3- في مدينة فرانكفورت
3- في مدينة فرانكفورت
في قرية لوتسل باخ (دار الإسلام):
وكان قد رتب لنا الأخ صلاح أن نلتقي اليوم مع الأخ الشيخ محمد صديق، المسلم الألماني الذي تخرج في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة سنة 1974م، وهو في قرية تبعد عن مدينة فرانكفورت بمسافة سبعين كيلو متر تقريباً من جهة الجنوب.
وبمجرد وصولنا إلى المركز الإسلامي في فرانكفورت، توجهنا إلى تلك القرية وتسمى: (LUTSELBACH) لوتسل باخ، والمركز الذي أقامه فيها الأخ محمد صديق يسمى: دار الإسلام (HAUSDESISLAM).
وكان الذي أوصلنا هو الأخ اللبناني محمود عثمان في سيارته، وعمره 26 سنة وهو يدرس الطب، ومضى له أربع سنوات ونصف، وكان معنا الأخ بدر عبد الرزاق ابن عبد الله الماص الذي يحضر الدكتوراه في جامعة أم القرى وموضوع رسالته: منابر الدعوة الإسلامية المعاصرة، وكان في رحلة لأخذ معلومات ميدانية في بحثه هذا، وهو موظف في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في الكويت "باحث".
وصلنا إلى دار الإسلام في الساعة الثالثة والنصف.
قصة من قصص الوحدة في الغرب:
حكى لنا الأخ محمود عثمان، ونحن في الطريق هذه القصة:
قال: كنت أنا وصديق لي نشرف على رجل عجوز، ولهذا الرجل امرأة عجوز عمرها 82 سنة، وهي صديقة لذلك الرجل، وكانت تزوره في المستشفى فرأت معاملة صديقي لهذا الرجل تختلف عن معاملة الألمان، فأعجبت به، وهو مسلم، ومات صديقها في المستشفى.
وطلبت من موظفي المستشفى أن يعطوها اسم هذا الشاب الذي كان يشرف على صديقها، فرفضوا أن يعطوها إلا بإذنه، فاتصلوا به وأذن لهم في إعطائها رقم هاتفه، فاتصلت به وطلبت مقابلته، وعندما قابلته طلبت منه أن يشرف عليها بأن يزورها في الأسبوع مرتين، لأنها وحيدة، وبعد فترة أرادت أن توصي له بمالها كله، فلم تتمكن من ذلك من الناحية القانونية إلا إذا تبنته ففعلت ذلك.
والسبب في حرص هذه العجوز على إشراف هذا الشاب المسلم عليها وحدتها وشيخوختها، وكثيراً ما يموت العجائز في المنازل، كل واحد بمفرده ولا يُدرَى عنه إلا برائحة جيفته بعد فترة طويلة، وقد يكون لهذه العجوز وأمثالها أولاد وأقارب، ولكن لا لقاء بينهم ولا زيارات، وقد يمضي نصف العمر أو أكثر أو أقل، دون أن يدري القريب عن قريبه شيئاً ويموت وهو لا يدري، فإذا درى أسرع مطالباً بماله إذا كان يستحقه قانوناً.
وقد سمعت قصصا كثيرة من هذا النوع.
مع الداعية الألماني المسلم الشيخ محمد صديق:
والتقينا الأخ الشيخ محمد صديق، وقد كنا على معرفة به عندما كان يَدْرس في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وقد كنت حينئذ مسؤولاً عن شؤون الطلاب في الجامعة، فرحب بنا.
ودار الإسلام تقع على مرتفع في القرية تحيط بها الغابات والمنازل.
ولد الأخ محمد صديق سنة 1944م في مدينة برلين، درس في جامعة أم د رمان الإسلامية من آخر سنة 67 ـ 1970م ثم انتقل إلى الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، فدرس في كلية الدعوة وأصول الدين من سنة 70 ـ 1974م وتخرج منها، ثم رجع إلى ألمانيا بلاده، وقبل أن يبدأ العمل رافق جماعة التبليغ شهراً إلى البحرين والكويت.
وأسس الجمعية سنة 1981م في مدينة آخن في دار مستأجرة، وانتقلت الجمعية إلى هذه القرية سنة 1983م.
وأهداف الدار: متابعة المسلمين لتكون لهم مراكز اجتماعية طيبة في هذا البلد كاستثمار الأموال.
وسألته: متى سمع عن الإسلام في حياته؟
فقال: يذكر أنه أول ما سمع عن الإسلام في المدرسة، وأنه سمع ما فيه ذم للإسلام وتشويه.
وكان أول اتصاله بالمسلمين سنة 1961م في مدينة برلين حيث كانت توجد جمعية طلابية إسلامية من الألمان، وكان لها نشاط طيب جداً في ذلك الوقت.
وكان راغباً أن يسمع عن الإسلام شيئاً، فحضر بعض الاجتماعات التي كانوا يعقدونها في الأماكن العامة، ومنها الاحتفال بالعيد.
وبعد أن سمع من المسلمين بعض ما يتعلق بالإسلام، ورأى بعض تصرفاتهم، أخذ يقرأ عن الأديان الأخرى، كاليهودية والنصرانية، وقرأ لمحمد أسد، وبعض دواوين محمد إقبال المترجمة إلى اللغة الألمانية.
وكان في الأصل بروتستانتيا، وكان ملتزماً بدينه السابق.
ودخل في الإسلام سنة 1962م.
وسألته عن دعوة غير المسلمين، فقال: من الأمور الأساسية عندنا هي دعوة غير المسلمين.
وسألته عن أهم ما يؤثر في الألمان من موضوعات الإسلام؟
فقال: تصحيح الروابط الاجتماعية، ولا يوجد لهذه الروابط تصحيح في أي دين مثل دين الإسلام.
قال: وتوجد أمور مهمة تشغل بال الغربيين، ولها حلول في الدين الإسلامي، لو فهموها جيداً فإن ذلك سيؤثر فيهم، ومثل لذلك بتلوث البيئة الذي ألقي فيه المسلم الألماني أحمد فون دنفر محاضرة بعنوان القرآن وتلوث البيئة، وحضرها رجل من أعضاء الحزب الأخضر، فتعجب من هذه المحاضرة، وعلق عليها قائلاً: نحن نهتم بهذه الأشياء من جهة الدنيا فقط، وأما أنتم ـ يقصد المسلمين ـ فإنكم تهتمون بها ديناً.
وسألت الأخَ محمد صديق: هل توجد رسالة أو كتاب عن العقيدة الإسلامية باللغة الألمانية؟
فقال: لا يوجد رسالة ممتازة باللغة الألمانية يمكن أن تؤثر في الألمان، وينبغي أن تؤلف رسالة في هذا الموضوع باللغة الألمانية. [يبدو لي أن الأخ محمد صديق جدير بتحمل هذا العبء لأنه يجيد اللغة العربية ودراسته للعقيدة كانت في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ويجيد اللغة الألمانية لأنها لغته، ويمكن أن يستعين ببعض الدعاة من إخوانه في ألمانيا، ولكنه يعتذر بزحمة الأعمال وعدم وجود معاونين].
وسألته عن مشروع مصحف بافاريا الذي يشرف على ترجمته والتعليقات عليها وطبعه وتوزيعه الأخ عبد الحليم خفاجي؟.
فقال: إن هذه الترجمة طيبة وتحتاج إلى مراجعة من حيث الإخراج، ومع ذلك فهي دون المستوى المطلوب، وقال الأخ محمد: إنه بدأ يترجم معاني القرآن الكريم، ولكنه ترك ذلك لكثرة أعماله، وهو يحتاج إلى عمل متواصل في مدة طويلة.
سألته عن الوسائل المؤثرة في الألمان في نشر الإسلام؟
فقال:
1 ـ الحياة الاجتماعية الإسلامية، كالمخيمات، وتكون فيها مناهج تربوية، ومشاركة الشخص في مخيم واحد لمدة أسبوع يؤثر فيه كثيراً.
2 ـ طباعة الكتب وتوزيعها، لأن المراكز الإسلامية لا تغطي الحاجة.
3 ـ الندوات العلمية والمحاضرات، وقد أقمنا ندوتين إحداهما عن الاختلافات الفقهية، والثانية في موضوع اعتراف ألمانيا بالإسلام.
4 ـ اللقاءات الكبيرة ونحن نقيمها كل أربعة أشهر.
5 ـ الرحلات الجماعية في ألمانيا وخارجها.
6 ـ إقامة معارض كتب، بعد الاستئذان من البلدية.
7 ـ اليوم المفتوح. وتقام محاضرات ويعلن عنها في الجرائد، في يوم مفتوح ويكون يوم الأحد، واليوم المفتوح معروف عند الألمان، وقد خصص أتوبيس للدعوة.
8 ـ إيجاد معارض ولوحات فنية، يكتب فيها ما يدل على معان إسلامية تلفت النظر إلى ما تحمل.
9 ـ الوسائل الإعلامية، وقد ابتعدنا عنها، لعدم وجود أشخاص يساعدوننا في نشر الحقائق الإسلامية بها، وهذا الابتعاد مكن استغلال آخرين لها.
10 ـ وقال الأخ محمد صديق: إن من أهم الوسائل النافعة لنشر الإسلام وتبيينه هو إنشاء مدارس إسلامية في ألمانيا.
وسألته: هل تظن أن الحجة قد قامت على أهل أوروبا بالدعوة إلى الإسلام وبخاصة ألمانيا؟
فقال: أغلب أهل أوروبا يعلمون عن الإسلام التشويه له، ولا أرى أن الحجة قد قامت عليهم.
قلت: فما حكمهم إذًا؟
قال: وجه هذا السؤال لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله ابن باز. [وقد قابلت سماحة الشيخ وحاورته بأسئلة البلاغ المبين وعندي نصوص إجاباته رحمه الله].
و قال: إن أغلب المسلمين لا يطبقون الإسلام، ولذلك لا توجد القدوة الحسنة التي يراها الناس.
ولو أراد الإنسان أن يبحث عن الحق، فأمامه مئات الأديان والفلسفات، وتوجد تيارات مضادة، وقدوة سيئة، والبيان النظري وحده، نفعه قليل مع عدم القدوة الحسنة.
وسألته: ما المشكلات التي تواجهونها في الدعوة إلى الإسلام؟
فقال: عدم وجود الشخص المسلم الذي يبذل نفسه أو ماله في العمل للإسلام.
وأغلب الذين دخلوا في الإسلام إنما دخلوا فيه بأسباب عملية، وقدوة حسنة، وعلاقات اجتماعية.
وقال: إن الدار لا تقبل المساعدات الرسمية، بسبب نظرة الناس هنا إلى من يقبل تلك المساعدات، ويتهمونه بأنه عميل للدولة المساعدة، ولهذا فإن مساعداتنا فردية أو اشتراكات من المسلمين الألمان.
والذي يشترك في نشاطات المركز، كالدورة التي تقام في الصيف [وكانت عند زيارتنا قائمة، يساعد فيها الدكتور عبد الرحيم الذي يدرس في شعبة اللغة العربية بالجامعة الإسلامية، انتدب لذلك من نفس الجامعة]. يدفع عشرة ماركات يومياً، والذين يسكنون في الدار يدفعون أجرة لتغطية تكاليف الصيانة وغيرها، وفكرنا في موضوع استثماري فاشترينا فندقاً صغيراً للمسلمين، ولم ينجح المشروع كما نريد، لأنه لا يُقصد إلا في بعض الأوقات.
وسألت الأخَ محمداً: هل لمستويات الدعاة والمدعوين أثر في الاستجابة للدعوة؟.
فقال: الدعاة لا بد أن يكونوا على مستوى يناسب المدعوين، وكل مستوى من المدعوين له من الدعاة من يناسبه، ولكن قد لا يؤثر الداعية الذي هو من أعلى الطبقات الاجتماعية في مدعوين هم من أقل الطبقات، وقد يؤثر الداعية الصغير فيمن هو أعلى طبقة.
وقال الأخ محمد ـ وهو يتحدث عن الداعية المؤثر ـ: إنني استفدت من خروجي مع جماعة التبليغ أربعة أسابيع في مجال الدعوة، أكثر من استفادتي من كلية الدعوة في الجامعة الإسلامية أربع سنوات، لأنهم كانوا مخلصين للدعوة، ولا يريدون من ورائها مكسباً مادياً. [لست هنا حاكماً على الجماعات الإسلامية، وإنما أنقل آراء الدعاة إلى الله في تلك البلدان، وكل جماعة إسلامية ـ في نظري ـ عندها كمال في جوانب ونقص في جوانب، يمكن لو أخلصت هذه الجماعات أن يكمل بعضها بعضاً].
الحكمة والقدوة الحسنة تدفع الأذى:
وذكر الأخ محمد أنهم عندما اشتروا الدار هنا، كرههم الناس ووقفوا ضدهم وحاولوا منعهم، وكان العمدة ضدهم، لا يريد أن يزاولوا نشاطهم فيها، ولكن الأخ محمداً تصرف هو وإخوانه تصرفاً حسناً، وعاملوا الناس معاملة حسنة فرد أهل القرية، ومنهم العمدة، على تلك المعاملة بمثلها فعاملوهم معاملة حسنة.
وضرب مثالاً لذلك بزوجة الخباز في القرية: فقد زارتهم فرحبوا بها وأكرموها وشرحوا لها مبادئ الإسلام، وهي الآن في مخبز زوجها تثني على الإسلام وتمدح أهل الدار، مع أنها ليست مسلمة.
الجماعات الإسلامية في ألمانيا:
وسألت الأخَ محمداً عن الجماعات الإسلامية في ألمانيا؟
فقال: أكثر تجمع للمسلمين هنا هو تجمع الأتراك، وأوضح جماعة منهم هي جماعة نجم الدين أربكان: وتسمى جماعة "ملي قرش" ولكنها انقسمت في أوروبا إلى ثلاث جماعات بسبب الحرص على الرئاسات، وكذلك تسببت إيران في ذلك الانقسام.
وطائفة السليمانية، وهم الذين أسسوا مدراس سرية لتعليم القرآن الكريم في عهد كمال أتاتورك، ولها فروع كثيرة في ألمانيا.
وجماعة بديع الزمان النورسي، ولهم فروع.
وجماعة ديانَتْ، وهم رسميون ـ يعني أنهم يتبعون الحكومة التركية ـ ويوجد بينهم أئمة طيبون في بعض مساجدهم.
وهناك جماعة القوميين الأتراك: "تركش" وكانت في الأصل لديهم تجمعات قومية، ثم غيروها إلى مساجد يصلون فيها ويعلمون أولادهم.
وأغلب هذه التجمعات في كلونيا، وهي تبعد عن مدينة آخن بمسافة ستين كيلو متراً.
وقد حصل بيننا وبينهم تعارف، عندما دعوناهم لحضور نشاطنا في بعض المدن.
وقال: المؤتمرات فيها فوائد كثيرة، ولكنها لا توحد المسلمين وحدها، وإنما الذي يمكن أن يوحدهم ـ في الجملة ـ اشتراكهم في بعض الأعمال النافعة، كمناصرة أفغانستان. [وقد أصبحت مناصرة المسلمين لإخوانهم المسلمين إرهاباً تحاربه الصليبية الأمريكية الجديدة في كل مكان].
ويوجد في ألمانيا: العرب الشرقيون وهم مجموعتان:
جماعة الإخوان المسلمين في ميونخ وفي آخن.
ويوجد أفراد من حزب التحرير، وليس لهم تجمع.
والعرب المغربيون، وينقسمون إلى مجموعتين:
المجموعة الأولى مع الحكومات التي ينتمون إليها، كالمغرب وتونس وغيرها.
والمجموعة الثانية مع جماعة آخن التي اتجهت في نشاطها إلى المغاربة.
والباكستانيون، ويوجد منهم أكبر تجمع في فرانكفورت.
والإندونيسيون، لهم نشاط وأغلبهم مع السفارة الإندونيسية التي تراقب النشاط الإسلامي مراقبة شديدة. [هذا كان في عهد سوهارتو].
وعدد المسلمين كلهم في ألمانيا يقدر بمليونين.
وعدد المسلمين الألمان نحو عشرة آلاف.
وقد حاولنا الحصول على عناوين المسلمين الألمان، فلم نتمكن إلا من ألف عنوان فقط، مع أننا نجد كثيراً من المسلمين في المدن والقرى.
وللإيرانيين مسجد كبير في مدينة هامبورج، أسس في عهد الشاه، ولهم فيه نشاط، لأن القائمين عليه شخصيات مهمة، حتى إن بعض أئمة المسجد صاروا من كبار رجال الثورة الإيرانية.
وبعض الألمان يدخلون في الإسلام عن طريق الشيعة، ولذلك نحاول أن نشترك معهم في مسجدهم بإقامة النشاطات، وقد قام بيننا وبينهم لقاء تحت عنوان نحن والسنة، وكان اللقاء جيداً، حتى قام مسؤول مجلة الفجر، وهو ألماني شيعي بدون إذن، وبدأ يهاجم أبا هريرة رضي الله عنه، فذهبنا نحن إلى إمام المسجد وأخبرناه، فغضب غضباً شديداً، وزجر الرجل، لأنه يريد، كما قال: تجميع المسلمين والبعد عن الخلافات. [هذه خدع من الشيعة لا ينبغي أن تنطلي على دعاة أهل السنة].
والتجمع الإسلامي في هذا البلد هو مجتمع مصغر للعالم الإسلامي في العقائد والمذاهب الفقهية، والطرق الصوفية والسياسية وغيرها، وهذا يجعل وضعنا أصعب من وضع أي بلد إسلامي.
وتوجد تجمعات صوفية ألمانية، ويدخل الألماني في الإسلام بنية طيبة ولو عن طريق الصوفية، ولكن الذين يصلون إلى درجة اجتماعية معينة، كالمشايخ الذين يكاد الناس يعبدونهم تكون وراءهم أغراض مادية.
وأثنى على ترجمة بافاريا لمعاني القرآن الكريم، من حيث المضمون. وقال: إنها تحتاج إلى إعادة نظر من حيث الإخراج.
وتوجد ترجمة لمحمد رسول لمعاني القرآن الكريم، وفي الطبعة الأولى أخطاء مطبعية، وقد وعد المترجم أن يصحح أكثر من ثلاثمائة خطأ، عندما نُبه على ذلك، فإذا فعل فربما تكون ترجمته أحسن الترجمات الموجودة، وكان المترجم قد طلب في الطبعة الأولى تنبيهه على أي خطأ يحصل في الترجمة أو غيرها وقد نبهناه.
وسألت الأخَ محمداً هل يمكن أن تفتحوا مدرسة كاملة لأبناء المسلمين، تجمع بين منهج الإسلام واللغة العربية والمنهج الألماني؟
فقال: ليس ذلك صعباً، والذي ينقصنا هو الإمكانات البشرية والمادية.
قلت: هل تسمعون شيئاً عن الإسلام باللغة الألمانية من وسائل إعلام الشعوب الإسلامية في ألمانيا، أو تقرءون صحفاً يومية أو مجلات شهرية أو غيرها؟
قال: لا نسمع شيئاً عن الإسلام من أي وسيلة إعلام، من الشعوب الإسلامية.
وقال: إن الحكومة الألمانية ترحب بالقاديانيين وتمنحهم اللجوء السياسي، وأصبح لهم تجمعات ونشاطات في كل مكان، حتى في القرى الصغيرة. [ظاهر من صنيع الحكومات الغربية تشجيع الفئات الكافرة أو المنحرفة المنتسبة للإسلام، ويبدو أن الهدف من ذلك محاصرة الدعوة الإسلامية الصادقة بإيجاد مؤسسات لها لافتات إسلامية يجتذب بها من يحب الدخول في الإسلام، ومبادئ تلك الفئات لا يخاف منها أهل الغرب، لعدم تمسكها بالدين بل لتحريفها الكلم عن مواضعه].
وللبهائية نشاط كذلك، ومركزهم في مدينة فرانكفورت.
قلت له: هل يمكن للمسلمين أن يحصلوا من الحكومة الألمانية على ساعات إذاعية أو تلفزيونية لنشر أفكارهم الإسلامية؟
قال: هذا صعب في ألمانيا، ولكن لو اجتهد المسلمون في طلب بعض الأوقات فقد تحصل الموافقة بشروط معينة.
وختم الأخ محمد صديق المقابلة بقوله:
لو فهم المسلمون كلهم أن الدعوة إلى الإسلام واجبة عليهم، وقام كل واحد بالدعوة في موقعه لنجحت الدعوة.
ثم ودعْنا الأخ محمد صديق وعدنا إلى مدينة فرانكفورت ولو أن أهل الخير ساعدوا مثل الأخ محمد بشراء بعض المباني في وسط مدينة برلين ووقفوها للعمل الإسلامي الذي يقوم به، وبخاصة إنشاء مدرسة إسلامية لأبناء المسلمين لنفع الله بذلك كثيراً.
في الخطوط السعودية لتغيير خط السير:
الخميس: 20/11/1407 هـ.
لم يتيسر لي في هذا اليوم موعد لقاء مع أحد، لا من الدعاة المسلمين ولا من غير المسلمين، إلا أني زرت المركز الإسلامي في فرانكفورت ورأيت بعض الزوار المسلمين للمركز من بعض البلدان الإسلامية.
ثم ذهبت إلى مكتب الخطوط السعودية، لتحويل خط السير الذي كان رتب لي من المدينة المنورة قبل السفر ليكون بعد برلين هكذا:
فرانكفورت، بروكسل، كوبنهاغن، لندن، ستوكهولم، أوسلو، أمستردام، فينا، باريس، جدة.
وأردت أن يكون ترتيبه هكذا: فرانكفورت فينا، بروكسل، أمستردام، كوبنهاغن، ستوكهولم، هلسنكي، أوسلو، باريس، جدة.
ولم أجد مدير مكتب الخطوط السعودية، وإنما وجدت موظفة مصرية، أخذت مني التذاكر ووعدت بتحقيق الطلب، واعتذرت عن إنجاز العمل في الحال لتوقف الكمبيوتر عن العمل عندئذ.
وقبل صلاة المغرب زارني بعض الإخوة الذين جاءوا للعلاج من اليمن الشمالي، وهم من أصدقاء إخواني وأقاربي في اليمن، وتذاكرنا شؤون الدعوة ووجوب إبلاغ الناس هذا الدين، والوسائل اللازمة لذلك في هذا العصر.
الجمعة: 21/11/1407 هـ.
ذهبنا في صباح هذا اليوم إلى مكتب الخطوط السعودية في مدينة فرانكفورت، والتقينا الأخ أحمد علي مصطفى، وتمت الإجراءات المطلوبة لتحويل خط السير الذي طلبته أمس.
وأحمد علي مصطفى من مواليد مكة المكرمة، ونشأ في جدة وحمل الشهادة الثانوية ـ القسم العلمي ـ .
وبدأ في دراسة الهندسة المعمارية في ألمانيا، ولم يكمل الدارسة وعمل في الخطوط من سنة 1974م بعقد محلي، ثم أصبح مدير خدمات المطار في فرانكفورت.
ثم تحول إلى وظيفة سعودية في 1/1/1399هـ.
وأصبح مديراً للفرع في فرانكفورت سنة 1983م.
عنده ولد واحد، وعمره 3 سنوات.
مع الأخ أحمد القطان:
وقد رافقني في هذا اليوم الشاب المصري الأخ أحمد محمد القطان، وهو من سكان القاهرة.
وعمره 29 سنة.
درس في جامعة الزقازيق ونال شهادة البكالوريوس في الهندسة الميكانيكية سنة 1981م، وسافر إلى العراق والأردن، وعمل في العراق عدة أشهر، ثم سافر إلى ألمانيا سنة 1982م، وهو يحضر الآن دبلوماً في نفس التخصص.
في جامعة: غوتة:
وبعد أن انتهينا من مكتب الخطوط اتجهنا إلى جامعة "غوتة" لنصلي الجمعة في قاعة صغيرة منحتها الجامعة للطلاب، ليزاولوا فيها نشاطهم ويستغلها الإخوة المسلمون لبعض أعمالهم ومنها صلاة الجمعة(28).

وجاء بعض الإخوة ـ وهو صلاح بن فارس بن السيد بن سليمان ـ بفرش الغرفة معه من المركز الإسلامي.
وقبيل الأذان دخل شاب مسلم، أبوه مصري وأمه ألمانية، عمره ثماني عشرة سنة تقريباً، فرأى صوراً معلقة على الحائط، وأراد أن يقلعها فقال له أحد الإخوة: الغرفة ليست ملكنا، ونحن نستعملها مؤقتاً، فأخذ الشاب بعض الأوراق وغطى الصور، وقال: لا نريد الملائكة تبتعد عنا. وصلينا الجمعة، وكان عدد الحاضرين لا يزيد عن ستة مع أن في الجامعة عدداً من أبناء المسلمين من كل العالم، ولم تزد الخطبتان عن ربع ساعة.
خسارة عظيمة!
وكون هذه الجامعة فيها أعداد كبيرة من الطلبة المسلمين من كل العالم، ولا يصلي فيها إلا ستة أشخاص، ثلاثة تقريباً من خارجها، يدل على خسارة عظيمة وأن أكثر شباب المسلمين في ضياع.
وقد أخبرني الأخ أحمد القطان أنه ذهب إلى أحد مقاصف الجامعة قبل الأذان، وحاول تنبيه بعض الطلبة الذين كانوا فيه أن يحضروا للصلاة، فمنهم من سكت، وهو الأكثر ومنهم من صارحه بأنه لا حاجة له إلى الإسلام، وأنه يشك في القرآن وفي بعض أحكامه! وكان هذا المرتد سودانياً متزوجاً ألمانية، فإلى الله وحده المشتكى!
حوار المسلم الألماني عبد الشكور كونز (KUNZE):
زرنا الأخ عبد الشكور في منزله قبل صلاة العصر، وهو مقعد(29).

ولد الأخ عبد الشكور سنة 1919م في مدينة برلين، وأسرته كانت متمسكة بالدين وهم كاثوليك.
كانوا يقرءون الإنجيل يومياً، وكانوا، كما قال: قساوسة وراهبات، ولم يكونوا مثل المسلمين، يضعون القرآن على الرف! [ليس كل المسلمين كذلك، ولا كل النصارى متمسكين بدينهم المحرف، بل المتمسكون بالإسلام ـ مع تقصير أغلبهم فيه ـ أكثر بنسبة لا مقارنة بينهم وبين النصارى].
و قال: إنه كان يناقش أهله في عدم صحة التثليث، وعمره خمس سنوات، قبل دخوله المدرسة الابتدائية.
وقال لهم مرة: لو أن طالباً في الرياضيات أراد أن يأخذ في الامتحان درجة كاملة [وقال: سِتِّينَ] بجمع: 1+1+1=1 فهل يعقل أن يكون جمعه صحيحاً.
ثم قال: لا يوجد في النصرانية توحيد.
وأول ما سمع عن الإسلام من ترجمة معاني القرآن الكريم، وعمره خمسة عشرة عاماً، ولم يكن عنده مهماً، وإنما كان يريد أن يكون نصرانياً صالحاً، وكان يقرأ الإنجيل، وكلما قرأه ازداد بعداً منه، ثم قرأ التوراة، ووجد فيها نصف الجواب، وهو يتعلق بالتوحيد، ولكن هو ليس من بني إسرائيل، ودين اليهود خاص بهم.
وسألته عن سبب ابتعاده عن الإنجيل، مع أنه كان يحب أن يكون مسيحياً صالحاً؟
فقال: إنه لا يوجد فيه الجواب عن الأسئلة المهمة في العقيدة، وأهمها كيف يكون الثلاثة واحداً، وقال: أنه وجد التوحيد في التوراة، ولكنه استمر في البحث عن دين.
قلت: ماذا حصل عنده عندما قرأ ترجمة معاني القرآن الكريم هل وجد الأجوبة عن أسئلته؟
قال: وجد التوحيد في القرآن ووجد نفسه كذلك، وأسلم بقلبه، ولم يكن عنده إشكال في تحريم الخمر وأكل لحم الخنزير، لأن أهله ما كانوا يشربون الخمر ولا يأكلون لحم الخنزير، ولكنه عندما علم أهله عنه أنه يؤمن بالقرآن الكريم أصبح كافراً عندهم، وكانوا يكثرون عليه الأسئلة فيزداد بذلك بحثاً ومعرفة، وانتقل من الإسلام النظري إلى الإسلام العملي.
السبب في إسلامه: سماعه أنشودة !
قال: الأخ عبد الشكور: إنه كان في ليبيا من سنة 41 ـ 1943م، في الجيش الألماني أيام الحرب، وكان يسمع الأذان من المساجد.
ولكنه لم يلفت انتباهه شيء كما لفت انتباهه صبي كان يردد أنشودة كل صباح وكان صوته جميلاً ووجهه مشرقاً، وكان عبد الشكور ينصت له وينظر إلى إشراقة وجهه، وكان يقول: لا بد أن يكون هذا الصبي مَلَكًا، وكان يحاول أن يعطيه طعاماً فيرفض، قال: وربما كان يرى أن طعامنا حراماً عليهم.
قال: ولكثرة تكرار تلك الأنشودة وإعجابي بها، كتبت كلماتها بالحروف اللاتينية ـ هذا كان قبل إسلامه ـ وكان عندما يسمع صوت الصبي يتأثر، ليس بالصوت فقط، ولكن كان يشعر أن في هذا الكلام الذي لا يفهمه معاني ليست من هذه الأرض، وكان ينتظر كل يوم الوقت الذي يخرج فيه الصبي، ليقرأ تلك الأنشودة، ويريد أن يسمعها وكان يردد معه بقراءته لها بالحروف الألمانية.
ثم سجن في ليبيا مع الجنود المنهزمين، ونقل إلى سجن في أمريكا، وفي السجن بدأ يدرس اللغة العربية وبدأ يقرأ الحروف العربية، فحصل على نسخة من المصحف وكان عمره 24 سنة، وبدأ يقرأ القرآن الكريم فعرف عند ذلك أن تلك الأنشودة التي كان يرددها ذلك الصبي هي سورة الفاتحة!
قال: وأحسست عند ذلك أنني يجب أن أشكر الله، وسميت نفسي عبد الشكور!
قلت له: ما الفرق بين حياتك قبل الإسلام وبعده؟
قال: بعد الإسلام أحسست بالرضا والطمأنينة، ولم يكن ذلك موجوداً عندي قبل الإسلام، لعدم وجود ما في القرآن في الكتب السابقة.
وأهم شئ عند الأخ عبد الشكور أن تتصل نفسه بربها في الحياة قبل الموت، لأن النفس أهم من الجسد، قال: وليس قصدي الفصل بين الروح والجسد.
قلت له: ما الصفات التي ترى وجوب توافرها في الداعية المسلم، حتى يكون مؤثراً في غير المسلمين؟
قال: الدعوة هي القدوة الحسنة.
وأهم القضايا التي يجب أن تناقش هي التوحيد، وقال: كنت أناقش الناس مناقشات دينية، وكنت أشعر أني أساعدهم في الإجابة على أسئلتهم، بسبب أني كنت مسيحياً أعرف المشكلات التي تواجههم.
والوسيلة المناسبة لنشر الإسلام في الغرب هي اللقاءات العامة، كالمحاضرات، وليست المحادثات الشخصية. [هكذا يرى: ولكن ظهر لي من نشاط بعض الإخوة الذين يتصلون بغير المسلمين أن المحادثات الشخصية وسيلة نافعة].
وقال الأخ عبد الشكور: إن القيمة الكبرى في حياته، هي عيشة الإسلام ورضى النفس.
وإذا كان كثير من المسلمين يخافون الموت، فإنه يعتبره صديقه العزيز: وقال: الذي يخاف الحساب هو ضعيف الصلة بالله، أما الذي صلته قوية بالله فإنه يحب ذلك. [هذه العبارة غير سليمة فالرسل والملائكة وأولياء الله كلهم أشد خوفاً لله ويوم الحساب من غيرهم].
وكان له صلة بالفرقة القاديانية، وبقي معهم فترة طويلة، ولم يكن يعتقد ما يعتقدون، وعندما عرف معتقدهم تركهم.
وعنده ترجمة القرآن الكريم للمستشرق الألماني هننج (HENNING)، وقال: إنه مستشرق حيادي وهو نصراني، ولكنه يدرس الكلمات من حيث اللغة فقط ويترجم.
وسألته: ألا توجد في ترجمته أخطاء تنافي بعض مقاصد القرآن؟
فقال: ليس فيه أخطاء، وإنما بعض التعبيرات يمكن أن تستعمل بدلها تعبيرات أخرى، لأن اللغة الألمانية تجددت.
وتوجد له طبعة جديدة صححتها مستشرقة ألمانية باللغة الألمانية الجديدة. [قلت إذا كان هذا الرجل المسلم من مدة طويلة وهو متحمس للإسلام ومرجعه في ترجمة معاني القرآن الكريم باللغة الألمانية لمستشرق نصراني، ويرى هذا المسلم أن هذه الترجمة هي أقرب الترجمات إلى الصواب لأنه لم يجد سواها، فكيف سيكون فهمهم للإسلام؟ ولولا أنه فهم أن القاديانية لا يصح اتباعها لكان المرجع الثاني من ترجمات معاني القرآن الكريم باللغة الألمانية هو ترجمتهم].
وسألته: هل فهمت من الإسلام أنه شامل لحياة البشر كلها؟
قال: أنا لا أعرف شمول الإسلام للاقتصاد والسياسة وغيرها، ولكن يوجد بعض المسلمين الألمان عندهم علم، عليهم أن يفهموا غيرهم من المسلمين الألمان، وذكر منهم الشيخ محمد صديق وأحمد دنفر، وعلي بارو (وهذا مسلم شيعي!) وعبدالكريم قرت وزوجته فاطمة هرن.
وسألته عن أهم المشكلات في الغرب؟
فقال: المادية التي تنخر في المجتمع.
وقال: إن نسبة الطلاق لا تحتاج إلى معرفة في الغرب، لأن الناس يعيشون على الاتصال غير المشروع.
وقال: إن القاديانية أصلها جماعة سياسية إنجليزية، ويرى أنه يجب على المسلمين أن يناقشوهم ويوضحوا لهم الأخطاء التي عندهم.
ونصح المسلمين في ألمانيا بأن يزور بعضهم بعضاً، ويتعرفوا على مشكلاتهم، وأن يحضروا كل اللقاءات الإسلامية، أو ما يعقده غير المسلمين من لقاءات تتعلق بالإسلام ليعرفوا ماذا يقال عن الإسلام؟
بعد أن شرب قارن!
ذكر الأخ أحمد القطان قصة رجل ألماني غير مسلم، شرب من أم الخبائث حتى أصبح شبه سكران.
وقبل أن أذكر القصة التي أراد الأخ أحمد القطان ذكرها أود أن يعلم القارئ، أن أهل الغرب لا يتكلم بعضهم مع بعض إذا لم تكن بينهم علاقةٌ مّا، أي إذا كانوا لا يعرف بعضهم بعضا ـ هذا في الغالب ـ فتجد الرجل يقعد بجانب الآخر في رحلة طويلة في الطائرة أو القطار أو الحافلة أو في المطعم أو غير ذلك، ولا يلتفت أحدهما للآخر إلا ما شاء الله، وهذه العادة تسبب لهم السآمة والملل والشعور بالوحدة والغربة في بلادهم، ولذلك يحاول من يريد أن يتحدث إلى الناس أن يأخذ بالأسباب التي اعتاد الناس أن تخرجهم من المألوف، ومن ذلك اقتناء الكلاب، كما سيأتي ما يدل على هذا المعنى من كلام بعض المسلمين في أوروبا، بأن المرء الوحيد ـ رجلا أو امرأة ـ يقتني كل منهما الكلب، ليؤنسه أو يؤنسها في المنزل، وليكون سببا في التحدث مع الآخرين في الحدائق العامة ونحوها، إذ لا بد لصاحب كل كلب أن يخرج به ليأخذ حظه من الرياضة البدنية، وليتخلص من الفضلات، فإذا التقى صاحبا الكلبين في الحديقة، انطلق كل منهما يحدث الآخر عن كلبه وخصائصه ومميزاته، ويصاحب ذلك تبادل الضحك والنكات ونحوها، ولو لم يكن معهما كلبان وهما غير متعارفين، لم يكلم أحدهما الآخر غالبا. [هكذا سمعت من بعض المسلمين في أوربا].
ومن الأسباب التي تجعل الناس يتحدثون بدون حرج مع الآخرين، شرب الخمر إلى حد السكر أو إلى قريب من السكر، فإن من يشرب بهذه الصفة يستطيع أن يتحدث مع من يشاء، مع الكبير والصغير والرجل والمرأة وفي أي موضوع يريد سواء تعلق بنفسه أو بغيره، فإن الناس إما أن يسمعوا منه ويبادلوه الحديث، لينطلقوا هم أيضا مع فاقد الوعي أو قريب منه، وإما أن يضاحكوه على الأقل، فإنه يكثر من الهزل والضحك، وقد يغضب فيلاطفونه.
وهنا أسوق القصة التي ذكرها لي الأخ القطان:
قال: كنت على أحد الأرصفة في شارع من شوارع فرانكفورت، أتصل بأحد الأصدقاء بالهاتف، ووقف بجواري رجل قد شرب حتى أصبح شبه سكران فسألني قائلا:
هل تشرب؟ ـ يعني الخمر ـ فقلت له: لا.
فقال: إذًا أنت مسلم، قلت: نعم.
فأخذ الرجل ورقة وأخذ القلم ورسم على الورقة دائرة كبيرة، ورسم على تلك الدائرة دائرتين صغيرتين، ورسم دائرة صغيرة في وسط الدائرة الكبيرة، وقال لي: الدائرة الكبيرة هي العالم، والدائرتان الصغيرتان عليهما هما أمريكا وروسيا، والدائرة الصغيرة التي في الوسط هي المسلمون، والدائرتان المشار بهما إلى روسيا وأمريكا جامدتان، أما الدائرة الصغيرة التي في الوسط، وهي المشار بها إلى المسلمين فإنها تنتشر وتتحرك، يعني أن الإسلام ينتشر في العالم على الرغم من ضعف المسلمين، والقوى الكبرى ليست قادرة على الانتشار وإن كانت تحاول ذلك بالقوة!
قلت: لقد وفق للمقارنة بعد أن شرب!
وهذا رسم تقريبي للدوائر التي شرحها لي الأخ أحمد القطان.
دعوني أنام لا تزعجوني!.
السبت: 22/11/1407هـ.
كنا في صباح هذا اليوم نمشي في أحد الشوارع القديمة في وسط المدينة التي لا يسير فيها إلا المشاة، فسمعنا صوتاً عالياً يكرر عبارة واحدة، فالتفت فإذا هو عجوز قصير القامة قاعد مستند إلى الجدار، وهو على الرصيف، ويأكل طعاماً فقلت للأخ أحمد: ماذا يقول هذا الرجل؟ فقال: هو سكران ويخاصم المارة يقول لهم: دعوني أنام لا تزعجوني!
في حديقة الحيوان:
في هذا اليوم لم يكن عندنا موعد، فاتفقنا مع الأخ أحمد القطان أن نذهب إلى حديقة الحيوان(30).

وكان معنا الأخ الشيخ محمد بن علي العجلان اليمني الذي جاء إلى فرانكفورت للعلاج، وتجولنا في الحديقة، وهي كبيرة، تجولاً سريعاً، وكان الأخ محمد العجلان متفاعلاً مع الحديقة، بأشجارها وجداولها، وأسودها، وفهودها، وذئابها، وقرودها، وثعابينها وحيَّاتها، وأسماكها، وزرافاتها وغير ذلك، مما خلق الله مما لم نكن نحن نعرف أسماءه، وأخذت أستثيره، وهو شاعر ليقول بعض الأبيات حتى أكتبها في مذكراتي اليومية هذه، فلم أظفر منه إلا ببيت شعر واحد هو فيما يبدو مطلع قصيدة، لعله قد قرضها من قبل أو سيتمها فيما بعد، فقد قال:
في مركز الطلاب الإسلامي في القرية الجامعية:
وفي المساء ذهب بنا الإخوة إلى قرية جامعية في ضواحي مدينة فرانكفورت، تبعد عنها 35 كيلو متر، لزيارة مركز طلابي إسلامي هناك، حيث يتجمع بعض الطلبة، ليتدارسوا القرآن الكريم، والسنة والسيرة، وما تيسر من الأحكام، وكان المطر منهمراً طول سيرنا.
وقد ألقى الأخ محمد العجلان محاضرة ملأ حيزاً كبيراً من وقتها بقصيدة، وكانت المحاضرة تدور حول الجهاد في سبيل الله، وبخاصة فيما [قبل الحملة الصليبية الظالمة على الإسلام اليوم] يتعلق بالبلدان الإسلامية المحتلة كفلسطين وأفغانستان، وإرتريا، وغيرها، وتحدث عن عوامل النصر وعوامل الهزيمة، وعن حاجة المسلمين إلى أن يتولى قضاياهم المهمة قادة أكفاء، وأن تثار تلك القضايا باسم الإسلام، وليس باسم الوطنيات أو القوميات التي سقطت أعلامها وذل دعاتها، وأذلوا معهم الشعوب الإسلامية، حتى صارت الأمة الإسلامية غثاء كغثاء السيل.
ثم فتح النقاش ووقع خلاف في وجهات النظر بين بعض الحاضرين.
نص قصيدة الشيخ محمد بن علي العجلان:
هذا، وقد طبعت هذه القصيدة في ديوان الشيخ العجلان، وفي الديوان المطبوع شيء من الاختلاف، بتعديل أو زيادة أو نقص، وقد فضلت إبقاء ما سجلته في هذه الأمسية كما هو، دون تغيير. [عنوان الديوان في طبعته الأولى سنة:1410هـ ـ 1990م:حداء المسيرة. وعنوان القصيدة فيه:إلى أفغانستان المجاهدة الصابرة، في صفحة:261].
ثم واصلنا المناقشة حول الدعوة في الغرب ودور الجاليات الإسلامية والطلاب في نشر الإسلام، وواجب المؤسسات الإسلامية في الشعوب الإسلامية تجاه الدعوة إلى الله، والعقبات التي تعترض الدعوة في الغرب، سواء كانت من قبل المسلمين في الغرب، أو في الشعوب الإسلامية، أو من قبل أعداء الله في الغرب وغيره، وأن القدوة الحسنة هي الأساس في نشر الدعوة إلى الله في كل مكان.
معلومات عن المركز الإسلامي في فرانكفورت:
تعد مدينة فرانكفورت من أكبر مدن ألمانيا وأهمها، وهي تعتبر العاصمة التجارية والمالية الأولي لألمانيا، ففيها البنك المركزي الألماني، وفيها فروع أهم البنوك الأجنبية، فضلاً عن البنوك الألمانية وبها المراكز الرئيسية لإدارات المصانع والشركات الكبرى، وهي ملتقى الاتصالات الأوروبية، كما أن بها أكبر مطارات أوربا.
وبفرانكفورت جامعة كبيرة عريقة، هي جامعة جوتة (GUTE) التي يقصدها الطلاب من كل مكان، للحصول على الدرجات العلمية المختلفة، كما أن بها أحد أكبر المعارض الصناعية الزراعية في أوروبا. [من نشرة أعدتها الجماعة الإسلامية في ألمانيا].
ولا تبعد فرانكفورت عن المناطق الصناعية، كما أن بها مستشفيات كبيرة متخصصة، يقصدها المرضى من كل مكان، كما تعتبر الصحافة الصادرة منها لسان حال ألمانيا .
لذلك كله كانت فرانكفورت مصدر جذب لمعظم القوى الصناعية والتجارية والإعلامية والعلمية، وفيها أكبر تجمع لليهود الألمان، وكذلك عدة كنائس للنصارى العرب ترعى شؤونهم.
والأهم من ذلك أن بها تلك التجمعات الضخمة من العمال والطلاب المسلمين، من الأتراك والباكستان والأفغان، والعرب والأوروبيين، فضلا عن الزائرين ورجال الأعمال والمقيمين لمدد قصيرة.
وتقدر هيئة الإحصاء الألمانية عدد مسلمي فرانكفورت وضواحيها بحوالي مائة ألف مسلم، من مختلف الأقطار الإسلامية.
وعلى ضوء هذا لا بد أن يكون في هذه المدينة الهامة من يعملون للدعوة لدين الله عز وجل، والعمل على تجميع المسلمين وانتشالهم من الفتن المحيطة بهم وتوعيتهم بدينهم، وإقامة الشعائر الإسلامية والنهوض بالقيم ومستوى الالتزام للمسلمين. والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
الإسلام في ألمانيا:
يعيش في ألمانيا ما يزيد على مليوني مسلم، أكثر من مليون ونصف أتراك، وعشرون ألفاً يوغسلاف، وستون ألفاً من العرب، والباقي من جنسيات مختلفة، من إفريقيا وآسيا، وحوالي ألف ومائتين من الألمان، ويشارك 85% تقريباً من هذا العدد في الشعائر الإسلامية، غير أن المساجد الموجودة معظمها ليست إلا مساجد مؤقتة وأبنية مستأجرة، وهذا سبب في عدم الاستقرار الذي تترتب عليه مصاعب تعترض الحياة الدينية للمسلمين.
ويمثل الإسلام بأتباعه أكبر الطوائف الدينية بعد الكاثوليك والبروتستانت، وعلى الرغم من ذلك فما يزال الإسلام غير معترف به من الناحية القانونية، مثل ما هو معترف بطوائف أخرى تأتي بعد المسلمين في العدد، وهذا الوضع الشاذ وما يتضمنه من ظلم للمسلمين يحرمهم من كثير من الحقوق، منها:
عدم أخذ الإسلام دوره في الحياة الرسمية، وعدم إقامة المساجد وتدريس الدين الإسلامي في المدارس، وتخصيص مقابر للمسلمين وأشياء أخرى كثيرة من الحقوق الضائعة للمسلمين، والتي نتائجها حجب الإسلام عن الشعب الألماني، الذي لا يعرف إلا قليلاً من المعلومات المشوهة عن الإسلام والواقع تحت تأثير الإعلام المضلل.
ويعيش المسلم في وسط خضم الحياة المادية التي تحاول انتزاعه من جذوره، وإذابته في بوتقة الجاهلية لتنشأ بعد ذلك أجيال ممسوخة، ليس لها من الإسلام إلا أسماء وذكريات، بخلاف ما تحاوله الأجهزة النصرانية بكل إمكانياتها هنا، لانتزاع المسلمين من دينهم عن طريق طبع نشرات وكتب باللغة العربية، وعمل حفلات، وتقديم مساعدات مادية، ويوجد متخصصون لذلك أتوا خصيصاً من الدول العربية مرسلين من الكنائس العربية لافتراس المسلمين.
هذا بخلاف الأمراض الاجتماعية التي تظهر بين الشباب هنا، ويكون شباب المسلمين الذين تربوا في هذه البلاد فريسة لهذه الأمراض، إذا لم يجدوا من يحتضنهم ويدلهم على طريق الحق وبر الأمان.
ولهذا يقع عبء ثقيل على العاملين للإسلام، وإلا فسيواجه المسلمون: إما الذوبان في المجتمع الكافر، أو التقوقع في دوائر مغلقة، مثل أحياء اليهود. [ولن يستطيعوا ذلك مثل اليهود، لأن اليهود عندهم أموال استطاعوا أن يحصلوا بها على أراض يقيمون عليها تلك الحارات وعندهم نفوذ يمكنهم من ذلك، أما المسلمون فأغلبهم متفرقون، فهم إلى الذوبان أقرب أن لم يتدارك أمرهم].
وضع المسلمين في الوقت الحالي:
لقد قمنا ـ بعد جهد جهيد ـ باستئجار شقة ليست كبيرة مساحتها حوالي (155 متراً مربعاً) وبشروط قاسية، منها عدم السماح بوجود أكثر من خمسين شخصاً، وعدم السماح بإعداد الطعام فيها، ولاضطرارنا إلى ذلك وافقنا على هذه الشروط، وبسبب ذلك توقفت بعض الأنشطة بالمركز والآن أصبح الوضع لا يحتمل، لأن المصلين يزيد عددهم باستمرار حتى إننا الآن نصلي على الدرج، بعد فتح كل غرف المكتبة والمكاتب وغرفة الأخوات أثناء الصلاة، وهذا يسبب لنا مضايقات مع الجيران غير أن روائح الأحذية لا تطاق بداخل المركز نتيجة كون المكان مغلقاً، وهذا لا يتناسب مع مكان للعبادة، هذا بخلاف المدرسة العربية لأطفال المسلمين التي أصبح المكان لا يتسع لها، بعد أن أصبحت فصلين، وفي القريب سيبدأ الفصل الثالث، ونخشى أن يتعطل النشاط نتيجة لذلك الوضع المتأزم، وللحرج الذي نقع فيه مع الضيوف القادمين إلى المركز في موضع المبيت.
الأنشطة التي يقوم بها المركز:
وفيما يلي نستعرض بعض الأنشطة بالمركز:
1 ـ دعوة المسلمين للعودة إلى دينهم الحنيف.
2 ـ إقامة صلاة الجمعة والفروض الخمسة في جماعة، وصلاة العيدين.
3 ـ درس أسبوعي في التفسير والسيرة والحديث، وغير ذلك من العلوم الإسلامية، وتكون في عطلة في نهاية الأسبوع، ويحضرها الإخوة من فرانكفورت وما حولها.
4 ـ درس للأخوات في الفقه والتفسير والسيرة.
5 ـ درس أسبوعي في تجويد القرآن الكريم .
6 ـ المدرسة العربية للأطفال المسلمين لأعمار ما فوق سبع سنوات يومي السبت والأحد، حيث تدرس فيها اللغة العربية، والقرآن الكريم، وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، والحساب.
7 ـ النشاط الرياضي.
8 ـ طبع أشرطة كاسيت للقرآن الكريم ودروس ومحاضرات لمشاهير الدعاة والعلماء.
9 ـ مكتبة للاطلاع الداخلي والاستفادة تحتوي على كتب في الفقه والسيرة والتاريخ، وإن كانت ما تزال في حاجة إلى دعم كبير إلا أنها تقوم بعون الله بدور التوعية الإسلامية، بما تحتوي عليه من مجلات إسلامية من مختلف بلاد المسلمين ونشرات المراكز الإسلامية، وما تزال في حاجة إلى أمهات الكتب وكنوز العلم.
10 ـ المشاركة مع الجالية المسلمة في الأفراح، بإقامة الاحتفالات وعقود الزواج وما يلزم من توثيق، وكذلك المشاركة معهم في دفن الموتى.
11 ـ إقامة احتفالات بالمناسبات الدينية.
12 ـ دعوة غير المسلمين إلى ندوات تعريف بالدين الإسلامي، لتغيير الصورة المشوهة عن الإسلام والمسلمين في أذهانهم.
13 ـ رحلات جماعية في المناسبات، إلى الحدائق والمناطق الخلوية ورحلات للمراكز الأخرى، لحضور اللقاءات الشهرية والسنوية.
14 ـ الاتصالات المنتظمة والمستمرة مع الجهات الألمانية المختصة للحصول على حقوق المسلمين، من أماكن لدفن موتاهم وتصريح بإقامة مدرسة إسلامية، والمطالبة بالاعتراف بالدين الإسلامي رسمياً في ألمانيا .
خطة المركز:
1 ـ شراء بيت مستقل لكي يكون مركزاً إسلامياً للمسلمين في فرانكفورت وما حولها، يقيم فيه المسلمون شعائرهم ونشاطاتهم، حتى تتوافر لهم عوامل الاستقرار ويؤتي العمل ثماره المرجوة بإذن الله.
2 ـ إنشاء مدرسة وحضانة إسلامية، لترعى أبناء المسلمين وتغنيهم عن اللجوء إلى حضانات الكنائس، التي تنشئهم على عقائد النصارى وعلى الإباحية منذ نعومة أظفارهم.
3 ـ إنشاء فصول لتعليم اللغة العربية، لأولاد المسلمين العرب وغير العرب، حتى ينشأ جيل يجيد لغة القرآن الكريم، فضلاً عن الألمانية، فيكون محافظاً على دينه، ويكون عوناً على نشر الإسلام في هذه البلاد.
4 ـ استقبال الطلاب وتوفير السكن لهم، من أبناء المسلمين الذين يفدون للدراسة، ورعايتهم والمحافظة عليهم وتقديم العون المادي والمعنوي لهم، حتى يستطيعوا القيام بواجبهم والعودة إلى أوطانهم غير آثمين ولا مبدلين.
5 ـ إنشاء مطعم خاص ومجزرة، لتقديم وجبات يطمئن إليها قلب المسلم (لحوم مذبوحة طبقاً للشريعة الإسلامية).
6 ـ تقديم خدمات للمسلمين الذين يترددون على ألمانيا، للعلاج أو العمل أو الدراسة أو التجارة أو غيرها، وتوفير المناخ المناسب لإقامتهم.
7 ـ عمل مشروع للاكتفاء الذاتي، ونحن إذ نسعى لشراء هذا المبنى ـ المركز ـ ننوي تخصيص الدور الأرضي، لمشروع تجاري يمد المركز ذاتياً بالموارد المالية التي تمكنه من ممارسة أنشطته مستقبلاً دون اللجوء إلى التبرعات.
إن وجود مثل هذا المركز في هذه الأيام في تلك المنطقة ضرورة ملحة للحفاظ على إخوانكم ـ يخاطب المسلمين القادرين على الإعانة ـ من الجالية المسلمة بألمانيا الغربية، وكذلك فإنها عون لكل أخ مسلم يزور ألمانيا، سواء كانت زيارته للعلاج أو للدراسة أو لغيرها من الأسباب، أن يجد داراً ترحب به وتيسر له حاجته، كما نسأل الله العلي القدير أن يجعله منارة هدى لتلك الشعوب، ولذا فنحن نهيب بكل مسلم أن يشارك في إتمام هذا المشروع، لننقذ به أنفسنا وأولادنا فلذات أكبادنا من الضياع، في هذا المجتمع الجاهلي الذي لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً.
هذا، وقد فصلت النشرة المشروع بمرافقه المختلفة وبلغت تكلفته التقريبية مليوني مارك ومائة ألف مارك ألماني (2.100.000).
وليت أهل الخير الذين رزقهم الله من فضله فصيرهم أغنياء، يبذلون لهذا المركز وأمثاله من المراكز العاملة للدعوة إلى الله، ما يعين القائمين عليها على أداء واجبهم، وخير ما يعين به الغني المسلم هذا المركز وأمثاله: شراء أراضي أو مبان مناسبة في مراكز المدن ووقفها لتدر من أرباحها باستمرار ما يؤمن حاجات المراكز.
اللقاء مع الأخ صلاح الدين الجعفراوي:
الأحد: 23/11/1407هـ.
ولد في مدينة رشيد، محافظة البحيرة سنة 1954م.
درس في مصر حتى نال شهادة البكالوريوس في العلوم الزراعية في جامعة الإسكندرية في مدينة الإسكندرية، وعمل في شركة مقاولات لمدة سنة وعمل في الجمرك لمدة سنة.
ثم ذهب إلى ألمانيا ـ ميونخ ـ ومكث سنتين 80 ـ 981م في المركز الإسلامي بها. وانتقل إلى مدينة فرانكفورت سنة 1982م، للعمل في الاتحاد الإسلامي للطلاب، ومركز فرانكفورت الإسلامي الذي أنشئ في سنة 1982م، وشارك في الإعداد لإنشائه(31).

وكان قبل ذلك في مركز آخر مع الأتراك.
وهو الآن رئيس مجلس إدارة مركز فرانكفورت الإسلامي والسكرتير العام للاتحاد الإسلامي للطلاب، ممثل الجماعة الإسلامية بألمانيا الغربية. [بلغني أنه لم يعد مسئولا عن نفس المركز المذكور].
قال الأخ صلاح: أنشئ الاتحاد الإسلامي للطلاب في أوروبا في السبعينات، وكان أول نشأته في ميونخ في أواخر الستينات.
وبعد بناء المركز في ميونخ مارس الطلاب نشاطهم من خلال المركز، وأهمل الاتحاد، وبدأ تنشيط الاتحاد من عام 1980م عند ما حضر الأخ صلاح وافتتح فرع الاتحاد في عام 1982م عندما انتقل إلى فرانكفورت، وللاتحاد مقر في فرانكفورت خارج المركز.
وعدد أعضاء الاتحاد في فرانكفورت وضواحيها ما بين 100 ـ 120 عضوا، وأغلبهم فلسطينيون، ويليهم التونسيون، ثم المصريون، وقليل من السوريين والألمان واللبنانيين والكويتيين، وعدد العاملين قليل، ولهذا يكون حجم العمل قليلا.
نشاط الاتحاد:
يؤدون صلاة الجمعة في الجامعة، ويقومون بالدعوة بين الطلبة من غير المسلمين، لمحاولة إظهار معاني الإسلام بصورة سليمة، لتصحيح ما يعلق به من تشويه من قبل القاديانية وغيرها، وأجهزة الدولة تساعد على ذلك التشويه، ويوجد في الاتحاد صناديق مساعدات: التكافل والزواج، والمنح الدراسية.
ولهم نشاط في الجاليات الإسلامية في لقاءات في المركز، ولكن لا يوجد تغلغل في الجاليات غير العربية، بسبب عامل اللغة، ولهذا يتم تنسيق بين الاتحاد في المركز وبعض الجاليات، كالأتراك والأفغان وكذلك يقل الاتصال بالجاليات العربية والإفريقية بسبب عدم وجود متفرغين، والإمكانات المادية والبشرية غير متوفرة، والعمال مشغولون في أعمالهم.
والمركز بدأ نشاطه مع الطلبة، والآن أصبح نشاطه الأكبر مع العمال، لتردد كثير من المغاربة على المركز الإسلامي.
ويوجد في مدينة فرانكفورت أكثر من 19 مسجداً، وذكر ذلك وزير العمل الألماني عندما سئل عن زيادة العاطلين إذ أجاب بقوله: إننا في بلد مسيحي كاثوليكي، ويوجد في مدينة فرانكفورت فقط أكثر من 19 مسجدا، ويبدو أن هدفه من ذلك الإشارة إلى أن هذه المساجد تدل على كثرة المسلمين وهم وافدون من خارج ألمانيا، وحصول الوافدين على عمل يزيد به سبب التعطيل، نشر ذلك في جريدة الأهرام القاهرية.
ويوجد للأتراك ثلاث جماعات:
1 ـ ملي قرش (حزب السلامة).
2 ـ السليمانية (صوفية).
3 ـ مجموعة قومية (تتعاون مع الحكومة التركية).
وعدد الجماعتين: الأولى والثانية متقارب، وأكثرها نشاطاً الأولى.
وللعرب مجموعتان نشطتان، أهدافهما واحدة ووسائلهما كذلك والخلافات بينهما شخصية، وهما متأثرتان بدعوة الأستاذ حسن البنا رحمه الله.
وللإيرانيين مجموعتان:
إحداهما تابعة للحكومة في إيران.
والثانية تابعة لحزب مجاهدي خلق.
وتوجد مجموعات من العرب تابعة لحكوماتها، تجمعات قُطرية.
وتوجد عدة مساجد لليوغسلاف، منها ما هو تابع للحكومة، ومنها ما ليس تابعاً لها، وتعين الحكومة أئمة المساجد التابعة لها.
وقد دخل الإيرانيون إلى معظم هذه الجماعات ومزقوها حتى تكون الجماعة الواحدة عدة جماعات، كما حدث للأتراك واليوغسلاف وبعض العرب، وكانت هذه فتنة كبيرة ضد الإسلام.
فقد انخفض عدد الداخلين في الإسلام بعد الثورة الإيرانية بشكل ملحوظ، فقد كان يدخل في الشهر الواحد أكثر من ثلاثين شخصاً في الإسلام، والآن لا يدخل أكثر من اثنين أو ثلاثة في ألمانيا كلها.
وأدى ذلك إلى تسميم أفكار كثير من المسلمين الجدد وانحرافهم من قبل الشيعة والصوفية.
هل قامت الحجة على غير المسلمين؟
وسألت الأخ صلاحاً: هل قامت الحجة بالدعوة إلى الله على غير المسلمين؟
فقال: لم تقم الحجة على 20% من المسلمين، أما غيرهم فلم تقم عليهم الحجة لأمور:
الأمر الأول: اشتغال المسلمين العاملين للإسلام بالخلافات فيما بينهم.
الأمر الثاني: عدم تعاون البعثات الدبلوماسية الممثلة لحكومات الشعوب الإسلامية مع العاملين للإسلام في أوروبا.
الأمر الثالث: ضعف الإمكانات البشرية العاملة للإسلام يعني عدم وجود الأكفاء الذين يقومون بالدعوة.
الأمر الرابع: ضعف الإمكانات المادية.
الأمر الخامس: النشاط الرهيب الذي تقوم به الجمعيات المشبوهة كالشيعة والقاديانية والبهائية.
الأمر السادس: نشاط الكنيسة والصهيونية في تشويه حقائق الإسلام.
الأمر السابع: الصورة السيئة المطبوعة في أذهان الناس، عندما يرون بعض السائحين القادمين من الشعوب الإسلامية ويفعلون ما يخجل منه الألمان وهم كفار من فعله.
قلت له: لو فرض أن أهل الغرب فهموا الإسلام فهماً صحيحاً، فهل يغلب عليهم العناد أو الاستجابة؟
فقال: الشباب أكثر انصياعاً لفهم الإسلام وأقل جدالاً، وأما الكبار فيبدوا أن الغالب عليهم العناد. [هذا الحكم كما يفهم من عبارة الأخ صلاح: "يبدو" ليس مقطوعاً به، لأن الدعوة في صفوف الكفار شبيهة بالمعدوم].
وذكرت جريدة فرانكفورت أن 80% من المسلمين الألمان من النساء، ونسبة كبيرة منهن ذكيات ومثقفات ثقافة عالية.
وأما أبناء المسلمين الذين تربوا على الكفر هنا وضاعوا في محيط المجتمع الكافر، فإن استجابتهم للإسلام أكثر من غيرهم.
الوسائل المتاحة للدعوة إلى الإسلام.
وسألته عن الفرص المتاحة للدعوة؟
فقال: يمكن طباعة أي كتاب، أو صدور مجلة أو جريدة أو نشرة، أما الإذاعة والتلفزيون فلا يوجد مجال فيهما، لعدم اعتراف الدولة بالإسلام، فلا تخصص له وقتاً كما تخصص لليهود مثلاً. [يعني وقتاً منتظماً رسمياً، ولو وجدت إمكانات وألح المسلمون في طلب بعض الأوقات غير المنتظمة فقد يسمح لهم بشئ من ذلك].
ويمكن إقامة مدارس إسلامية، إذا وجدت الإمكانات التي تستكمل بها الشروط.
الموضوعات الإسلامية التي تؤثر في الألمان:
قلت للأخ صلاح: ما الموضوعات الإسلامية المؤثرة في عقلية الأوربي؟
فقال: أولاً: الإعجاز العلمي.
فقد وجد كتاب صغير عن أضرار لحم الخنزير ألفه دكتور ألماني غير مسلم وأثر ذلك في الناس.
ثانياًَ: إظهار أن المسلمين لا يفرقون بين الرسل في الإيمان بهم.
ثالثاً: توضيح معاني العدل والأمن والسلام في الإسلام، ومقارنة ذلك بما في الغرب.
رابعاً: إظهار منافع الابتعاد عن الشذوذ والاختلاط الذي يحصل عند أهل الغرب.
خامساً: النظام الاقتصادي الإسلامي والنظام السياسي والقضائي.
وقال: إن بعض الموضوعات تدرس في بعض جامعات فرنسا من التشريع الجنائي الإسلامي، وكذلك المواريث.
ويرى الأخ صلاح أن بعض الموضوعات يستحسن عدم طرقها مع الألمان في أول الأمر، حتى يمكن إقناعهم ببعض محاسن الإسلام الأخرى وهي:
1 ـ الغيبيات.
2 ـ بعض المعجزات التي لا تدل عليها أدلة محسوسة.
3 ـ بعض الأحاديث التي يصعب عليهم التسليم بها أو استساغتها، كتفل الرسول صلى الله عليه وسلم في الماء.
4 ـ بعض المحرمات كالخمر والزنا وعدم الحجاب، وكذلك الحدود. [قلت: ما يراه الأخ صلاح ليس على إطلاقه بالإيمان بالله من الغيب وهو أول ما يجب أن يدعى إليه غير المسلم: "فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله ألا الله وأن محمداً رسول الله.... " الحديث ولا يمنع ذلك اتخاذ أساليب تمهيدية إلى هذا المعنى إذا رأى الداعي إلى الله أن ذلك مفيد، ولكن لا يجوز أن يؤخر هذا الأصل والحجج الكونية والعقلية عليه كثيرة إذا احتيج إليها بالنسبة للجاحد].
وسألته عن سماع شيء عن الإسلام بلغات أوروبية من أجهزة الإعلام في الشعوب الإسلامية؟ أو بعض المجلات والجرائد؟
فقال: لا توجد ـ مع الأسف ـ إلا من إيران، بالعربية والتركية واليوغسلافية والألمانية.
قلت له: وما الذي ترى أن المؤسسات الإسلامية يجب أن تقوم به في أوروبا؟
فقال: الدعم بالدعاة، ونشر كتب مترجمة، إصدار مجلات وجرائد للمسلمين باللغة الألمانية مع العربية.
ولا توجد الآن إلا مجلة تسمى: الإسلام في ميونخ، ولضعف إمكاناتها قد تتوقف.
وقال الأخ صلاح: إن المنح الدراسية في أوروبا مشروطة بما يعود على الأحزاب السياسية والمؤسسات التبشيرية بالفائدة، وكثير من المسلمين تتخطفهم تلك الأحزاب والمؤسسات بسبب ذلك، فلماذا لا تخصص المؤسسات الإسلامية للطلبة منحاً دراسية، ولو قرضاً حسناً للطالب حتى إذا تخرج من دراسته وتسلم وظيفة في بلده أو في بلد آخر، أعاد المبلغ الذي اقترضه مقسطاً، فإن ذلك يقي الطلاب المسلمين من المزالق التي يقع كثير منهم الآن فيها اضطراراً، مع ضعف إيمانهم.
ومن الأسئلة التي تلقى على الطالب عند مقابلته لمنحة دراسية في الغرب: ما موقفك من البعثات التبشيرية عندما تعود إلى بلدك؟
وكثير من المنح تقدم للطلاب عن طريق المؤسسات التبشيرية.
تربية المسلم نفسه بأسماء الله وصفاته:
وبعد هذا اللقاء مع الأخ المهندس صلاح الجعفراوي، دعاني الإخوة الذين يزاولون نشاطهم في المركز الإسلامي إلى حضور حلقة حضر فيها ما لا يقل عن أربعين شخصاً، كانوا قد تدارسوا القرآن الكريم، وطلبوا مني إلقاء محاضرة فألقيت كلمة موضوعها: تربية المسلم نفسه بأسماء الله الحسنى ثم تلا ذلك إلقاء أسئلة متنوعة، كان كثير منها يتعلق بالربا والزواج بالكتابيات، وذبائح أهل الكتاب، والسكنى في بلاد الكفر، والأسباب المبيحة لها أو المحرمة.
وودعنا الإخوة بمناسبة مغادرة ألمانيا غداً.
والحمد لله رب العالمين.
الوقاية من مرض الإيدز؟!.
عندما انتشر خبر مرض الإيدز في بلاد الغرب بلغت القلوب الحناجر من الرعب، وعندما علموا أنه ينتقل كثيراً بسبب الاتصالات غير الشرعية ـ وبخاصة الشذوذ الجنسي ـ كف كثير من الناس عن الاتصال المشبوه، فكفت المرأة عن الاتصال برجل لا تعرفه، وكف الرجل عن الاتصال بامرأة لا يعرفها، وكف الذكور عن الذكور، وأصبح كل واحد يحاول أن لا يتصل إلا بمن يغلب على ظنه أنه غير مصاب بهذا المرض الخطير، يعني عزم أهل الغرب على الوقاية!.
أتدري كيف حاولوا أن يتقوا مرض الإيدز؟
لقد رجع كل ذي محرم إلى محارمه، فالرجل الذي يعلم أن ابنته غير مصابة بهذا المرض يغشاها كما يغشى زوجه، والأم التي تعرف أن ابنها سليم تراوده حتى ينال منها كما ينال من زوجه وهكذا بقية المحارم!!!
هذا مع أن هذا الشذوذ أصبح عادياً عند أهل الغرب في كثير من الحالات، ولا غرابة فيه لأن الموازين قد اختلت عند القوم وأكبرها هو الإيمان الذي إذا فقد واختل اختل كل شئ في حياة الإنسان.
جهود عبد السلام في التربية والدعوة:
الاثنين: 24/11/1407هـ.
جاءني الأخ عبد السلام عمر علال المغربي الذي اتفق معه الإخوة في المركز على إيصالي إلى مطار فرانكفورت للسفر منه إلى فينا.
وقال لي الأخ عبد السلام: أرجو أن تكثر لي من الدعاء أن يوفقني الله لتربية أولادي تربية إسلامية سليمة، وأن يهديهم الله للخير الذي يرضيه، في هذا البلد الذي تحيطنا فيه الأفكار والعقائد المضادة لديننا.
قال: لقد حاولت أن أحافظ على ديني وأخلاقي وأخلاق أهلي وأولادي بكل طاقتي، وأي جماعة في هذا البلد فيها خير، من المسلمين تحافظ على دينها فإني أتصل بها، فقد اتصلت بجماعة التبليغ وخرجت معهم لبعض البلدان الإسلامية خمسين يوماً، زرنا خلالها المملكة العربية السعودية واعتمرنا، والحمد لله رب العالمين شعرت بالراحة وزاد تمسكي بديني، كما أتصل في فرانكفورت دائماً بجماعة الأخوان المسلمين في مركزهم، وأحضر معي أولادي الخمسة الذين عمر أكبرهم 14 سنة، وعمر أصغرهم سنتان ولي في ألمانيا خمسة عشر عاماً.
وقال: إن الألمان متكبرون، ولكنهم يحترمون الشخص الذي يحافظ على دينه وأخلاقه ويقوم بعمله بدون غش، وذكر قصة حصلت في عمله مع بعض زملائه من المسلمين والألمان، فقال:
إنه كان يعمل في مطار فرانكفورت، وذهب إلى بلاده في المغرب لمدة سنة، ثم رجع فلم يجد عملاً في المطار، وبحث عن عمل ووجد عملاً في شركة القطار، ووجد عشرين مغربياً يعملون هناك، ولم يكن أحد منهم يصلي أو يلتزم بأمر الله في الحلال والحرام، وعندما نصحهم الأخ عبد العزيز سخروا منه وقالوا له: إذا كنت تريد التمسك بالدين فاذهب إلى بلادك، ثم استمر في المحاولة، مع كل واحد بمفرده حتى نجح في إقناعهم، وأصبحوا كلهم يصلون ويلتزمون بالدين في الجملة.
وقال: إن الموظفين من الألمان كانوا يحفظون من أولئك العمال بعض الكلمات العربية البذيئة، وعندما رأوهم التزموا قالوا لهم: أنتم غير صادقين في تدينكم، أما عبد السلام فإنه صادق، لأنه كان ملتزماً بدينه من أول ما جاء عندنا ولم يكن يغش، وأما أنتم فكنتم تدفعون رشوة للطبيب حتى يعطيكم إجازة مرضية ولستم مرضى، فقال: لهم عبد السلام: إنهم كانوا عصاة وقد تابوا. والله تعالى يقبل التوبة من عبده إذا تاب.
سقت هذه القصة ليعلم أن كل مسلم يجب أن يكون رجل دعوة في موقعه، بالقدوة الحسنة وبالبيان الذي يقدر عليه، ولو كان كل مسلم كذلك في حدود قدرته لما خلت بقعة من الأرض من دعاة مصلحين، ولو أن عبد السلام سكت عن إخوانه وتركهم على سلوكهم، لما أفاقوا من غفلتهم- ويهدي الله من يشاء- بل ربما كانوا هم أثروا فيه. وقد رأى غير المسلمين في ذلك القدوة الحسنة التي تدعو إلى البحث والسؤال عن هذا الدين، وقد تكون قد قامت عليهم الحجة بذلك.
أوصلني الأخ عبد السلام إلى المطار وبعد أن أخذت بطاقة دخول الطائرة ودعني ورجع، أسأل الله أن يهديه ويهدي أولاده ويهدي بهم وبه إنه على كل شئ قدير.
السفر إلى فيينا عاصمة النمسا:
وقد أقلعت الطائرة من مطار فرانكفورت في الساعة العاشرة والربع صباحاً.
وكان يغلب على الجو في أول الأمر الغيم وتتراكم السحب وبعد مضي دقائق رأيت نهراً طويلاً يقسم الأرض متجها نحو الشرق ـ اتضح بعد ذلك أنه نهر الدانوب ـ.
وبعد ارتفاع الطائرة بدت الشمس ساطعة والسحب تغطي الأرض، فإذا قلت السحب رأينا الأراضي الزراعية الجميلة والغابات والقرى المتناثرة بينها وبعض الجداول الصغيرة والبحيرات، وهبطت الطائرة في مطار فينا، عاصمة النمسا في الساعة الحادية عشرة والربع 15ر11، فكانت مدة الطيران من مطار فرانكفورت إلى مطار فينا ساعة كاملة.