رحلات سويسرا وألمانيا والنمسا

الرحلات | سلسلة في المشارق والمغارب | 28 صفحة
صفحة 20 من 28 1- في مدينة فرانكفورت

1- في مدينة فرانكفورت

1- في مدينة فرانكفورت

الأحد: 4/12/1408 هـ ـ 17/7/1988م

كان الوقت المقرر لإقلاع الطائرة السعودية من جدة إلى فرانكفورت في الساعة الثانية والنصف بعد منتصف الليل، ولكنها تأخرت إلى الساعة الخامسة صباحاً، وهبطت في مطار فرانكفورت في الساعة الحادية عشرة صباحاً من يوم الاثنين، وكانت قد توقفت في مطار جنيف قبل ذلك.

الاثنين ـ الخميس 5 ـ 8/12/1408 هـ –18 ـ 21/7/1988م

قضيت هذه الأيام الأربعة في معسكر التقى فيه شباب الدعوة من المسلمين العرب الذين اجتمعوا من غالب البلدان الأوربية الغربية والشرقية، كان عندهم نشاطات صيفية أقيمت بها دورات تقوية في بعض الأبواب الفقهية والجوانب الدعوية، وكان المعسكر في ضاحية من ضواحي فرانكفورت، في منطقة غاية في الجمال ألقيت فيه المحاضرات والندوات وممن حضر المعسكر وكان بارزاً فيه ونافعاً صديقنا الحبيب العلامة المرح: الدكتور إبراهيم المصري اللبناني، وكانت لي محاضرة في المعسكر بعنوان: الدعوة إلى الإسلام في أوروبا، وجرت مناقشات طويلة في موضوعاتها وفي موضوعات متنوعة مفيدة.
ولم يخل المعسكر من أناشيد إسلامية ومن طرائف وفكاهات سارة هادفة فيها تنشيط للعمل الجاد في بقية الموضوعات.

نبذه عن حالة المسلمين في الاتحاد السوفيتي:

التقيت في المعسكر أحد الإخوة من الطلبة العرب الذين يدرسون في الاتحاد السوفيتي، وكان اللقاء قصيراً جداً، وكانت المعلومات تلك الأيام عن الاتحاد السوفيتي شحيحة جداً، يصعب الحصول عليها من وسائل الإعلام، وكتبت عنه ما يلي:
يقبل الطلاب في الاتحاد السوفيتي عن طريق البعثات الرسمية من قبل الحكومات أو التنظيمات والأحزاب التي يسمونها بالتحررية وجمعيات الصداقة.
يبدأ الطالب دراسته في الكلية التحضيرية لدراسة اللغة الروسية وخلال فترة دراسته في هذه الكلية يتقرر مصيره هل يستحق التسجيل أو لا؟.
ويحاولون في هذه الفترة عمل وسائل تفسد الطالب سلوكياً، إن كان على فطرته، ومن ذلك أنهم يُفهمونه أنه لا يمكن أن يجيد اللغة الروسية إلا بملازمة صديقة روسية وبملازمة الشيوعيين العرب، إن كان عربياً.
ويلزمونه أن يكون عضواً في اتحاد الطلاب.
وأهم أهدافهم ترسيخ الفكر الشيوعي في عقول الطلاب وإيجاد ما يسمونه بالكوادر الشيوعية.
وقد فتحوا لطلاب العالم من أجل ترسيخ الفكر الماركسي جامعة خاصة في سنة 1965م.
يُدرِّسون مواد الماركسية وتاريخ الدولة الروسية بلغة الطالب وتاريخ الفلسفة الماركسية، في السنة الثانية.
وفي السنة الثالثة يدرسون الاقتصاد السياسي.
وفي السنة الرابعة يدرسون الشيوعية العلمية.
وفي السنة الخامسة امتحان الدولة في الفلسفة ومادة الإلحاد للأطباء.

العمل الإسلامي في روسيا:

بداء العمل الإسلامي في أوائل الستينات، قام به طلاب مسلمون عرب.
والمسلمون هناك يعامَلون بقسوة.
وعندما رأى الروس طلاباً مسلمين خافوا من اختلاطهم بالمسلمين الروس من زملائهم، فطردوا من رأوا أنهم خطرون عليهم.
ولكن العاملين للإسلام يحاولون أن يبذروه بالأساليب الممكنة التي يوفقهم الله لها.
وقد هجَّروا كثيراً من المسلمين من بلادهم، مثل طاجكستان وأوزبكستان وطاشقند فأصبح سكانها المسلمون قليلين، وطمست فيها حضارتهم، وبلدة قازخستان لا يوجد بها إلا مسجد واحد، ولا يسمحون بتجديد المساجد ولا عمارتها ويمنعون منعاً باتاً اختلاط المسلم العربي أو غيره بالمسلمين من أهل البلد.
لا يسمحون بالحج إلا لعدد لا يزيد عن العشرين، ولا بد أن يكون معهم من يراقبهم من جهاز أمن الدولة.
أما القوقاز وداغستان فيوجد بها الآن قوميات بلغت مائة وعشراً، ولغاتهم متعددة كقومياتهم، وقد طَردوا سكانها الأصليين إلى سيبيريا.
وفي مدينة قازان مسجد واحد فقط من عدة مئات المساجد.
وقد قامت مظاهرات إسلامية في موسكو بعد صلاة الجمعة يطالبون بعودتهم إلى بلادهم التي طردوا منها وكان عدد المتظاهرين ثمانمائة، وأحيطت هذه المظاهرات بالتكتم الشديد.
والمسلمون محرومون من التعليم إذ كل خمسين ألف منهم تخصص لهم مدرستان، في كل مدرسة خمسون طالبا فقط يعدونهم لخدمة الدولة.
والمساجد التي أبقوها إنما قصدوا بها الخداع، ليقال: إنهم يمنحون المسلمين حرية التدين.
وجِد في موسكو مسجدان: أحدهما الجامع الكبير وهو مفتوح للزوار من السائحين، والثاني: يستغل مخزناً وهو مقفل.

نبذة عن المسلمين في يوغسلافيا:

العمل الإسلامي بدأ أيضاً في الستينات ومر بمراحل من السرية والعلنية، وهدف الدعاة إلى الإسلام: احتضان الطلبة الوافدين وحفظهم من الأفكار الهدامة ونشر الدعوة بينهم، والعمل مع اليوغسلاف صعب جداً.
والطلبة العرب كثيرون في يوغسلافيا بسبب سهولة القبول وقلة تكاليف المعيشة.
ولا توجد مراكز إسلامية، وليس مأذوناً في العمل الإسلامي، لذلك فان الدعوة سرية تعتمد على الاتصال الفردي.
عدد المسلمين اليوغسلاف يتراوح ما بين 5 ـ 6 ملايين، أي ربع عدد السكان.
وغالبهم متخلفون مادياً، ويعدون مواطنين من الدرجة الأخيرة، ولا ينالون الحقوق التي ينالها غيرهم، ويتجمعون وحدهم للمحافظة على دينهم.
والصحوة الإسلامية التي وجدت في العالم الإسلامي أثرت في المسلمين في يوغسلافيا، والوعي الإسلامي في ازدياد.
كان المقبلون إلى الإسلام من الشباب في السبعينات قليلين، ولكنهم الآن كثروا، وعندهم مجموعة من الأئمة والخطباء الذين درسوا في البلاد العربية وقد استفادوا من دراستهم ونفع الله بهم، ولكن الحكومة تضايقهم مضايقة شديدة.
وقد سلطت عليهم الحكومة حملة إعلامية لتشويههم ويتهمونهم بأنهم خمينيون مع أنهم لا يمتون إلى فكر الخميني بصلة.
طالب مسلم يدرس في يوغسلافيا أدلى بمعلومات أخرى مختصرة عن المسلمين هناك.
المسلمون في يوغسلافيا ينتمون إلى يوغسلاف وألبان وأتراك.
وعددهم يتراوح ما بين 5 ـ 6 ملايين.
يتجمعون في ثلاث جمهوريات رئيسية، هي: البوسنة ـ وهم من أصل يوغسلافي.
و مقدونيا ـ وهم من أصل ألباني.
كوسونوار ـ وهم من أصل ألباني وأتراك ومكدون.
ومسلمو يوغسلافيا ـ في الجملة ـ متمسكون بعقيدتهم، وكلهم على المذهب الحنفي.
ومسلمو البوسنة وعيهم وثقافتهم ووضعهم المادي أحسن من غيرهم إلا أن التزامهم وسلوكهم الإسلامي أقل ويتعرضون لتضييق شديد.
ومسلمو مكدونيا معظمهم متمسك بالعادات والتقاليد الإسلامية، ولكن وعيهم وثقافتهم أقل، إلا أن بوادر الصحوة الإسلامية الآن بدأت تنتشر بينهم.
مسلمو كوسونوار: عندهم تعصب قومي أكثر من غيرهم والتزامهم أقل.
وتوجد أعداد من المسلمين في بقية جمهوريات يوغسلافيا الستة الأخرى.
والعمل الإسلامي منظم وجيد.
ما ذا يطلب المسلمون في يوغسلافيا من إخوانهم؟
1 ـ منح دراسية إسلامية. 2ـ مساعدات لبعض الأئمة الجيدين، لمساعدتهم على الاستمرار في العمل داخل يوغسلافيا، حتى لا يضطروا إلى الخروج إلى أوربا الغربية، كما يفعل من ضاقت عليه المعيشة منهم.
3 ـ دعمهم في مشروع الترجمة إلى اللغات المحلية.

عقبات وأضرار:

1 ـ عدم تعيين أئمة من المسلمين الواعين.
2 ـ منع التعليم الديني لمن هو أقل من ست عشرة سنة.
3 ـ عرقلة الدراسات في البلدان العربية.
وقد فتحت جامعة محلية ومجال عمل المتخرجين فيها أكثر من غيرهم.
4 ـ انخفاض دخل الأئمة والخطباء، حيث لا يتجاوز الآن خمسين دولاراً.
5 ـ هدم الأسوار التي تحيط بالمنازل.
6 ـ هدم أحياء المسلمين ومحاولة تفريقهم في السكن بين غيرهم.
7 ـ الحملة الإعلامية المركزة، بحيث لا تخلو صحيفة من الهجوم على المسلمين واصفة إياهم بالأصوليين والمتعصبين والخمينيين.
8 ـ منع زيادة المواليد عن ثلاثة بحيث يفقد من زاد على ذلك في الأسرة الامتيازات التي يتمتع بها غيره، كالتأمين الصحي والتعليم وغير ذلك.
وفي يوم الجمعة 8/12/1408هـ ـ 21/7/1988لم تكن عندي مواعيد، فأخلدت إلى الراحة.

دار الإسلام:

السبت: 9/12/1408 هـ ـ 22/7/1988م
وفي يوم السبت زرت دار الإسلام في ضاحية من ضواحي فرانكفورت، والمسؤول عن هذه الدار هو الشيخ محمد صديق المسلم الألماني الذي تخرج في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة وهو مع صحة تصوره للإسلام نشيط في الدعوة إلى الله، وقد كتبت عنه بعض المعلومات في هذا الكتاب كما سبق، وبقينا في الدار يومي السبت الذي هو التاسع من شهر ذي الحجة يوم وقوف الحجيج في ساحات عرفات، ويوم الأحد الذي كان يوافق اليوم العاشر من ذي الحجة أي يوم العيد الأضحى المبارك(32).

الكاتب في دار السلام في لوتسل باخ ـ فرانكفورت ـ وعلى يمينه الشيخ ف عبد الرحيم وعلى يساره الشيخ محمد صديق رئيس دار السلام ثم بدر الماص الكويتي 19/11/1407هـ
الكاتب في دار السلام في لوتسل باخ ـ فرانكفورت ـ وعلى يمينه الشيخ ف عبد الرحيم وعلى يساره الشيخ محمد صديق رئيس دار السلام ثم بدر الماص الكويتي 19/11/1407هـ
الشيخ محمد صديق الألماني المسلم يخطب المسلمين في صلاة العيد 9/12/1408هـ 22/7/1988م
الشيخ محمد صديق الألماني المسلم يخطب المسلمين في صلاة العيد 9/12/1408هـ 22/7/1988م
المسلمون يستمعون خطبة عيد الأضحى في دار الإسلام
المسلمون يستمعون خطبة عيد الأضحى في دار الإسلام
عائلات المسلمين في مسجد دار السلام يستمعن لخطبة عيد الأضحى ـ في ضاحية جنوب فرانكفورت
عائلات المسلمين في مسجد دار السلام يستمعن لخطبة عيد الأضحى ـ في ضاحية جنوب فرانكفورت

المسلم الألماني محمد إسماعيل مور:

التقيت في الدار بالمسلم الألماني المدعو محمد إسماعيل مور، وهذا اسمه الكامل بالحروف اللاتينية:(MUHAMMAD ISMAIL ANDREA MOHR) وهو طالب في مرحلة الماجستير في اللغة العربية والدراسات الإسلامية، وله اطلاع طيب على العلوم الإسلامية، يكتب باللغة العربية ويتحدث، وله إلمام باللغة التركية والفارسية والأردية، وقد ألف رسالة باللغة الألمانية في الأبجدية العربية وعنوانها: سبعون لغة تكتب بالحروف العربية، وله عده مقالات تنشر في مجلة الإسلام التي يصدرها المركز الإسلامي في ميونخ باللغة الألمانية(33).

حوار مع المسلم الألماني إسماعيل مور في دار الإسلام ـ فرانكفورت ـ 9/12/1408هـ ـ 22/7/1988م
حوار مع المسلم الألماني إسماعيل مور في دار الإسلام ـ فرانكفورت ـ 9/12/1408هـ ـ 22/7/1988م

وقد اشترك مع الدكتور ف عبد الرحيم في تأليف رسالتين بالألمانية: إحداهما في تعليم الكتابة العربية للدارسين الألمان، والأخرى مفتاح ألماني لكتاب الدكتور ف عبد الرحيم:"دروس اللغة العربية لغير الناطقين بها".
والدكتور ف عبد الرحيم من أساتذة تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها في الجامعة الإسلامية في الشعبة المعنية بهذا التعليم مع بعض مبادئ الإسلام...
وقد أجريت مع الأخ محمد إسماعيل كغيره من المسلمين الأوربيين الذين أجتمع بهم مقابلة، فسألته بعض الأسئلة وأجاب عنها، وكان الوقت ضيقاً لم أتمكن من طرح أسئلة أخرى.
ولد الأخ محمد سنة 1964م.
ديانته السابقة المسيحية الكاثوليكية.
كان من حيث التربية متمسكاً بدينه إلى سنة: 1981م وكان ذلك تقليداً لأسرته.
وكانت ترد عليه أسئلة عندما كان عمره 16سنة لم يجد لها جواباً في المسيحية، مثل عمل القداس والأعياد الدينية والتعاليم الرسمية في الكنيسة التي لم يكن يستسيغها، ولم يجد لها أصلاً في حياة المسيح عليه السلام، لأن حياته كانت سهلة ليس فيها نظام الكنيسة المعقد المتكلف، وكان عليه السلام يوصى الغني أن ينفق ماله على الفقير وألاَّ يبني حياته على الغنى والترف، والكنيسة بالعكس تبالغ في جمع المال والغني.
وكان أول ما سمع عن الإسلام، في الصف السادس الابتدائي، وعمره اثنتا عشرة سنة تقريباً، والذي سمعه شيء قليل عن أساس الإسلام، مثل إقامة الصلاة خمس مرات في اليوم والليلة.
وبدأ يسأل نفسه: هل كل الأديان صحيحة، أو هناك دين واحد صحيح وبقية الأديان باطلة؟
اهتم عندما كان عمره 16 سنة باللغات، كالعربية والعبرية، وكان اهتمامه باللغة العربية وخطها أكثر من غيرها، واللغة العربية ذات صلة قوية بالإسلام ـ كما قال وقوله حق ـ وكان ذلك يجذبه إلى الإسلام أكثر من الأديان الأخرى واللغات.
وقرأ بعض الكتب عن الإسلام، منها ترجمة معاني القرآن الكريم، وهى ـ كما وصفها ـ ترجمة سيئة جداً.
وهى ترجمة قديمة لأحد المستشرقين، ونشرت مرة أخرى مصححة.
والتقى بعض المسلمين وهم من باكستان، وكانوا عمالاً متمسكين بدينهم، كان يسألهم عن الإسلام واللغة العربية وهم يجيبونه.
وظهر له أن الإسلام أسهل من الأديان الأخرى في العقيدة وطريقة العبادة، وليس مثل القداس في المسيحية وكذلك التعميد وغيرهما مما لا يكون إلا عن طريق القسيس أو من فوقه.
وقال الأخ محمد: إنه كان يلتزم بالأخلاق الأساسية قبل إسلامه، لأن البشرية تلتزم بها [يقصد أنها مستحسنة من حيث هي عند الناس] وكذلك المسيحية.
وقد دخل في الإسلام سنة 1981م.
وكان إسلامه مبنياً على دراسة، إذ تدرج في التعرف على الإسلام إلى أن أعلن إسلامه وهو ذو فهم عميق له.
قلت له: ما موقف أسرتك من إسلامك؟
قال: إنهم خافوا من إسلامه، لأنهم لم يسمعوا عن الإسلام ما يسر، وحاولوا أن يمنعوه من الذهاب إلى المسجد وإلى أصدقائه من المسلمين ولكنه ذهب، ثم بعد مدة ترك هو مناقشتهم عن الإسلام، ثم سهل الأمر بعد ذلك وتحسن وضعه معهم، وخرج من البيت عندما بلغ ثمانية عشر عاماً وعاش مع بعض المسلمين.
وبعد الانتهاء من المدرسة (الثانوية) انتقل إلى مدينة أخرى وعلاقته الآن مع أسرته جيدة وقد هدؤوا.
وكان بعض المسلمين من الباكستانيين والأتراك يهتمون به.
قلت له: ما صفات الداعية الذي ترى أنه يمكن أن يؤثر في الألمان إذا توافرت فيه؟
قال: أن يحسن الكلام والاستماع إلى من يدعوه، بحيث يكون متفتحاً قابلاً للنقاش، وأن يكون عنده ثقافة عامة وإلمام بالأديان المقارنة وأن يكون قدوة حسنة، يرى الناس فيه الأخلاق التي يدعوا إليها.
قلت له: ما الموضوعات الإسلامية التي ترى أنه ينبغي البدء بها في الدعوة في ألمانيا؟
قال: الناس يختلفون في الموضوعات التي يحتاجون إليها... والصلة الشخصية لها أهميتها.
قلت له: ما رأيك في المستشرقين؟
قال: كان المستشرقون الإنجليز في القديم يهتمون بالإسلام، لأنهم كانوا مبشرين وموظفين مع المستعمرين، فكانت أهدافهم خدمة المستعمر، والمستشرقون الجدد لا يهتمون بالإسلام إلا من حيث الدراسة الموضوعية
[ليسوا كلهم كذلك، بل ما زال بعضهم يسلك في دراسته مسلك المستشرقين الذين ذكرهم الأخ محمد].
وسألته: أيهما أنفع للدعوة في أوربا العمال أم الطلاب؟
قال: الجالية أنفع من حيث إيجاد المساجد والمراكز، والطلاب أنفع في النشاط والوعي.

المسلمون يفدون إلى الدار للاحتفال بيوم العيد:

الأحد: 10/12/1408هـ ـ 23/7/1988م
وفي اليوم العاشر أخذ الناس يتوافدون على دار الإسلام من مدن مختلفة لأداء صلاة العيد والمشاركة في تناول طعام الأضاحى، وهم من الرجال والنساء، أغلبهم مسلمون.
ويحضر بعض الألمان غير المسلمين إما من زوجات مسلمين وإما ممن يرغب في رؤية ما يصنعه المسلمون، وقد أشير لي إلى عدد منهم، وقد شارك بعضهم في الصلاة وتناول الطعام. وقال لي بعض الإخوة: إن بعض الأوربيين يتابع تصرفات المسلمين ويحضر وقت عباداتهم، ويستمر فترة من الزمن لا يعلن فيها إسلامه، وقد يكون في حقيقة الأمر مسلماً في قرارة نفسه يصوم مع المسلمين، وقد يصلي وحده أو معهم ثم يعلن إسلامه بعد ذلك.
وكان المسلمون الذين توافدوا وأولادهم ونساؤهم من بلدان شتى: منهم الألمان ومنهم العرب، ومنهم الباكستانيون، ومنهم الأتراك، ومنهم اليوغسلاف، وكان بعضهم قد وفدوا من يوم أمس السبت وعلى الرغم من ضيق الدار فقد استقبلوا فيها، ونام الرجال في غرف والنساء والأطفال في غرف أخرى، وكانوا على رغم الزحام راضين مسرورين باجتماعهم في هذه المناسبة.
وكان المقرر أن تقام صلاة العيد في مكان مرتفع يسمونه الجبل وهو تل صغير، ولكن عندما اقترب وقت الصلاة أخذ المطر ينزل، فاضطروا للصلاة في غرف الدار: في مسجدها الصغير وما جاوره على الرغم من كثرتهم وتزاحمهم وقد بلغ عددهم ـ تقريباً، رجالاً ونساءً وأطفالاً ـ ثلاثمائة.

منظر رائع وتعاون مفرح في بلدان الغرب!

لقد كان منظراً رائعاً في هذا البلد تمنيت لو أن بعض الموسرين من الحكام أو الأغنياء والتجار حضروا ورأوا ذلك المشهد الذي كان فيه المسلمون في غاية السرور، وكان أطفالهم يسرحون ويمرحون، وبعض الكبار يلاعبونهم ويلاطفونهم، ليعوضوهم عن الاختلاط بأترابهم من أبناء غير المسلمين والحضور إلى أماكن تجمعاتهم التي تجرفهم إلى سلوكهم.
وأخذ الرجال يتعاونون، هذا يذبح، وهذا يسلخ، وهذا يقطع اللحم، وهذا يشويه، وهذا يناول ويوزع على الكبار والصغار، وكان الصغار يلتفون حول الشاي والموزع يتناولون ويأكلون ثم يعودون، والمطر نازل، وقد اجتمع النساء وكلهن محتشمات المسلمة وغير المسلمة وبناتهن في حديقة الدار يقرب لهن اللحم ليأكلن.
أقول: لقد تمنيت أن يحضر في مثل هذه المناسبة القادرون على البذل مما آتاهم الله ليروا ما يعانيه المسلمون في هذا البلد وأمثاله، من الضيق والوحشة اللذين يجعلانهم يتجشمون عناء السفر هم وأسرهم من مسافات بعيدة، ليجتمع بعضهم ببعض في مثل هذه المناسبة العظيمة، فلا يجدون مكاناً يتسع لهم ليؤدوا شعائر دينهم، ولو أن غنياً واحداً أنفق مما آتاه الله فاشترى عقاراً أو مباني في داخل مدينة فرانكفورت، لتمويل مثل هذه الدار وجعلها وقفاً، لنفع الله بما أنفق في بناء مسجد كبير وبناء مدرسة ومركز إسلامي، وإيجاد مطبعة وتخصيص دعاة يساعدون هؤلاء الإخوة الألمان القادرين على نشر الدعوة الإسلامية بين أبناء جنسهم أكثر من غيرهم فهل من مجيب؟!

الاثنين ـ الثلاثاء: 11، 12/12/1408هـ ـ 24 25/7/1988م

وبعد أن صلى الناس العصر عدنا إلى مدينة فرانكفورت التي بقيت فيها يومي الاثنين والثلاثاء، تم فيهما الاتصال ببعض أعضاء المركز الإسلامي الذي سبق أن كتبت عنه بعض المعلومات في السنة الماضية وهي مدونة في هذا الكتاب كما سبق.

السفر براً إلى مدينة آخن:

الأربعاء: 13/12/1408 هـ ـ 26/7/1998م
كنت اتفقت مع أحد الإخوة الفلسطينيين ـ وهو يملك سيارة خاصة ـ أن يقوم بإيصالي إلى مدينة آخن التي تبعد عن مدينة فرانكفورت إلى الشمال الغربي منها مائة وستين ميلاً، وفيها أسس مسجد بلال الذي يسمى القائمون عليه بـ(الطلائع) ويرأسهم الأستاذ عصام العطار، وكنت أريد أن أجتمع به لإلقاء بعض الأسئلة المتعلقة بالمركز ونشاطه وبشؤون الدعوة، كما جرت عادتي مع زعماء المراكز الإسلامية.