رحلات سويسرا وألمانيا والنمسا

الرحلات | سلسلة في المشارق والمغارب | 28 صفحة
صفحة 17 من 28 2- في مدينة برلين الغربية

2- في مدينة برلين الغربية

2- في مدينة برلين الغربية

وجدت الأخ عبد العزيز الشرباتي الفلسطيني، وهو عامل عادي في مدينة برلين في انتظاري، أوصلني إلى فندق برلين في وسط البلد (HOTEL BELRIN).

كيف نحافظ على أنفسنا في وسط غير مسلم؟

في الساعة السادسة مساء، حضرنا إلى مسجد للإخوة الأتراك كتب على واجهته: إسلام وقف ـ أي الوقف الإسلامي، وهو من أوقاف الأتراك.
وصلنا والإخوة في حلقة في أرض المسجد، أمامهم طاولات مستطيلة قصيرة، يجلسون في الأرض ويضعون عليها المصاحف أو الكتب ويقرءون، وكان الإخوة من الطلاب العرب، يرأس الحلقة أحدهم ويقرأ كل واحد ما يقارب الصفحة من القرآن الكريم، فإذا قال له رئيس الجلسة جزاك الله خيراً بدأ في القراءة الذي يليه، وكان هذا الشاب يصحح لهم القراءة إذا حصل خطأ في تطبيق قواعد التجويد.
وبعد أن انتهى الإخوة من القراءة، وكان عددهم يقارب أربعين شخصاً بدءوا يسألون عن بعض معاني المفردات القرآنية أو بعض المعاني لبعض الآيات، وطلب رئيس الحلقة مني أن أجيب عن تلك الأسئلة ففعلت.
ثم طلبوا مني محاضرة فألقيت كلمة مختصرة، موضوعها المحافظة على أنفسنا في وسط بلد غير إسلامي، وذكرت لهم بعض المآسي التي اطلعت عليها في بلدان العالم التي زرتها، من ضياع أبناء المسلمين فيها بسبب عدم المحافظة عليهم.
ثم صلينا المغرب وكان وقت صلاة المغرب في هذه الفترة يدخل في الساعة الحادية عشرة إلا عشرين دقيقة في مدينة برلين، ثم تحلقوا مرةً أخرى وقد زاد عددهم وألقوا بعض الأسئلة وأجيبوا عنها وكانت مدتها نصف ساعة تقريباً، وكانت المناقشة مفيدة، ودلت الأسئلة على حرص الشباب على معرفة دينهم في المسائل الإيمانية، والحلال والحرام ومعرفة الحلول لبعض المشكلات المتعلقة بالدعوة في بلاد المسلمين وغيرها.
ثم ذهبنا مع الأخ إبراهيم بن ذي النون، لتناول طعام العشاء في منزله، وصلينا العشاء عنده، وصلاة العشاء لا يدخل وقتها في برلين هذه الأيام إلا في الساعة الثانية عشرة والربع ليلاً، كما أن صلاة الفجر يدخل وقتها في الساعة الثانية والربع بعد منتصف الليل.
ولهذا كان الإخوة يسألون بإلحاح: هل يجوز لهم أن يصلوا العشاء مع المغرب؟ لأنهم إذا أخروها إلى الساعة الثانية عشرة والربع، إما أن يسهروا إلى هذا الوقت، فإذا صلوا لم يأتهم النوم في الفترة القصيرة بين العشاء والفجر وإما أن يناموا بعد المغرب فتفوتهم صلاة العشاء، وأعمالهم تبدأ مبكرة.
واتفقنا مع الإخوة أن يضعوا خطة للالتقاء بالمسلمين من الألمان وغيرهم ابتداء من يوم غد: الأحد.
كما اتفقنا أن يمر بي الأخ عبد العزيز، لنأخذ جولة في المدينة المقسومة ابتداء من الساعة العاشرة والنصف صباحاً.
وبدا لي من الإخوة أنهم مجتهدون في دراسة الكتب الإسلامية المفيدة في الدعوة والأحكام الفقهية، مع أن تخصصاتهم بعيدة عن هذا المجال، كما أنهم حريصون على اجتماع الكلمة وتوحيد جهود المسلمين، في دعوة الناس، وتربية أولاد المسلمين على منهج مدروس منظم، حتى تعطي الجهود الموحدة ثمارها.

أمران مهمان يحتاج المسلمون إلى توفيرهما:

الأمر الأول: وجود شخص متفرغ للدعوة، بحيث يكون فقيهاً في الدين مطلعاً على عادات الغرب وأفكارهم، متقناً للغة البلد مع اللغة العربية عنده حكمة في الدعوة، وتعقل في الأخذ والعطاء، وصبر على أحوال الناس، هذه الصفات ذكرها الإخوة فيمن يرغبون أن يأتيهم للدعوة عندهم.
الأمر الثاني: منحهم بعض المراجع الإسلامية المفيدة، في العقيدة والتفسير والحديث والفقه وعلوم الآلة، كالنحو والعربية وأصول الفقه وأصول الحديث وغيرها.

سيرة رجل ووصف أخلاق مجتمع:

الأحد: 16/11/1407 هـ
جاءني الأخ عبد العزيز الشرباتي في الساعة الحادية عشرة صباحاً والأخ عبد العزيز هو الذي استقبلني في المطار يوم أمس.
ولد في مدينة الخليل في فلسطين المحتلة سنة 1946م.
ذهب مع أسرته منذ طفولته إلى مصر، ونال الشهادة الثانوية التجارية في مصر سنة 1967م.
والتحق بجيش تحرير فلسطين، المقاومة الفلسطينية، سنة 1969م، وحضر حرب الاستنزاف في السويس، ثم حضر إلى الأردن في عدد من الفلسطينيين لنجدة المقاتلين، ثم ذهب إلى لبنان في السبعينات. وعندما حصل على جواز سفر أردني انتقل إلى مصر، ثم عاد إلى الأردن وامتهن التصوير.
وفي سنة 1974م سافر إلى ألمانيا، ليحصل على عمل وإقامة وقبل في ألمانيا لاجئاً سياسياً.
وفي سنة 1975م سافر إلى مصر، وعاد إلى ألمانيا وعمل حراً. وتزوج امرأة ألمانية للحصول على الإقامة. ولم يكن ملتزماً بدينه، فعاش مع زوجته الألمانية عيشة ألمانية، كما قال، ولم يكن يذكر لها أي شيء عن الإسلام.
وذات يوم سألته عن يوم القيامة، والحساب فقال لها أنا أسمع عن ذلك ولكن لا أعرف عنه شيئاً. [ما أكثر المسلمين الذين هذه صفتهم في العرب، فهل تقوم بهم الحجة على غيرهم في الدعوة إلى الإسلام]. وذهب مرة إلى الجامع وأراد أن يشترك في قراءة القرآن، فلم يستطع القراءة، لأنه لم يسبق له أن تمرن على قراءة القرآن، فندم ندماً شديداً، وأخذ بعض الكتب ليقرأها، منها كتاب فقه السنة لسيد سابق ورياض الصالحين للنووي، وبدأ يفكر في العودة إلى الإسلام، ودعا الله بينه وبين نفسه أن يهديه ويخلصه من زوجته الألمانية.
وفي نفس اليوم تركته زوجته وذهبت، فأحس أن الله استجاب دعاءه وأنه يجب أن يتابع الصلة بالله، واستمر مع الإخوة في حلقات المسجد وقراءة القرآن مع دروس في تفسير ابن كثير، والتهجد، وصيام الخميس والاثنين من كل أسبوع، واشترى كتباً إسلامية وواصل اجتماعه بالإخوان وقال إنه الآن في غاية من الاعتزاز بدينه والحماس له. وتزوج امرأة مصرية، وحاول الحصول على تأشيرة لها، للبقاء معه في ألمانيا، ولكن إلى الآن لم يتم ذلك. وهو ينتقد المجتمعات الغربية على رغم تقدمها المادي، ويرى أنها تعتبر متخلفة تخلفاً شديداً، لانهيارها الأخلاقي والديني وتفككها الأسري والاجتماعي، وليسوا كما يظن الجهلة في بلاد الشرق سعداء، بل هم في شقاء وأسى وحزن وبخاصة الأسرة والمرأة.
قال: إن انبهار كثير من أبناء المسلمين بالحضارة المادية في الغرب، وتقديسهم للغربيين وافتتان شباب المسلمين بالمرأة الغربية وجمالها وعريها أمر يدعو للأسى. فالحضارة المادية ليست هي كل شيء، بل إنها عندما تبنى على الانفصال عن الله تكون عذاباً على أهلها، وهذا ما هو حاصل لأهل الغرب الآن.
والمرأة الغربية مستعملة مستهلكة، خردة، تجدها من سن 9 سنوات فما فوق، قذرة تنتشر فيها الأمراض والأوبئة الخطيرة، بسبب كونها مشاعة لمن يطلبها.

عند سور برلين:

ذهب بنا الأخ عبد العزيز إلى سور برلين الذي يفصل بين مدينة برلين ويقسمها قسمين: القسم الشرقي ويتبع ألمانيا الشرقية الشيوعية. والقسم الغربي، ويتبع ألمانيا الغربية الرأسمالية، ويفرق بين الابن وأبويه والأخ وإخوانه، وارتفاعه ثلاثة أمتار تقريباً، وطوله أربعون كيلو متر(24).

الجانب الذي تنتهي عنده حماية القوات الأمريكية بجانب سور برلين 16/11/1407هـ
الجانب الذي تنتهي عنده حماية القوات الأمريكية بجانب سور برلين 16/11/1407هـ
سور برلين
سور برلين

وصعدنا إلى بعض السلالم المجاورة للسور، لنرى مباني برلين الشرقية وقد بنى الشيوعيون سوراً آخر داخل السور القديم، فيدخل منه ويخرج بعض الرعايا المتعطشين إلى زيارة أسرهم وأقربائهم، بل وبقاء كثير من سكان برلين الشرقية في برلين الغربية.
وقد شيدت ألمانيا الشرقية برج مراقبة داخل السور، لا يخلو من حارس أربعاً وعشرين ساعة، وأغلب أوقاته تراه واضعاً المنظار المقرب للبعيد على عينيه.
ورأينا برجاً عالياً في برلين الشرقية بجانبه عمارات تعلو بعضها قبتان يقال: إن هتلر انتحر في بعض العمارات المجاورة، وبقرب البرج مبنى البرلمان في برلين الشرقية.
ويتولى حراسة مناطق سور برلين جيوش ثلاثة تابعة للولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا وفرنسا، ولكل جيش حدوده المرسومة نصبت في بدايتها ونهايتها لوحة مكتوب عليها البداية والنهاية، وبقرب السور مكتبة برلين العامة.

قصة مسجد الفتح المحزنة:

ثم ذهبنا إلى مسجد الفتح، وهو بناء اشتراه المسلمون الأتراك ليس بعيداً من سور برلين، وصلينا فيه الظهر، والتقينا إمامه وعدداً من الأتراك.
وكان المؤذن ولداً صغيراً لا يتجاوز عمره 12 سنة، ونطقه بألفاظ الأذان جيد، ودعا بالدعاء المشروع بعد الأذان باللغة العربية.
وبعد أن صلينا شرح لنا شاب تركي يسمى زكريا قصة هذا المسجد المحزنة(25).

الشاب التركي زكريا عند مسجد الفتح ـ برلين 16/11/1407هـ
الشاب التركي زكريا عند مسجد الفتح ـ برلين 16/11/1407هـ

قال: إن هذه المنطقة التي فيها المسجد كانت لألمانيا الشرقية، استأجرتها منها ألمانيا الغربية، وهذا البناء اشتراه الأتراك وجعلوه مسجداً وكانت قيمته 133 ألف مارك، وأصلحوه بمبلغ 170 ألف مارك.
وفوجئوا بإبلاغهم من قبل الحكومة، بوجوب الخروج منه، لأنها بنت بجواره مسبحاً وتريد إنشاء حديقة عامة بجوار المسبح، ويمكن أن تستعمل بناء المسجد لبعض العاملين والمستودعات، فقدم المسلمون احتجاجاً إلى الحكومة، ولكن دون جدوى، ونشرت الحكومة في الجريدة أنهم سيتسلمون البناء في آخر الشهر وكان ذلك في 10 رمضان.
واتصل المسلمون بشيخ الأزهر، واحتجت مصر لدى السفارة الألمانية فأجلوا الموضوع ثلاثة أشهر.
وسألت الأخ زكريا: هل ستعوضكم الحكومة عن المسجد نقداً أو أرضاً؟ فقال: لا. وقال: إن المسلم هنا لا حق له، وقد دهشت لذلك، فالقانون في الغرب لا يسمح بأخذ حقوق الناس دون تعويض.

ألمانيا تصادر المسجد وتركيا تسجن إمامه!

ومن الموافقات العجيبة أن ألمانيا تريد أخذ مسجد المسلمين الأتراك في برلين، والحكومة التركية سجنت إمام المسجد نفسه في تركيا بسبب نشاطه الإسلامي، فهل اتفقت الحكومة التركية والحكومة الألمانية على ذلك أو هو مجرد قدر؟؟؟
وهل يتوقع من حكومة ألمانيا أن تحترم مسجداً سجنت إمامه حكومة بلاده، التي كان من المفروض أن تقف في صف رعاياها وتطالب الحكومة الألمانية بالتنازل عن قرارها وإبقاء المسجد في أيدي أهله أو تعوضهم ببناء في مكان مناسب يقيمون فيه دينهم؟ ولكن ما الفرق بين حكومة ألمانيا وحكومة علمانية يحركها في الواقع العسكر الموغلون في حرب الإسلام.
بل حكومات الغرب تحترم بعض نشاط المسلمين وتصرفاتهم، أكثر من حكومات بعض الشعوب الإسلامية، وقد ذكر لي الأخ عبد العزيز أن وزير خارجية ألمانيا عندما زار تركيا طلب منه نظيره التركي أن تمنع الحكومة الألمانية الفتاة التركية من ارتداء الحجاب عند دخولها الجامعة في ألمانيا!!
ولكن وزير خارجية ألمانيا قال له: نحن لا نستطيع ذلك لأن القانون عندنا يعطي الحرية الشخصية لكل الأفراد في البلد، ومن ذلك اللباس.
ترى أيهما أقرب إلى العدالة: علمانية المسلمين أم علمانية غيرهم؟. [[وقد بالغت الحكومات التركية العلمانية المتعاقبة بدعم، بل بضغط من العسكر، في إيذاء المسلمين الأتراك في بلدهم، وأغلقت مدارس تحفيظ القرآن الكريم، وحاربت معاهد الإرشاد والقضاء، حظرت على الطالبات والموظفات الحجاب، وفرضت على الموظفين من الرجال حلق لحاهم، وأسقطت حكومة حزب الرفاه الذي وصل إلى الحكم بالانتخاب من الشعب، وأبرمت معاهدات عسكرية مع اليهود ضد المسلمين. أكتب هذا في تاريخ 29/12/1418هـ أي بعد ما يقارب12 عاماً من كتابة هذه اليوميات، يظهر في الوقت الحالي عام 2005م أن سيطرة العسكر قد تقلصت، والله أعلم إلى متى؟‍‍[[.

حوار مع الأخ الألماني المسلم: يحيى شولستكه:

حدد لنا موعد مع بعض الإخوة الألمان المسلمين والتقينا في منزل الأخ إبراهيم ذي النون.
ولد الأخ يحيى في 5/11/1931م أي أن عمره 56 سنة وهو موظف في البريد.
سألته: متى سمعت عن الإسلام؟
فقال: سنة 1963م، وقال إنه على الرغم من أن ترجمة معاني القرآن الكريم في تلك الأيام غير سليمة، فإنه دخل الإسلام عن طريقها، وقال: إنه لو اقتصر على معرفة سلوك المسلمين ما دخل في الإسلام، لأن سلوكهم ينفر من الإسلام ولا يدعو إليه.
وقال: إن الترجمة كانت لرجل يدعى صدر الدين، ثم قرأ ترجمة الأحمدية ـ القاديانية ـ وأول دخوله الإسلام كان في مسجد الأحمدية، لأنه المسجد الوحيد الذي كان موجوداً، وكان يظن أن المكان الذي يوجد فيه المسجد يوجد فيه مسلمون صالحون، وكان يوجد طلبة مسلمون، وعندما رأوا أنني أسلمت تعجبوا من إسلامي وقالوا: كيف يسلم وهو ألماني؟‍ وحصل بينه وبينهم نقاش تمسك بعضهم بعد ذلك النقاش بدينه ورجع إلى بلاده وهو متمسك به، وقد شرح لهم في ذلك النقاش سبب إسلامه، وأنه أسلم عن اقتناع، فأثر ذلك فيهم مع أنهم جاءوا من بلادهم مسلمين ولكن بالهوية.
وقال: إن القاديانيين حاولوا التأثير عليه، ولكن اتصاله بالطلبة المسلمين من السعوديين وغيرهم في الجامعات جعله يعرف الحق، وقد كان في صف الأحمدية، فلما حذروه وبينوا له فساد اعتقاد الأحمدية تركهم.
وقال: إن الذي أثر فيه وجعله يحب الإسلام ويدخل فيه، هو التوحيد الخالص الذي فهمه من سورة الإخلاص.
وكان يظن أن اليهود عندهم توحيد، ولكنه تيقن أنه لا يوجد توحيد خالص إلا في الإسلام، وكان قبل ذلك نصرانياً.
وقال: إنه يعتقد أن سبب انتشار الإسلام في الأرض هو التوحيد.
وقد عاش في الحرب العالمية الثانية والنصارى في حالة حرب، ورأى أنهم لا يعملون بما يدعون إليه في المسيحية، ومن ذلك أنهم يتقاتلون ويعتدي بعضهم على بعض، مع أنه يوجد في الإنجيل: من ضربك على خدك الأيسر فأعطه خدك الأيمن، وهذا غير ممكن تطبيقه.
والإسلام أمر بالإحسان، ولكنه أمر المسلم أن يحذر من عدوه، ويدافع عن نفسه، وهذا يوافق الحياة العملية.
وسألته: ما الموضوعات الإسلامية التي يرى أنها تؤثر على الأوروبي إذا شرحت له؟
فقال: عندنا في الإسلام أمران: العقيدة والعمل، ونحن نتكلم عن العقيدة، ولكن لا نتكلم عن العمل، والناس إنما يدخلون في الإسلام إذا رأوا ثمرة العقيدة، وهي العمل.
وذكر قصة ـ مستدلاً بها على ذلك ـ: أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان أحد اليهود يضع القمامة في طريقه، وكان هذا اليهودي يسمع الكلام عن العقيدة ولم يسلم، وعندما مرض عاده الرسول صلى الله عليه وسلم فأسلم متأثراً بالعمل. [قصة اليهودي الذي أسلم رواها البخاري وغيره، ولم أجد فيها ما ذكر من وضع القمامة في طريق الرسول، بل ذكر فيه أن اليهودي كان يخدم الرسول صلى الله عليه وسلم].
والمسلمون كثير منهم يدعون إلى الإسلام، ولم يسلم الناس، ولو وجدوا القدوة الحسنة بحيث ينفذ المسلمون أحكام الإسلام وآدابه، لدخل كثير من الناس في الإسلام، وذكر الآية الكريمة { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ }. [الصف: (2، 3)].
وقال: إنه قبل الإسلام عمل كل شئ، مباحاً أو غير مباح مما يغضب الله، وفي فترة أحس بأنه يجب أن يغير سلوكه ويترك بعض الأشياء، لأنه غير راض عنها نفسياً.
وعندما عرف الإسلام ودخل فيه تغيرت نفسه، فتغير عمله، وذكر الآية الكريمة {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ } [الرعد: (11)]. فلا بد من تغيير أنفسنا.
وقال: إن الإسلام يعترف بواقع الدنيا، ويحثنا أن نعمل صالحاً، أما المسيحية فإنها تبني نظريات خيالية، ولكنها تصطدم بالواقع.
وسألته: هل سمع عن الإسلام شيئاً من قبل أجهزة الإعلام، في الشعوب الإسلامية، أو من دعاة مسلمين جاءوا يدعون إلى الله بأنفسهم، أو توزيع كتب، وهل يسمع الآن أو يقرأ من أجهزة الإعلام عن الشعوب الإسلامية شيئاً عن الإسلام، بلغته أو بلغة أخرى يفهمها؟
فقال: لم يسمع شيئاً مطلقاً قبل إسلامه من الدول الإسلامية، ولم يكن ذلك مهماً عنده، وإلى الآن لم يسمع شيئاً من تلك الأجهزة.
قلت له: لو أسلم أهل بلدك مثلك كيف ستكون حياتهم؟ وما الفرق بين حياتهم الآن وحياتهم بعد الإسلام لو أسلموا؟ [كانت توجد في هذه المقابلة امرأة غير مسلمة وزوجها معها وهو مسلم مصري، جاء بها لتسمع شيئاً عن الإسلام رغبة في إسلامها ولهذا كنت أحاول أن ألقي شيئاً من معاني الإسلام في هذه الأسئلة].
قال: عندما يدخل الإنسان في الإسلام يبدأ الطريق، ولكن لا بد من مواصلة السير بالعمل، وسيكون تقدم كبير إذا عملنا بالإسلام، أما إذا قلنا: إنا مسلمون دون عمل فلا نصل إلى الغاية.
قلت: هل يجوز لمن دعي إلى الإسلام وفهمه أن يبقى على دينه ولا يدخل في الإسلام؟
قال: لا يجوز، ولكن الذي لا يرى القدوة الحسنة لا يدخل في الإسلام، ويمكن أن يكون سبب عدم دخوله في الإسلام عدم تطبيق الإسلام عند أهله.
وسألته عن أهم المشكلات التي يراها في أوروبا ولم يجدوا لها حلاً وحلها موجود في الإسلام؟
فقال: أهم المشكلات في أوروبا العصبيات الوطنية، وهم يحاولون أن يجدوا لها حلاً ولم يتمكنوا من ذلك إلى الآن، ولكنهم جادون في ذلك وحلها في الإسلام، أن الأرض لله، ولكن المسلمين الآن يعيدون هذه الوطنية العصبية.
ومن المشكلات: كيف يعيش أهل الأديان في أمان؟ ويحاولون حل هذه المشكلة، وحل المشكلات كلها إنما هو في الحكم بما أنزل الله.
وقال: إنه يوجد كتاب غير معترف به من الكنيسة، يدرس للقساوسة في الجامعات الدينية، ويحظر تدريسه للناس، وفيه يخاطب المسيح الناس بأشياء تتفق مع القرآن، من ذلك: أن الله يطوي السماوات كطي السجل للكتب، وأن الله سيجازيكم بأعمالكم.
والإنجيل الحالي فيه أنه يكفي أن تعتقدوا في المسيح وهو يخلصكم من كل شئ، يعني بدون عمل صالح.
وسألته: عن الوسائل الممكنة المفيدة لنشر الإسلام؟
فقال: المهم وجود جامعة إسلامية في ألمانيا لكل من يتكلم باللغة الألمانية، حتى لا يعتمد الألمان على من يتكلم باللغة العربية فقط لترجمة معاني القرآن الكريم وغيرها، فإنه إذا وجدت هذه الجامعة ستوجد كتب ومؤلفات، سواء كانت مؤلفة ابتداء أو مترجمة، وسيستفيد الألمان منها أكثر.
قال: وتوجد تفاسير كثيرة للقرآن الكريم مختلفة، والمهم وجود تفسير أقرب لحقيقة القرآن الكريم، ويترجم إلى اللغة الألمانية، ويعتمد هو ويترك غيره مما يسبب الخلاف، وهذا أقرب طريق لمعرفة الإسلام.
قلت له: أولاً لا بد من طلبة من ألمانيا يدرسون اللغة العربية والإسلام، ثم يعودون ليعلموا الألمان ويترجموا لهم ويؤلفوا كتباً في ذلك.
قال: هذا غير سليم، لأنه إذا تعلم هناك يعود إلى بلاده بدون عمل ولا خبرة فيرتبك، ولا يفيد.
ويقترح أن يساعد المسلمون ـ غير الصغار ـ بتعلم الإسلام في البلاد الإسلامية، لأن عندهم خبرة وهم يفيدون أكثر.
والمشكلة اختلاف المسلمين، وزعم كل طائفة أنها وحدها على الحق، والحق يكون في اجتماع المسلمين كلهم على الحق. [هنا بينت له أسباب الاختلاف ومتى يسوغ ومتى لا يسوغ الاختلاف، والقاعدة التي يجب أن يتبعها المسلم عند الخلاف، فقال: المشكلة: أن غير المسلم عندما يرى هذا الاختلاف قد يصدم ويضطرب وقد لا يثبت على الإسلام].
والأخ يحيى هو نائب اتحاد المسلمين الآن في برلين، ويحاولون أن يؤذن للمسلمين بتدريس أبنائهم في المدارس الألمانية مبادئ الإسلام، سيرفع محاميهم دعوى بذلك، وستمر بمراحل كثيرة حتى تصل إلى المحكمة العليا، وهم في حاجة إلى مساعدات مادية لذلك.
وهذا الاتحاد يشمل كل المسلمين في برلين، ورئيس الاتحاد هو إمام مسجد الفتح المسجون في تركيا، وهذا الاتحاد هو حجر الأساس للمسلمين.
وقال الأخ يحيى: يجب على الحكومات في الشعوب الإسلامية أن تجتهد في نشر الدعوة الإسلامية بنشر الكتب، والنشرات الصغيرة، وترجمات معاني القرآن الكريم باللغات العالمية، ولا بد من تعليم الإسلام والعمل به بطريقة جدية، كما نتعلم الأقمار الصناعية، ولا بد من علماء يكونون على مستوى ثقافة البلد، بحيث يكون عندهم استعداد للإجابة عن كل سؤال ومعرفة مشكلات الناس.
ولا بد أن يبقى الشخص في البلد ولا يغير بعد فترة من وصوله لأنه كلما طال بقاؤه في البلد ازداد خبرة وألفه الناس أكثر.
ولا بد أن يكون ذا شخصية قوية مؤثرة.
وأكد الأخ يحيى على بعث عالم إلى برلين تتوفر فيه تلك الصفات، ثم يجب أن يعقب ذلك قيام مدرسة إسلامية، كما أكد على إجادة لغة البلد واللغة الإنجليزية على الأقل.

حوار مع امرأة ألمانية غير مسلمة:

وهي زوجة مسلم مصري وتسمى روزاماري، وزوجها يسمى: فتحي عبد الحميد الفرماوي، وكان هو المترجم.
سألتها عن دينها؟
فقالت: إنها كاثوليكية.
قلت: هل هي على يقين من أن دينها حق أو يوجد عندها فيه شك؟
قالت: الكنيسة شئ والعقيدة شئ، وهي غير راضية عن العقيدة، لأن الإنسان كلما كبر سنه يجد أن تلك العقيدة غير مطابقة للواقع ولا يستسيغها العقل.
ومن الأسباب التي جعلتها لا تقتنع بالعقيدة الكاثوليكية، ما فيها من وجوب الاعتراف بالذنب، وعدم زواج القساوسة، وقولهم حب لغيرك أكثر من نفسك وهذا غير مطابق للواقع.
والتثليث أيضاً لا يوافق العقل ولا الفطرة.
قلت لها: متى سمعت عن الإسلام؟
قالت: إنها سمعت عن الإسلام في المدرسة وسنها 12 سنة، ولكن مجرد سماع دون تفصيل، وإنما سمعت عنه بالتفصيل بعد زواجها بالأخ فتحي قبل تسع سنوات.
قلت: هل تحس أن الإسلام يوافق العقل والفطرة، وأن البشر في حاجة إلى هذا الدين؟
قالت: إنها لا زالت عندها أسئلة مفتوحة، تحتاج إلى جواب مفصل وهي كثيرة.
قلت: فإذا أجيبت عن تلك الأسئلة، فهل هي مستعدة أن تسلم؟
قالت: لا ليست مستعدة لذلك الآن.
قلت: ما أسئلتها؟
قالت: تريد أن تقرأ التفاسير الصحيحة وتفهمها جيداً، وليست التفاسير المختلفة، ولا يكفيها الأجوبة العارضة عن أسئلتها، بل لا بد أن تقرأ الجواب عنها في القرآن لأنه الأصل.
[تأمل كيف يحرص غير المسلمين على الاطلاع على معاني القرآن الكريم إذا اتجهوا إلى معرفة الإسلام، مع العلم أن غالب ترجمات معاني القرآن عند الأوربيين هي ترجمات مستشرقين غير سليمة، إما لعدم أمانتهم وإما لعدم فهمهم، وبعضها ترجمات منصرين حاقدين، أو منتسبين إلى الإسلام وهم خارج جماعة المسلمين، مثل القاديانية، وما أقل الترجمات السليمة وما أقل وجودها! ترى كم ذنباً يتحمل القادرون على إيجاد الترجمات السليمة من القادرين على إيجادها: علماء وأغنياء؟].
ومن الأشياء التي تنتقدها:
أنه يوجد تفريق بين الرجال والسيدات في بعض الأمور، وضربت مثالاً لذلك بأنها دخلت مع زوجها في جامع في مصر، ودخلت في غرفة السيدات فوجدتها غير نظيفة، ومكان الرجال نظيف وقد زين بتعليق لوحات فيها آيات قرآنية، فلماذا لا يكون مكان النساء كذلك؟
ومن ذلك أن المرأة تبقى في البيت ولا تذهب إلى المسجد، ومن ذلك أن بعض المسلمين لا يهتمون بالنظافة وبعضهم من ألمانيا.
ومن ذلك فصل النساء عن الرجال يحرم النساء من النقاش في أمور الدين، والرجال يستفيدون والنساء لا يستفدن، وقالت: إنها قرأت بعض ترجمة معاني القرآن الكريم، والمناقشات تفيدها أكثر، لأن الأسئلة توجد من المناقشات، وقالت: إن المسلمات هنا قليل منهن من تعرف الدين الإسلامي.
وقالت: إنها تحب أن يهتم المسلمون بتعليم أطفالهم الإسلام منذ الصغر في المدارس، وإن كانت هي غير مسلمة.
وبعد أن فرغت حاولت أن أناقشها، فرأيت أنها غير مستعدة، فاختصرت لها الكلام كما يأتي:
قلت: إنك قد فهمت عن الإسلام ما يكفي لإقامة الحجة عليك أمام الله، وقد فهمت أركان الإسلام، وهذا هو المهم كما عرفت شيئاً من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، [كان ذلك باعترافها]. الذي لا يسمع به يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن به إلا دخل النار، وأنا أحب لك ما أحب لنفسي، وهو أن تؤمني لتدخلي الجنة أما أسئلتك فجوابها سهل جداً، إن شئت، ولكنها أبدت عدم استعدادها.

جامع أمير السلطان:

وفي الساعة السادسة والنصف ذهبنا إلى مسجد للأتراك يسمى جامع أمير السلطان.
وكان فيه مجموعة من الشباب الفلسطيني الذين وفقهم الله للتمسك بدينه والحماس لدعوته، وهم من أجدر المسلمين بذلك، لأنهم يجب عليهم عيناً أن يجاهدوا في سبيل الله لإخراج عدوهم من بلادهم، وإن كان ذلك فرضاً على جميع المسلمين الآن، لاغتصاب اليهود أرضاً إسلامية وفيها الأقصى الشريف، ولعدم وجود جماعة كافية تقوم بالجهاد في سبيل الله.
كانوا يتدارسون القرآن الكريم، وبعد أن أتموا ذلك طلبوا إلقاء محاضرة فألقيت كلمة مختصرة تدور حول ثلاثة معانٍ:
الأول: الإخلاص لله.
والثاني: التفقه في الدين.
والثالث: العمل الصالح.
ومنه الجهاد في سبيل الله والولاء لله ولرسوله وللمؤمنين، ثم سألوا بعض الأسئلة وأجيبوا عنها، وكانت الأسئلة تتعلق بالأحكام الفقهية التي يشعرون بالحاجة إلى معرفتها، وبعضها يتعلق بالدعوة وأساليبها، وبالجماعات الإسلامية المختلفة، ودام النقاش ثلاث ساعات تقريباً، بل أكثر، حيث أذن لصلاة المغرب في الساعة العاشرة إلا عشرين دقيقة.

كلمة مختصرة موجهة للأتراك:

وطلب مني إمام المسجد التركي الشيخ محمد يحيى بيغلي أن ألقي كلمة مختصرة في المصلين من الأتراك بعد صلاة المغرب، وهو يترجمها لهم باللغة التركية، وهو يتحدث العربية بطلاقة.
وبعد صلاة المغرب ألقيت كلمة تضمنت شكر الإخوة الأتراك على الاهتمام بإنشاء المساجد، ومعاونتهم لإخوانهم الطلبة المسلمين في إتاحة الفرصة لهم، ليزاولوا نشاطهم الإسلامي في مساجدهم، وحرصهم على الجد في تربية أبنائهم على الإسلام وتعليمهم لغتهم ولغة القرآن الكريم، حتى يبقوا على صلة مباشرة بالقرآن الكريم والسنة وعلوم الإسلام، ولا ينقطعوا عنها، وأن يوحدوا كلمتهم ويساعدوا إخوانهم من الجاليات الإسلامية من غير الأتراك على تفقيههم في الدين والعمل الصالح.

معلومات عن المسجد وجماعته:

وقد أخذت معلومات سريعة من إمام المسجد، الأخ الشيخ محمد يحيى بيغلي:
ولد الأخ محمد سنة 1940م في طربزون بتركيا بالوقف الكبير ـ إحدى الولايات التركية ـ أسس هذا المسجد سنة 1983م.
عدد الأتراك المشتركين فيه مائتان.
عدد المصلين يوم الجمعة ألف وثمانمائة.
وعدد الأتراك في مدينة برلين 150 ألفاً.
وعددهم في أوروبا ما بين 4 ـ 5 ملايين.
نشاط المسجد: تعليم اللغة العربية والفقه والتفسير، ويعلم الشباب كل يوم خميس ثقافة عامة وكل يوم أحد نصيحة عامة.
والنشاط يوم الجمعة ويوم السبت للنساء خاصة، ويدرس القرآن الكريم للأولاد خمسة أيام في الأسبوع عدد البنين 150 وعدد البنات 70.
ويتعلم أولاد الأتراك اللغة التركية في المدارس الرسمية.
ولجماعة ملي قرش وهم من جماعة هذا المسجد أحد عشر مسجداً في مدينة برلين، ولبقية الأتراك أربعة وعشرون مسجداً.
وأكثر المساجد لا يوجد بها أئمة مؤهلون حسب قولهم.

مع الأخ الألماني المسلم محمد نيس:

الاثنين: 17/11/1407 هـ.
في الساعة الثانية عشرة ظهراً جاءني الأخ السوداني جعفر عبد العال الذي يعمل حلاقاً في برلين وله في ألمانيا 23 سنة، متزوج بامرأة مصرية، وله منها خمسة أولاد، وذهبنا إلى الأخ عبد المنعم إبراهيم الكريون، وهو مصري وله دكان يبيع فيه الملابس القديمة، وهذا أوصلنا إلى الأخ محمد نيس في دكانه الذي يبيع فيه العطور والكتب، وأغلبها صوفية، منها كتاب يسمى: تذكرة الأولياء، وكتاب رباعيات باللغة الفارسية لمؤلف صوفي قديم يسمى فريد الدين وقد ترجم الكتاب إلى الألمانية، ترجمته امرأة ألمانية هي:GISLAWENDT.
ولد الأخ محمد نيس سنة 1951م(26).

الكاتب وعلى يساره الألماني المسلم محمد نيس ـ الذي جرى الحوار معه في دكانه ـ وعبد المنعم إبراهيم المصري تاجر 17/11/1407?
الكاتب وعلى يساره الألماني المسلم محمد نيس ـ الذي جرى الحوار معه في دكانه ـ وعبد المنعم إبراهيم المصري تاجر 17/11/1407?

وهو متزوج وعنده طفلان، وأسرته مسلمة ويحمد الله على ذلك.
قال: إن الشباب الألماني بعد عمر 25 سنة يكون قد تشبع من كل الشهوات المادية، ويبدأ يبحث عن شئ آخر يشبع الروح، فوجدنا بعض الهنود الذين يدّعون النبوّة، ورأينا تصرفات بعض المسلمين فأعجبتنا، وبدأنا نبحث عن الدين الإسلامي، وقال: إني كنت ابحث عن علاج لقضايا الإنسان.
قلت له: متى سمعت عن الإسلام في حياتك؟
قال: إنه سمع عن الإسلام عندما كان صغيراً، في المدرسة الابتدائية، ولم يكن المضمون الذي سمعه مفهوماً لا عند الطالب ولا عند المدرس، والمعنى والوحيد الذي فهمه هو أن محمداً صلى الله عليه وسلم كان حاكم دولة قديمة، وكان عمر خليفة له بعد موته ـ ولم يذكر الصديق رضي الله عنه ـ ولم يسمع وصفه بأنه رسول، وإنما ذكر على أساس أنه حاكم دولة أراد بإقامتها توحيد العرب!.
وقال: إنه سمع عن الإسلام بوعي عن طريق هندي مسلم رأى عنده أشياء لم يرها عند غيره، وكان عمر الأخ محمد 28 سنة، والأشياء التي رآها في ذلك الرجل النظافة، والأدب، وما كان الأخ محمد يبحث عنه في داخل نفسه ولم يكن يعرف شيئاً عن الإسلام في ذلك الوقت.
قال: إن هذا الرجل المسلم كان عبارة عن إعلام الإسلام بتصرفاته ويسمى: عناية الله خان الهندي الصوفي.
وقال: وبدأت أهتم بكتب هذا الرجل ودراساته، وبعد سنة من قراءتي لهذه الكتب سمعت من أخ ألماني مسلم أنه يوجد أخ مصري مسلم، ودعاه للاجتماع به في حضرة من حضراته الصوفية، وقالوا له: يجب عليك أن تجلس معنا وتفعل كما نفعل ففعل، وقال: إن كل شئ في الجلسة الأولى كان غريباً عليه، وكان يسمع ألفاظاً ويقولها معهم وهو لا يعرف معناها، منها: يا حي يا قيوم يا قدوس، واسم الرجل المصري: صلاح عيد، وقد أعجب الأخ محمد بتصرفاته.
ولم يكن عند ذلك مسلماً، ولكنه أخذ بعض الأوراد، ومنها بسم الله الرحمن الرحيم، ولا إله إلا الله، استغفر الله العظيم التواب الرحيم. والأوراد التي تختص بالطريقة البرهانية الدسوقية الشاذلية، وبعد أن عرف هذه الأشياء قبل أن يسلم رأى أموراً سيئة في المجتمعات، فقارن بينها وبين ما رأى في الإسلام، فقال في نفسه: إما أن أكون من هذه المجتمعات الظالمة فأكون مجرماً، وإما أن أكون مسلماً فأخرج من هذه المجتمعات وقرر الدخول في الإسلام.
وأسلم في القاهرة سنة 1980م.
وقال: إن فطرة الإنسان تكره الظلم وتحب العدل، ولكن الحب في هذه المجتمعات معناه الغرام وما يتبعه من فجور.
قال: والحب الحقيقي أن يتصرف مع الإنسان الذي يقابله يومياً، تصرفاً مبنياً على المعاملة الحسنة.
وغير المسلم يفعل ما يريد، أما المسلم فإنه يجب أن يفعل أشياء محدودة في الدنيا والدين.
وسألته عن المعاني الإسلامية التي يمكن أن تؤثر في غير المسلم عندما يدعى إلى الإسلام؟.
فقال: أهم معنى يؤثر في الأوروبي غير المسلم القدوة الحسنة، والوسائل المناسبة لنشر الدعوة، هي الأفلام التي تعرض الإسلام ومعانيه وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين، والكتب المترجمة من العربية إلى الألمانية وغيرها، وإذا أنشئ جامع فالمفروض أن يكون في الواجهات والأماكن العامة.
ويجب إقناع الحكومة الألمانية بالاعتراف بالإسلام.
وقال: الحمد لله على دخوله في هذا الدين.
وقلت له بعد ذلك: إن دخولك في الإسلام نعمة عظيمة يجب فعلاً أن يحمد الله عليها ويشكر، ولكنك دخلت بطريقة صوفية معينة، والطرق الصوفية لا تحصى كثرة، وكذلك الطرق غير الصوفية، وكل صاحب طريقة يدعي أنه هو صاحب الحق، والإسلام الحق له ميزان وهو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
فقال: هذا صحيح ولكن المشكلة أنه إذا اطلع على حديث لا يستطيع أن يفهمه فهماً جيداً، فنصحته أن يتصل ببعض المسلمين الألمان وغيرهم من الطلبة العرب ليطلع على ما عندهم، فإنه سيسأل عن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فلا بد أن يجتهد في ذلك، فوعد بذلك وذكرت له الشيخ محمد صديق الألماني المسلم الذي تخرج في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وهو يعمل في إحدى ضواحي فرانكفورت كما سيأتي.
إن الأخ محمد نيس متحمس جداً للطريقة الصوفية التي تربى عليها ومتمسك بها بصدق، ويعتقد أنها هي الإسلام الذي يجب أن يسير المسلم على نهجه، ولكنه بسبب صدقه يمكن إذا اتضح له الحق ووجد كتباً إسلامية مترجمة إلى لغته وهي سليمة واضحة، أن يتمسك بالسنة ويحتاج أن يزوره بعض الإخوة المسلمين في برلين باستمرار، وقد وعد هو أن يستفيد من الإخوة وأنه لا يريد إلا الحق، وقال: إنني أتمنى أن يبقى الدكتور قادري هنا لأستفيد منه، وقد حرضت الإخوة في برلين أن يزوروه فوعدوا بذلك.
واستمر اللقاء مع الأخ محمد من الساعة الواحدة ظهراً إلى الساعة الرابعة، وكان المترجم الأخ عبد المنعم بن إبراهيم الذي ذكر لي أنه هو يحمد الله الذي هداه للالتزام بالإسلام، وكان مغروراً بالغربيين ولكنه بعد التزامه بالإسلام عرف أنهم ليسوا على شيء، وأنه لا توجد عندهم إلا المظاهر المادية، وأما المعنويات والراحة النفسية فهم محرومون منها.

مع الأخ إبراهيم بن ذي النون إبراهيم:

ولد الأخ إبراهيم سنة 1954م في المنيا، وأخذ بها الشهادة الثانوية سنة 1972م، واخذ الشهادة الجامعية من نفس البلد سنة 1976م، وكذلك الماجستير سنة 1981م.
وبدأ دراسة الدكتوراه في مصر سنة من81 إلى 1984م، وابتعث إلى ألمانيا سنة 1984م، وتخصصه في علوم الأرض، وله في برلين ثلاث سنوات، ويمكن أن ينتهي من الدكتوراه في نهاية 1988م.
متزوج وزوجته متخرجة من كلية الزراعة، وله أربعة أولاد: ثلاثة ذكور وبنت.
وقال: المبعوثون من قبل الحكومة المصرية أربعون طالباً، كثير منهم ملتزمون بدينهم، وقليل منهم منحرفون.
وقال الأخ إبراهيم: إن من أهم المشكلات التي يعاني منها المسلمون حب الزعامات.
والحاجة ماسة إلى عالم متفرغ فقيه في الدين، قادر على جمع كلمة المسلمين.

إيصال الحقوق إلى أهلها في منازلهم!

إن المرء الذي يزور بلاد الغرب، ويرى مظاهر تطبيق القانون من أجل المصالح العامة والخاصة، وكيف يتابع الموظفون أعمالهم من أجل إيصال الحقوق إلى أهلها، ويقارن ذلك بما يعانيه المسلمون في كثير من بلدانهم من حرمان من حقوقهم، أو مماطلتهم فيها، أو إرهاقهم بالتردد على الإدارات المسئولة للحصول عليها، ليدهش كل الدهشة وينبهر كل الانبهار، عندما يقارن بين هذه وتلك! أقول هذا وقد سمعت الكثير من المعلومات ورأيت بعض الحوادث بنفسي.
وفي هذا اليوم كنا نريد الخروج من بيت الأخ إبراهيم لنذهب إلى دكان الأخ عبدالمنعم، للاجتماع مع بعض الأخوات المسلمات الألمانيات، فإذا رجل يطرق باب منزل الأخ إبراهيم، وعندما فتح الباب وجد أن الرجل أحد موظفي المجلس البلدي لمدينة برلين، وهو يحمل ملفاً وبيده بطاقة، فيها عنوان الأخ إبراهيم فاستأذن ودخل، وأخذ يسأل الأخ إبراهيم عن المبلغ الذي يتسلمه من الحكومة المصرية، بصفته مبتعثاً من قبلها، والمبلغ الذي يأخذه من الحكومة الألمانية لأولاده، لأن ألمانيا تمنح الطفل الأول خمسين ماركاً في الشهر، وللطفلين 150 ماركاً وللثلاثة 370 ماركاً، وللأربعة 620 ماركاً، والأكثر من أربعة يأخذ كل طفل منهم 220 ماركاً. هذا إذا كان الأطفال ولدوا في خارج ألمانيا.
أما إذا ولد الطفل في ألمانيا، فإن الطفل يأخذ كل شهر ستمائة مارك لمدة سنتين، إضافة إلى المبلغ المقرر أصلاً، والهدف من ذلك التشجيع على زيادة النسل الذي بدأ ينقص نقصاً أخاف الدولة.
والقانون لم يفرق في أخذ هذه المكافأة بين الألماني والأجنبي، وإذا كان المبلغ المقرر للشخص وأسرته لا يفي بحاجتهم، فإن الحكومة تقرر القدر الذي يحتاج إليه وتسلمه إياه.
وقد طلبت زوجة الأخ إبراهيم عاملة تساعدها في عمل البيت ورعاية الأولاد، لأن أولادها كثيرون وهي تحتاج إلى المساعدة فقالوا: إننا سنبحث في القانون لهذا الأمر، ونحاول مساعدتها ويدخل ذلك تحت قانون مساعدة الأسر.
وعندما تلد الزوجة يطلب الزوج من أي امرأة تقوم برعاية أولاده وخدمتهم، عندما تكون أمهم في المستشفى أو في المنزل، حتى تتحسن صحتها، والحكومة تدفع تكلفة خدمة المرأة.
ويخيرون الزوج في القابلة التي تتولى توليد امرأته.
وأي امرأة يسميها يطلبونها له في نفس اليوم، ويؤدون لها كل التكاليف.
أما أطفال الألمان، فإنه ينطبق عليهم ما ذكر من قبل، يضاف إليه إعطاء الأبوين خمسة آلاف مارك قرضاً بدون فائدة، وإذا وضعت زوجته طفلاً آخر منحوه ذلك المبلغ، تشجيعاً له على زيادة الإنجاب.
والسبب في ذلك النقص الشديد في النسل.
إذ توجد إحصائية [هذا الكلام من هنا فما بعده أدلت به مسلمتان ألمانيتان حاضرتان لإجراء مقابلة معهما]. أنه سنة 2050م سينقص عدد الشعب الألماني إلى النصف، بسبب استعمال حبوب منع الحمل، والناس كثير منهم لا يرغبون في الإنجاب، ويحاولون التمتع بكل الأشياء المادية، من التلفزيون، والإجازات، والخروج في الساحات والأماكن خارج المنزل عندما تكون الشمس مشرقة، والأولاد ينغصون عليهم هذه المتع وكذلك يثقل الطفل على والديه في المال والوقت. [قارن بين هذه الحال وحال الطفل عند المسلمين].
وبعضهم ـ وهم قليل ـ يعتقدون أن البيئة مسممة بالأشعة النووية ويخشون على الطفل من التشوه الذي يسبب له التعاسة.
وسألت الأختين: أمينة، وديانا: ما سبب ولع الغربيات بالكلاب مع محاولة التخلص من النسل؟
فكان جوابهما: أن الكلب ليس له طلبات، ولا يتطلب تعباً عليه مثل تكاليف الأولاد وطلباتهم، وبعضهم يرى أن الكلب يحتاج إلى رعاية ومؤانسة أكثر من الولد، كما أن الإنسان يشعر بالمؤانسة والحب للكلب، ويستطيع في أي وقت أن يتخلص من الكلب ويرميه، بخلاف الولد فإنه لا يستطيع إهماله بحكم الغريزة. [وقد تفقد هذه الغريزة، فلا يستطيع إهماله بحكم القانون، وقد لا يبالي بغريزة ولا قانون، فيقتل ولده للتخلص منه، كما يحصل ذلك كثيراً في الغرب!].

حوار مع الأخت أمينة فيدر:

وهي مسلمة ألمانية ولدت سنة 1939م.
وظيفتها: مُدرسة التنفس الصناعي، الذي يحتاج إليه الناس كثيراً.
أصل ديانتها: بروتستانتية.
عندما كانت في سن 16 كانت تعتقد تماماً صحة دينها، لنشوئها في أسرة متدينة، وكان أبوها يعمل قسيساً في الكنيسة.
وعندما كان سنها عشرين سنة، بدأت تشك في صحة ذلك الدين، ولما بلغت ثلاثين سنة خرجت رسمياً من الكنيسة.
وعندما سألتها عن سبب الشك في دينها السابق؟
قالت: يصعب الجواب على هذا السؤال، ولكن لا توجد صلة بين الواقع والدين، ولم تجد تأثيراً على قلبها منه، وقالت: إنها كانت تشعر أن الدين يموت في نفسها موتاً بطيئاً.
قلت لها: هل أحسست بفراغ في نفسك تحتاجين إلى أن يملأ بعد إن تخليت من الدين المسيحي؟
قالت: بعد الخروج من الكنيسة، اشتغلت بأمور سياسية واجتماعية مثل الدفاع عن حقوق المرأة.
قلت: متى أول ما سمعت عن الإسلام؟
قالت: أول ما سمعت عن الإسلام في سنة 1974م عندما سافرت إلى المغرب، ولم تسمع عنه شيئاً في المدرسة، وأيدتها زوجة الأخ عبد المنعم ديانا، فقالت: إنها كذلك لم تسمع عن الإسلام في المدرسة.
قلت: هل قابلت أحداً من علماء المغرب؟
قالت: لم تقابل أحداً، وكانت تسمع الأذان ولكنها لم تهتم به، ولكن شيئاً داخلياً بدأ يتردد في نفسها عن الإسلام، وهي قد رأت كثيراً من أخلاق المسلمين.
قلت: والمؤسف أن غير المسلم يذهب إلى بلاد المسلمين ويزورها ويبدأ هو نفسه يفكر في الإسلام، ولا يجد من يتصل به ويدعوه إلى هذا الدين الحق وقد ساقه الله إليه في بلده.
قالت: إنها عندما رجعت إلى ألمانيا، بدأت تتعلم اللغة العربية لتفهم الإسلام، وكان تعلمها في المدارس الشعبية في حدود ستة أشهر، ميزت الحروف وقرأت بعض الكلمات وكتبت، وقد قابلت محمد صلاح عيد المصري ـ الصوفي ـ وبدأت تفكر تدريجياً بدون إرادة منها في شأن الإسلام، ولم تقرر الدخول في الإسلام أو عدمه، ولم يؤثر عليها الشيخ في مقابلته، ولكن عندما تكلمت معه قال: لو جربت بعض الأذكار، كالبسملة والاستغفار ولفظ الجلالة، بأعداد معينة ستحسين بشيء معين في نفسك.
وبعد فترة بدأت نفسها وحياتها تتغير، فشعرت براحة نفسية وبوجود شخصيتها.
ومن خلال مقابلاتها يومياً للمسلمين الأتراك والعرب والألمان المسلمين رجالاً ونساء، كانت ترى صلاتهم وتشاركهم في الذكر، وكانت تشعر في هذه الحالات أنها مسلمة.
رأت رؤيا في المنام أنها تسمى أمينة، وحكت ذلك للشيخ عيد، فسماها بهذا الاسم.
ثم سافرت إلى مصر مع الشيخ، لتتعرف على مصر بصفتها بلداً إسلامياً ولم تهتم بمعرفة الطريقة الصوفية.
ولم يحدث أن أعلنت الشهادتين عند غيرها، وإنما كانت تنطقها في الصلوات.
وسألتها: ما أهم ما جذبك إلى الإسلام؟
فقالت: من أهم أسباب دخولها في الإسلام أنه لا توجد فيه وساطة رهبانية كالمسيحية.
وقالت: إنها لا تنتسب الآن إلى طريقة معينة من الطرق الصوفية.
قلت: بماذا تشبهين نفسك قبل الإسلام وبعده؟
قالت: الآن أرى الأشياء بوضوح، وقبل ذلك كنت أرى الأشياء سطحية، مع أني كنت أعتقد أني جادة في حياتي، مثال ذلك أني كنت إذا حصلت لي مشكلة أغضب وأتضايق، لأني ما كنت أرى لتلك المشكلات حكمة، أما بعد الإسلام فإني أرى أن من وراء ذلك حكمة يعلمها الله.
قلت: لو أن أهل أوروبا كلها فعلوا كما فعلت من الدخول في الإسلام، فماذا ستكون الثمرة؟
قالت: إن الناس سوف يصبحون كلهم يسبحون بحمد ربهم.
قلت: هذا من حيث الصلة بين العبد وربه، فما الثمرة التي ستحصل للناس في حياتهم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها؟
ابتسمت وقالت: لو وجد هذا لكان الناس كأنهم في الجنة، وليس ذلك ممكناً الآن، الجنة ليست في الأرض.
قلت لها: ما الذي لا يمكن: أهو تطبيق الإسلام في الأرض، أم وجود الجنة؟
قالت: تطبيق الإسلام ممكن.
قلت: فما الثمرة لو طبق؟
قالت: الثمرة ستكون سعادة، والناس في حالة أخوية وطريقة تفكير الألمان المسلمين تختلف عن طريقة تفكير المسلمين العرب، المسلمون الألمان دخلوا في الإسلام عن اقتناع، أما المسلمون العرب فهم مسلمون عن وراثة من الأبوين، ولهذا فإن المسلمين الألمان لا يهتمون بتقاليد وعادات المسلمين، وإنما يهتمون بما جاء في القرآن والسنة.
قلت: كيف عرفت أن المسلمين العرب ورثوا الإسلام وراثة؟
قالت: من خلال مقابلاتي بعض المسلمين الأتراك والعرب رأيت أن هذا هو الغالب.
قلت لها: صحيح أن ما ذكرت موجود، ولكن ليس عند كل المسلمين، ويوجد كثير من المسلمين شباباً وشيباً على يقين من دينهم وليسوا مقلدين.
قالت: بعض الأتراك، الأم لا تهتم بالثقافة ولا بتربية الأولاد، ولكن من ضمن العادات أن تذهب إلى السرير بالحجاب.
قالت: وقد حاولت أن أقيم حلقة للمسلمات ومركزاً إسلامياً نسائياً، ولكن من خلال مقابلاتي لهؤلاء النساء، لم يحصل عندهن اهتمام أو تفكير في هذا الأمر.
قلت لها: عدم الاهتمام موجود عند كثير من الرجال والنساء، ومع ذلك فإنه توجد مسلمات مفكرات ذوات تأثير عظيم في المجتمع لو أتيحت لهن الفرص، وإن كن قليلات.
قلت لها: ما أهم المشكلات الاجتماعية المستعصي حلها مع شدة خطرها ولم يجدوا لها حلا؟
قالت: انحلال الأسر وتفككها [كان هذا اللفظ لزوجة عبد المنعم] وقالت: أمينة: إنه ليس انحلالاً، ولكنه بنيان غير صحي، كوجود فوضى وعدم التضامن.
قلت: هل الغالب في الأسر الاجتماع في المنزل، بعد سن الرشد أو التفرق؟
قالت: التفرق هو الغالب.
قلت: هل ثبت أن البنت تغار من أمها إذا كبرت، والزوجة تغار من بنتها؟
قالت: نعم يحدث ذلك بعض الأحيان، ويُعَلَّم الصغارُ الجنسَ، وتلقى عليهم دروس خاصة في المدارس تحت مادة القواعد الصحية، وضمن قسم الأحياء، كيف تحمي نفسك، والمقصود من حماية نفسك التحذير من المرض، وحماية الفتاة من الحمل، والحمل يحصل كثيراً في سن الصغر.
قلت: الغرب اجتهد في إسعاد الإنسان بالأمور المادية والقوانين، فهل الغالب على أهل الغرب السعادة أو التعاسة؟
قالت: زوجة عبد المنعم ـ ديانا ـ : الإنسان دائماً يبحث عن راحة الضمير واطمئنان النفس، وقالت أمينة: الشباب غير سعيد، ولا يحس بالانسجام مع المجتمع، لأنهم رفضوا المادية والمجتمع، وكأنهم يريدون أن يسعدوا أنفسهم برفض هذا المجتمع مع المادية.
والشباب عندما ينطلق في إشباع غرائزه بدون قيود، يتصور أنه ينطلق من الحرية، وهذا يمكن أن يكون حرية من الناحية النظرية ولكنه من الناحية العملية ليس بحرية.
قلت: هل الغالب أن يحدث الفراق بين الرجل والمرأة بالطلاق أو غيره، أو دوام الصلة بينهما؟
قالت: الإحصائيات تدل على أن المرأة هي التي تترك الرجل أولاً، وأكثر من 50% يحصل بينهم الفراق ولو لم ينفصلوا رسمياً.
قلت: وما أسباب الفراق؟
قالت: عمل المرأة ثماني ساعات في اليوم، وينتظر الرجل منها أن تقوم بالعمل في البيت، فلا تستطيع فيكون ذلك من أسباب الفراق.
والرجل لا يستطيع أن يشارك المرأة في الحياة الزوجية، لأنه لا يهتم بفهم شؤون زوجته وأسرته، ويهتم أكثر بعمله وعاداته وتقاليده، فهو مشغول بنفسه.
وسألَتْ أمينة عن تاريخ التشريع، وظنت أنه حصل خروج عن الشريعة في الاجتهاد الذي حصل من الأئمة والفقهاء وأجيبت عن ذلك، ثم طال النقاش في موضوع حجاب المرأة وبخاصة ظهور شعر رأسها ومسائل فقهية أخرى.

حوار مع الأخت المسلمة ديانا راوتنشتوك:

وهي زوجة الأخ المصري عبد المنعم ـ وكان هو المترجم بيني وبينها وكذلك بالنسبة للأخت أمينة.
وقد شاركت ديانا في المناقشة الماضية.
وسألتها بعض الأسئلة: ولدت سنة 1953م.
وهي متخصصة في علم الاجتماع والقانون، وتساعد زوجها في الدكان.
ديانتها الأولى بروتستانتية.
وسألتها: متى سمعت عن الإسلام؟ وماذا سمعت عنه؟
قالت: إنها قبل الزواج بالأخ عبد المنعم كانت تسمع أن الإسلام نظام حكم، وأنه يضطهد النساء، وأن الإسلام من الأديان التي تضطهد الإنسانية، وهذا هو الذي يُسمع عنه أهل الغرب بالنسبة للإسلام.
وكان سماعها لذلك وهي في المرحلة الثانوية، ولم تسمع عن الإسلام من أهله شيئاً.
وسألتها عن تمسكها بدينها قبل أن تسلم؟
فقالت: إنها لم تكن مقتنعة به، وكانت في بحث مستمر عن الإله والدين، وانفصلت عن الكنيسة رسمياً عندما كان عمرها 17 سنة، وكانت قبل ذلك ترفض كل ما يتعلق بالكنيسة، لأن أسرتها يعتبرون البابا وأصحاب الكنيسة مجرمين وهي تربت على ذلك.
وكان أبوها يرى أن الكنيسة تضطهد الإنسان، وتجعله غبياً وتستعبده وتستغله.
قلت: ولماذا كنت تبحثين عن الدين؟
قالت: لأنها كانت تشعر بفراغ وعدم سعادة، وتحس أن هذا الفراغ النفسي لا بد أن يملأ بعقيدة.
وعلمها أبوها أن الطبيعة هي الله، وأن الله في الطبيعة!
وأخذت تبحث في الأديان الطبيعية، كأديان الهنود الحمر، لأنهم عبدوا الطبيعة، وأرادت أن تحصل على معرفة إله واحد، وليس متعدداً وقرأت عن اتصال الهنود الحمر بالطبيعة.
وقالت: إنها عرفت الإسلام عن طريق زوجها، حيث كان يقوم بشعائر الإسلام وهي تراقبه، ومن خلال محادثتها معه عن الإسلام وقراءتها إحياء علوم الدين وبعض الكتب الصوفية.
وبدأت تصلي قبل أن تعلن إسلامها، وكانت تتوضأ وتصلي كما يصلي زوجها، وكانت تعتقد أنها في تلك الحالة أنها مسلمة، وأعلنت إسلامها سنة 1983م، ذهبت مع زوجها إلى جامع الأتراك، وأعلنت إسلامها أمام كثير من المسلمين.
وقالت: إنها نطقت بالشهادتين قبل الزواج، ولكن بدون وعي وسبب نطقها بها اعتقادها أن ذلك شرط في زواجها بمسلم، وكان ذلك سنة 1981م.
وقالت: إن أهل أوروبا في أمس الحاجة إلى الإسلام، ولكن الوضع السياسي حالياً يشوه الإسلام.
وقد أعلنت إسلامها في الأزهر رسمياً حتى تستطيع الذهاب إلى مكة.
وقالت إن الناس لا يعرفون شيئاً من أمور الإسلام والمسلمين كالشيعة والسنة والخلافة وغيرها، ولا يجدون عالماً يفقههم في الدين في هذه الأمور، وأكدت على ضرورة إمدادهم بالكتب الإسلامية.
هذا وليعلم أن أمينة وديانا ليستا صوفيتين، بل هما ملتزمتان بالسنة وكذلك الأخ عبد المنعم زوج ديانا.
وقد دام هذا اللقاء ما يقارب ست ساعات، حيث بدأ في الساعة السابعة بعد صلاة العصر، وانتهى في الساعة الواحدة إلا ربعاً بعد صلاة العشاء بنصف ساعة بحسب توقيت برلين.

أثر تحكم العادات والعقل عند الأوربيين في التسليم للشرع:

إنه يتضح لي من حواري مع الأوروبيين أن العوامل التاريخية، والاجتماعية، والثقافية، والدينية، والسياسية، والاقتصادية، التي توارثوها مدة طويلة، جيلاً بعد جيل، تجعل عقولهم بعيدة كل البعد عن الدين الحق وهو الإسلام لا غيره، الذي يترتب على الإيمان به التسليم المطلق لشرع الله تعالى، وعدم معارضة حكمه بعادة أو عقل أو أي مبدأ.
والأوروبيون ألفوا العبودية الكاملة ـ ولا أقول التحرر كما يزعمون ـ للعادة والهوى والشهوة والعقل والمبادئ الوضعية، وهذا ينطبق انطباقا كاملا على غير المسلمين، وينطبق في بعض الجوانب على بعض المسلمين الأوروبيين، فإن تحكيم العقل والعادة لا زالا مسيطرين عليهم، يضاف إلى ذلك الضغط الاجتماعي، وسوء الترجمات لمعاني القرآن الكريم، أو أي موضوع من الموضوعات الإسلامية، فإن كثيرا منها مترجم بمعان مخالفة للمعاني المقصودة من النصوص، وبخاصة ترجمات أعداء الإسلام المنتسبين إليه كالقاديانية.
وترجمة القاديانيين لمعاني القرآن بحسب اعتقادهم منتشرة بين الألمان باللغة الألمانية، وهي محرفة غاية التحريف، وقد واجَهَنَا كثيرٌ من المسلمين الذين قابلناهم بمعان لا شك أنها منها.
وأما غير المسلمين فإنهم يحاجون المسلم في دعواه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء بما يزعمه القاديانيون من أن الرسالة لم تنقطع. [ونحن نقول: إن الرسالة بمعناها الإلهي، هو وجود نور إلهي يهدي البشرية إلى يوم القيامة، لم تنقطع، بل هي باقية إلى يوم القيامة، ولكن هذا النور الإلهي الهادي وهو وحي الله الذي أنزله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وحفظه من التغيير والتبديل، وهو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، اللذان كلف الله تعالى جميع الأمم في كل العصور الإيمان بهما واتباعهما، ولم يبق كتاب ولا دين سماويان يجوز الإيمان بهما والتعبد بهما، غير هذين المصدرين. ولمزيد من التفصيل في هذا راجع كتابي: (الإيمان هو الأساس) في فصل الإيمان بالكتاب].
وفي هذه الليلة مكثنا مدة طويلة مع الأختين المسلمتين الألمانيتين لمحاولة إقناعهما بمشروعية الحجاب، وهما تحاولان إقناعي بأنه في هذا الزمان غير مشروع، ومن ضمن ما احتجتا به الآية القرآنية الكريمة في سورة البقرة: {وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون} قالتا في وجه الدلالة: إنهما قرأتا في تفسيرها أن الذي لا يعلم لماذا شرع الله أي حكم أو يعلم أن ذلك الحكم لا يلائم البيئة لا يلزم بذلك الحكم، لأنه لم يعلم أن فيه فائدة أو خير وقد شرط الله تعالى في كون الصيام خيرا أن نعلم ذلك.
ومعنى هذا الفهم البعيد عن مراد الله تعالى، أن الذي لا يعلم خيرا في الصيام فليس عليه الصوم.
وسبب انطلاء تلك الترجمة الماكرة عليهما وعلى غيرهما، هو عدم معرفة أساليب اللغة العربية من جهة، وموافقة تلك التحريفات لأهوائهم وعاداتهم من جهة أخرى، ولهذا فإن نفور غير المسلمين وسوء فهم المسلمين، يقع قسط منه على المسلمين القادرين على إيجاد الوسائل التي تؤدي إلى تفهيم هؤلاء الناس المعاني السليمة للإسلام وأحكامه، إما بإقامة مدراس إسلامية في هذه البلدان وإيجاد العالم المسلم الفقيه في الدين المتحدث بلغة القوم المجيد للغة العربية، والمطلع على أفكار الناس في هذه البلدان والعقليات التي يفكرون بها أو غير ذلك وبخاصة البحث عن الترجمات السليمة لمعاني القرآن الكريم المطبوعة وغير المطبوعة، والسعي في نشرها بعد عرضها على علماء الإسلام الذين يجيدون اللغتين وبخاصة الألمانية، وينبغي أن تكون طباعتها أنيقة واضحة، وإذا لم توجد ترجمة سليمة فيجب السعي في إيجادها، وكذلك يجب البحث عمن هو قادر على ترجمة بعض الكتب الإسلامية أو تأليفها في موضوعات متنوعة تدعو الحاجة إليها.
إن كثيرا من المسلمين الغربيين الذين اجتمعت بهم يبدو عليهم صدق النية ويقين الإيمان ومحبة الإسلام من الزاوية التي فهموها، ومن ذلك الطرق الصوفية، التي قد تصل إلى الاعتقاد الغالي البعيد عن الإسلام كما في طريقة ابن عربي، ومن ذلك اعتقاد الفرقة الأحمدية.
ولكن هؤلاء المسلمين الذين يتلقون تلك المبادئ والأفكار، يعتقدون أن ذلك هو الإسلام ويتحمسون له على ذلك الأساس، وعندما تبحث مع الشخص في سبب دخوله الإسلام من تلك الزاوية، تجد أنه لم يتمكن منه إلا من تلك الطريق في بداية الأمر، فلما تمكن ذلك المبدأ من قلبه أصبح متحمساً له متحزباً مع أهله.
وذكر لي بعض الإخوة أن بعضهم يترك الاعتقاد الفاسد ويعود إلى الإسلام الحق، وأقرب الأمثلة على ذلك الأخ يحيى الذي سبق قوله: إن أول دخوله في الإسلام كان عن طريق القاديانية، وإنهم حاولوا التأثير عليه وحرصوا على بقائه على مذهبهم، ولكن الله أنقذه ببعض الطلبة السعوديين وغيرهم فترك المذهب. [كما سبق].
وقد جرت العادة أن الذين تتمكن المبادئ من نفوسهم يحرصون على البقاء على تلك المبادئ وينصرونها، وقد يكونون صادقين في الإيمان بتلك المبادئ ولا يمكن صرفهم عنها إلا بحجج مقنعة واضحة، تجعلهم يعتقدون فساد المبادئ السابقة، وهذا قد لا يتيسر لكل الناس، وبخاصة أن أهل المبادئ الكافرة أو الفاسدة من الذين ينتسبون للإسلام نشطون، وعندهم إمكانات أكثر من غيرهم، ويكفي أن نعلم أن بعض البلدان لا يوجد فيها ترجمة معاني القرآن الكريم إلا ما ترجم عن طريق تلك الطوائف الضالة، أو بعض الكفار الأصليين كترجمات المستشرقين واليهود والقاديانية وغيرهم.
والذي يبحث عن الإسلام، لا يدري عن هذه الفرق المتعددة في أول الأمر، فإذا وجد القاديانية يدعونه إلى الإسلام ظن أن ذلك هو الإسلام وهكذا. فعلى أهل الحق أن ينشطوا لإنقاذ الناس بدين الله الحق!

حوار مع الأمريكي غير المسلم توماس كوبيك:

الثلاثاء: 18/11/1407 هـ.
توماس كويبك ألماني أمريكي وهو يعيش في ألمانيا من سنة 1971م، وأصله أمريكي(27).

حوار مع الأمريكي الألماني غير المسلم: توماس كويبك 18/11/1407هـ
حوار مع الأمريكي الألماني غير المسلم: توماس كويبك 18/11/1407هـ

ولد سنة 1950م.
يدَرِّس التاريخ والإنجليزية والألمانية في المرحلتين: الابتدائية والإعدادية.
وكان السبب في اجتماعنا به، أنه جار للأخت المسلمة أمينة فيدر التي سبق الحديث معها قريباً، وهي تعلم أنه يبحث عن الإسلام ويحب الاطلاع عليه، فأخبرته بوجودي وضربت بيننا موعداً عن طريق الأخ عبد المنعم، وكان الاجتماع في دكانه، وهو الذي ترجم بيننا.
سألتُ توماس: متى سمعت عن الإسلام في حياتك؟
قال: عندما كان سنه 15 سنة وكان في إيطاليا، وسمع نشيداً أو أغنية من مغن بلجيكي يسمى آدم، والأغنية تسمى "إن شاء الله"، فسأل عن معنى "إن شاء الله"؟ ففسروا له ذلك بأنه عندما يريد الله، قال: وكانت الأغنية تتضمن معاني الحب والسلام ومعاني طيبة أخرى، وفهم أن هذه الأغنية تتعلق بالإسلام.
ولم يسمع بعد ذلك شيئاً عن الإسلام، إلا ما في نشرات الأخبار المتعلقة بمشكلات المسلمين، كقضية لبنان وإيران وليبيا.
وكان قبل أربع سنوات في المكتبة العامة، فوجد كتاباً صدفة مترجماً لرجل يدعى إدريس شاه يعيش في إنجلترا، وهو مترجم من اللغة العربية إلى الألمانية، والكتاب يسمى: الصوفية، وقبل ذلك بعشر سنوات حصل على كتاب يسمى: من الديوان لجلال الدين الرومي الصوفي المعروف، وهو باللغة الألمانية، وقرأه في ذلك الوقت على أساس أنه شعر وليس متعلقاً بالدين. [انظر كيف تتوالى على الشخص الواحد مراجع الصوفية دون الكتب الإسلامية السليمة، والسبب أن الناشرين في الغرب يهتمون بشر هذه الكتب أكثر من غيرها، هذا مع نشاط أهلها كذلك].
قلت له: هل كونت هذه الكتب والأغنية عنده فكرة عن الإسلام جعلته يبحث عنه؟
قال: إنه عندما قرأ كتاب إدريس شاه، رأى بعد ذلك كتاباً في مكتبة زوجته، وكتبها كثيرة، وقد رأى هذا الكتاب كثيراً من قبل ولم يتصفحه قبل هذه المرة، أما هذه المرة فإنه تصفحه، فوجد في هذا الكتاب فصولاً تحتوي على معلومات عن عالم من العلماء أو حاكم من الحكام في حياته وتفكيره، ولا يزيد الفصل عن عشر صفحات، ويسمى الكتاب: علماء الفكر الإسلامي.
وبعد ذلك أجريت له عملية جراحية في ظهره، وخرج من المستشفى وأراد أن يبحث عن علاج طبيعي للظهر كالتمرينات الرياضية، وبدأ مدرس الرياضة يحكي قصصا صوفية عن مولانا ـ هكذا نطقها ـ ناصر الدين، ومعظم ما قرأ وسمع أو تكون عنده من أفكار عن الإسلام، هو من الفكر الصوفي.
قلت له: هل وجد أن هذا الفكر الصوفي يستحق أن يتابعه الإنسان، ويجعل الإسلام ديناً له من وجهة النظر الصوفية هذه؟.
قال: إنه رأى من الفلسفة الصوفية الفكر الحر والإرادة، بمعنى أن الإنسان يمكنه أن يقول: إنه يسير خطأ، وإن العالم المحيط به موجود، ويسأله قائلاً ماذا تفعل بالضبط؟ ومعنى هذا أنه يجب أن آكل المال الذي أشتري به الطعام. [في الكلام شئ من الغموض ولعله يريد أن يقول: إنه مسؤول عن تصرفاته].
قلت له: ما ديانته وهل هو مستمر على اعتقادها؟
قال: إنه كاثوليكي، ولكنه لا يذهب إلى الكنيسة الآن ولا يمارس طقوسه الدينية، ولكنه يرى الحق في الإنجيل.
قلت: فلماذا لا يعمل بدينه وهو يراه حقا؟
قال: لأن الحياة الدينية يمكن أن تمارس دون ارتباط بالكنيسة، ويمكن أن يكون الحق في غيره من الديانات، كالإسلام والبوذية، ويعتقد أن كل رجل متدين عنده شئ من الحق.
وقال: إنه من شهر يناير 1987م إلى هذا الوقت، بدأ يقرأ الكثير عن يودي كرشنا مورتي، وهذا الرجل ليس له دين، وهو يرى أن الإنسان لا يحتاج إلى دين معين كالإسلام واليهودية والبوذية والنصرانية، ولكنه يحتاج إلى إيمان وعقيدة، بمعنى أنه لا بد أن يؤمن بوجود إله.
وقال: يمكن القول: إن بعض الناس يحتاجون إلى دين، ولكن بالنسبة لي أرى أن الدين ضيق يقيد حركاتي، ومعنى ذلك أني إذا رأيت شيئاً طيباً عند المسلم أو اليهودي أو البوذي آخذ به، دون أن أتقيد بدين من الأديان وهذا فيه احترام لجميع الأديان، ولا أثبت لأهل دين أنهم أفضل من أهل دين آخر.
وسألته: هل تحب أن تعرف شيئاً عن الإسلام؟
فقال: إنه في غاية الاشتياق لمعرفة الإسلام.
قلت: هل تؤمن فعلاً أنه يوجد إله؟
فقال: كلمة إله هي شئ لا نعرفه.
قلت: هل يوجد خالق لهذا الكون؟
قال: هو يعيش في الخلق.
قلت: من الذي يعيش في الخلق؟ أنا أسأل هل يوجد لهذا الكون: السماوات والأرض والنجوم والكواكب والإنس والحيوان، وكل ما هو موجود في هذا الكون، هل له خالق أو ليس له خالق؟
قال: نعم لا بد من خالق.
قلت: هل تستطيع أن تعرف لهذا الخالق بعض الصفات، من نظرتك إلى مخلوقاته؟
قال: نعم.
قلت: مثل ماذا؟
قال: إنه عالم، ولكن علم الله لا أستطيع كتابته.
قلت: تعني أن الخالق لا بد أن يكون عالما؟
قال: نعم لأن الصانع أعلم.
قلت: ثم ماذا؟
قال: القدرة، يعني أن الحياة دائماً مستمرة.
قلت: أنا أريد من القادر، أن الشخص الذي صنع المذياع لا بد أن يكون عنده قدرة على مادة المذياع وعلى صنعه، ومعنى هذا أن هذا الكون لا بد أن يكون الذي خلقه عنده قدرة على إيجاده.
قال: الإنسان قادر على صنع هذا المذياع إذا وجد المادة ولكن الموجد لهذه المادة هو الله.
قلت: يعني أن الله أقدر من المخلوق.؟
قال: نعم.
قلت: هل تذكر صفة أخرى للخالق؟
قال: البقاء.
قلت: وأخرى؟.
قال: حياة لا تنتهي.
قلت: هذا الخالق العالم الحي القادر الباقي، هل ترى أنه حكيم؟
قال: نعم.
قلت: ما الذي تفهمه من الحكمة؟
قال: كوني أرى العالم مرتبطاً.
قلت: كون العالم متقناً؟
قال: نعم.
قلت: هذا الخالق الذي خلق هذه المخلوقات، هل من الحكمة أن يتركها تتصرف في هذا الكون بدون منهج يوجهها؟
قال: يوجد منهج الآن.
قلت: أنا أسأل سؤالاً عاماً: هل يجوز أن يخلق هذا الخالق الحكيم الكون، وبخاصة الإنسان ويتركه بدون منهج يتصرف فيه على ضوئه؟
قال: من غير منهج تحدث فوضى.
قلت: هذا صحيح، إذًا اتفقنا أنه لا بد للإنسان من منهج يأتيه من الخالق لينظم حياته.
قال: نعم ولكن يمكننا أن نعيش من غير منهج.
قلت: قبل قليل قلتَ: إن العيش بدون منهج يحدث فوضى؟
قال: ليس عندنا قدرة على وجود منهج، ولا بد أن يكون عندنا منهج.
قلت: من يأتي الناس بهذا المنهج؟
قال: عندما أرى بوضوح سأرى المنهج.
قلت: متى ترى، وأين هو المنهج ومن يضعه، هل تضعه روسيا الشيوعية أو أمريكا الرأسمالية؟
قال: عندما أضع النار على جلدي تحرقني [يقصد أن الشيء النافع معروف ويجب أن نفعله، والشيء الضار معروف يجب أن نتجنبه، وكأنه من القائلين بالتحسين والتقبيح، مع أنه لا يعرف فلسفته]؟
قلت: هذا ليس بجواب: من يضع المنهج البشر أم الخالق؟ وهل في استطاعة البشر أن يضع منهجاً يسعد كل البشرية؟
قال: عندما يرى الناس بوضوح ويسيرون تبعاً للأوامر الإلهية فسيكونون كلهم في سعادة.
قلت: هل يعني هذا أنك تقر بأنه لا بد من منهج إلهي للبشر؟
قال: لا بد من قبول القوانين الإلهية واتباعها.
قلت: الآن وصلنا إلى نتيجة طيبة، ثم أخذت فنجان قهوة كان أمامي وقلت له: ما الحكمة في وضع هذا، هل صنع لحكمة أم صنع عبثا؟
قال: وجد لغرض معين وليس عبثا. فأشرت له إلى عيني وأذني وأنفي وقلبي ورئتي وبعض أجزاء جسمي، وقلت: وهذه كلها وجدت لغرض؟
قال: نعم كلها وجدت لحكمة وغرض.
قلت: إذا كان كل شئ وجد لحكمة بما في ذلك أجزاء الإنسان، فهل الإنسان وجد لحكمة أو لا؟.
قال: نعم وجد لحكمة.
قلت: من يعين هذه الحكمة، هل يستطيع أحد من الناس أو مجموعة من البشر أن يحددوا هذه الحكمة لكل الناس؟
قال: لا يحدد هذه الحكمة رجل شيخ كبير عجوز ذو لحية بيضاء ـ يشير بذلك إلى رجال الكنيسة ـ.
قلت: ومن الذي يحدد الحكمة؟
قال: موجود.
قلت: من؟
قال: وهل يجب أن يكون له اسم؟
قلت: لا بد أن نعرف من يحدد لنا الحكمة.
قال: نتحدث عنه.
قلت: من هو؟
قال: الإنسان يتحدث عن شئ لا يعرفه، وبعد ذلك يعطيه الاسم.
قلت: أنا أنتظر أن أعرف منك من الذي يحدد لي الحكمة من وجودي في هذه الأرض.
قال: الوجود.
قلت: وجود من؟
قال: ما نحس به في قلوبنا وما نراه.
قلت: كل واحد يحس ما لا يحس به الآخر، وكل واحد يحدد لنفسه ما لا يحدد له الآخر، يمكن أن تسألني لماذا وجدت؟ فأقول: وجدت لآكل وأشرب….. وأموت، وتسأل آخر، فيقول: وجدت لأسيطر على العالم، وأحكمهم حكماً استبدادياً ـ دكتاتورياً ـ وهم خلقوا كلهم ليطيعوني، وآخر يقول: إنه خلق للخمرة والرقص والنساء، ونحن نريد حكمة لسعادة البشر في العالم، من الذي يحددها؟
قال: عندما يكون الإنسان أعمى لا يرى الأشياء بوضوح يحدد أشياء غير طيبة، ولكن عندما يكون فاهما ليس محتاجا إلى الرقص والمتع الشهوانية.
قلت: من يفهمه؟
قال: يمكن أن يقول الإنسان هذا يأتي من الله.
قلت: مِن الله؟
قال: نعم.
قلت: الآن وصلت.
[يعني بعد هذه الرحلة الطويلة معه، من سؤال إلى آخر، وكنت متعمداً ذلك ليصل إلى هذه النتيجة هو بنفسه، وقد وصل والحمد لله، وسرد الكلام مع الأوروبي لا يكفي، لأنه يدعي أنه يعتمد في إيمانه بالأشياء على العقل وليس على العاطفة].
قلت: معنى هذا أن هذا المذياع لو وجده رجل بدوي لا يفهم شيئاً، ولم يدر عن حكمة صنعه، لا بد أن يسأل صانع هذا المذياع عن الحكمة من صنعه؟
قال: نعم.
قلت: ولذلك تبعث الشركات مع آلاتها كتباً تدل الناس على كيفية استعمالها، ولولا ذلك لما عرف الناس استعمالها بسهولة، ومعنى هذا أنه ما دام الخالق الإله هو الذي يحدد لنا الحكمة من وجودنا على هذه الأرض، فلا بد من أن يبعث لنا من يرشدنا؟ قال: نعم.
قلت: وهذا المرشد لا بد أن يكون رسولاً من الله، ولا بد أن يكون معه كتاب يعلم به الناس؟ قال: نعم.
قلت: هل يوجد الآن في التوراة والإنجيل التي بأيدي الناس ما أهله على يقين أنه من عند الله وليس فيه تناقض وأنه يلبي الفطرة، ويصلح أن يكون منهج حياة للبشر يبين لهم كيف يسيرون؟ قال: لا.
قلت: إذًا الله الخالق إذا لم يوجد للبشر كتاباً يوجههم، معناه أنه ظلمهم ـ استغفر الله ـ لأنه خلقهم لحكمة وهم لا يعرفونها، وتركهم يتصرفون بدون رسول ولا كتاب يوجههم؟ قال: هذا واضح.
قلت: هنالك قوم يقولون عن أنفسهم :إنهم مسلمون ويقولون: إن عندهم كتاباً هو آخر كتب الله نزولاً، وأنه كتاب حق، وأن فيه ما يشبع الفطرة من الإيمان، ويوجه الإنسان إلى كيفية عبادة الله التي هي الحكمة من خلق الناس، ويبين له كيف يعيش ويحيى في هذه الأرض، من علاقة الإنسان بربه، وعلاقة الزوج بزوجته والزوجة بزوجها، والأب بابنه والابن بأبيه، وكذلك الأم، والجار والمجتمع بأكمله، والدولة بالشعب والشعب بالدولة، يعني كل نظام الحياة الذي يحتاج إليه الناس موجود في هذا الكتاب، وعندنا الأدلة القاطعة أن هذا القرآن كلام الله.
وقد اعترف غير المسلمين من علماء الكون، من أطباء وجيولوجيين وفلكيين، بما رأوا في هذا القرآن من الأخبار التي لم يكن الناس يعرفونها عندما نزل، وإنما عرفت بعد أحقاب من الزمن، وبعد اجتهاد وكد في العلوم الكونية، اعترفوا أن هذا القرآن كلام الله، وضربت له بعض الأمثلة، وكان في غاية من الإصغاء والاهتمام .
ثم شرحت له بعض مبادئ الإسلام باختصار، ومنها أركان الإسلام، وقلت له: لقد أبلغتك دين الله الذي هو الدين الحق، وما عداه من الأديان باطل، وأنه دين يجب على كل البشر الدخول فيه، وأن من اتبعه فهو من أهل الجنة، ومن كفر به فهو من أهل النار، وإنني أدعوك أن تدخل في هذا الدين وتنقذ نفسك من البعد عن الله، فوعد أنه سيقرأ زيادة ويفكر بجد في هذا الأمر ويخبر زوجته بذلك.
وأنبه هنا أن أغلب الذين عندهم علم عن الإسلام في ألمانيا أخذوه من غير المسلمين: إما من المستشرقين، وإما رجال الكنيسة، وإما القاديانية، أو من الفرق المبتدعة، وقليل من علم الإسلام من مصدر صحيح.
هداه الله للرجوع إلى دينه في بلاد الكفر:
ثم ذهبنا إلى منزل الأخ عبد المنعم المصري الذي أصبح بحمد الله بعد أن هداه ملتزما بدينه، وقد مضت عليه فترة وهو لا يشعر ببعده عن الله، وكان في هذه الأيام يستعد للسفر إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج. ذهبنا إلى منزله لتناول الطعام.
وعلمت منه أنه كان ضمن الجنود المصريين الذين بعثهم عبد الناصر للسيطرة على اليمن أيام الثورة سنة 1382 هـ ـ1962م، وأنه كان في بلدة عبس، وكان جنديا يسوق دبابة، فقلت له: إن في بلدة عبس إخواني وأقاربي وسألته كيف كان القتال بينكم وبين اليمنيين؟
قال: لقد قتل اليمنيون المصريين بوحشية، قلت: بل أنتم الذين قتلتموهم بوحشية، لأنكم اعتديتم عليهم في بلادهم، وكانوا هم يدافعون عن أنفسهم.
وهددته ـ مازحاً ـ بأني سأثأر لقومي منك، وذكرت له أنني هجوت جنود عبدالناصر الذين دخلوا اليمن بقصيدة وبينت فيها بعض عيوبه وفتنته للناس، فقال: اذكر لي منها شيئاً، فحاولت أن أتذكر منها شيئاً فقلت:

يمن العقيدة فافخري وترنميواشدي بنصر في الأنام وعزةِ
واغدي قبوراً للفراعنة الأوليركبوا رؤوسهمُ لهذا المحنةِ

فقال الأخ عبد المنعم: صدقت، لقد كنا كذلك!
قلت: وهذه طبيعة المنصف العادل يعترف بخطئه، فالاعتراف بالحق خير من التمادي في الباطل.

السفر إلى مدينة: فرانكفورت:

الأربعاء: 19/11/1407 هـ.
استأجرت سيارة توصلني إلى مطار برلين لمغادرتها إلى مدينة فرانكفورت، وخرجت من الفندق في الساعة التاسعة صباحاً، بعد أن حاسبت الفندق. وبعد أن أخذت البطاقة من موظفي الخطوط، مررت بموظفي الجوازات فأخذ الموظف الجواز وأخذ يقلب صفحاته حتى وصل إلى الصفحة التي فيها تأشيرة قنصلية ألمانيا في جدة، ورفع سماعة الهاتف وتحدث مع مسؤول آخر، ودامت المحادثة بينهما خمس دقائق تقريباً ثم ابتسم في وجهي وقال مع السلامة وسلمني الجواز.
وهذا العمل في دول الغرب غير عادي، وسببه في هذه الفترة رعبهم الشديد من رجال منطقة ما يسمى بـ(الشرق الأوسط) لما يحصل من تفجير قنابل واختطاف طائرات وحجز رهائن، وغيرها، وإذا رأوا علامة تدل على أن الشخص قد يكون من المتمسكين بالإسلام كان احتياطهم أشد.
وأقلعت بنا الطائرة الأمريكية (PAN AM) في الساعة الحادية عشرة صباحاً من مطار برلين إلى مدينة فرانكفورت. وهبطت في مطار فرانكفورت في الساعة الثانية عشرة والدقيقة الثامنة عشرة، فكانت مدة الطيران ساعة وثماني عشرة دقيقة 18ر1.
وكان الأخ المهندس صلاح الجعفراوي، رئيس مجلس إدارة مركز فرانكفورت الإسلامي، والسكرتير العام للاتحاد الإسلامي للطلاب، وممثل الجماعة الإسلامية بألمانيا الغربية، في انتظاري في المطار.