5- في مدينة ميونخ
5- في مدينة ميونخ
حوار مع الأخ الألماني المسلم أحمد فون دنفر:
الثلاثاء 26/12/1408 هـ ـ 8/8/1988م
وفي يوم الثلاثاء اجتمعت بالأخ الألماني المسلم الداعية المؤلف أحمد فون دنفر (AHMAD VON DENFFER) في مقره في أحد مباني المركز الإسلامي في ميونخ، وهذا المبنى كان مصدر إيذاء للمركز الإسلامي، حيث كان يتخذ بيتاً للدعارة فنصر الله المسؤولين عن المركز وتم شراؤه وإلحاقه بالمركز، وهو الآن مصدر هداية، ولذلك سموه بيت الطهارة، بدلاً من تسميته ببيت الدعارة.
ولد الأخ أحمد سنه 1949هـ(41).


تخصصه: علم الشعوب.
ديانته قبل الإسلام: النصرانية (بروتستانتي).
أول ما سمع عن الإسلام سماعاً واعياً سنه 1966م عندما سافر إلى تركيا.
أما قبل ذلك فلا يذكر ماذا سمع عن الإسلام.
بداية تعرف الأخ أحمد على الإسلام.
وكان يسافر كثيراً لقضاء إجازاته في دول أوربا.
ثم سأل نفسه: ماذا يعمل بعد وإلى أين يسافر؟
فتقرر عنده إما أن يسافر إلى تركيا أو إلى إفريقيا، وتعينت تركيا لغلاء نفقه السفر إلى إفريقيا..
وقرأ عن تاريخ تركيا وديانتها، ليعرف عنها كل شئ يمكنه معرفته وتبين له الاختلاف بينها وبين دول أوربا، واشترى ترجمة معاني القرآن الكريم.
ثم اهتم بالقراءة عن الإسلام في أوقات فراغه، وكان عنده فراغ أكثر عندما التحق بالخدمة العسكرية سنة 1968م فقرأ عن الأديان وبخاصة الإسلام أكثر في هذه الفترة.
وكان عنده اقتناع بأن الإسلام ممتاز بالنسبة للمسلمين، ولكنه لم يكن يفكر أنه هو سيصبح مسلماً مع أنه فهم الإسلام جيداً.
وفي تلك الفترة كان يصعب على الأوربي التعرف إلى الإسلام في بلده، وعندما عرف هو الإسلام ووجد فيه أموراً كثيرة يرى أنها مناسبة سأل نفسه لماذا لا أكون مسلماً؟
التوحيد والعدل كان لهما تأثير قوي لدخوله في الإسلام.
وكان مما لفت انتباهه في الإسلام قضيتان:
الأولى: التوحيد، والثانية: العدل، ولم يجد ذلك في الكنيسة.
ثم وجد أن كل ما عرفه في الإسلام كان مقبولاً عنده ما عدا أمرين:
الأمر الأول: مفهوم القضاء والقدر، والأمر الثاني: موقف الإسلام من المرأة بحسب تفكير الأوربيين، ولكنه بعد تأمل رأى أن هذين الأمرين لا يمنعانه من الدخول في الإسلام. [تأمل كيف يبحث الإنسان بنفسه عن فهم الإسلام وما تعترضه من شبهات تحول بينه وبين الدخول في الإسلام، ثم يرجح الجوانب الكثيرة التي بدت له مشرقة في الإسلام على الجوانب الأخرى التي ظن بحكم تفكيره السابق أنها سلبيات فيدخل في الإسلام، كل ذلك بجهده ـ بعد توفيق الله ـ دون أن يجد من يبصره أو يدعوه إلى الإسلام بسبب ترك المسلمين الدعوة إلى هذا الدين مباشرة أو عن طريق الكتب وغيرها].
فبدأ يترك شرب الخمر وأكل لحم الخنزير.
وطلب كتاباً عن تعليم الصلاة، وحاول أن يصوم رمضان، وكان ذلك كله يحدث في حياته بالتدريج، إذ حصلت هذه الأمور خلال، أربع سنوات، ولم تكن توجد فيها مساجد يعلن فيها إسلامه، ولكنه كان مقتنعاً بالإسلام (ثم قال معلقاً): إنه يوجد بعض الألمان الذين هم مقتنعون بالإسلام ولكنهم لا يحتكون بالمسلمين ولا يجتمعون بهم.
وما زال الأخ أحمد ـ كما قال ـ يزداد في علمه وعمله وتغيرت عنده كثير من المفاهيم.
قلت له: ما الفرق بين حياتك قبل الإسلام وحياتك بعده؟
فقال: الفرق كبير، ولكنه بسبب تغير حياته بالتدريج لم يشعر بمشكلات، بخلاف الذي يدخل في الإسلام فجأة فإنه يواجه مصاعب جمة. [قلت: ولهذا اقتضت حكمة الله أن ينزل القرآن منجماً وأن يتدرج في التشريع ـ تحليلاً وتحريماً وواجبات].
الكتب المترجمة إلى الألمانية عن الإسلام:
وسألت الأخ أحمد: هل توجد كتب تشرح مبادئ الإسلام باللغة الألمانية وهي في متناول أيدي الناس؟
فقال: توجد كتب كثيرة عن الإسلام، وكانت قبل مائة سنة ترجمات حرفية، والكتب التي كتبت في بداية هذا القرن أغلبها ضد الإسلام من قبل المستشرقين.
ومنذ خمسة عشر عاماً تقريباً وجدت كتب مؤلفة من قبل الألمان، وهى جيدة وبعضها أجود من بعض.
ومن الكتب القديمة سيرة ابن هشام، وهى في مكتبات الجامعة، وليست في متناول أيدي الناس، والدولة لا تعارض الطبع لهذه الكتب أو غيرها.
وقال الأخ أحمد: إنه يحاول إعادة طبع هذه الكتب بأسلوب العصر الطباعي وأحرفه الجديدة.
وتوجد كتب أخرى في المكتبات الجامعية.
وقبل أربع سنوات كان المسلمون يطبعون بعض الكتب الإسلامية ويوزعونها على المراكز الإسلامية والمساجد وأماكن التجمعات الإسلامية، ثم نهجوا الآن نهجاً آخر، وهو تسجيل هذه الكتب في فهارس المكتبات التجارية العامة، بحيث يتمكن أي شخص أن يطلب الكتاب الذي يريده، وإن كان لا يوجد في بلده فإنه يستطيع أن يطلبه من بلد آخر على العنوان الذي كتب في الفهارس.
قلت للأخ أحمد: هل تغطي هذه الكتب موضوعات مبادئ الإسلام إذا اطلع عليها الإنسان قامت عليه بها الحجة؟
فقال: يصعب الجواب عن هذا السؤال، إذ يوجد في ألمانيا ستون مليون شخص، وقد ترجمت خمسون مادة في موضوعات مختلفة، ومن كل مادة طبع عشرة آلاف نسخه..
وقد ترجمت معاني القرآن الكريم عدة تراجم، ومن قرأ هذه التراجم ولم يسلم فقد قامت عليه الحجة، وكتاب محمد حميد الله "الإسلام" يشتمل على النقاط المهمة من مبادئ الإسلام، والذي يطلع عليه يمكن أن تقوم عليه الحجة، ويبقى الأمر بين الإنسان وربه تعالى.
قلت هل يظن الأخ أحمد أنه يوجد في أوروبا من لم يسمع عن الإسلام؟
قال: الإسلام سمع عنه الجميع، ولكن كيف سمعوا؟ إن تسعة وتسعين من كل مائة سمعوا عن الإسلام أموراً محرفة ومشوهة تنفر عن الإسلام.
الموضوعات الإسلامية المؤثرة في الألمان:
قلت: ما الموضوعات التي يرى البدء بها للتعريف عن الإسلام؟
قال: قبل مائة سنة كان الفكر في الدين والثقافة غير متشعب، أما الآن على ضوء الحرية الفكرية الموجودة فتوجد أفكار كثيرة واختلافات وأسئلة كثيرة.
ولذلك تكون الأولوية حسب أسئلة الناس وفئاتهم للإجابة عن أسئلتهم، وضرب مثلاً لذلك بالحياة بعد الموت، فالكبار لهم تصورات كنسية، والصغار لهم تصورات بوذية وغيرها.
ويوجد سؤال يومي تقريباً، وهو كيف يكون العيش في المستقبل بعد عشرين أو ثلاثين عاماً، في إطار ما هو موجود من مشكلات السلام والحروب الاقتصادية والسياسية والعسكرية؟ الناس يسألون المسلمين هنا اعتقاداً منهم أنه يجب أن يكون عند المسلمين حل وإجابة عن هذا السؤال، فإذا لم يجدوا عند المسلمين حلاً اعتقدوا أن المسلمين أسوأ حالاً منهم.
وهناك نقطة مهمة يجب على الباحث أن ينتبه لها وهى أن الوضع في الغرب وأمريكا وضع حرج ومهم، فالناس يخافون على مستقبلهم ومستقبل أولادهم، فترى المرأة التي عندها أطفال تسأل عن مستقبلهم وقد تجد أجوبة مشابهة لما هو عند المسلمين ولكن لا يعرف الناس أن حل مشكلاتهم في الإسلام.
وهناك مثالان: أنوه قبلهما بشيء وهو أنه يجب علينا أن لا نكون عمياً، لا ننظر إلى واقع الناس الذي يعيشون فيه:
المثال الأول: الخمر قبل عشر سنوات أو خمس عشرة سنة كانت الكحول هي الشراب الرئيس في الحفلات، وكان المسلمون إذا أقاموا حفلات دعوا كبار رجال الدولة، فيحضر ممثلون عن اليهود والنصارى، وكان المسلمون يتحرجون من تقديم غير الكحول على عكس الحال الآن، إذ يوجد اختيار بين الكحول وغيرها.
وقد نقص معدل استخدام الكحول ما بين 1986 ـ 1987م 2% وهذه النسبة مع قلتها يجب أن يهتم المسلمون بإبرازها، فعندما يجتمع المسلمون في حفلة مع غير المسلمين ويطلبون شراباً غير كحولي تجد بعض النصارى يطلبون شراباً غير كحولي أيضاً لأسباب: منها التأثير على الصحة، أو أن جار المسلم قد فقد ابنه في حادث سيارة نتيجة شرب الكحول، أو ما شابه ذلك، ونحن المسلمين ننسى في مثل هذه المناسبات أن نبين لهم أن الذي يعملونه صحيح، ولكن هذا العمل الصحيح في حد ذاته لا يقودهم إلى ما يرجون من الخير لعدم ارتكازه على الإيمان.
والنظام يقتضي سحب رخصة القيادة ممن تزيد نسبة الكحول في شرابه بقدر معين، والمسلمون لا يستغلون ذلك في بيان محاسن الإسلام وموقفه من الكحول أصلاً.
والأطباء المسلمون يمكنهم أن يراسلوا الجهات الرسمية التي تقوم بمحاولات في هذا الموضوع وأشباهه وقد يجدون منهم آذاناً صاغية لنصيحتهم، ولكن المسلمين لا يفعلون ذلك، وإنما يهتمون بمرتباتهم فقط.
والواجب عليهم أن يبلغوا الجهات المسؤولة أنها لا تستطيع تجنب مشكلات الكحول إلا إذا منعت الخمر على الناس، وهذا وإن كان تأثيره قليلاً في أول الأمر سيفتح الباب.
والألمان عندهم استعداد أكثر من غيرهم.
صفات الداعية المؤثر في الألمان:
قلت: ما صفات الداعية الذي يمكن أن يؤثر في الألمان؟
قال: أن يتصف بصفات الرسول صلى الله عليه وسلم حسب الطاقة، ويجب أن تكون صفات الداعية الحميدة معروفة عند أهل بلده حتى يجد الناس فيه مثلاً حياً يتأثرون به.
ويجب أن يكون الداعية مجيداً للغة أهل البلد الذين يدعوهم إلى الإسلام حتى يتمكن من تفهيمهم معاني الإسلام على حقيقتها بوضوح.
وقال الأخ أحمد ـ مؤكداً هذا المعنى ـ :إنه لو طلب منه إخوته الذين يعمل معهم أن يذهبوا للدعوة في بلد آخر غير بلده مثل أمريكا اللاتينية فانه سيلبي طلبهم، ولكنه يفضل أن يتركوه ليقوم بالدعوة في بلده الذي يفهمه أهلها أكثر من غيرهم.
وهذا الأمر هو الذي اختاره الله لرسله، حيث لم يرسل منهم رسولاً إلا بلسان قومه، وكذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث إلى كل قوم شخصاً منهم إذا وجد.
ولا بد من معرفة ثقافة أهل البلد الذين يدعوهم، ومعرفة الأسئلة الآنية المهمة والإجابة عنها، ولا بد من الصبر والأمانة، وليس من الضروري أن يعلم الداعية فقه المذاهب الأربعة، ولكن من الضروري أن يعلم الإجابات عن الأسئلة التي تهم الناس، كدور المرأة في الإسلام ـ مثلاً ـ ولا بد أن يكون الداعية حكيماً رفيقاً ليناً.
العقبات التي تعترض الدعوة في ألمانيا:
وسألت الأخ أحمد عن العقبات التي تعترض الدعوة في ألمانيا؟
فقال: من أهم المشكلات القائمة أن الألمان سمعوا أموراً غير صحيحة عن الإسلام نفرتهم منه، وهذه عقبة كبيرة، ولو كانت عقولهم صافية لكان الأمر أسهل.
ثم إن الدعاة يصطدمون بالواقع الذي يسير عليه أكثر المسلمين مما يخالف الإسلام، ولذلك يصعب على الألماني أن يقتنع بالتوضيح النظري، وهو يرى الواقع يخالفه.
وقد تحدث مشكلات في المستقبل إذا زاد عدد المسلمين في ألمانيا وأخذوا مراكز مرموقة في البلد يشار إليها بالبنان، فان الناس سيقفون ضدهم، وضرب الأخ أحمد مثالاً لذلك بالخمرة فإنها إذا قوي مركز المسلمين وكثر تجمعهم فسيلحظ الناس في ألمانيا أن هذه الفئة من الشعب فئة سليمة من الأمراض الناتجة عنها، وهى متفشية في غيرهم من الناس، وسيكون لهم مركز سياسي وتجمع أساسه الإسلام وسيطرحون وجهات نظرهم في قضايا كثيرة، منها وجوب منع الخمر، وعند ذلك ستحاربهم ثلاث فئات:
الفئة الأولى: أصحاب المصانع ومحلات الخمر التجارية.
الفئة الثانية: المزارعون.
والفئة الثالثة: الدولة التي تأخذ ضرائب باهظة على الخمور، لما تحس هذه الفئات الثلاث من الخطورة على الوضع الاقتصادي الذي ألفوه، وعندئذ فان الواجب على المسلمين أن يوجدوا الحل الناجع قبل أن يطرحوا رأيهم في منع الخمر.
الجماعات الإسلامية الألمانية واتجاهاتها:
وسألت الأخ أحمد عن الجماعات الإسلامية الألمانية واتجاهاتها؟
فقال: يوجد مجموعتان كبيرتان:[كان بعض الإخوة في المراكز الإسلامية يبدى خوفه من الإدلاء ببعض المعلومات عن الجماعات الإسلامية ونشاطها، ولكن الأخ أحمد أكد لي وهو يتحدث عن نشاط المسلمين الألمان أن الدولة تعرف عنهم كل شئ وذكر بعض الأدلة على ذلك].
المجموعة الأولى: ألمان مسلمون فقط أي لم يختلطوا بغيرهم من المسلمين الآخرين كالأتراك...
المجموعة الثانية: مسلمون ألمان مع غيرهم.
فالمجموعة الأولى يوجد بين أفرادها وبين المسلمين غير الألمان اتصال في الجملة، ولكن عندهم عصبية ضد الأجانب ولو كانوا مسلمين، وتوجد مجموعة منهم وهى قليلة في مدينة هامبورج في الشمال، وقد أسست سنة 1955م، وتسمى رابطة الألمان المسلمين، ولا يحبون أن ينظر إليهم أنهم مرتبطون بمسلمين أجانب فتنحط درجتهم في نظر الألمان، ولكنهم لا يفعلون شيئاً ضد المسلمين عملياً.
وتوجد جماعة على الطريقة البرهانية وأغلبهم في الشمال ولهم فرع في مدينة ميونخ، وهم منكمشون، ولكن لهم اتصال بالمسلمين غير الألمان لأن شيخهم من السودان.
وفي برلين توجد مجموعات مهمة:
المجموعة الأولى: لها وجهة صوفية والمسؤول عنها عبد الله خالص وله اتصالات بالأتراك ويقوم بشعائر الصوفية.
والمجموعة الثانية: مجموعة النساء الألمانيات وهن يعملن بصفة جيدة مع المسلمين غير الألمان.
والمجموعة الثالثة: أصحاب دائرة الإسلام، وهذه المجموعة لها اتصال بالمسلمين غير الألمان، ولكن فهمهم للإسلام مشوب بالثقافة الألمانية، فلا يرون ـ مثلاً ـ تغطية رأس المرأة وإن عملن بذلك في بلاد المسلمين.
وتوجد مجموعة في شمال غرب ألمانيا في مدينة زوست (SOEST) وتسمي هذه المجموعة نفسها: القسم الألماني من مؤتمر العالم الإسلامي الذي مركزه في كراتشي، وسكرتيرهم العام أنا ملا خان، وتدعى هذه الجماعة أنها الجماعة الإسلامية الأولى، وأنها امتداد للجماعة الإسلامية التي وجدت في برلين قبل الحرب العالمية الثانية وأن مؤسسيها حضروا المؤتمر الذي أسسه الملك عبد العزيز آل سعود.
والمعروف أن تلك الجماعة الأولى اختفت بعد الحرب العالمية الثانية.
وهذه الجماعة التي تدعى أنها امتداد لها إنما ظهرت قبل أربع سنوات، والمسؤول الحالي عنها يدعى محمد سالم عبد الله، والذي لا يعرف التاريخ قد يصدق دعوى هذه الجماعة، ولكن مما يدل على عدم صحة دعواها أنه لا يوجد أحد من أفراد هذه الجماعة ممن كان موجوداً قبل الحرب العالمية الثانية من أفراد تلك الجماعة.
ولهذه الجماعة اتصالات وثيقة مع الحكومة الألمانية ـ وغيرها ـ بزعم أن ذلك الاتصال من أجل مصلحة الإسلام.
وقد كانوا قبل أربع سنوات منكمشين لا يتصلون بالمسلمين غير الألمان، ولكنهم شعروا أن هدفهم لا يتحقق وهم بعيدون عن المسلمين، فبدأوا يتصلون ببعض المنظمات الإسلامية، مثل جماعة الأتراك السليمانية، وقد اشتركت هذه الجماعة في مجلس واحد لعدم فهمهم لحقيقتهم، ولم تعترف الدولة بهذا المجلس، وبعد سنتين رأت جماعة السليمانية تركهم لمعرفتها عدم اتفاقهم معها في الهدف، وقد حاولوا إرجاع السليمانية إلى صفهم عن طريق الترغيب والترهيب.
وفي كولونيا يوجد تجمع نسائي من مسلمات ألمانيات، وهن يفهمن الإسلام أكثر من النساء المسلمات في برلين.
وتوجد دائرة إسلامية في آخن، وهي على صلة وثيقة بالطلائع وأفرادها جيدون وحسنوا الإسلام.
وفي مدينة فرانكفورت يوجد تجمع باسم دار الإسلام وهم معروفون.[وهى التي يديرها الأخ محمد صديق ومن كبار رجالها أحمد فون دنفر].
وفي مدينة شتوتجرت يوجد تجمع إسلامي ألماني جديد، ولهم صلة وثيقة بالمركز الإسلامي في ميونخ، كما يوجد كذلك في مدينة ميونخ تجمع إسلامي ألماني وله صلة وثيقة بالمركز الإسلامي.
هذه هي أهم التجمعات الإسلامية الألمانية.
والتجمعات الإسلامية الأخرى غير الألمانية أكثر.
وسألت الأخ أحمد عن عدد المسلمين الألمان؟
فقال: إن تحديد العدد بالضبط صعب ويتوقع أن يظهر في الإحصاء الحكومي عند إعلان نتيجة تعداد السكان، فقد وضعت الحكومة بندا للديانة في أوراق التعداد قبل سنة، وإن كان المتوقع أن تكون النتيجة غلطاً، لأن بعض السكان لم يكونوا يريدون ذلك، فلما أصرت الحكومة قال بعض السكان: إنهم سيسجلون معلومات غير صحيحة، ولكن عدد السكان الذين نعرفهم الآن فوق الألف.
الخطط المرسومة للدعوة إلى الله:
قلت: هل رسمتم خططاً للدعوة إلى الله؟
قال: لقد وقعنا من قبلُ في خطأ، وهو أن الخطط التي وضعناها كانت أكبر من حجمنا.
والأفكار الجيدة موجودة، ولكن العاملين الذين يمكن أن ينفذوها قليلون جداً.
والواجب التفكير في كيفية تقسيم الخطط الكبيرة إلى خطط صغيرة مرحلية واختيار الأشخاص المناسبين الذين يمكن أن يقوموا بتحقيقها.
فقد كنا قبل سنوات نقوم بتجمعات إسلامية إما يومية كيوم الإسلام أو أسبوعية، وكنا نقيم معارض ومؤتمرات فكانت الجهود مفرقة في ألمانيا كلها.
أما الآن فان العمل قُسِّم في جنوب ألمانيا وشمالها، ولا بأس بالدعوة في الجنوب، أما الشمال فلا يوجد العدد المطلوب من الرجال.
وأهم شيء أن نعلم الآن ما خُطَطُنا؟ ومَن الرجال الذين يمكن أن يحققوا تلك الخطط؟.
فقد كان الواحد يعمل في ألمانيا كلها، أما الآن فكل واحد يقوم بالعمل في بلده، مع التعاون الممكن في البلدان الأخرى، والتجربة دلت على أن هذا العمل أفضل.
قلت: يقال: إن عدد الصوفيين الألمان من المسلمين أكثر من غيرهم، فهل هذا صحيح؟
فقال: نسمع بذلك، ولكننا لا نرى تلك الكثرة في الواقع وكانت توجد دار شنيدى في شمال ألمانيا قبل سنتين وكانت لها دعاية كبيرة، ولما زارها بعض الإخوة لم يجدوا فيها إلا أربعة أو خمسة أشخاص، وهم من أتباع الطريقة البرهانية، يكثرون من الدعاية التي ليس وراءها حقيقة.
ويوجد ناس من الألمان مهتمون بالصوفية أكثر من غيرها.
ومنذ نهاية الستينات وُجِد في الألمان تغير كبير، حيث أخذ الناس يبحثون عن أمور تشبع حاجتهم النفسية وسافروا إلى الشرق: بلاد الهند وغيرها، وتعرفوا على بعض الديانات واعتنقها بعضهم وعادوا إلى ألمانيا، ولكنهم بعد فترة من الزمن عرفوا أن الذي اعتنقوه كان تافهاً.
وانتقل بعضهم إلى شعائر الصوفية، وليس إلى الإسلام الصافي الشامل، لأن الصوفية أخف عليهم وأقرب إلى مألوفهم.
قلت للأخ أحمد: ما سبب قلة الأوربيين الذين يدخلون في الإسلام بخلاف الأفريقيين وسكان جنوب شرق آسيا مثلاً؟
فقال: الاتصال بين المسلمين وسكان جنوب شرق آسيا قديم ومستمر بخلاف أوربا.
والإنسان إذا أراد أن يغير شيئاً في حياته يرغب في التغير إلى الأحسن، والأوربيون يظنون أنهم في القمة لا يحتاجون أن يغيروا أنفسهم إلى غير ما هم فيه.
ولكن لا بد أن يفهموا أنهم ليسوا كذلك، وأن أوضاعهم سيئة جداً، ولهذا بدأوا الآن يسألون عن الإسلام، ويجب على المسلمين أن يستغلوا ذلك ويقوموا بواجبهم.
أقسام المسلمين الوافدين إلى أوربا:
قلت: هل يوجد اهتمام من المسلمين الوافدين الذين استوطنوا أوربا بالمسلمين الأوربيين الجدد؟
فقال: الوافدون ثلاثة أقسام:
القسم الأول: منهم الذين وفدوا منذ سنة 1945م إلى بداية الخمسينات، وهؤلاء قدموا من يوغسلافيا، وغيرها وكان هدفهم المحافظة على دينهم في ذاتهم.
والقسم الثاني: هم الذين وفدوا من منتصف الخمسينات إلى بداية الستينات، وهؤلاء غالبهم من الأتراك، وكان همهم الحصول على عمل يستجلبون به الرزق.
ويوجد قسم آخر في هذه الفترة أيضاً وهم الطلاب وهم الذين أسسوا المراكز الإسلامية.
والقسم الثالث: جاءوا من الهند في عهد بوتو، وهؤلاء لا يوجد عندهم اهتمام بالإسلام.
القسم الثاني من هذه الأقسام الثلاثة يوجد فيه من يهتم بالمسلمين الجدد ولكن قليل، أما القسم الأول والثالث فلا يهتمون بالمسلمين الجدد مطلقاً.
ومشكلات المسلمين الجدد عويصة وكبيرة والذي يريد مساعدتهم لا يستطيع ذلك إلا القليل.
التفكك الأسري في ألمانيا:
قلت: هل يغلب في ألمانيا الترابط الأسرى أو التفكك؟
فقال: الأسرة مفككة، والناس الآن بدأوا يدركون أن هذا التفكك مشكلة يجب حلها، والحل الذي يحتاجون إليه موجود في الإسلام، وأضاف: أنه قرأ اليوم في جريدة ألمانية أن أحد النواب اقترح على مجلس النواب إقرار يوم جديد في ألمانيا يسمى يوم العائلة، وقد عمل استفتاء لمعرفة رأي الشعب فكانت النتيجة أن أغلبهم رأوا أن ذلك ضروري، لأن الأسر أصبحت مفككة، وهذا الوضع يجب على المسلمين أن يستغلوه في صالح الدعوة الإسلامية، لأن الألمان لا يمكن أن يعودوا إلى الترابط العائلي قبل مائة سنة وهم يريدون حلولاً تأتيهم جديدة، وهذا الأمر يشغلهم الآن…
القدوة الحسنة أكثر تأثيراً في الناس من الكلام:
وحض الأخ أحمد المسلمين في أوربا أو غيرها أن يكونوا قدوة حسنة في تطبيق إسلامهم وقال: إن ذلك هو الجانب المهم من الدعوة إلى الله، والناس يتأثرون بالقدوة الحسنة أكثر من الكلام مهما كان جذاباً، وذكر مثالاً لذلك فقال: إن البروفيسور دمبرسكي (MAHMOD DOMBRUSKY) كان من أهم الأسباب التي جعلته يبحث عن الإسلام ويدخل فيه حادثتان قد لا ينتبه لهما كثير من الناس:
فقد كان يعمل طبيباً في صحراء إفريقيا فكانت إحدى الحادثتين: أنه رأى راعياً في ملابسه العادية يقف وحده في الصحراء ويصلى بدون طقوس معينة عن طريق القسس أو غيره وبدون تكلف وبدون أن يراعى أحداً من الناس فأثر فيه هذا المنظر تأثيراً كبيراً.
أما الحادثة الثانية: فهي أن رجلاً ـ كذلك عادياً ـ أقبل إلى الخيمة التي نصبها البروفيسور في الصحراء وكان عنده أزمة حساسية شديدة كادت تقضى عليه من ضيق نفسه، فظن محمود أن الرجل جاء يطلب دواء وكان ذلك في النهار فحضَّر الإبرة ليغرزها له في الوريد، فرفض واستأذن أن يجلس في ظل الخيمة فأذن له، وكان الطبيب يرثى لهذا الرجل الذي يأبى أن ينقذ نفسه بالدواء بسبب جهله، ولكنه رآه عندما غربت الشمس تناول شيئا من طعام أو شراب، ثم مد يده للطبيب ليعالجه، فاتضح للطبيب أن الرجل كان صائماً وكان يخشى أن يفطر إذا ما أعطاه الطبيب الإبرة، ولما أفطر تناول الدواء وبعد هاتين الحادثتين أخذ البروفيسور يفكر في الإسلام ويبحث ثم أسلم فحسن إسلامه، وعندما حج أوصى أنه إذا مات في السعودية أن يدفن بها ولا ينقل جثمانه إلى ألمانيا، ولكنه بعد رجوعه من الحج توفي في ألمانيا...
سماع القرآن وتأثر غير المسلم به:
الأربعاء: 27/12/1408 هـ ـ 9/8/1988م
ذكر لي الأخ أسامة مرعي، وهو شاب فلسطيني طبيب(42) [وقد رافقني الأخ أسامة جزاه الله خيراً، ثلاثة أيام في مدينة ميونخ وأريافها حيث استأجرت سيارة من إحدى الشركات وتولى هو قيادتها..]. أنه كان في المستشفى مناوباً في غرفة الإنعاش، وكانت في الغرفة امرأة ألمانية غير مسلمة كبيرة في السن قد أجريت لها عملية، فأخذ يترنم ببعض الأناشيد العربية الإسلامية فأخذت تصغي إليه وتستزيده وتبكى، فقال لها: عندي ما هو أحسن من هذه الأناشيد، وهو القرآن، فقالت: نعم هو أحسن وأخبرته أنها تحب سماع القرآن، وإن كانت لا تفهمه، وأنها تحرص أن تسمعه في لقطات التلفزيون في المناسبات التي يعرض فيها الإسلام، فأخذ يقرأ وهي تبكى.


الخميس والجمعة:28، 29/12/1408 هـ ـ 10، 11/8/1988م
في يوم الخميس تجولنا في حديقة الحيوان في ميونخ.
عام انصرم وعام أقبل:
وفي يوم الجمعة قمت بخطبة الجمعة وإمامة المصلين، بطلب من مدير المركز الدكتور أحمد خليفة، وكانت الخطبة تتعلق بالتنبيه على عام انصرم من العمر وآخر أقبل، وأن المسلم يجب أن يغتنم الوقت فيما يعود عليه بالفائدة في دينه ودنياه، وأن يحاسب نفسه على ما مضى ويعزم على فعل الطاعات في المستقبل.
محاضرة عن الدعوة إلى الإسلام في أوروبا:
السبت: 1/1/1409هـ ـ 12/8/1988م
اجتمع في هذا اليوم المسلمون ـ وأغلبهم من العرب ـ لسماع محاضرتي التي أعلن عنها أمس الجمعة في مسجد المركز الإسلامي في ميونخ، وهي بعنوان الدعوة إلى الإسلام في أوروبا(43).

وقد استغرقت المحاضرة مع الإجابة عن الأسئلة التي تلتها ثلاث ساعات ونصف الساعة.
وأحمد الله أن هذه المحاضرة التي ألقيتها في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة في 27/7/1408هـ وحملت صورة منها معي إلى أوروبا ليسمعها الإخوة الدعاة في أوروبا ويبدوا رأيهم فيها، وقد ألقيتها في ثلاث مراكز في ألمانيا: الأول في فرانكفورت وقد حضرها عدد كبير من المثقفين المسلمين من أنحاء أوروبا، والثاني في برلين الغربية وحضرها عدد طيب، والثالث هنا في ميونخ وطلبت من الإخوة أن يعلقوا عليها فأثنى الجميع عليها، وقد طبعت هذه المحاضرة. [تولت طبعها دار حافظ في جدة في هذا العام 1408هـ].
الدكتور"هيلف" نصح لهم فهل يسمعون؟
قررت في زيارتي لدول أوربا أن أزور كل من أستطيع زيارته من المسلمين الأوربيين أو غير المسلمين، سواء كانوا متعاطفين مع المسلمين أو غير ذلك.
وكنت قد سمعت عن هذا الرجل في أول زيارة لي إلى ميونخ بالذات قبل ست سنوات تقريباً، وكنت منتدباً في مهمة رسمية من الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، سمعت أن الرجل مهتم اهتماماً بالغاً بالإسلام والمسلمين، وأنه يسأل ويقرأ كثيراً ويسجل، فسألت عن وظيفته؟ فقيل لي: إنه مستشار الحكومة الألمانية لشؤون الشرق الأوسط، فقلت: ظهر السبب فبطل العجب، وظيفة الرجل تدعوه إلى هذا الاهتمام، ليكون على علم يقدمه لقومه عن الإسلام والمسلمين، ولكني طلبت زيارته إن أمكن فضُرب لي معه موعد وزرته في مكتبه فاستقبلني ببشاشة ومكثت معه ما يقارب الساعة، ولم أكن مستعداً لإجراء حوار معه كما هي العادة في رحلاتي المعتادة، لأن رحلتي هذه كانت لأمر معين، ولذلك لم أكتب عنه شيئاً، لا عن حياته ولا عن موقفه من الإسلام والمسلمين، ولكنى شعرت من كلام الرجل أنه يميل إلى مبادئ الإسلام وينصح المسلمين، ويرى أنهم في كفة ثقيلة لو سلموا من الخلاف والصراع الذي يحدث بينهم، وأذكر أن الرجل قال حينذاك: إن الشرق الأوسط مقبل على صعاب وربما حروب، ولكن يظهر له أن الإسلام في النهاية، وبعد محن تصيب المسلمين سينتصر.
وكان معي في تلك المقابلة أو ذلك الاجتماع الطارئ رئيس المركز الإسلامي آنذاك في ميونخ الدكتور علي جريشة الذي أعارته للمركز الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة.
ثم عندما سافرت العام الماضي 1407 ـ 1408هـ سألت عن الرجل أريد أن أقابله مقابله مبنية على إعداد سابق للأسئلة كما فعلت مع غيره، ولكن مع الأسف لم أتمكن من زيارته لأنه لم يكن موجوداً.
وفي هذا العام أراد الله أن أعود إلى ميونخ وسألت عن الرجل، فذكروا لي أنه أيضاً غير موجود، ولكن ذكر لي الأستاذ عبد الحليم خفاجي أن الرجل ألف كتاباً بعنوان: الإسلام قوة عالمية، وهو تحت الطبع وسيظهر قريباً، فألححت على الإخوة في المركز الإسلامي أن يعطوني نبذة عن هذا الكتاب فأهداني الأستاذ عبد الحليم ملخصاً لمقدمة هذا الكتاب باللغة العربية، ففرحت بذلك وها أنا أسجلها بنصها ليعرف القارئ أن براهين الإسلام تتسلل إلى قلوب الناس، إذا ما أتيحت لتلك القلوب فرص الاتصال بهذا الدين، كما هو شأن هذا الرجل وهو الآن متقاعد، ولم أتمكن من أخذ معلومات أكثر عنه ولعل الله ييسر لي لقاءه فيما بعد. [وقد يسر الله لي ذلك، فسافرت إلى ألمانيا سفراً خاصاً من أجل مقابلة الدكتورة زغريد هونكه ومقابلته بعد أن دخل في الإسلام، وقابلته وكتبت عنه معلومات، وقد أثبتها هنا بعد الفراغ من نص المقدمة. كما قابلت في نفس الأسبوع د. زغريد هونكه].
نص ملخص مقدمة كتاب "الإسلام قوة عالمية":
إن الإسلام كان لفترة غير قصيرة قوة تؤثر على العالم، وهو يتهيأ في الوقت الحاضر ليصير مرة أخرى قوة تؤثر على العالم.
النظرة السريعة على العالم الإسلامي تعطى صورة سيئة عن التمزق والخلاف والدعاوى العريضة الجوفاء والظلم الصارخ في توزيع الثروة، بل والحروب المنهكة، مع عدم القدرة على الوقوف جبهة واحدة لحل المشاكل الدامية.
ولكن السياسي الحاذق يجب أن تكون نظرته أعمق، فإن الإسلام الذي استطاع في السابق في فترة قصيرة للغاية أن يصبح ـ ولمئات السنين القوة الكبرى في العالم ـ قادر على، الأقل نظرياً، أن يصبح كذلك مرة أخرى.
ثم إنه كسياسي حكيم في أوروبا لا ينبغي أن يستهين بعلاقة أوروبا مع العالم الإسلامي الذي يحيط بها من جنوبها الغربي لجنوبها الشرقي، والذي يحتمل أن يتوحد، إما رغماً عن أوربا التي لا تريد ذلك، وربما تحاول أن تمنع هذه الوحدة، جرياً وراء السياسة قصيرة النظر التي تسير عليها إسرائيل بغباء، فتصبح هذه الوحدة موجهة ضد أوروبا التي تنسحق بين هذا العالم والعالم الشيوعي الشرقي، وإما أن تتم هذه الوحدة بمساعدة ورضا أوربا فتكتسب بذلك عمقاً لا تملكه الآن، وإن كانت في حاجة شديدة إليه في شمال أفريقيا بصداقة العالم المسلم المتحد.
الأسباب التي تقود إلى النظرة السريعة التي ذكرت أولاً وتحول دون النظرة العميقة لعلاقة أوروبا في المستقبل بالعالم الإسلامي هي أسباب تاريخية.
1 ـ لما بدأت الشعوب الأوربية والدول الأوربية تتشكل منذ ألف سنة، كان يقوم هناك بجوارها عالم إسلامي يسبقها، ويتفوق عليها، سبقاً كبيراً في العلوم والحضارة والمدنية ولم ترد تلك الدول والشعوب المسيحية تحت سلطة الكنيسة أن تعترف بذلك، خوفاً من ضياع نفوذها وسلطانها، فأعطت الصورة الخاطئة عن المسلمين ومكنت لها في النفوس "إنهم قوماً [هكذا والصحيح: قومٌ] وثنيون ويعبدون صنماً اسمه "ماهمت" [يعنون (محمداً صلى الله عليه وسلم)]. ويقترفون أبشع الرذائل.
ذلك على الرغم من علم كبار رجال الكنيسة بدرجة تفوق المسلمين (البابا الذي أمر بترجمة القرآن الكريم في 1143هـ) وقد استخدمت هذه الصورة لتوحيد أوربا ضد العدو المشترك خلال الحروب الصليبية وهجمات الأتراك العثمانيين.
2 ـ لما بدأت الدول الأوربية في بداية العصر الحديث تغزو القارات الأخرى، وقفت الخلافة العثمانية وفارس الإسلامية ودولة المغول في الهند، عائقاً في وجه ذلك التوسع.
3 ـ في الحقبة الأخيرة التي تخلصت فيها الشعوب الإسلامية من الاحتلال الأوربي زاد حقد الأوربيين، وفي نفس الوقت الشعور بالصلف والترفع والاحتقار لغير الأوربيين، وهذا قبل أن تظهر العنصرية ونازية هتلر.
وألمانيا وإن كانت لم تحتل بلاداً مسلمة كغيرها من دول أوربا، بل تحالفت مع الدولة العثمانية في الحرب، إلا أن اضطهادها لليهود في الحرب العالمية الثانية والتزامها لهذا السبب بعد الحرب بمساندة إسرائيل في الحق وفي الباطل، جعل الألمان لهم نفس الموقف ونفس الشعور بالنفور والشك والتخوف مما يأتيهم في وسائل إعلامهم والإذاعة، عن المسلمين في عباداتهم وتطبيق شريعتهم وزي نسائهم، شعور بالخوف من المجهول والاعتزاز بتقدمهم المادي.
هذه الصورة الموروثة يجب أن يتنبه لوجودها القارئ الأوربي، قبل أن يحاول الإجابة على الأسئلة الآتية:
1 ـ بماذا ندين كأوربيين للإسلام، وهل كان يمثل العدو بالنسبة لنا؟
2 ـ ما هي المشاكل التي تواجه الإسلام اليوم نتيجة لتصادم الإسلام بمدنيتنا الغربية التي هي في جوهرها لا دينية؟
3 ـ هل نحن اليوم فعلاً كما نفترض دائماً بالنسبة للمسلمين في موقف المعطي؟
4 ـ ألا يستطيع الإسلام أن ينير ظلاماً في نفوسنا وأن يعطينا شيئاً لا يقل عما نعطيه نحن إياه؟
التركة التي منحها الإسلام لأوربا:
من المعروف علمياً منذ زمن طويل، وإن كانت هذه المعرفة لم تنتشر بين الناس هنا، أن قسماً كبيراً جداً مما وصلَنا من علوم وفلسفة الإغريق وصلنا فقط نتيجة للترجمة التي قام بها العرب، واليهود أيضاً، في العالم الإسلامي.
ولولا هذا النشاط لما عرف توماس فون اكوين أرسطو، ولما كتب (السوما)، وبالمثل في كل العلوم تقريباً.
ولم يكن المسلمون مجرد مترجمين، بل ساهموا ببحوثهم وتطويرهم في الطب والعلوم الكونية الطبيعية كلها، الرياضة والكيمياء والعمارة وفي علوم النفس، ولن تتسع هذه المقدمة بل ولا كل هذا الكتاب لبيان ذلك بالتفصيل وقد أشار الكاتب مارسيل بورساد لبعض ذلك وأقتصر هنا على الإشارة إلى المجلدين: (تركة الإسلام) اللذين أصدرهما يوسف شاخت وبوزفورت.
ويكفى الإشارة إلى أن العالم الإسلامي ظل يعطى أوربا بعد بدء عصر النهضة بفترة غير قصيرة، وأن حرية البحث التي نالها الأوربيون ببطء وبعد لأي، كانت مكفولة بدون أي حدود من المسلمين، استناداً إلى حديث الرسول عليه الصلاة والسلام: ((اطلبوا العلم ولو في الصين)) [الحديث غير صحيح، والنصوص التي تحض على العلم في القرآن والسنة كثيرة جداً]. (يعنى في أبعد بقاع الأرض) والصين في ذلك الوقت لم تكن معروفة مطلقاً للأوربيين، بينما كانت معروفة للبحارة والتجار وعلماء الجغرافيا العرب.
ومما يلقي شعاعاً من النور في تغير الصورة الشائعة عن الإسلام "العدو اللدود" حقيقة أن أكبر شخصية متحررة عاشت في العصور الوسطى في أوربا وحازت دهشة وتقدير العالم، هي شخصية القيصر الألماني فريدريك الثاني الذي نشأ بين المسلمين في صقلية وأسس جامعة في سالرنو، أحضر لها أساتذة مسلمين ويهود من العالم الإسلامي وأقام حواراً معهم، وكان له حرسه الخاص من العرب المسلمين، (حوالي عام 1200م) وهي ظاهرة عجيبة في فترة الحروب الصليبية.
وقد وجدوا عندما فتحوا نعشه قريباً في بالرمو، أنه يلبس تحت زي القيصر قميصاً إسلامياً منقوشاً بسورة من القرآن الكريم، ألبسه له فيما يبدو رجال حرسه الذين صحبوه في جنازته حتى صقلية.
وما كان رئيس حرسه ليلبسه القميص إن لم يكن يعلم أنه مات مسلماً.
انتهى نص ملخص مقدمة الدكتور هيلف لكتابه: الإسلام... القوة العالمية، باللغة العربية. وسبق ما يتعلق بالدكتور هيلف من الحوار وغيره.
تنبيهات:
ولا بد بعد ذكر ملخص المقدمة، وأرجو أن يترجم الكتاب إلى اللغة العربية ليطلع عليه أعداء الإسلام من الأوربيين وغيرهم وبخاصة أبناء جلدتنا المنافقين والملحدين على إنصاف هذا الرجل الذي يثني عليه المسلمون الذين التقيت بهم، للإسلام والمسلمين وهو من غير المسلمين. [كان هذا قبل أن أعلم بأنه أسلم].
أقول: بعد هذا لا بد بعد هذا أن أنبه على الأمور الآتية:
التنبيه الأول: أن الصورة المشوهة عن الإسلام والمسلمين كانت افتراءً ممن حسدوا الإسلام والمسلمين من النصارى منصرين وسياسيين، ليوحدوا الدول الأوربية الناشئة آنذاك ضد المسلمين الذين كانوا يفوقونهم حضارةً وتمدناً.
التنبيه الثاني: أن المسلمين أعطوا الأوربيين من العلوم ما لم يكونوا قادرين على الحصول عليه بدون ذلك العطاء، سواء أكانت تلك العلوم منقولة عن الإغريق أو مما ابتكره المسلمون أنفسهم.
التنبيه الثالث: أن بعض زعماء الأوربيين الكبار كانوا معترفين بفضل المسلمين بل أسسوا معاقل علمية بإشراف المسلمين وتعليمهم ودلت القرائن على أنهم أسلموا سراً كما هو الحال في قيصر ألمانيا الذي ضرب به الدكتور هيلف المثل ولا يستبعد أن يكون غيره كان مسلماً يكتم إسلامه بسبب الحملة العدائية ضد الإسلام والمسلمين.
التنبيه الرابع: أن الله تعالى يهيئ الآن من يكشف للأوربيين من نفس الأوربيين ظلم زعمائهم السابقين للإسلام والمسلمين وافتراءهم وتشويههم المتعمد.
التنبيه الخامس: أن الشعوب الأوربية تتلقى من أجهزة إعلامها وكبار مفكريها وزعمائها صورة مشوهة عن الإسلام، بناء على إرضاء اليهود، وليس عن حجة وبرهان واقتناع.
التنبيه السادس: أن هذا الدين ـ الإسلام ـ قادر على العودة إلى القوة والقيادة التي كان عليها من قبل، وإن بدا المسلمون في هذا الوقت بعيدين عن الوصول إلى هذه القمة السامقة.
التنبيه السابع: أن من مصلحة أوربا والدول الغربية كلها والشرقية، أن يفكر قادتها وشعوبها جدياً في مستقبلها وعلاقاتها بالإسلام والمسلمين، وأن أسلوبها الذي تتبعه الآن من محاولة التحريش بين المسلمين وإيجاد الفرقة بينهم وإضعافهم، سيكون وبالاً عليهم عندما يتحد المسلمون على رغم أنوف أعدائهم في الشرق والغرب، وخير لتلك الشعوب أن تساعد المسلمين على النهوض والوحدة بدلاً من الوقوف ضدهم.
التنبيه الثامن: عظم جرم المسلمين الذين يسيئون إلى دينهم ببعدهم عنه وعدم تطبيقه، ليكونوا قدوة حسنة لغيرهم، بل أصبحوا فتنة لغيرهم ليصدوهم بتصرفاتهم السيئة عن الإسلام.
التنبيه التاسع: الواجب على القادرين من العلماء والمفكرين المسلمين أن يكشفوا للدول الأوربية وشعوبها زيف الصورة المشوهة عن الإسلام.