.
والمسلمون الموجودون هنا، لا توجد لهم مدراس ولا رياض أطفال، ففي منطقة واحدة يكثر فيها المسلمون في فيينا ـ وهي المنطقة الثانية ـ توجد مدرسة لليهود وهم قلة، وسينسى الشباب إسلامه بهذه الحالة المؤسفة، و قال: لا بد أن يتحد المسلمون كلهم في نشاطهم الإسلامي دون تفريق بين مذهب وآخر.[يقول الأخ علي: إنه ليس ملتزماً بمذهب الشيعة، ولكنه يرى أنه لا بد أن يتحد السنة والشيعة ولا يتفرقوا، وهو إما أن يكون يقصد وجوب التزام الطائفتين بالحق، وإما أنه لا يعرف مذهب الشيعة الذي يباين ما عليه أهل السنة مباينة أصولية يصعب معها أن يتحدوا].
وقال: لا ينبغي للمسلمين أن يركنوا إلى السياسة الأمريكية وقال ـ مشبهاً لهذه السياسة ـ: إنها كمثل شخص يأتي إلى آخر وهو يكاد يغرق فيقول له: أنا أنقذك بشرط أن تعطيني قلبك.
[تأمل هذا الكلام الذي قاله صاحبه قبل 19 سنة، وما يحصل للمسلمين اليوم من أمريكا في كل العالم وبخاصة فلسطين وأفغانستان والعراق والدول العربية عامة، تعلن لهم أنها تريد أن لهم غرس جنة الديمقراطية في بلادهم، وهي تعتدي على ضرورات حياتهم].
وقال: إنني أستاء جداً عندما أتذكر في صَلاتي الحرب بين إيران والعراق.
وقال: إن قبلة المسلمين الكعبة، وليست واشنطن ولا موسكو.[قلت: نعم هذا عندما يقوى إيمانهم ويكون توكلهم على الله هو الأساس، ويطيعون أمر الله في اتحاد كلمتهم على صراطه المستقيم، وفي إعداد العدة لعدوهم باتخاذ كل الأسباب المشروعة لقوتهم].
قلت: ما الموضوعات الإسلامية التي ترى أنها تؤثر في الأوربي؟
قال: الشباب الأوربي ليس عنده أساس لحياته، وعنده اللهو واللعب، والحرية عند الأوربيين نتيجتها سيئة جداً، ومن جائزتها الإيدز وأشباهه من الخمر والمخدرات وآثارهما، وهو يبحث عن طريق مُخَلِّص، والمخلص الوحيد هو الإسلام، ولكن الإعلام الذي يسيطر عليه اليهود يشوه هذا الدين، وضرب مثالاً لذلك بأن اليهود في أمريكا 15% ومع ذلك يسيطرون فيها على كل شئ.
و قال: إن سمعة المسلمين سيئة جداً، بسبب تشويه الإعلام، وبسبب بعض التصرفات السيئة التي تصدر من كثير منهم.
وقال: إن المهندسين النمساويين يقولون عن بعض العرب: إنهم ليس عندهم إلا النقود، وإن الشباب العربي لا يبحث إلا عن الخمر والنساء ولا يسأل عن الأشياء المفيدة.
وقال: إن الغرب لولا البترول لم يهتم بالعرب، ومنظمة السوق الأوربية المشتركة لا تستطيع أن تستمر بدون البترول العربي، ومع ذلك فإن تأثير العرب لا يذكر في هذه البلدان، ولو كان عند العرب شخصية قوية، لكان لهم تأثير كبير في أوربا أكثر من اليهود.
وقال الأخ علي: يجب على حكومات المسلمين أن تقيم مؤتمراً في دولة محايدة، لبحث شؤون المسلمين الموجودين في أوربا الذين يبلغ عددهم 18 مليوناً.
وفي الاتحاد السوفيتي خوف كبير من كثرة المسلمين وازديادهم، ثم ختم الأخ علي كلامه بقوله:
المسجد الأقصى مسلوب، فأين المسلمون الذين يملئون الأرض؟!
لقاء مع الأخ السوداني: الفاتح علي حسنين:
السبت: 29/11/1407 هـ.
دعانا الأخ محمد الفاتح لزيارته في منزله، وهذه نبذة عنه وعن نشاطه الإسلامي:
ولد أبو محمد الفاتح علي حسنين محمد شريف في سنة 1946م.
درس الطب في جامعة بلغراد في يوغسلافيا، ونال الدبلوم في الطب الباطني من جامعة فيينا بالنمسا.
يجيد اللغة اليوغسلافية والإنجليزية.
جاء إلى يوغسلافيا سنة 1967م.
وغادرها إلى السودان سنة 1974م.
عمل ثلاث سنوات في وزارة الصحة السودانية.
ثم ذهب إلى الإمارات العربية المتحدة وعمل بها سبع سنوات.
ثم جاء إلى النمسا سنة 1984م لدراسة التخصص.
وأنشأ الوكالة الإسلامية للإغاثة.
معلومات عن الإسلام والمسلمين.
وقال الأخ الفاتح:
إن الجاليات الإسلامية في النمسا تتكون من عدة جماعات:
1 ـ جماعة ملي قرش.
2 ـ جماعة السليمانية.
3 ـ جماعة الكوتور (الثقافية).
4 ـ جماعة الأقصى.
5 ـ الجماعة اليوغسلافية.
6 ـ جمعية بلغارية.
وهاتان الجماعتان غير رسميتين.
7 ـ وتوجد جماعة إيرانية.
8 ـ وجماعة تسمى: جماعة إسلام النمسا.
وتوجد تجمعات عربية: اتحادات وجمعيات إسلامية، وجماعة حزب التحرير ويلتقون في بيت الشباب في منظمة كنسية، ويسمى المعهد الإفريقي الآسيوي، ويقوم بطبع كتب حزب التحرير وتوزيعها.
ونشاطهم ملحوظ في فيينا وقراتس.
ويوجد تجمع للمصريين في المركز الثقافي المصري، يقيمون صلاة الجمعة ويلقون محاضرات إسلامية في أيام العطل، ويحتفلون بالمناسبات الإسلامية، ويحضر عندهم إمام واعظ في شهر رمضان من كل عام.
ويوجد الاتحاد الإسلامي الذي تأسس عام 1979م وهو محسوب على بعض الهيئات الإسلامية، ودخلت فيه عناصر أوجدت فرقة في صفوفه، بحيث بلغ بهم الأمر إلى الاحتكام إلى المحاكم النمساوية، وأدى إلى حل الاتحاد في هذا العام 1987م، وحاول كل طرف إنشاء جماعة مستقلة به.
فأسس أحد الطرفين جمعية سماها: دار الرعاية الإسلامية، وأسس الطرف الآخر جماعة سماها: الجماعة الإسلامية في النمسا ـ وهي غير الجمعية الرسمية ـ ورأت هذه الجماعة أن تفتح أبوابها لجميع المسلمين الملتزمين بالإسلام والسير معا لنشر الدعوة الإسلامية.
المؤمن كالنحلة:
النحلة أينما حلت قطفت غذاءها من الأزهار والورود، وحولته إلى شراب من العسل المصفى فيه شفاء للناس.
وهكذا المؤمن أينما حل حاول أن يوصل إلى الناس هداية الله التي تضمنها وحيه، وقد يكون في ذلك مخاطر عليه في بعض البلدان التي يتولى الحكم فيها طغاة ظالمون، لا يسمحون لأي فكر يخالف فكرهم أن يظهر، وبخاصة الدول الشيوعية التي لا تستطيع حماية مذهبها وبقاءه إلا بوضع سدود قوية تمنع الأفكار التي لو سمعها الناس بحرية، لرفضوا الفكر الشيوعي رفضاً باتاً.
فقد كانت مجموعة من الطلبة المسلمين قد وفدت إلى بلغاريا وطردتهم السلطات البلغارية عندما رأتهم متمسكين بدينهم فاستقروا في يوغسلافيا.
وفي سنة 1967م وصل إلى يوغسلافيا أربعة من الطلبة المسلمين، وبدأ هؤلاء الأربعة يصلون ويصومون، وكان الطلبة الذين سبقوهم يسخرون منهم ويقولون لهم: نحن قد سبقناكم، وكنا نصلي ونصوم مثلكم، ولكن بعد مضي ستة شهور انتهى كل شئ.
وعندما صام الأربعة شهر رمضان انضم إليهم اثنا عشر طالبا، والتف حولهم في صلاة العيد عدد كثير من الطلاب، وكان ذلك أول احتفال بعيد إسلامي يحصل بدون رقص ولا خمر.
وقد تساءل اليوغسلاف عما حدث للطلبة العرب، الذين أقاموا احتفالهم بدون سكر ولا رقص.
وقد شجع الإخوة الأربعةَ التفافُ الطلبة المسلمين حولهم، إلى إقامة تنظيم شمل الطلبة من كل الأقطار الإسلامية: من السودان والعراق والأردن وفلسطين وأوغندا وكينيا وأفغانستان.
وكانوا يتجمعون في قلعة الميدان التي بناها الأتراك على ملتقى نهر الساغا والدانوب، وهذا المكان حديقة عامة يلتقي فيه عامة الناس.
ويوجد على شاطئ النهر شجر تتدلى فروعه إلى الأسفل تدلياً يمكن من التستر به.
وكان الناس يسرحون ويمرحون في الحديقة، فإذا سئموا عادوا إلى منازلهم قبل الفجر، وكان العشاق يستترون في فروع تلك الأغصان المتدلية لعمل المنكر، فإذا خلا المكان من هؤلاء المجرمين ذهب الإخوة وقت الفجر، واجتمعوا تحت تلك الأشجار، لتدارس أمورهم والتخطيط لنشر دعوة الدين الإسلامي.
وزاد العدد ونما التنظيم، وكان الإخوة يظنونه تنظيما سرياً لن ينكشف.
وعندما حل عيد الأضحى المبارك أقيم احتفال لم يسبق مثيل له في ذلك البلد، ذبحت فيه سبعة خرفان، وامتلأت بالمصلين صالة ضخمة ودعي إلى حضور الاحتفال المسلمون وغيرهم، وقدمت الفواكه والحلوى وكان احتفالاً فريداً من نوعه.
وكان قد حُل الحزب الشيوعي السوداني وأصدر الطلبة السودانيون بياناً يدينون فيه الحزب ودكتاتورية العمال.
وفي ثاني يوم العيد استدعى مسؤولُ الأجانب اليوغسلافي أحد الطلبة السودانيين وأجلسه عنده وقال له: ماذا تريد أن تشرب؟ فقال له: لا أريد شيئاً، لأن عندي الآن محاضرة، ثم نزل على رغبته وطلب الشاي، وفي لحظة من غفلة الرجل نظر الطالب إلى مكتبه فرأى منشور الطلبة السودانيين مترجماً إلى اللغة اليوغسلافية موضوعاً أمامه، وتظاهر الطالب بعدم معرفته أي شئ وقال المسؤول: هذه فرصة، نريد أن نتبادل الرأي في الأمور السياسية، فقال له الطالب: أنا ابن فلاح وعامل من الريف، وأتيت لدراسة الطب ولا أفقه شيئاً في السياسة.
وبعد إلحاح شديد من المسؤول قال الطالب: يمكن أن أحضر لك شخصاً آخر يجيد السياسة، فوافق الرجل مسروراً وطلب اسم الشخص فأعطاه اسم سكرتير الحزب الشيوعي السوداني الموجود في يوغسلافيا، فضحك كثيراُ، وقال: يبدوا أننا سنلتقي كثيراُ، وهو يعرف أن صاحب الاسم شيوعي، فقال له الطالب: قد لا نلتقي كثيراً وقتي مملوء بالعمل.
وكانت النتيجة أن حل التنظيم الذي كان يسمى: اتحاد الطلبة المسلمين، واتضح أن المسؤولين اليوغسلاف كانوا يعرفون كل شئ.
وعند ذلك لجأ الإخوة إلى تنظيم جديد، وهو أن يعمل طلبة كل بلد على حدة مع التنسيق المرتب.
واستمر الأمر فترة زاد فيها عدد الإخوة، فكونوا تنظيماً جديداً في مدينة بلغراد، ثم انتقل التنظيم إلى المدن اليوغسلافية الأخرى، ثم امتد ليشمل دول أوربا الشرقية.
وأهم ما أزعج اليوغسلافيين اكتشافهم تنظيماً يوغسلافياً إسلامياً أسس سنة 1939م، وحوكموا بعد الحرب العالمية الثانية واعتقل منهم 600 شاب، وقتل منهم عشرون تعذيباً، وأعدم أربعة، وبعث الباقون إلى السجون المتفاوتة، وكان المسؤولون اليوغسلاف يظنون أن هذا التنظيم قد انتهى، ولكنهم اكتشفوا أنه قد أعيد في فترة النشاط الطلابي الأخيرة، ولذلك أدخلوا كل شاب اكتشفوا له نشاطاً في السجن.
لكل مقام مقال:
والمؤمن كيس فطن، إذا سد أمامه باب حاول أن يلج من باب آخر.
فقد رأى الإخوة أن باب التنظيم واللقاء والاجتماعات المباشرة قد سد أمامهم، فدرسوا الأمر ورأوا أن خير وسيلة لنشر الإسلام وإيصال مبادئ هذا الدين إلى الناس، هي ترجمة كتب إسلامية وطباعتها وتوزيعها بالطرق الممكنة، فاجتهدوا حتى ترجموا عشرة كتب، منها هذا الدين، والمستقبل لهذا الدين ـ وهما لسيد قطب ـ وشبهات حول الإسلام ـ لمحمد قطب، والحلال والحرام ـ ليوسف القرضاوي، وقصة الإيمان ـ لنديم الجسر، والأربعين النووية ـ للإمام النووي، وغيرها إلى اللغة اليوغسلافية، ترجمها عدد من العرب واليوغسلاف.
وجمعوا نقوداً لطبع هذه الكتب، مقدارها ألف دولار، وبدأ ارتباط بعض الشباب اليوغسلاف في الخارج بالشباب المسلم.
وزاد ارتباط الشباب المسلم اليوغسلافي بالدين الإسلامي، حتى وصل الذين يرتادون المسجد 70%، فانزعج المسؤولون اليوغسلاف وشنوا حملة ضد الشباب المسلم وقد سجنوا قائد الشباب الإسلامي اليوغسلافي لمدة 14 سنة وهو المحامي القانوني علي عزت بيك..


[ولد سنة 1344 هـ 1925م وقد أصبح رئيساً للجمهورية بعد الحرب الظالمة التي شنها الصرب على المسلمين، على مرأى ومسمع من أوربا وأمريكا وغيرهما من دول الشرق والغرب، ولا زالوا يكتشفون المقابر الجماعية من المسلمين إلى اليوم، وهذا غير الاعتداءات الأخرى على الأسرى ـ وبخاصة اغتصاب النساء المسلمات ـ وتشريد الألوف منهم، وتوفي رحمه الله يوم الأحد 19/10/2003م وسيأتي ملحق عنه في آخر الكتاب]. وطردوا عدداً من الطلبة المسلمين عن البلاد، وألحوا على أحد الطلبة المسلمين وهم يحققون معه أن يعترف بأن له صلة بعلي عزت، ليتخذوا ذلك حجة فيقتلوا هذا المسلم اليوغسلافي، [هذا المسلم (علي عزت بيجوفيتش) واصل مسيرته في الدعوة إلى الإسلام، ونال ما نال في سبيل ذلك من سجن وتعذيب، وأصبح في النهاية رئيساً لقومه بعد أن اعتدى عليهم الصرب وناصرهم على المسلمين قومهم الصليبيون من دول الغرب، كما هو معروف] فلما لم يعترف الطالب المسلم لهم بذلك طردوه خارج البلاد وختموا على جوازه ختماً يحظر السماح له بالعودة إلى يوغسلافيا قبل انتهاء أربع سنوات.
وعلى الرغم من كل هذه المواقف الإرهابية ضد المسلمين، فإن المسلمين لا يهدأ لهم بال، وهم يواصلون المسيرة والله غالب على أمره، وقد كانت الأساليب التي طبعت بها الكتب ووزعت تدل على توفيق الله للدعوة إليه.
قلت: إن الدول التي تمنع النشاط الإسلامي تستطيع أن تحول بين المسلمين ونشر دعوتهم بالوسائل المعتادة، ولكنها لا تستطيع أن توقف المسلمين عن نشر دينهم بالوسائل التي يضطرون إليها في السر اقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم عندما وقفت قريش ضده ومنعوه أن يدعو إلى ربه، فلجأ إلى الدعوة سراً، وكانت دار الأرقم رمزاً لهذه الفترة فلما كثر المسلمون أعلنوا دعوتهم إلى الله امتثالاً لأمر الله تعالى: { فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنْ الْمُشْرِكِينَ }. [الحجر: 94]].
وكالة الإغاثة الإسلامية:
قال الأخ الفاتح: سجلت هذه الوكالة رسمياً، وهذه الوكالة تتصل بمعسكر اللاجئين في فيينا، وتوجه اهتمامها للاجئين المسلمين من الدول الشيوعية، وبعضهم لهم أقارب في أماكن أخرى، كأمريكا وإنجلترا وفرنسا، وتحاول الوكالة أن تيسر لهم سبيل الوصول إلى أقاربهم، ومنهم من يفضل البقاء في النمسا فيساعد على المأوى ويبحث له عن عمل مناسب، فهو يحتاج إلى مساعدة مادية وعينية في بداية الأمر وخاصة المسلمين البلغار.
كما تواجههم مشكلة تغيير أسمائهم إلى أسماء إسلامية، وذلك يحتاج إلى مصاريف للمحامين والمحكمة حتى يتمكن من إثبات اسمه القديم.
وكذلك نحتاج إلى مدهم بالمصاحف والكتب الإسلامية ومقتضيات العبادة عامة، مع العلم أنه توجد أكثر من 90 وكالة تشتغل مع اللاجئين.
وتنوي الوكالة إعانة المهاجرين البلغار إلى تركيا وغيرها من الدول المجاورة، حيث يبلغ عددهم ما يقارب ثلاثة ملايين مسلم.
وقد أعدت الوكالة مشروعاً لمساعدة الأسر الفقيرة.
وعدد المسلمين الذين استشهدوا في بلغاريا من السبعينات إلى الآن يقدر بمليون شخص.
والأخ الفاتح هو المسؤول عن هذه الوكالة، وعنده مشاريع مفصلة لمن يريد الاطلاع عليها والمساعدة في هذا المجال.
وقال الأخ الفاتح: إنه توجد ترجمة معاني القرآن الكريم باللغة اليوغسلافية وهو مطبوع ولكنه ضخم وغال، وقد طبع بعض المحسنين منه ترجمة جزء عم ونحتاج إلى طبع الجزء التاسع والعشرين، وطبعه في أجزاء أسهل وأنفع.
والحاجة ماسة إلى مراجعة ترجمة معاني القرآن الكريم باللغة البلغارية وطباعتها.
حوار مع الأخ المسلم النمساوي مصطفى إيرخارد:
في الساعة الثالثة والنصف مساء كنا في منزل الأخ مصطفى(47).


ولد سنة 1956م.
وهو مهندس ميكانيكي.
ديانته الأولى: الكاثوليكية، وكان ملتزماً بدينه قبل الإسلام ـ والملتزمون بالدين المسيحي قلة ـ .
أول ما سمع عن الإسلام سنة 1978م بصورة واعية، وبدأ يقرأ عن الإسلام، وكان قبل ذلك يسمع عن الإسلام بدون وعي ولا اهتمام.
سبب اتجاهه إلى الإسلام أنه زار تركيا مع صديق له زيارة قصيرة، ثم بعثته شركته التي يعمل فيها إلى سومطرة، في جنوب شرق آسيا في شهر رمضان، وتعرف على فتاة إندونيسية وتزوجها، وعلم أنها مسلمة فأثار ذلك اهتمامه بالإسلام، وأخذ مصحفاً ثم عاد إلى النمسا. [هكذا ترجم المترجم: "مصحفاً" ولا أدري أهو مصحف فعلاً أو هو ترجمة لمعاني القرآن، ويبدو أنه الأخير لأنه لا يستفيد من المصحف إلا إذا وجد من يفسره له. وفاتني أن أستفسر عن ذلك].
وبدأ يتعرف على المسلمين في النمسا.
قلت: ما الذي أقنعه أن الإسلام هو الدين الصحيح؟
قال: إنه ذهب إلى جمعية الخدمة الإسلامية في فيينا، وكانت المنظمة الوحيدة التي تعنى بالإسلام سنة 1979م، وتعرف على علي كوفمن وسأله عن الإسلام، وتعرف على شخص إيراني أيضا وعرف كثيراً عن الإسلام منه.
و قال: إن ما يذكر عن الإسلام في المدارس، وما يذكره الرهبان عنه يجعل الإنسان بين أمرين:
الأمر الأول: أن لا يفكر في الدخول في الإسلام مطلقاً، بسبب التشويه له والتنفير منه.
الأمر الثاني: أن يهتم بالبحث عن الإسلام لمعرفة الحقيقة.
وكلام الرهبان يوجد فيه تناقض يدعو إلى عدم الاقتناع بما يقولون.
وهذه الأمور كلها أثارت في نفسه حب القراءة والبحث عن فهم الإسلام، ومقارنته بالإنجيل وكتب اللاهوت.
وخرج بعد ذلك بنتيجة أن الإسلام هو الدين الوحيد الذي لا يمكن أن يقارن به دين آخر، كاليهودية والمسيحية وغيرهما، لأن كل الأديان ـ غير دين الإسلام ـ ليس لها قاعدة تقوم عليها، أما الإسلام فإنه قائم على الوحي الإلهي (المحفوظ).
وسألته عن الفرق بين حياته قبل الإسلام وبعده؟
فقال: تغيرت في حياته عدة أمور:
من ذلك الفجوة التي حصلت بينه وبين أهله وأصدقائه ومجتمعه، بعد أن دخل في الإسلام.
ومن ذلك أنه على الرغم من هذه الفجوة، حصل عنده شعور بالسعادة.
ولكن هذا الشعور خف عنده بسبب عدم وجود وقت كاف للإكثار من القراءة والمناقشة، لأنه مشغول بعمله وأسرته.
قلت: هل ترى أن المسلمين مهتمون بتبليغ دينهم إلى غير المسلمين؟
فقال: يوجد اهتمام قليل جداً ومحاولات، ولكنها لقلتها كأنها غير موجودة، ومع ذلك يوجد اهتمام من بعض الجمعيات في ألمانيا، بخلاف النمسا، ولا يوجد إمام مسجد متفرغ على مستوى جيد من العلم بالإسلام، و لا توجد كتب في متناول أيدي الناس في البلد.
وقال: إنه يوجد مسجد كبير وجميل، ولكن لا يوجد فيه من يفيد الناس كما ينبغي.
وقال: إن من المؤسف أن بعض المسلمين يظهرون بمظهر يدل على عدم صدقهم، ولا يلتزمون ببعض أركان الإسلام، كصيام شهر رمضان، وكثير منهم جهال بالدين، وهذه الأمور تعطي لغير المسلمين صورة سيئة عن الإسلام.
وتوجد كتب قليلة مترجمة إلى الألمانية، كترجمة معاني القرآن الكريم، وبعض كتب سيد قطب والمودودي، وطبعت في ألمانيا.
قلت له: ما الموضوعات الإسلامية التي ترى أنها تؤثر في الأوربي أكثر من غيرها؟
فقال: المطلوب ـ بالنسبة للمسلمين في أوربا ـ وجود تفسير للقرآن الكريم، والحديث، وبعض الكتب المهتمة بالسلوك والحلال والحرام، تؤلف باللغة الألمانية، أو تترجم ترجمة جيدة وتطبع.
أما بالنسبة لغير المسلمين:
فالاهتمام بإيجاد أفلام عن المرأة وحياتها في الإسلام، مع تعليقات تبرز قيمة المرأة ومكانتها في الإسلام.
وكذلك أفلام وثائقية عن الإسلام، تضعها أيد مسلمة بحيث تعرض من وجهة نظر إسلامية بلغة البلد.
وإيجاد نشرات وكتيبات مقارنة عن الإسلام والعلم الحديث.
وسألته عن صفات الداعية المؤثر التي يراها؟
فقال: يكون مسلماً ملتزماً، يجيد لغة البلد، ذكياً، يجيد الحوار المنطقي، له صلات تمكنه من التأثير على وسائل الإعلام، مطلعاً على علوم العصر وثقافة الناس.
فقلت له: لو وجدت الوسائل المطلوبة لنشر الإسلام في أوربا، فهل ترى أن أكثر الأوربيين سيستجيبون للإسلام أو أقلهم أو بين بين؟
فقال: الجواب على هذا صعب.
وكل المسلمين الأوربيين أسلموا بطريق الصدفة ـ يعني بدون ترتيب دعوة لهم من قبل المسلمين ـ وعلى الرغم من أن المستشرقين النمساويين ضد الإسلام، فإن بعض النصارى دخلوا الإسلام عن طريق بعض الصوفية في مصر.
وقال: الحمد لله أن أعداء الإسلام لم يستطيعوا أن يثبتوا علمياً أن آية واحدة في القرآن تصادم الحقيقة.
قلت: مَن مِن الفئات أكثر استجابة للإسلام؟
قال: أكثرهم استجابة هم الشباب الذين على مستوى الثانوية العامة فما فوق، والغالب من المسيحيين من النساء، وكثير منهن يسلمن في أول الأمر رغبة في الزواج من المسلم.
قلت: من الأكثر تأثيراً في غير المسلم: الطلاب المسلمون أم العمال؟
فقال: الطلاب، لأن العمال ليسوا قادرين على التعبير عما في نفوسهم، لجهلهم.
والأخ مصطفى يحبذ بعث المؤسسات الإسلامية طلاباً مختارين من الصالحين لنشر الدعوة إلى الجامعات الأوربية، فإنهم إذا أجادوا اللغة في البلد وأحسنوا المناقشة والمجادلة وصبروا، سيؤثرون في زملائهم من غير المسلمين وربما في الأساتذة.
قلت له: بماذا تنصح المسلمين؟
قال: أن تتحد الجماعات الإسلامية فيما بينها، وأن يبنى مسجد يتمكنون فيه من إقامة الصلوات والسكن والطعام، ومكتبة للقراءة والشراء ويوفروا خدمات اجتماعية، ويكونوا نظيفين في مساجدهم وديارهم وثيابهم وغيرها.
والمسلمون يحتاجون إلى محام يدافع عنهم، ويستشار في قضاياهم وخصوصاً في الرد على التهم الموجهة ضد الإسلام في التلفزيون، ويجب أن يكون هذا المحامي مجيداً للغة الألمانية وعالما بالقوانين.
والمؤسف أن المسلمين أكثر من اليهود بخمسة عشرة ضعفاً، واليهود كثير منهم محامون، والمسلمون لا يوجد لهم مع كثرتهم محام.
أسلم على يد سني، فحولته امرأته الشيعية إلى شيعي!
هذا وقد حضر هذه المقابلة مسلم نمساوي آخر صديق الأخ مصطفى، واسمه علي هاتسر، وهو شيعي لأن زوجته شيعية، وكان قد أسلم في أول الأمر على يد الأخ سالم عابد اليوغسلافي [سبق الكلام عنه في هذا الكتاب]. ولكنه لم يلتق به بعد ذلك.
وقال الأخ علي: إنه لا يعرف الفرق بين السنة والشيعة.
و قال: لا يرى مانعاً من تعدد المذاهب، وعند أهل السنة المذاهب أربعة.[يظن أن مذهب الشيعة كبقية المذاهب الأربعة، الخلاف فيها فرعي لا يؤثر على جوهر الإسلام!]
وقال الأخ علي عندما نوقش في مذهب الشيعة: إنه شيعي لأنه لم يجد غير الشيعة يعلمونه الإسلام.
وقال الأخوان: مصطفى وعلي: إن الإسلام في حاجة إلى حكومات إسلامية قادرة على تمويله في الدعوة وشؤون المسلمين الاجتماعية.
تعقيب:
قلت: هكذا كثير من الأوربيين يكون إسلامهم على يد بعض المسلمين من ذوي المعتقد الصحيح والفكر السليم، ولكنهم لا يجدون من يتولى رعايتهم ويتابعهم فيقعون فريسة لذوي المعتقدات الفاسدة والطوائف المنحرفة، وقد يكون بعض تلك الطوائف ممن ينتسب إلى الإسلام وهو خارج عن ملته، كالقاديانية، وقد سمعت قصصاً كثيرة تدل على هذا المعنى، حتى لقد قال لي بعض الشباب من الطلبة المسلمين في أوربا: إننا نخشى أن ندخل أحداً من الأوربيين في الإسلام، خشية من القاديانية التي تتلقف المسلمين بإمكاناتها ونشاطها المتزايد.
فقلت لهم: الواجب عليكم أن تبلغوا الناس هذا الدين وتقيموا عليهم حجة الله، وأن تساعدوا من يدخل في الإسلام بمتابعته قدر الاستطاعة، وإذا انتقل من مكان إلى آخر بسبب العمل يجب أن توصوا به من يتابعه في المكان الجديد من المسلمين، فإذا لم تقدروا على متابعته لبعده عنكم فقد بلغتم ما أوجب الله عليكم ولا يكلفكم الله فوق طاقتكم.
هذا ومما لوحظ على المسلمين الأوربيين أنهم يفرحون فرحاً شديداً بزيارة المسلم الذي يأتي من الخارج في منازلهم، لأنهم لم يعتادوا ذلك، حتى من غالب المسلمين المقيمين في بلادهم.
ولهذا ينبغي للدعاة إلى الإسلام أن يضعوا في منهج زيارتهم الاتصال بهؤلاء المسلمين، ليشعروا باهتمام إخوانهم المسلمين بهم ويحققوا لهم معاني الأخوة التي يقرءون عنها في القرآن والسنة.
وظهر لي من مقابلاتي لكثير منهم أن دراسة الأوربي في البلدان الإسلامية لا تناسبه لأمور:
الأمر الأول: عدم صبر الأوربي على مواصلة الدراسة في بيئة تختلف عن بيئته، عادةً ومناخاً.
الأمر الثاني: أن شهادة الجامعات الإسلامية لا تنفعه في بلاده.
الأمر الثالث: عدم تخطيط الجامعات الإسلامية لكيفية الإشراف عليهم والعناية بهم، من حيث السكن ومعالجة عاداتهم بالحكمة، وقد ألفوا حرية إبداء الآراء والنقاش في بلادهم، ولهذا فإنه لا بد من إيجاد مدارس ومعاهد في أوربا يتلقون فيها التعليم الإسلامي حسب أحوالهم، ولا بد من بعث طلاب مختارين للدارسة في الجامعات الأوربية والدعوة.
سهولة إصلاح الآلات وصعوبة إصلاح القلوب الفاسدة!
الأحد: 1/12/1407هـ.
تحددت في هذا اليوم مغادرتي لـ( فيينا) إلى بروكسل، عاصمة بلجيكا، وموعد إقلاع الطائرة هو الساعة السادسة والنصف مساء.
واتفقت مع الأخ معتز الذي رافقني طيلة الأيام التي قضيتها في مدينة فيينا، وقد بذل جهداً طيباًَ في مساعدتي جزاه الله خيراً، اتفقت معه أن نخرج من الفندق في الساعة الثانية عشرة ظهراً، للتجوال في بعض المناطق القريبة من المدينة، وهي مناطق جميلة، إذا كان الجو صحوا.
وقد أصبت في هذه الليلة بالأرق، فلم أذق طعم النوم إلا في الساعة الثانية والنصف بعد منتصف الليل، وصحوت في الساعة الرابعة والنصف صباحاً، وعدت بعد صلاة الفجر للنوم، فلم أستيقظ إلا قبيل مجيء موظف الفندق بطعام الإفطار بدقائق.
وعندما أفقت وجدت ساعتي قد فارقت روحُها جسدَها، مطموسة لا حراك بها، ولها عذرها فهذه سنتها الثالثة لم أغير لها جهاز التشغيل (البطاريات) وكنت مشغولاً لا أدري كم الوقت، ولكن مجيء الخادم بالطعام طمأنني، لأن موعده في الساعة العاشرة صباحاً.
وكان الجو ممطراٍ مغيماٍ، شبيها بما بعد الفجر عندما يكون الجو صحواً.
وقد قطع هذا الجو طمعي في التجول، وغلب على ظني أن أبقى في الفندق، ولو حُسبت علي ليلة أخرى، لأن إقلاع الطائرة في السادسة والنصف، والخروج من الفندق يجب أن يكون في الساعة الثانية عشرة، والوقت المناسب للتحرك إلى المطار هو الساعة الخامسة.
فانتظرت مجيء رفيقي لتقرير ما ينبغي فعله، ويفعل الله ما يريد.
وقد قلت أبياتاً بمناسبة توقف ساعتي، مقارناً بين موت ابن آدم، ومفارقة روحه جسمه، وتوقف الآلات بسبب أي خلل يطرأ عليها، وبين مفارقة الإيمان للقلوب، والتخلص من الموتى بدفنهم، وإمكان إصلاح الآلات المصابة بالخلل، وصعوبة غرس الإيمان في القلوب وإصلاح النفوس التي فقدته.
وهذه هي الأبيات التي أنشأتها:
وجاء أخونا معتز في الساعة الثانية عشرة والنصف وحاسبنا الفندق، وأودعنا الحقائب عند موظفيه، وخرجنا والمطر نازل، وكنت أظن أننا بمجرد خروجنا من الفندق سنركب في سيارة النقل الجماعي إلى منزل صديق صاحبنا معتز، وهو غائب عن فيينا ومفتاح منزله عند معتز، وإذا أخونا معتز يرفع مظلته على رؤوسنا ويمشي، قلت له: ولكن المطر نازل وسيبلل ثيابنا وقد يشتد أكثر فيؤذينا، فقال: ولكنا لو انتظرنا السيارة قد نتأخر أكثر، فمشينا، وهو يسليني بقرب المكان وقد تذكرت بصنيعه صنيع أخينا السوري: همام في قصر الحمراء بغرناطة في الأندلس السليب في 16/11/1405 هـ. حيث مشينا معه أنا والشيخ عمر محمد فلاتة أكثر من ساعتين ونصف، وكان كلما شعر أننا تعبنا يقول لنا: قريبا ننتهي إن شاء الله. [راجع المجلد الثامن من هذه السلسلة "في المشارق والمغارب" الخاص بإسبانيا].
وهكذا فعل معي أخونا السوري معتز في فيينا كما فعل أخونا همام في غرناطة.
فقد كنا نسير أنا ومعتز في مدينة فيينا لزيارة المسلمين، وارتياد المطاعم التي يوجد فيها الطعام الحلال، وفي السوق أحياناً عن طريق المواصلات العامة: سيارات النقل على ظهر الأرض وأخواتها في بطن الأرض، وكذلك القطارات، وكان معتز يجري بنا كما يجري الناس، وكان يلتفت إلى وأنا أجري وراءه، ويقول لي: "أرّبنا" يعني: اقتربنا من المحطة، وفي بعض الأوقات يقول: مشْيُنا أسرع لنا من الانتظار فنمشي مسافة، وعلى كل حال فقد كنت في حاجة إلى الحركة والرياضة، فحركني معتز وروضني ونفعني كثيراً في اتصالاتي، أسأل الله أن يثبته ويحقق له مرامه في دراسته وفي بلاده!.
وصلنا إلى بيت زميله مشياً، والمطر نازل، وهو يسليني برفع المظلة فوق رأسي.
وكان الأخ سمير صلاح الدين قد اتصل بنا وأخبرنا أنه سيأتي إلينا ليأخذنا في سيارته لنتجول في ضواحي مدينة فيينا إلى أن يحين وقت ذهابنا إلى المطار، فانتظرناه وفي وقت الانتظار أسمعنا الأخ معتز بعض الأناشيد الدينية السورية المسجلة على شريط (كاسيت) وهي مكتبة صغيرة.
على قمة الجبل الذي حاصر منه العثمانيون مدينة فيينا:
وجاء الأخ سمير وصعد بنا في سيارته إلى جبل في شمال غرب فيينا يسمى: ليو بولد سبيرج (LEOPOLDSBERG). ومن على قمة هذا الجبل والجبال المجاورة له حاصر الأتراك ـ عندما كانوا يعتزون بالإسلام ـ مدينة فيينا في سنة 1683م. والواقف على قمة هذا الجبل يشرف على غالب المدينة، وعلى نهر الدانوب الذي يفصل بين جنوب المدينة ـ وهو الغالب ـ وشمالها، ويرى منه المركز الإسلامي ـ الجامع الكبير ـ الذي أنفق على بنائه الملك فيصل ـ رحمه الله ـ وهو غير بعيد من نهر الدانوب وبرج الدانوب(48).

ثم ذهب بنا الأخ سمير إلى حديقة كبيرة جداً، من الصعب على المرء أن يقطعها في فترة قصيرة، وهي مليئة بالغابات والأشجار الكبيرة التي بلغ عمر بعضها قرنين من الزمان أو أكثر، وكانت هذه الحديقة لرجل تاجر نمساوي، عندما حضرته الوفاة أهداها لبلدية فيينا، وهو صاحب بنك، وكان إهداؤه إياها في أول القرن العشرين.
وبعد أن تجولنا في الحديقة رجعنا إلى الفندق، فأخذنا الحقائب وانطلقنا إلى المطار، حيث ودعني الإخوة ورجعوا وأنا دخلت إلى صالة الانتظار.
ماذا يجري؟!
جلست على أحد الكراسي المخصصة لباب ركاب طائرتنا في هذا الوقت، وبعد انتظار دام ساعة فتح الباب وخرج الناس، وانتظرت حتى خرج آخر من كانوا معي من الركاب وحملت حقيبتي وناولت الموظفة بطاقة الصعود، فقطعت القسم الخاص بها وقالت لي: انتظر، قلت: لماذا؟ فتكلمت كلاماً لا أدري ما هو؟ إلا أنها ذكرت اسم السيارة، فظننت أن السيارة التي صعد بها الركاب قد امتلأت ونظرت إلى السيارة ولا زالت واقفة قرب الباب فرأيت أنها ستتسع لعدد من الناس، ولكني قعدت أنتظر، وبعد خمس دقائق قمت إليها وقلت لها: أريد أن أذهب، فقالت: انتظر ثلاث دقائق، وكانت تكلم شخصاً آخر بالهاتف وتنظر إلي، فقلت في نفسي: لا بد أن يكون بعض رجال الأمن حصل عندهم اشتباه في أمري بسبب لباسي العربي أو غير ذلك، فقعدت أنتظر ماذا يجري؟
وبعد قليل فتحت الباب وقد وقفت سيارة صغيرة عنده، وقالت لي وهي تبتسم: تفضل، وشككت في السيارة الصغيرة الخاصة بي، ولكن لا مناص منها، وركبت فأوصلني قائدها إلى قرب سلم الطائرة، وعرفت عندئذ أن سبب هذا التأخير الذي أقلقني هو تكريمي بالسيارة الصغيرة لأني كنت الوحيد في الدرجة الأولي.
وقد أقلعت الطائرة في موعدها المحدد: الساعة السادسة والنصف مساء 18,30 متجهة إلى الغرب متابعة للشمس التي كانت تكسب السحب المتراكمة بياضاً ناصعاً، والتي كانت تحجب عنا في كثير من الأحيان الأرض التي حباها الله تعالى جمالاً، ففرشها ببساط أخضر من الغابات والمزارع، وأجرى خلالها الأنهار، وأمدها بالبحيرات، وكانت هذه كلها ترى بوضوح عندما تنقشع عنها السحب.
مسؤولية قائد القطار:
تذكرت عندما كنت في الطائرة بعض المآسي التي تحصل للعمل الإسلامي من الخلافات التي يلقيها الشيطان بين المسلمين، أو بسبب إقحام من ينصبون أنفسهم للدعوة، فيغتر بهم بعض الشباب المسلم ويسلم لهم قياده، وهم لا يريدون من ذلك إلا عرقلة مسيرة الدعوة إلى الله بجعل نفوسهم محور العمل ومصدر الأوامر والنواهي التي لا يريدون من ورائها إلا مصالحهم الشخصية، فكتبت عندئذ ما يلي:
إن في العالم شباباً مؤمناً بربه صادقاً في تدينه راغباً في دعوة الناس إلى الله، مستعداً لتنفيذ الأمر إذا أتى من أهله ـ في بلاد المسلمين وفي غيرها من بلدان العالم ـ ولكنه يوجد بجانب هذا الصنف من الشباب الصالح فئة أخرى لا ناقة لها في هذا الباب ولا جمل، تحاول ركوب متن الدعوة إلى الله لتستغلها في جلب مصالح مادية: مال ومنصب وجاه.
وقد يظهر هذا الصنف الماكر حماساً للدعوة وغيرة عليها أكثر من أهلها، حتى يخدع بذلك بعض الدعاة الصادقين أو أتباعهم السذج، فإذا تلك الفئة الدخيلة على الدعوة والدعاة تتصدر القافلة وتصدر الأوامر والنواهي، فيمضي وقت طويل، وهي تنخر في جسم مَن أحسن بها الظن ومكنها من التصدر قبل التثبت من صلاحها وكفاءاتها، فإذا هي تشق العصا وتصدع الصف، وقد يتفاقم الأمر بسبب عدم تلافيه من قبل بعض قادة المسلمين في المنظمات الإسلامية، وخروج القطار عن قضبانه يكون في الغالب من مسؤولية القائد.
فعلى قادة المنظمات الإسلامية الطلابية وغيرها، أن يتفقدوا أحوال رعاياهم ويتابعوا خطواتهم ويصلحوا شأنهم ويحموهم من ذوي المكر السيئ، فإن كل راع مسؤول عن رعيته.
عاوز حاجة؟!.
عندما حجز لي على هذه الطائرة أُخبر الموظف بأن هذا الراكب مسلم، ولا بد أن يكون طعامه حلالاً، وفي الطائرة قدمت لي المضيفة طبقاً مقفلاً كتب على ظهره: طعام المسلم.
وأشارت لي إلى تلك الكتابة لتطمئنني، فتناولت ذلك وكان الطعام مكونا من الأرز والسمك.
ثم أتتني بأنواع أخرى، فنظرت إلى تلك الأنواع وشككت فيها، فقلت لها: لا أريد، فغابت عني قليلاً وجاءت بزميلة لها من مضيفات الدرجة السياحية فإذا هي تقول لي: عاوز حاجة؟ باللهجة المصرية مع ثقل في اللسان، فقلت لها: ألست نمساوية؟ قالت: بلى! قلت: فكيف تتكلمين باللهجة المصرية؟
فقالت: شوية.. شوية أنا كنت في القاهرة في مدرسة ألمانية.
قلت لها: هذا الطعام الذي أمامي هل توجد به زيوت حيوان؟
قالت: لا، ثم قالت: ألا تريد أنواعاً أخرى من الطعام والحلويات؟
فقلت لها: لا، وشكراً.