رحلات سويسرا وألمانيا والنمسا

الرحلات | سلسلة في المشارق والمغارب | 28 صفحة
صفحة 23 من 28 4- في مدينة برلين الشرقية

4- في مدينة برلين الشرقية

4- في مدينة برلين الشرقية

الاشتباه في جواز الدكتور ف عبد الرحيم!

لم نجد في حدود المدينة الغربية موظفي جوازات ولا جمارك ولا غيرها، ولكننا عندما خطونا خطوات داخلين من بوابة المدينة الشرقية اختلف الجو فيها اختلافاً شديداً عما رأيناه في الغربية: الجنود واقفون يرمقون الناس بعيون حادة بنادقهم بأيديهم، والسائحون واقفون في صفوف طويلة أمام موظفي الجوازات والجمارك، وموظف الجوازات يفتح جواز المسافر ويتملى ما به من معلومات فترة ويكتبها ويديم النظر في صورة صاحب الجواز في جوازه، ثم يلتفت إلى وجهه فينظر عدة مرات وإذا كان لابساً نظارة يطلب منه إبعادها من على وجهه، ليصل إلى عين اليقين أنه هو صاحب الجواز! وإذا حصل عنده أدنى اشتباه ـ كما هو الحال مع الدكتور ف عبد الرحيم ـ طلب منه أن يريه صفحة عنقه اليسرى ثم اليمنى، وكرر النظر إلى الصورة وإلى وجهه خمس مرات، ثم اتصل بموظف كبير بالهاتف يبدو أنه أكثر منه خبرة، وعندما جاء سلمه الجواز فقلبه هذا ونظر نظرة سريعة إلى الصورة في الجواز وأخرى إلى وجه صاحب الصورة، وابتسم وقال للموظف الصغير: لا شئ عرفت قصدك وسأخبرك عن طريق الهاتف، سلِّمه جوازه.
واتضح أن السبب في ذلك أن صورة صاحبنا قديمة وأن لحيته كانت أقل طولاً مما هي عليه الآن وأقل بياضاً، والآن بدأت جداول الشيخوخة تظهر في وجهه واشتد بياض شعره، فاشتبه الموظف وأراد أن يبرئ نفسه مما قد يكون محتملاً احتمالاً بعيداً جداً أن يكون غير صاحب الجواز! فابتسم الموظف وختم الجواز وناول صاحبه.

فرصة للمزاح مع الدكتور!

وكنت خلال فترة الاشتباه والتحري التي لا تقل عن عشر دقائق أقول للدكتور ف: يبدو أن هؤلاء الناس سيفرقون بيننا، وسيأخذونك معصوب العينين إلى مكان مجهول فسامحنا ونستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك، وهو يبتسم، لا أدرى أهي ابتسامة الواثق أم ابتسامة الخائف!
وسلمونا أوراقاً تابعه للجمارك وطلبوا منا أن نكتب كل ما بحوزتنا من نقود أو آلات أو غيرها، بحيث لا يخرج الإنسان عند عودته إلا بما دخل به وأثبته في الأوراق، وإذا كان قد اشترى شيئاً من الشرقية قبل خروجه فيجب أن يكون في حدود المبلغ الذي فرضوا عليه صرفه من الماركات الغربية بالماركات الشرقية، والمارك الغربي في الأسواق المالية الغربية قيمته ستة ماركات شرقية، ولكنهم يجبرون السائح أن يصرف المارك الغربي بمارك شرقي واحد فقط رسمياً، فإذا دخل استطاع أن يجد سوقاً سوداء مع شدة الرقابة ليصرف فيها بما هو مناسب له...
وعندما خرجنا من تلك الصفوف الطويلة الداخلة، وجدنا سائق سيارة أجرة ـ تاكسي ـ قد أنزل راكباً يريد دخول الغربية، وطلبنا منه أن يتجول بنا في المدينة، فطلب في الساعة ثلاثين ماركاً شرقياً وهى بالنسبة لنا كالغربية لأن المارك صرفناه بمارك واحد.

مرور سريع على بعض معالم برلين الشرقية:

ومر بنا السائق على بعض معالم المدينة، واهتم أن يرينا فنادق البلدة الغالية والمتوسطة والرخيصة، ومن الفنادق الغالية فندق يسمى:جراند هوتيل، وهو كما قال أحسن فنادق المدينة الذي تتراوح أجرة غرفه ما بين أربعمائة مارك للغرفة، إلى ألفين وخمسمائة مارك غربي في الليلة الواحدة، وبقربه كاتدرائية بنيت منذ 35 سنة وتقرب منه غرباً البوابة الفاصلة بين المدينتين ويمتد منها إلى الشرقية شارع يسمى أونترا دين لندن تسمية بالأشجار المغروسة على رصيفه وهى أشجار لندن.
كما اهتم السائق أن يمر بنا على المعالم التي يحب السائحون دخولها، وهى أماكن النشاطات الفنية: مسارح ومراقص وغيرها فأشار لنا إلى مبنى كبير قال هذا أوبرا برلين الشرقية، وبجانبه المكتبة الحكومية وقصر الملك فريدريك الثاني، وجاء معه هومبولت، ومقبرة الجندي المجهول التي يوجد بداخلها شعلة السلام التي لا تنطفئ، ومباني الحكومة الرسمية كوزارة الخارجية ومبنى بلدية برلين ومقر رئيس الجمهورية ودار الوثائق التاريخية لعهود القياصرة ومَن بعدهم وبرج(35) الراديو والتلفزيون الذي بني سنة 1965م وبلغ ارتفاعه 365 متراً، ومبنى كبير قال: إنه أكبر سوق مركزي في برلين الشرقية، ثم ذهب بنا عبر شارع يقسم المدينة وهو فيما يبدو أكبر شوارعها، ويسمى شارع كارل ماركس وكان من قبل يسمى شارع فرانكفورت، وفي هذا الشارع تقام الاحتفالات الرسمية الكبيرة وتستعرض الجيوش وبخاصة في مناسبة الاحتفال السنوي الذي يصادف: يوم 7 أكتوبر من كل عام.

برج برلين الشرقية 17/12/1408هـ 29/7/1988م
برج برلين الشرقية 17/12/1408هـ 29/7/1988م
جانب من البحيرة والغابات القريبة من فندق العرائس برلين الغربية ـ 16/12/1408هـ 28/7/1988م
جانب من البحيرة والغابات القريبة من فندق العرائس برلين الغربية ـ 16/12/1408هـ 28/7/1988م

ثم ذهب بنا إلى مبان قديمة رُمِّمت بعد سنة هـ 1946، ثم منطقة أخرى هدمت مبانيها أيام الحرب ثم أعيد تجديدها، فحديقة يطلق عليها اسم أحد زعماء العمال (البرولتاريا) وهو: "يتلمان"، ثم القبة السماوية التي أنشئت حديثاً، وكانت هذا اليوم مقفلة لأنه يوم إجازة.
وسئل السائق عن سكان برلين الشرقية فقال: يبلغ عددهم مليوناً وثمانية أعشار المليون، وقال الأخ عز الدين: إن ذلك مبالغ فيه وإن سكانها لا يزيد عددهم عن مليون واحد.
ثم مررنا بمتحف العلوم الطبيعية ورأينا فيه هيكل حيوان قديم في التاريخ يسمى: "ديناصور" يبلغ ارتفاعه ستة أمتار وطوله من ذيله إلى رأسه عشرين متراً، قالوا: إنه انقرض قبل ملايين السنين وعثر على هيكله في أفريقيا وأخذنا له بعض الصور.
ومررنا بكنيسة نيقولا في قلب برلين قبل تقسيمها وقالوا: إن هذا المكان هو أول مكان نزح الناس إليه في برلين، وكان تأسيس برلين منذ 751 سنة، أي أنها أسست سنة 1237 من تاريخ الميلاد.
وكنت أسال السائق عدة أسئلة تتعلق بانفصال ألمانيا الشرقية التي هي في الأصل جزء من ألمانيا الطبيعية، وكذلك برلين الشرقية عن الغربية؟ فأظهر أن ذلك أمر واقع وأن السكان راضون بذلك… لأن أفكار السكان في الجانبين تختلف، ولا مانع من فتح المجال للتزاور وتحسين العلاقات، أما التفكير في إعادة توحيد البلدين فهذا غير وارد. [لقد ورد!].
والحقيقة أن زائر المدينتين يرى في حدودهما وجهة نظر الحكومتين الغربية والشرقية في الحدود المتعرجة والأبواب، فحكام ألمانيا الغربية لا يعترفون بهذه الحدود ولا بهذا التقسيم، ولهذا لا يوجد لهم أبواب للدخول والخروج، ولا يوجد موظفون للجوازات أو الجمارك، ولا جنود مسلحون، فهم يستقبلون المسافرين الوافدين من ألمانيا الشرقية ولا يودعونهم، يدخل الناس ويخرجون أحراراً.
أما برلين الشرقية فلها أبواب يقف بها الجنود المدججون بالسلاح، وبداخلها موظفو جوازات وجمارك يدققون مع المسافرين في جوازاتهم ويفتشون حقائبهم، ويسجلون عليهم كل ما يدخلون به، ترى عيون الجنود والموظفين ترمق المسافرين مما يدل على أن الشك يساورهم في كل داخل وخارج، فحكام ألمانيا الشرقية يعتبرون الدولتين دولتين، وحكام الغربية يعتبرونهما دولة واحدة بحسب المعاملة على الحدود، وسكان ألمانيا الغربية ينتقلون إلى الشرقية بحرية كاملة، أما سكان الشرقية فلا ينتقلون إلا بمغامرات ومخاطر معروفة. [وقد كذَّب سكان برلين الشرقية زعم هذا الرجل ـ بل سكان ألمانيا الشرقية كلها ـ بتدفقهم هذه الأيام إلى ألمانيا الغربية عن طريق المجر وفي يوم السبت 13/4/1410 إذ أذاع راديو لندن في أخبار السابعة صباحا بتوقيت المملكة أن جرافات ألمانيا الشرقية بدأت في هدم بعض أجزاء جدار برلين على اثر قرار ألمانيا الشرقية بالإذن لمواطنيها بالتدفق إلى ألمانيا الغربية في وسط مظاهر ابتهاج وفرحة غامرين من سكان ألمانيا الشرقية الذين لم يكونوا يستطيعون الوصول إلى ألمانيا الغربية الا بالهرب الذي يعرضهم لمخاطر الموت. وإذا كانت الأنظمة الشيوعية قد بدأت تتهاوى في أوربا الشرقية وجمهوريات الاتحاد السوفييتي فان السؤال الآن يتجه إلى النظام الرأسمالي في الغرب الذي يبدو أن دوله تتجه لتقويته بمحاولة الوحدة الاقتصادية والعسكرية وغيرهما هل سيصاب بما أصيب به النظام الشيوعي؟ ونحن على يقين أنه سيأتي اليوم الذي سيهوي فيه النظام الرأسمالي في الغرب، ولكنه يحتاج في سقوطه إلى بديل ينقذ الناس في الأرض من مآسي النظام، ولا بديل غير الإسلام، فأين هم المسلمون الذين يرفعون راية نظام هذا الدين ليؤمها الناس وينضووا تحتها؟ سؤال يوجه إلى كل الشعوب الإسلامية وأهل الحل والعقد فيها؟!! ولقد أحس قادة الغرب النصراني أن البديل هو الإسلام، ولهذا اجتمعت كلمتهم على محاربة الإسلام والتضييق على دعاته بل على حكومات العالم الإسلامي ومحاصرتهم محاصرة تضعف اقتصادهم وتفرق جمعهم وتقضي على قوتهم العسكرية خوفا من أن تستوعب الصحوة أبناء المسلمين على تنوع اختصاصهم فتبرز قيادة إسلامية].

العودة إلى برلين الغربية وزيارة مقر النورسيين:

الاثنين: 18/12 1408 هـ ـ 31/7/1988م
زرنا صباح هذا اليوم مقر جماعة النورسيين الأتراك والتقينا الأخ حسين أوزال المولود سنة 1937م في تركيا بأوزجان وهو طابع أوفيست(36).

الكاتب وعلى يمينه الشيخ ف عبد الرحيم وعلى يساره أحد أعضاء جماعة النورسيين في برلين في قاعة الطباعة التابع لمسجدهم 18/12/1408هـ ـ 31/7/1988م
الكاتب وعلى يمينه الشيخ ف عبد الرحيم وعلى يساره أحد أعضاء جماعة النورسيين في برلين في قاعة الطباعة التابع لمسجدهم 18/12/1408هـ ـ 31/7/1988م

قال: إن هذه الجماعة أسست منذ ثلاثين سنة وأسست في برلين سنة 1974م.
وعدد أفراد الجمعية في برلين مائة شخص.
ونشاطهم ينحصر في تدريس القرآن الكريم ورسائل النور للشيخ سعيد النورسي، وقال: إن أولادهم متربون على الإسلام جيداً، وتوجد بينهم وبين المراكز الإسلامية الأخرى علاقات طيبة، وكان العرب يجتمعون في مقرهم قبل إنشاء مسجد عمر.
وسألته هل توجد عندهم خطة لدعوة غير المسلمين؟
فأجاب: إنه لا توجد خطة ولكن لهم صلة بالمسلمين الألمان يتزاورون وأكثر ما يحصل هو زيارة المسلمين الألمان لهم.

لقاء مع الأخ رأفت صالح قاي ويكنى: أبو أنس:

ولد سنة 1955 في تركيا قرب مدينة اسطنبول.
درس في معهد الأئمة والخطباء، وتخرج في كلية الشريعة في الجامعة الأردنية سنة 1982م وأكمل دبلوم قراءات لمدة سنتين في نفس الكلية.
وكان إماماً لمدة ثلاث سنوات في مسجد الصفدي وفضل بن عباس في عمان.
وجاء إلى ألمانيا قبل سنتين، وهو يقوم بالتدريس في مدرسة العلوم الإسلامية المسائية وبها مائة طالب.
ويدرس فيها القرآن قراءةً وحفظاً، واللغة العربية، والفقه والحديث والتفسير والعقيدة واللغة التركية.
وقد أنشأت هذه المدرسة قبل ست سنوات أنشأها اتحاد المسلمين في برلين.
وهذا الاتحاد يتكون من المراكز الإسلامية والمساجد، وهى أكثر من ثلاثين مركزاً، ومنها مسجد عمر.
أغلب المسلمين الذين كونوا هذا الاتحاد أتراك، ويوجد منهم أفغان وباكستانيون وعرب وماليزيون وإندونيسيون وألمان.
وجمعيات الأتراك تزيد عن عشر جمعيات.
ويتبع اتحاد المسلمين أكثر من أحد عشر مسجداً.
وأكثر الأتراك الذين كونوا الاتحاد يوالون نجم الدين أربكان، وبعضهم يتبعون وزارة الأوقاف التركية.
عدد الأتراك في برلين الغربية أكثر من مائة وعشرين ألفاً ويتلخص نشاط الجمعيات في تدريس الأولاد، ونشر الثقافة الإسلامية وتصحيح العقيدة، ويلقون دروساً يومي الجمعة والثلاثاء في التلفزيون، ويقومون بمحاضرات، ويوجد نشاط رياضي ومسرحيات.
ولو كان عندهم أموال لاستطاعوا أن ينشروا الدعوة لمدة ساعة يومياً في التلفزيون.
وتوجد قناة تلفزيونية عن طريق الكيبل لمدة ساعة يومياً يدفع في الساعة 185 ماركاً ألمانياً.
ويستفيدون هم من هذه القناة ويدفعون لصاحبها في السنة عشرة آلاف مارك.
ويجمعون التبرعات للمجاهدين الأفغان.
يوجد في برلين أكثر من 35 مسجداً، وتوجد جمعيات خارج الاتحاد مثل جماعة ديتتب والسليمانيين والنورسيين، وتوجد في الاتحاد خطة لدعوة غير المسلمين، ونائب الاتحاد ألماني مسلم يدعى: شولتس، يقومون بنشر الكتب الإسلامية باللغة الألمانية ويوجد شخص في الاتحاد يجيد اللغة الألمانية يسمى أحمد ألقان هو المسؤول عن الألمان.
قلت له: كيف الاتصال بالألمان؟ فقال: ضعيف جداً، وأغلب النشاط موجه للأتراك، ولا يوجد وقت كاف للدعوة مع قلة العاملين، ومشايخ الأتراك لا يجيدون اللغة الألمانية وكثير من الأتراك غير ملتزمين بالإسلام.
وقال: إن العقبات التي تعترض الدعوة هي:
1 ـ قلة وجود الدعاة الأكفاء.
2 ـ قلة المادة.
3 ـ الجو الفاسد في المجتمع والإعلام المضاد.
4 ـ المواقف السياسية.
5 ـ عدم مساندة حكومات الشعوب الإسلامية للدعاة في هذا البلد.
وتوجد محاولة في ألمانيا للاعتراف بالإسلام ويحتمل أن تنجح هذه المحاولة.

حوار مع المسلم الألماني الحاج عبد الله خالص:

الثلاثاء: 19/12/1408 هـ ـ 1/8/1988م
وفي هذا اليوم زرنا المسلم الألماني الصوفي الحاج عبد الله خالص المولود سنة 1945م(37).

حوار مع الأخ المسلم الألماني الصوفي عبد الله خالص 19/12/1408هـ ـ 1/8/1988م
حوار مع الأخ المسلم الألماني الصوفي عبد الله خالص 19/12/1408هـ ـ 1/8/1988م

ودينه قبل الإسلام النصرانية (بروتستانت) وقال: إنه كان متمسكاً بدينه قبل الإسلام.
وكانت ترد عليه أسئلة تتعلق بدينه لم يجد لها جواباً وعندما كان عمره 14 ـ 15 بدأ يسأل القسس عما كان يرد عليه من الأسئلة وكان جوابهم: إن هذه أسرار إلهية لا داعي للسؤال عنها.
وبدأ يفكر في الديانات الأخرى، ولكنه كان يرى أن الذي يدعو إلى الإسلام مجنون لشدة نفوره منه.
وكان اهتمامه في أول الأمر بالبلدان الشرقية بصرف النظر عن الأديان، وبدأ هذا الاهتمام وعمره تسع سنوات، ولم يكن يعرف عن الإسلام إلا أنه انتشر بالسيف وأن المسلمين يحبون النساء ويتزوجون أربعاً.
ودخل في الإسلام قبل أن يتعرف على المسلمين، وكان ذلك سنة 1963م قبل خمس وعشرين سنة.
وكان من أهم أسباب دخوله في الإسلام ـ بعد التوفيق الإلهي ـ قراءته لترجمة معاني القرآن الكريم.
وكان مرة راكباً في سيارة وجلس بجانبه مسلم سوري، وهو ـ أي عبد الله ـ يقرأ في ترجمة معاني القرآن الكريم، فسأله السوري هل تهتم بالقرآن؟ فأجابه: ولذلك أنا أقرأ، فقال له السوري: نحن في الجامعة التكنيكية نجتمع ونقرأ ونصلي الجمعة فتعال معنا فذهب معه، وفي نفس اليوم أعلن إسلامه ونطق بالشهادة، وكان يدرس الإسلام قبل ذلك بسنتين أو ثلاث، وبعد ثلاثة أيام من إعلان إسلامه دخل شهر رمضان.
قلت له: ما الفرق بين حياتك قبل الإسلام وبعده؟
فقال: إن الفرق كبير جداً، وكل مسلم يشعر بهذا الفرق وبخاصة عندما يقوم المسلم بالجهاد الأكبر (يعنى جهاد النفس) وذلك بتطبيق الإسلام.
وقال: إن أسرته لم تكن تهتم بالدين من حيث هو، ولذلك لم يهتموا بإسلامه ولم يقولوا له شيئاً عندما أسلم.
أما أصدقاؤه فكانوا قليلين ولا أثر لهم عليه.
وقال: إن ترجمة معاني القرآن الكريم التي قرأها قبل الإسلام ترجمها غير مسلمين ولا توجد ـ حسب رأيه ـ ترجمة سليمة إلى الآن، وأحسن الترجمات الموجودة هي ترجمة محمد علي.
وهو يتقن اللغة التركية ولهذا قرأ كتباً إسلامية جيدة بها، وحاول تعلم اللغة العربية.
ويحاول تفسير القرآن الكريم ومراجعه: تفسير ابن كثير وتفسير الجلالين، وكتاب سيد قطب: في ظلال القرآن، وبعض الكتب التركية.
وسألته عن ترجمة معاني القرآن التي تتولاها مؤسسة بافاريا فقال: إنها طيبة.
قلت له هل تظن أنه يوجد في أوربا مَن لم يسمع عن الإسلام؟
فقال: هذا غير معقول، ولكن المهم ما الذي سمعوه عنه وممن سمعوا؟
الأوربيون سمعوا ما يشوه الإسلام، ورأوا ذلك في تصرفات بعض المسلمين مثل كثرة الخلافات والحروب، فالأتراك مثلاً يرون أن العرب لا يفهمون الإسلام، والعرب يرون أن الأتراك لا يفهمون الإسلام، ولا توجد إمكانات لنشر معاني الإسلام.
قلت له: هل ترى أن الحجة قد قامت على الأوربيين؟
فقال: الحجة على المسلمين الذين لم يقوموا بنشر الإسلام وخاصة بالقدوة الحسنة.
وقال: إن الداعية يجب أن يكون عنده معرفة بأحوال المدعوين النفسية والروحية وأن يكون فقيهاً بالإسلام وقدوة حسنة.
وسألته: هل يهتم المسلمون القدامى بالمسلمين الجدد؟
فأجاب: يهتمون به حتى ينطق الشهادة ثم يتركونه، ونحن مسؤولون عن متابعة المسلمين الجدد ومحاولة إيجاد حلول لمشكلاتهم الكثيرة، كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه يهتمون بذلك، والله تعالى يقول: {إنما المؤمنون إخوة}.
قلت له: ما أهم العقبات التي تعترض الدعوة إلى الإسلام في ألمانيا؟
قال: أهم المشكلات عندي عدم وجود المادة.
والمهم من يقوم بالدعوة وهل طريقة الدعوة سليمة.
وسألته عن عدد المسلمين الألمان؟
فقال: خمسة آلاف تقريباً، ولكن الذين يطبقون الإسلام عددهم قليل جداً.
قلت: هل يوجد تعاون بين المسلمين الألمان؟
فقال: لا يوجد اتحاد لهم، وكل واحد يدخل في الإسلام عن طريق جماعة يبقى بينهم.
وقال: إن الجاليات المسلمة في ألمانيا معرفتهم بالإسلام قليلة، ولكنهم الآن تعلموا الإسلام أكثر من قبل، وبعضهم لا يعرفون الإسلام وضاع كثير من أولادهم. [كنت أريد مناقشته في بعض الطرق الصوفية ولكن الوقت ضاق ويبدو لي أنه لا يود النقاش في ذلك وقد كان أحد مريديه يذم ما يسميه بالوهابية ويذكر الجامعة الإسلامية ذكراً غير نزيه وجرى بيني وبينه نقاش والحاج عبد الله يسمع..].

زيارة مسجد عمر في برلين الغربية:

الأربعاء: 20/12/1408هـ – 2/8/1988م
اجتمعت ببعض المسؤولين عن مسجد عمر في برلين فذكروا أن عدد المسلمين الوافدين من خارج ألمانيا ويسكنون في برلين مائتا ألف مسلم، أما في ألمانيا فيقدر عددهم بثلاثة ملايين وأن عدد المسلمين الألمان واحد وعشرون ألفاً، ونشر في جريدة ألمانية (المرآة) أن عددهم أحد عشر ألفاً وثمانمائة سنة 1985م.
والنشاطات التي يقوم بها مسجد عمر ـ إضافة إلى الصلوات جمعة وجماعة ـ لقاءات أسبوعية وندوات شهرية ومحاضرات للضيوف، ورحلات جماعية وبخاصة في الأعياد، والمشاركة في مؤتمرات خارج برلين شهرية أو أسبوعية.
وستقام مدرسة أطفال لتعليم اللغة العربية والثقافة الإسلامية.
وتوجد جهود فردية لدعوة غير المسلمين، وتوجد دعوة غير مباشرة عن طريق الذين يجيدون اللغة الألمانية وبعض المسلمين المتحمسين يوزعون منشورات على باب الجامعة.
وفي مسجد عمر يوجد مشروع الباب المفتوح يدعى لحضوره من يرغب في سماع معلومات عن الإسلام تشرح فيه مبادئ الإسلام.
ودخل في الإسلام في مسجد آخن ما يقارب ثلاثة آلاف، واستجابة غير المسلمين لسماع الإسلام جيدة إذا دعوا إلى ذلك، ومتابعة المسلم الجديد ومساعدته قليلة وإن كانت موجودة في الجملة.
وبعض الألمان يدخلون في الإسلام عن طريق الصوفيين، وغالب الأتراك متمسكون بالطرق الصوفية، وجاء بعض الغلاة من الصوفيين فعمقوا في نفوس الناس طريقتهم، كالرفاعية وكتب المستشرقين، وبرامجهم الإعلامية تدعوا إلى التصوف وتمجده.
وأما حماية أبناء المسلمين من العقائد والأفكار الغربية فالأتراك غالبهم يحاولون حماية أبنائهم والذين يذوبون منهم في المجتمع الغربي قليل، ورجوع الشباب إلى الإسلام آخذ في الازدياد، وقال بعض الحاضرين: إن ذوبان أبناء المسلمين في المجتمعات الكافرة أكثر.

الوسائل المتاحة لنشر الدعوة:

وقالوا: إن الوسائل المتاحة لنشر الدعوة قانوناً كثيرة، منها السماح بإقامة المساجد في الجملة ومزاولة النشاط الإسلامي فيها، وإقامة الاتحادات، وحرية الكلمة في الأماكن العامة، وتدريس أبناء المسلمين في أوقات الفراغ، وطبع الكتب وتوزيعها، وكذلك إصدار الجرائد والشُّرُط [على وزن: فُعُل كجُدُر، جمع شريط]. ويمكن الاستفادة من أجهزة الإعلام، وكل هذا يحتاج إلى إمكانات.

العقبات التي تعترض الدعوة:

وهناك عقبات تعترض الدعوة الإسلامية، منها:
الهجوم الشديد من أجهزة الإعلام على الإسلام والتنفير منه.
والتعليقات السياسية، حيث يقولون: إن الإسلام دين عنف وإرهاب وسفك دماء، ويوجد برنامج أمريكي خاص باللغة الألمانية بعنوان سيف الإسلام.
ويمنعون تدريس الإسلام في المدارس الألمانية لأبناء المسلمين، ويضعون عراقيل شديدة لإنشاء مراكز إسلامية بحجة عدم صلاحية المكان.
والمدارس الألمانية مختلطة وفيها يدرس أبناء المسلمين، ويرغمون البنات المسلمات على مزاولة الرياضة، وذلك أنهم يضعون لها علامات يترتب عليها النجاح والرسوب ومقبرة المسلمين أصبحت ضيقة.
وجود فرق متعددة للمسلمين: السنة والشيعة والطرق الصوفية، والمؤسف أن القاديانية معترف بها عند الألمان ومسجدهم هو الوحيد في برلين له مئذنة وقبة.

الوسائل التي يمكن بها التغلب على تلك العقبات:

القدوة الحسنة في المسلمين، لأنها إذا وجدت فيهم تفسد مخططات الأعداء الإعلامية.
وتجمع المسلمين والتخفيف من الاختلافات التي مزقتهم.
وفي برلين يوجد نوع من التعاون بينهم.
الاهتمام بنشر الإسلام كل جماعة في موقعها.
وعدد المساجد في برلين أكثر من ثلاثين مسجداً.
وأهل أوربا كلهم سمعوا عن الإسلام، ولكن الذي سمعوه مشوه ومنفر.
الخميس 21/12/1408 هـ ـ 3/8/1988م
زرنا بعض الإخوة الهنود والباكستانيين الذين يزاولون نشاطهم في مسجد عمر، ويسمون أنفسهم بالحركة الإسلامية.
وكانت زيارتنا لهم في منزل أحدهم، وهم يرغبون في شراء بعض الكتب الإسلامية باللغة الألمانية وخاصة الموجود منها عند الأخ محمد صديق وجماعته.
الجمعة 22/12/1408 هـ ـ 4/8/1988م
طلب منى أن أقوم بخطبتي الجمعة وإمامة المصلين، وكانت الخطبتان تتعلقان بالإيمان وأثره في حياة الإنسان.
ثم طلب منى بعد الصلاة أن أجيب على أسئلة من يرغب البقاء في المسجد فاجتمع عدد منهم وجرى النقاش لمدة ساعة تقريبا وكان ذلك في مسجد النور.
السبت 23/12/1408 هـ ـ 5/8/1988م
كنت على موعد بعد عصر هذا اليوم مع الإخوة المسلمين في مدينة برلين لإلقاء محاضرة بعنوان: الدعوة إلى الإسلام في أوربا، وقد اجتمع عدد طيب منهم في مسجد الوقف، الذي أنشأه جماعة من الأتراك ـ وهم من جماعة ملي قرش.
وقد استغرقت المحاضرة والمناقشة ثلاث ساعات تقريباً وأغلب الحاضرين من العرب(38).

الكاتب يلقي محاضرة في مسجد الوقف في برلين الغربية قرب برلين الشرقية بعنوان: الدعوة إلى الإسلام 23/12/1408هـ ـ 5/8/1988م
الكاتب يلقي محاضرة في مسجد الوقف في برلين الغربية قرب برلين الشرقية بعنوان: الدعوة إلى الإسلام 23/12/1408هـ ـ 5/8/1988م

في مقر اتحاد الشباب المسلمين الإندونيسيين:

الأحد 24/12/1408 هـ ـ 6/8/1988م
طلب مني بعض الإخوة من الطلبة الإندونيسيين أن أزورهم في مسجد صغير أقاموه، وأغلب مساجد المسلمين في أوربا شقق صغيرة حولوها إلى أماكن للصلاة والنشاط الإسلامي، وكان الموعد بعد صلاة المغرب(39).

مركز الأندونيسيين في برلين الغربية 24/12/1408هـ ـ 6/8/1988م
مركز الأندونيسيين في برلين الغربية 24/12/1408هـ ـ 6/8/1988م

السائق السكران!

جاءني أحد الإخوة إلى الفندق واستأجرنا سيارة لإيصالنا إلى مقرهم(40).

بعض الإخوة الذين زاروني في الفندق في برلين ومنهم الأخ السوداني عـز الدين العفيفي ـ على اليمين ـ وعلى يمين الكاتب طالب أندونيسي 24/12/1408هـ ـ 6/8/1988م
بعض الإخوة الذين زاروني في الفندق في برلين ومنهم الأخ السوداني عـز الدين العفيفي ـ على اليمين ـ وعلى يمين الكاتب طالب أندونيسي 24/12/1408هـ ـ 6/8/1988م

وكان قائد السيارة في حالة سكر ونحن لم ندر عنه إلا بعد أن استمر في السير، وإذا هو لا زال عنده كوب من البلاستيك يضعه بجانبه تارة ويرفعه ويشرب تارة، وكنت في أول الأمر أظن أن ذلك الكوب فيه عصير عادي، ولكن الرجل بدأ يهذي ويقهقه ويتكلم بمناسبة وغير مناسبة، وكان في بعض الأوقات يجمع أصابع كفه ويضرب بها أمامه كأنها مطرقة وتارة يحدث بلسانه صوتا بتكرار الراء كما يفعل الأطفال عندما يتصورون أنهم يقودون سيارة، ومرة يفعل كما يفعل راكب الخيل يصعد ويهبط ويرفع مقعدته عن مكانها ثم يعيدها، وتارة يسرع بالسيارة حتى نظن أنه سيثب بها على السيارة التي أمامه.
وكان المكان بعيداً يستغرق أكثر من نصف ساعة، وكان أحياناً يلتفت إلي فيكلمني ويضحك بصوت عال.
وظهر لي أن الأخ الذي كان بجانبه إذا كلمه يبدأ يهدأ ويتحدث معه، فكنت أقول للأخ أكثر من الكلام معه لتشغله عن أحلامه.
والعجيب أنه كان يقف أمام الإشارة إذا كانت حمراء فلا يتجاوزها فإذا أصبحت خضراء تحرك، وإذا قارب الخطوط البيضاء بالمشاة يقف حتى يتجاوز المشاة.
فسألت الأخ: كيف يفعل هذا وهو سكران؟ فقال: إنه لم يصل إلى فقد عقله، وإنما هو في حالة نشوة مع بقائه صاحياً، وعلى كل حال فقد سلمنا الله تعالى ـ وإن كانت أعصابنا بقيت مشدودة طول وقت سيرنا مع الرجل ـ وحمدنا الله تعالى عندما وقف فنزلنا سالمين.
وجدنا عدداً لا بأس به من الإخوة الإندونيسيين، يقدر بعشرين طالباً.
وذكروا لنا أن السبب في تأسيس هذا المسجد محاولة نشر الدعوة الإسلامية بين الإندونيسيين وبخاصة الطلاب، وهم في مجتمع غير إسلامي ولا بد من غرس الإيمان في النفوس وحماية المسلمين من الأفكار الأجنبية.
واسم جماعتهم: اتحاد الشباب المسلمين الإندونيسيين ومركزه الرئيس في برلين وله فروع في مدن ألمانية أخرى، منها هانوفر وهامبورج، وكذلك لهم فرع في هولندا.
ويقيمون دورتين سنوياً صيفاً وشتاء، وغالبهم من الطلاب الإندونيسيين الموجودين في أوربا الغربية، ولهم لقاء شهري عام وحلقات أسبوعية.
يدرسون العقيدة والفقه والتاريخ الإسلامي.
وفي شهر رمضان لهم لقاءات أسبوعية عامة يدعون لها محاضرين من خارج ألمانيا، من سويسرا وهولندا، وكذلك من داخل ألمانيا.
وهم مرهقون بإيجار المسجد ونفقاته التي لا تقل عن ألف مارك شهرياً وهم طلاب يدرسون على حساب أنفسهم.
وقد ألقيت محاضرة عن فقه الدعوة حصل بعدها نقاش استغرقت من الوقت ساعة ونصف الساعة تقريباً.
وفي صباح الاثنين 25/12/1408 هـ ـ7/8/1988م سافرت إلى مدينة ميونخ.