1- في مدينة ميونخ
1- في مدينة ميونخ
مع الشيخ يعقوب بن محمد اليوغسلافي (18):

والتقيت الأخ يعقوب محمدي اليوغسلافي [تابع لرحلة: 1407هـ]. الذي تخرج في كلية الشريعة بالجامعة الإسلامية في المدينة المنورة سنة 1400هـ 1980م، وهو الآن في مدينة ميونخ يؤم المسلمين في مسجد التوحيد في داخل المدينة، حيث توجد أكبر جالية إسلامية من يوغسلافيا ـ من البوسنة ـ وألبانيا، ويوجد عدد من المسلمين الألمان عدد(15) تقريباً، والأخ يعقوب مبعوث من الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد وله في ميونخ أربع سنوات، وكان قبل ذلك في يوغسلافيا.
ويقوم الأخ يعقوب ـ إضافة إلى عمله في المسجد إماماً وخطيباً ومدرساً ـ بجولات على التجمعات الإسلامية اليوغسلافية، ويزور بعض المسلمين في السجون والمستشفيات ويتصل ببعض اليوغسلافيين غير المسلمين ويجيب عن بعض أسئلتهم عن الإسلام.
أما دعوة الألمان غير المسلمين، فيقول الأخ يعقوب أن فيها صعوبة عليه لأمرين:
الأمر الأول: عدم إجادته لغتهم، فلا يستطيع التخاطب معهم.
والأمر الثاني: أن الألمان لم يألفوا الزيارات في المنازل.
وقلت أنا للأخ يعقوب: وسيلة الاتصال بهم يمكن أن تفكروا فيها، وليس شرطاً أن تزوروهم في منازلهم إذا كانوا لا يحبون ذلك، وأما اللغة فيمكن أن تتعلمها ما دمت موجوداً في بلادهم، وإذا تيسر لقاؤك بأحد فيمكن أن يترجم لك بعض إخوانك من العرب أو اليوغسلاف.
محاضرة في مسجد التوحيد:
وقد طلب مني أن ألقي محاضرة في مسجد المركز الإسلامي بعد صلاة المغرب.
وكان موضوعها: تصرفات بعض المسلمين السيئة في بلاد الكفر تكون سبباً لنفور أهل البلاد من الإسلام.
وأن الواجب على المسلم الذي لا يستطيع أن يحافظ على دينه في بلاد الكفر أن يهاجر إلى بلاد المسلمين، وسألوا عن دول الغرب، هل هي دار حرب؟
فقلت لهم: إن الديار ثلاثة:
دار الإسلام: وهي التي يكون أهل الحل والعقد فيها هم المسلمون وتظهر فيها شعائر الإسلام وأحكامه.
ودار الكفر: وهي التي يكون أهل الحل والعقد هم فيها الكفار، وتظهر فيها أحكام الكفار، وهي قسمان: دار عهد وهي التي بينها وبين المسلمين عهد ومعاملات سلمية، ودار حرب وهي التي بينها وبين المسلمين حرب، ودول أوروبا الآن أقرب شبهاً بدار العهد، وإن كانت تحارب المسلمين بأساليب ماكرة.
نبذة عن المركز الإسلامي في ميونخ:
افتتح المركز الإسلامي في ميونخ سنة 1973م، بعد أن استغرق إنشاؤه ما يقارب 15سنة، ما بين جمع للتبرعات، وبحث عن مكان، وأخذ تصريح بالبناء، ومراجعة الحكومة الألمانية في الإعفاء من الضرائب.
والذين تولوا إنشاء المركز ومتابعته، هم جمعية طلابية تأسست سنة 1958م، سمت نفسها جمعية إنشاء المركز الإسلامي في ميونخ، والذي حرك الجماعة وكان مسؤولاً عنها المسلم الباكستاني: فضل يزداني.
ويحتوي المركز على ثلاث طوابق على مساحة قدرها 3000متر مربع تقريباً، كلف شراؤها وبناؤها ما قدره: 3 مليون مارك ألماني.
الطابق الأول منه: به حجرات الإدارة والمخازن وقاعة كبيرة للرياضة البدنية، ودورة مياه.
وفي الطابق الثاني: استراحة للزائرين، ومكان لعرض الأفلام الإسلامية، وقاعة للمحاضرات كبيرة، وتتسع لما يقارب 500 شخص مجهزة بأجهزة التكبير الصوتية والترجمة الفورية، ومكتبة إسلامية تضم أنواعاً عديدة من الكتب المتنوعة، بعدة لغات ولا زالت في حاجة إلى المراجع الإسلامية، ومكتب استعلامات للزائرين.
والطابق الثالث: مسجد، وهو مؤسس على أحدث طراز ليكون مرآة مشرفة لفن العمارة الإسلامية أمام الزائرين غير المسلمين، وعنواناً صادقاً لجهود المسلمين، وبه مسجد علوي للنساء، وبه مكتبة للاطلاع الداخلي باللغات العربية والتركية، وحول المسجد فناء واسع تطل عليه مئذنة المسجد الشامخة، لتلفت نظر القادمين إلى روعة الفن الإسلامي وهيبة بيوت الله.
ويلحق بالمسجد بيت للضيافة، يستقبل القادمين إليه من أبناء الإسلام والوافدين للدراسة في ألمانيا، أو الزيارة، ويتكون من ثلاثة طوابق:
الطابق الأول: به المخزن والأثاث، وحجرات لغسل الملابس مزودة بالغسالات الحديثة، وورشة صغيرة للإصلاحات.
والطابقان الثاني والثالث: بهما مساكن الضيوف، وكل طابق مزود بدورات صحية كاملة المنافع، مع مطبخ واسع مؤثث، وصالة لتناول الطعام، وأخرى للراحة والقراءة.
بيت الطهارة:
وهو المنزل الملاصق للمركز ـ أصبح تابعاً له ـ وكان مسكناً عائلياً لبعض الألمان، عرض للإيجار، فاستأجره بعض أهل السوء واستعملوه في محرمات تخدش حياء المسلمين، وتنفر أصحاب النفوس الأبية من القدوم إلى الحي، فعمل المركز على تطهير المنزل من ساكنيه المستأجرين، ولم يجد المركز سبيلاً سوى شراء المنزل تطهيراً له، وتوسيعاً على المركز، وقد تسلم المركز البيت منذ عام واحد، وسدد القسط الأكبر من ثمنه البالغ ثلاثة أرباع مليون مارك ألماني، وقد أطلق الإخوة على البيت بيت الطهارة، وهو يتكون من أربعة طوابق:
الطابق الأول: به المخازن وأجهزة التدفئة الحديثة.
والطابق الثاني: يحتوي على قاعة صغيرة للاجتماعات، وتلتقي فيها حالياً المجموعة الألمانية المسلمة يوم السبت من كل أسبوع، لدراسة اللغة العربية وتدارس القرآن الكريم والحديث الشريف والفقه الإسلامي، ويحتوي على مكتبة لأمهات الكتب الإسلامية، وهي مخصصة للاطلاع والبحث العلمي في الموضوعات التي تهم المسلمين.
والطابق الثالث: يجهز ليكون مسكناً لأحد الإخوة العاملين في المركز.
والطابق الرابع: يعد ليكون مكتباً لحفظ وثائق المركز ومعاملته "أرشيف" حفاظاً على تاريخ المركز ليرجع إليه عند الحاجة.
ويتبع المركز في باحته الواسعة ملاعب للأطفال، ليتسنى للطفل المكان الخاص لألعابه، ويجد ما يشده إلى المسجد ليعتاد على الصلاة في جماعة منذ صغره.
ويتبعه مطعم يكفي 150 شخصاً في وقت واحد، والمطبخ مجهز لوجبات تصل إلى كفاية 400 شخص، ويخطط لتوسعة المباني لتكفي الأعداد التي تضطر لتناول الطعام، على ثلاث أو أربع دفعات أثناء اللقاءات الشهرية والمخيمات السنوية.
المدرسة الإسلامية:
وهي إحدى المؤسسات التابعة للمركز الإسلامي بمدينة ميونخ، وتبلغ مساحتها (5000) خمسة آلاف متر مربع، وقد بلغت تكلفة شراء أرضها ما يقارب مليوني مارك.
والمباني المنشأة على هذه المساحة جناحان، كل منهما طابقان:
الجناح الأول: ويشتمل الطابق الأرضي منه على مسكن المشرف على البيت، وصالة كبرى للمحاضرات المدرسية والنشاط الاجتماعي، ومطعم مزود بأحدث الآلات، وروضة لأطفال المسلمين مزودة بأحدث الأثاث الملائم لمثل هذا المكان لتنشأة وتربية أطفال المسلمين، ومسجد المدرسة ودورات المياه ومكان الوضوء.
والطابق الثاني: فيه فصول المدرسة، وكل فصل يتسع للعدد اللازم من الطلاب، حسب الشروط الصحية والتربوية الحديثة، ولكل فصل دورة مياه خاصة بتلاميذه.
الجناح الثاني: وفي الطابق الأرضي منه الإدارة المدرسية، ومكتبة تمد التلاميذ بالمعلومات العامة وبخاصة الإسلامية منها، وتقوم المدرسة الآن بإعداد مختبرات علمية للتلاميذ.
وفي الطابق الثاني مساكن للأساتذة العاملين في المدرسة، وللمدرسة فناء يوجد به ملعب كبير، يقضي فيه الطلاب أوقاتهم الرياضية وتدريباتهم ولها حديقة تحيطها من جهاتها الأربع، كما يوجد موقف للسيارات الخاصة خارج المبنى.
نشاط المركز:
1 ـ إقامة الشعائر الإسلامية: الصلوات الخمس في جماعة والجمعة والعيدين، ويبلغ عدد المصلين فيهما أكثر من سبعة آلاف، يملأون المسجد ومرافقه وفناء المركز.
2 ـ الاحتفال بالمناسبات الإسلامية.
3 ـ إتمام عقود الزواج بين المسلمين.
4 ـ استقبال الألمان الذين يرغبون في الدخول في الإسلام وتلقينهم الشهادتين وتعليمهم أصول الإسلام.
5 ـ استقبال الوفود الطلابية من المدارس الألمانية، وخاصة الثانوية منها للإجابة على تساؤلاتهم عن الإسلام.
6 ـ ويكلف المركز أحد العاملين فيه بغسل وتكفين موتى المسلمين.
7 ـ زيارة تجمعات المسلمين الوافدين على ألمانيا، وربطهم بإسلامهم ومحاولة وقايتهم من التيارات المعادية.
بيت الضيافة:
ويستقبل المسلمين من جنسيات مختلفة، ويقدم لهم المسكن الصحي والمزود بالأثاث الكامل، وخصص له من يقوم بتنظيفه وخدمة الساكنين.
يقوم المركز بتوعية الطلاب توعية إسلامية، ويقدم لهم الجرائد والمجلات اليومية والأسبوعية والشهرية التي تأتي إلى المركز من جميع أنحاء العالم الإسلامي.
وتقدم المكتبة نشاطها عن طريق الاستعارات الداخلية في قاعة الاطلاع أو الاستعارات الخارجية، كما توزع كتيبات باللغات المختلفة لنشر الإسلام.
قسم نشر الدعوة:
ويقدم هذا القسم المحاضرات الأسبوعية، في لقاء أسبوعي يعقد كل يوم سبت، والمحاضرات الشهرية، ويحضرها عدد من الإخوة من أنحاء ألمانيا، وفي هذا اللقاء يكون المبيت في المركز ليتكامل التعارف بينهم، كما يستدعي المركز بعض الدعاة والمحاضرين، من أنحاء الأقطار الإسلامية، وتترجم المحاضرات فورياً من لغة إلى أخرى من اللغات العربية والإنجليزية والألمانية والتركية.
ويصدر المركز مجلة الإسلام الألمانية والرسائل الإسلامية المتنوعة بعدة لغات.
ويقوم المركز بزيارة تجمعات المسلمين طلاباً وعمالاً وموظفين في معاهدهم، وخاصة: معهد غوتة الذي يفد إليه الشباب من أنحاء العالم الإسلامي، وفي مصانعهم وإرسال الدعاة إليهم، وفي هذه الزيارات تُقدم لهم المصاحف والكتب الإسلامية المناسبة لهم.
ويقوم قسم الدعوة بحل مشكلات المسلمين في ألمانيا المتعلقة بالرأي الإسلامي ـ يبدو أنهم يقصدون حكم الإسلام في المشكلة ـ وقد عين المركز لهذا النشاط إمام المركز، زائراً دورياً للتعرف على مشكلاتهم وخاصة العائلية منها وعقد القران.
ويستقبل المركز رغم قلة إمكاناته المادية المغتربين الذين يفدون لقضاء الحاجات، فيقدم لهم المبيت والخدمة الشاملة.
وقد أعدت الصالة الرياضية لبث روح الرياضة والتنافس البريء بين شباب المركز.
ويقوم بإعداد مخيمات رياضية وثقافية وخاصة في الصيف ويقوم برحلات رياضية وكشفية وثقافية في إنحاء ألمانيا، كي يبصر الشباب بطبيعة هذه البلاد.
المدرسة الإسلامية الألمانية:
أقام المركز الإسلامي بـ(ميونخ) المدرسة الإسلامية الألمانية، للمحافظة على أبناء المسلمين من حملات التغريب التي يتعرضون لها في المدارس الألمانية الرسمية، سواء ما كان منها تابعاً للحكومة أو لمنظمات الكنيسة وتجمع المدرسة بين المنهجين: الألماني والعربي والتربية الإسلامية، وقد استقدمت المدرسة المدرسين التربويين المتخصصين لذلك.
وقد لمس أولياء أمور التلاميذ الفارق الكبير بين مستوى التلاميذ المنتسبين للمدرسة وغيرهم، ممن لم يجدوا هذه الفرصة مما يؤدي إلى تزايد الإقبال على المدرسة، والذي يستدعي ضرورة توسعة مباني المدرسة لاستيعاب عدد أكبر من أبناء المسلمين.
وقد اعترفت الحكومة الألمانية بالمدرسة وبشهاداتها، مما يسمح للتلميذ باستكمال دراسته في المدارس الثانوية الألمانية، إن هو بقي في ألمانيا، وكذا يسمح بدراسته في المدارس العربية إن هو عاد إلى موطنه، مما ضاعف مسؤولية المركز والمدرسة أمام المسلمين القاطنين في غير ميونخ، ويفكر المركز حالياً باستئجار مسكن مناسب للتلاميذ القادمين من خارج ميونخ، والبحث عن جهاز تربوي للإشراف على المسكن صوناُ وحماية للأمانة التربوية لأبناء المسلمين.
المدرسة القرآنية:
لعدم تمكن المدرسة الإسلامية الألمانية من استقبال أبناء المسلمين الراغبين في الالتحاق بها افتتح المركز المدرسة القرآنية يومي السبت والأحد لأبناء المسلمين من كل الجنسيات، ليتعلموا فيها اللغة العربية والتربية الإسلامية، ولما ازداد عدد الأطفال [وصل إلى 250] تم توزيعهم في ثلاث مناطق، فاستؤجرت غرف في منطقة تبعد عن ميونخ (80 كيلو متر) كما تستخدم مباني المركز والمدرسة في التعليم والتربية.
واشترى المركز مقبرة إسلامية لموتى المسلمين، وتم دفع القسط الأول من ثمنها وقد ضاقت حالياً ويحاول المركز شراء قطعة أخرى. [أخذت هذه المعلومات من نشرة عن المركز لسنة 1983م].
بعض القصص التي حكاها الأخ يعقوب:
الاثنين: 10/11/1407هـ.
رافقني الأخ محمد يعقوب، وشرح لي ما يتعلق بمسجد التوحيد قال: إنه كان مهجوراً، وكان فيه إمام مصري لا يقوم بواجبه فيه، وكانت نفقاته تأتي من أحد المتبرعين من مسجد في الكويت وهو مسجد عليان.
وعندما عرفوا عدم قيام الإمام فيه بواجبه قطعوا عنه النفقات، وأغلقه الإمام وجاء إلى رئيس المركز الإسلامي، وهو آنذاك محمد عاكف وطلب منه المساعدة فقال له: سلمني مفاتيحه وأنا أتولى أمره، فقال: سلموني النفقات وأبقى أنا إماماً فيه، فقال: نحن عندنا أئمة وعين الأخ محمد عاكف يعقوب اليوغسلافي، وكان ذلك سنة 1984م في 24 نوفمبر، وكان المسجد محطماً مادياً ومعنوياً، قال الأخ يعقوب: أول جمعة صليناها فيه بالمسلمين كان عددهم اثنا عشر شخصاً، والآن وصل عدد المصلين يوم الجمعة 500 أو أكثر. [ما أكثر الذين يرتزقون باسم المساجد ويأخذون أموالاً من محسنين عندهم حسن نية ويحسنون الظن بأولئك الثعالب الذين يقدمون تقارير كاذبة يهولون فيها ما يزعمون أنهم يقومون به وهم مثل هذا الإمام، إلا أن بعضهم عندهم جماهير قريبة إذا دعت الحاجة جمعهم وخطب فيهم وأبرزوا من الحماس ما يقنع السامع بصدقهم وكلهم بعيد عن الصدق إلا من شاء الله].
القصة الأولى: أن المسلمين في السنة الماضية صلوا العيد في أربعة أيام بسبب تفرقهم، وعندما صلى الأتراك في اليوم الثاني الذي صلى الأخ يعقوب وجماعته في المركز الإسلامي قبله بيوم، قال أحد الأتراك لقومه: إن جماعة حزب السلامة الذين صلوا بالأمس كانوا على حق، فجادله آخر، وانتهى الجدال بأخذ أحدهم سكيناً وقتل الآخر، ونشرت ذلك الصحف الألمانية تشويها لصورة الإسلام وتنفيراً للناس منه.
قلت: إن المسلمين بصفتهم هذه، هم فتنة لغير المسلمين لأنهم يصدونهم عن الدخول في هذا الدين لسوء تصرفهم، فكيف تقوم بأعمال هؤلاء المسلمين الحجة على غير المسلمين وهذه صفتهم؟
القصة الثانية: أن فتاة يوغسلافية نصرانية الأصل جاءت إلى المركز، وسألت الأخ يعقوب عن كتاب لموريس بوكاي باللغة الألمانية، ولم يتحدث معها باللغة الألمانية لأنه لا يجيدها، فقالت له: هل أنت تركي؟ فقال لها: أنا يوغسلافي، فأخذت تحدثه باللغة اليوغسلافية فقال لها: خذي الكتاب المترجم باللغة اليوغسلافية، قالت: أنا أجيد اللغة الألمانية بقوة، لأني ولدت في ألمانيا، فقال لها: خذي الكتاب وأنا سأشتري بدله، قالت: لا، عندي مال وآخذه بقيمته، وأنا ممرضة وأسكن وحدي، ثم سألته: هل عندك زوجة، فقال: نعم، فزارت زوجته وحكت لها قصتها، وهي كما يلي:
قالت: إني كنت أسكن مع أبي وأمي وليس لي إخوة، وكان أبي كل ليلة يأتي بعشيقة جديدة، فضاقت نفسي من ذلك وتركت البيت وكنت أبحث عن الراحة النفسية، لأني كنت أشعر بالقلق وقرأت بعض الكتب عن الإسلام وأسلمت.
ثم طلبت من الأخ يعقوب أن يبحث لها عن زوج مسلم، ولو لم يكن عنده مال ولا عمل، فوجد لها زوجاً من المجاهدين الأفغان واسمه مصطفى وعاشت معه عيشة طيبة، وقد أنجبت له بنتاً قبل أسبوع.
قلت: ترى كم من المعذبين بقلق النفوس واضطراب القلوب، وهم غير محصورين لكثرتهم، يستطيع أن يفعل كما فعلت هذه الفتاة في البحث في الكتب عن دين يريح النفس من قلقها، ويسكن من اضطرابه فوجدت ما تريد في الإسلام، وهل كل ذي قلق يهتدي للبحث عن دين وإذا اهتدى للبحث عن دين، سيبحث عن دين الإسلام، وإذا بحث عنه فهل تظنه يجد ما يشفي غليله عند مسلم أو كتاب أو سيجد ما ينفر منه إنها هداية الله وكفى!.
القصة الثالثة: أن رجلاً يوغسلافياً ترك ألبانيا من أيام الحرب العالمية الثانية، وهو مسلم وجاء إلى ألمانيا، فذاب في المجتمع الألماني إلى السنة الماضية ـ يعني سنة 1986م ـ وعمره سبعون عاماً، فجاء إلى المسجد، ويبدو أنه سأل عن مسجد فدلوه إلى مسجد التوحيد، وعندما وجد الأخ يعقوب في المسجد طلب منه أن يسمح له في البقاء في المسجد، وأخبره بقصته وقال له: أنا اليوم لا أستطيع أن أصلي فهل تسمح لي أن أجلس فقال لا بأس، وألقى الأخ يعقوب موعظة وذكر أثناءها حديث الرسول صلى الله عليه وسلم : ((أتدرون من المفلس؟)) الحديث. وبعد أن فرغ من الموعظة وجد الرجل يبكي، وقال للأخ يعقوب: إني أنا مفلس، وطلب منه أن يعلمه الصلاة، فعلمه ثم واظب على الصلاة معه في المسجد، وبعد شهر فقده الأخ يعقوب، فسأل عنه فاخبره أحد المسلمين أنه توفي في منزله وهو ساجد يصلي العصر.
قلت: إنما الأعمال بالخواتيم وقد أحسن الله تعالى خاتمة هذا الرجل بما ذكر، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها))، نسأل الله عز وجل أن يحسن خواتمنا، وأن يميتنا وهو راضٍ عنا.
أخذت هذه المعلومات من الأخ يعقوب ونحن نتجول في السوق لآخذ بعض الحاجات التي كنت أريدها.
مع الأخ رئيس المركز الإسلامي:
التقيت الأخ أحمد محمود خليفة رئيس المركز الإسلامي في ميونخ.
ولد الأخ أحمد سنة 1950م في مدينة الإسكندرية بمصر.
درس الثانوية في مدينة الإسكندرية وأخذ شهادتها سنة 1967م وكذلك الليسانس من جامعة الإسكندرية ـ كلية الزراعة قسم ميكانيكا الجرارات والآلات الزراعية، وأخذ الماجستير أيضاً سنة 1976م.
ودرس من سنة 71 ـ 1977م في كلية الزراعة في بلاده، ثم جاء إلى ألمانيا لدراسة الدكتوراه سنة 1977م والتحق بجامعة: شتوتجر على بعد 24 كيلو متر من مدينة ميونخ.
فرغ من عمل الدكتوراه سنة 1982م، ولكنه لم يتقدم للامتحان إلى الآن بسبب اشتغاله بالمركز.
وفي فترة إقامته في الجامعة أسس مع زملائه الجمعية الإسلامية للطلاب، وهيئوا مكاناً للصلاة، وتم تأسيس المركز الإسلامي في تشوشجر سنة 1981م وكان هو مديره، وبقي هناك إلى سنة 1983م.
وفي هذه الأثناء كان يزور المركز في ميونخ، وانتقل في سنة 1983م إلى ميونخ، واستمر في المركز مع الدكتور علي جريشة وعبد الحليم ومحمد مهدي عاكف، وتولى رئاسة المركز سنة 1986م بعد أن غادر المركز محمد عاكف الذي رشح نائباً في مصر.
وقال: إن سكان ألمانيا 62 مليوناً ويتناقص هذا العدد بنسبة 2 في الألف سنوياً، وقد ينزل عدد سكان ألمانيا إلى 45 مليوناً سنة (2030م) وسبب النقص قلة الإنجاب والبعد عن الزواج، وهم يحاولون تشجيع الإنجاب.
وعدد المسلمين ما بين مليون ونصف إلى ثلاثة ملايين، وكثير من المسلمين ليسوا مسجلين رسمياً في الدولة.
وقامت الدولة بإحصاء هذه السنة ولم تظهر النتيجة إلى الآن.
والمسجلون رسمياً من الألمان في المركز 86 شخصاً.
وتوجد جمعية إسلامية للألمان الناطقين بالألمانية ويدفعون اشتراكاً شهرياً، وجمعية طلابية، وجمعيات صغيرة. [وستأتي زيادة معلومات عن الدعوة في مقابلة مع الأخ أحمد].
يوجد في ميونخ طبيب سعودي يحضر الدكتوراه، مبعوث من وزارة الصحة في طب العيون، وهو الأخ عبد العزيز عبد الرزاق العبيدان الجهني ومقره الدمام، ولد في عرعر سنة 1375هـ ، درس الطب في جامعة القاهرة، كلية الطب، تخرج سنة 1981م.
وهو هنا في مستشفى جامعة منشن، وله ستة شهور ومعه أولاده، أكبر أولاده الشيماء وعمرها أربع سنوات ونصف، لا زال يتدرب على اللغة الألمانية، قال عنه الأخ عبد الحليم خفاجي: إنه أول طبيب سعودي يدرس في مدينة ميونخ، والأخ عبد العزيز متحمس لمهنته وعنده شوق شديد لإتمام دراسته بسرعة، ليعود إلى وطنه ليخدمه، وللتخلص من البقاء في بلد غير إسلامي، لما يرى فيه من المآسي التي تقع لأبناء المسلمين من التحلل والتأثر بعادات الكفار.
وكان الأخ عبد العزيز لا يود مفارقتنا ويرغب أن نزوره يومياً في منزله، ليكرمنا وقد زرته مرتين ومنها زيارتنا له في هذا اليوم.
وكان أولاده أشد عاطفة منه معي، عندما رأوني لابسا الثوب العربي فقالت شيماء: أنت كنت عندنا في السعودية؟ قلت: نعم، وتابعها أخوها فهد يقترب مني ويتحدث معي مسروراً بأني جئت من السعودية.
مع المحامية الألمانية بربارا: (BARBARAGEIGER).
أردت في مقابلاتي المسلمين من أهل البلد، وغير المسلمين منهم، أن يتنوع الذين أقابلهم: رجالاً ونساء، وذوي مؤهلات مختلفة واختصاصات ووظائف.
والمحامية بربارة ليست مسلمة.
ولدت سنة 1955م في 21/5 وهي ألمانية أصلاً من بافاريا.
واختصاصها المحاماة، نالت المؤهل ـ ليسانس ـ سنة 1981م.
وكانت على وظيفة باحث في الجامعة، في القانون من سنة81 ـ 1984م.
وقد عملت في أشهر مكتب محاماة في ميونخ، ثم استقلت بمكتب محاماة خاص بها.
كان المترجم بيني وبينها الدكتور أحمد خليفة.
سألتها: متى سمعتْ شيئاً عن الإسلام في حياتها فقالت: سمعت عنه في المدرسة في الصف الخامس الابتدائي في دروس الديانات العالمية، وسمعت أن المسيح مذكور عند المسلمين في القرآن وأن المسلمين يحترمونه بخلاف الديانات الأخرى.
قلت: ومتى سمعت عن الإسلام بوعي؟
قالت: عندما قامت الثورة الإيرانية سنة 1979م، [أنظر الزمن الطويل بين سماعها وهي طفلة في المدرسة وسماعها عنه في حالة رشدها، يعني أنها لمدة 29 سنة من عمرها ما كانت تدري شيئاً عن الإسلام]. وكانت لها جارة تركية حصل بينهما نقاش عن الإسلام، بالإضافة إلى مجموعة من الطلبة الإيرانيين الذين كانوا يعقدون حلقات عن إيران يتحدثون عن الإسلام، وحضرت هي بعض هذه الحلقات.
قلت: ما الرأي المتكون عندها عن الإسلام؟
قالت: هي امرأة، واهتمامها ينصب على مكانة المرأة في الإسلام، وسمعت سماعاً، دون أن تقرأ هي، أن الحقوق في الإسلام كلها للرجل ولا حق للمرأة!
ولما تعرفَتْ على المركز الإسلامي في ميونخ، بدأتْ تقرأ عن مكانة المرأة في الإسلام من منشورات المركز، وتغيرت الصورة عندها نوعاً ما، لأنها لم تتم قراءة الكتب التي أهديت لها من المركز.
قلت: هل عندها اطلاع على الأديان المقارنة؟
قالت: إنها قرأت عن المسيحية واليهودية أثناء الدراسة، وأخذت من المركز كتباً عن الإسلام قبل أسبوع فقط، ولم تقرأها إلى الآن، وإنما أخذت منها الموضوعات المتعلقة بالمرأة والزواج، وتعتقد أن الأديان من منبع واحد، والأصل أن تطلب الأديانُ من الناس أن يسيروا على منهج حياة واحد.
قلت: هل يوجد في الغرب ما تتطلبه الروح، مع ما وجد من اهتمام بالجسد؟
قالت: إنها ترى من حياتها في الدراسة وصداقة الناس، أن المال لا يسعد الإنسان، وأن الغربيين يشعرون بالخواء الروحي والفراغ والوحدة والوحشة، وخاصة في المدن الكبيرة، أما القرى فالأمر أخف وتوجد بين الجيران في الأرياف علاقات.
وقد أدى عدم العلاقات بين الناس في المدن، إلى انتحار بعض الناس وقالت: إن بعض أصدقائها انتحروا، وآخرهم فتاة صديقة لها انتحرت في العام الماضي وهي تملك المال والجمال.
وقالت: إنها قبل نصف سنة زارت سريلانكا، وشاهدت الناس فيها على رغم فقرهم يشعرون بالطمأنينة أكثر، وأثناء حديثها مع أهل سريلانكا، أحست أنهم يغبطون أهل الغرب ويتمنون أن يكونوا في بلاد الغرب، قالت: ولكنها تشعر هي أنهم إذا هاجروا إلى الغرب سيكسبون المال، ولكنهم سيفقدون السعادة التي عندهم الآن.
وقالت: إن الذي أزعجها في الشرق الصورة السيئة التي عندهم عن النساء في الغرب، وكأنهن كلهن متهتكات، وأن بعض الأشخاص في سريلانكا سألها بعض الأسئلة أحست فيها بالاتهام والإهانة للمرأة الغربية.
قلت: هل تعلمين أن الأناجيل مختلفة وليست متفقة؟
قالت: هذا صحيح، إنه يوجد خلاف في الترجمات بين الكنائس المختلفة، وعلى سبيل المثال الاختلاف: هل كان عيسى عليه السلام الابن الوحيد لمريم العذراء أو سبقه ولحقه إخوة له آخرون، فترجمات الأناجيل تختلف في ذلك، وأساتذة علم اللاهوت يختلفون كذلك.
وقالت: إن أستاذة في اللاهوت أصرت أن مريم لا يجوز أن يطلق عليها لقب العذراء، لأن علم وظائف الأعضاء الحديث ينفي أن تكون مريم عذراء وهي قد أنجبت، وقد فُصِلَتْ هذه الأستاذة من الجامعة وسحب منها ترخيص التدريس وهي في ألمانيا.
قلت: هل الاختلافات بين الأناجيل كثيرة أو قليلة؟
قالت: لعل سبب الخلاف الأخطاء في الترجمة، لأن الأصل غير موجود والأخطاء قليلة، وقد تمت كتابة الأناجيل من قِبل حواري المسيح ما بين 30 ـ 150 سنة بعد الميلاد، وهذه الصحف غير موجودة ولا أحد يعرف مكانها وإنما تم تداول الصحف الجديدة.
والكتاب الذي يعتقده النصارى القديم والجديد، ولم يبق من القديم إلا الوصاياً العشر، وصحف إبراهيم لم يبق منها شيء.
قلت: هل سمعت أن الإسلام هو الدين الأخير العالمي الذي يجب على كل الناس اتباعه؟
قالت: سمعت أن كلاً من أهل الأديان يحترم الآخر، ولم تتصور أن الإنسان لا يمكن أن يكون نصرانياً ومسلماً في وقت واحد، ولم تسمع إلا أن هذا القرآن ذكر أن عيسى عليه السلام نبي فقط.
قلت: هل سمعت أن هناك جنةً ونار؟
قالت: سمعت أن الله يحاسب الخلق فيثيب الصالح بالجنة، ويعاقب العاصي بجهنم، والعاصي هو الذي لا يؤمن بالله وإنما يؤمن بالشيطان.
قلت: هل الأقرب إلى العقل الإيمان بإله واحد أو بآلهة متعددة؟
قالت: اليونان القدامى كان الأيسر عندهم تصور أن لكل مهمة إلهاً، فاطمأنوا إلى قضية التعدد، وأما العهد القديم والجديد فهما يتحدثان عن الإله الواحد مع بعض الاختلافات، موسى في العهد القديم أمر بالقصاص: السن بالسن وفي العهد الجديد أمر بالتسامح.
قلت لها: ولكن التثليث عند النصارى هو الذي يعتقدونه.
قالت: المراد إله واحد في أشكال ثلاثة.
قلت: ألا ترين أن الإيمان بإله بهذه الصفة فيه صعوبة؟ وذكرت لها أنه يوجد هذا الكونُ المخلوقُ، ويوجد له خالقٌ، والخالق لا بد أن يكون واحداً وهو الإله، وهذا الإله عليم حكيم خبير بدليل الإتقان.
قالت: هذا هو الذي أشعر بأنه الحق، والرسول (صلى الله عليه وسلم) عهده قريب.
قلت لها: إن القرآن الكريم اعترف بجميع الأنبياء والرسل، من آدم عليه السلام ونوح وإبراهيم إلى عيسى عليهم السلام.
فقالت: أنا لم أكن أعرف إلا أن القرآن اعترف بعيسى فقط.
قلت لها: هل يوجد تشريع لحياة البشر في الإنجيل؟
قالت: هذا مستحيل، لأن الوصايا العشر المذكورة في الإنجيل قواعد عامة عن الظلم أو السرقة ونحوهما ولا يمكن أن تستوعب تنظيم حياة البشر، والدولة انفصلت عن الكنيسة، والقانون له هيئة مستقلة عن كل شيء ولا صلة بين الإنجيل والقانون، والباقي من أشكال المسيحية في موضوع الزواج بشكل ضعيف للغاية، فلا بد أن يتم الزواج المدني أولاً أمام السلطات الحكومية، وبعد ذلك وليس قبله يتم الزواج في الكنيسة.
وقالت: إنها سعيدة باستقلال الدولة عن الدين على الرغم أنها كاثوليكية الأصل، وقالت: يجب على الإنسان أن يفكر في الأجانب وخاصة المسلمين ولو كان الإنجيل هو القانون الموجود، فيصعب أن يعيش المسلمون في هذا المجتمع.
وقالت: إن الدين ضروري لحياة الإنسان، لأن المؤمن له هدف يعيش له وإلا صارت الحياة لا طعم لها. [قد يبدو في قولها: إن الدين ضروري لحياة الإنسان وإن الحياة لا طعم لها بدونه، تناقضاً مع قولها: إنها سعيدة باستقلال الدولة والقانون عن الدين، والحقيقة أنه لا يوجد تناقض، لأن الدين الذي تقصده ، هو تلك الصلة المؤقتة الضعيفة بالكنيسة، والتحلي ببعض الأخلاق الروحية، وهذا لا يتنافى مع استقلال القانون عن الدين عندها وعند غيرها من أهل الغرب، وسيأتي في كلامها ما يدل على أنها ترى أنها حرة في جميع تصرفاتها، وأن الدين ليس له أن يحرم عليها شيئاً ترغب في فعله].
وقالت: إن أمها مات زوجها الأول والثاني، وفقدت أحد أولادها ومرت عليها أيام عصيبة في حياتها: مشكلات مالية وغيرها، فإذا كان هذا هو كل الحياة، فلا حياة سعيدة والانتحار أولى منها، ولكن الدين يعطي الإنسان أن وراء هذه الحياة حياة أخرى فيصبر ويؤمن لمستقبل حياته.
ثم شرحت لها كيف بَيَّن الله علاقات الناس بعضهم ببعض ونظم حياتهم وسألتها: هل تحب أن تتعلم الإسلام؟
فقالت: المشكلة في عدم تعرف الألمان على الإسلام، بسبب أن الأتراك حضروا للعمل وجمع المال، ولم يكن عندهم عوائل، ولهذا لم يعرف الألمان العلاقات العائلية بين المسلمين من قبل، أما الآن فبدأ المسلمون يظهرون وجودهم، وبدأت الأسئلة تزداد من قبل الألمان، لأنهم رأوا واقعاً جديداً يحبون أن يعرفوه، حتى فكر البرلمان أن يسمح للمسلمين بالمشاركة في الانتخابات المحلية، لأنهم صار لهم كيان في المجتمع.
وقالت: إنها تحب الاطلاع وهي تقرأ الآن عن الإسلام، وتريد أن تقرأ عن الإسلام كمدخل ما يكتبه الألمان عن الإسلام، حتى تأخذ فكرة عنه بلغة اجتماعية تفهمها، وبعد ذلك ستقرأ عن الإسلام مما يكتبه المسلمون.
قلت لها: ما أهم موضوع يقلق أوروبا الآن؟
قالت: القنبلة النووية، وما يتعلق بها من مخاطر، فشرحت لها كيف يحافظ الإسلام على السلام العالمي لو تمكن في الأرض، وأنه لا يجيز استعمال السلاح إلا ضد المعتدين والذين يقفون ضد الحرية التي شرعها الله فقط.
قالت: ولكن الخميني الآن يريد نشر الإسلام بالقوة.
قلت لها: الخميني لا ينشر الإسلام والقتال الموجود بين العراق وإيران ليس من أجل الإسلام، وإنما هو أحقاد بين الحكام وأهواء، ومنهج الإسلام غير تصرفات من ينتسب إليه تصرفاً سيئاً.
اتباع الهوى يعمي ويصم!
ثم دخلت معي في نقاش حول المرأة، وكانت متبعة لهواها في هذه المناقشة، فهي ترى أن لها الحرية الكاملة في نفسها، تعاشر من تشاء في أي وقت أو مكان بعلاقات لا صلة لها بالزواج، وقالت: إنها تعيش مع صديق لها وتحبه وليس للدين دخل في ذلك.
وقالت: إن لها الحق أن تكشف ما تشاء من جسدها، وليس للدين أن يتدخل في حريتها، وإذا كشفت عن جسدها فليس للرجل الحق أن يعتدي عليها بدون إذن منها، فإذا فعل بدون إذن فهو قليل الأدب، وهو المسؤول عن تصرفه.
فقلت لها: أنت عندما تكشفين عن مفاتنك تتسببين في إثارة الرجل وتدعينه بلسان حالك إلى التطلع إلى العلاقة غير السليمة، وإذا كنت تصونين مالك فتودعينه في البنك، ولا تتركينه في منزلك خشية السطو عليه فإن جسمك أولى بالصيانة.
ثم أين اعترافك بالدين الذي ذكرت أنه ضروري، وأين الإله الذي تعترفين به وهو الخالق المالك؟
قالت: أنا لا يملكني أحد، أنا حرة ولست عبدة لأحد.
وطال النقاش في هذا الموضوع كثيراً وهي مصرة على رأيها.
فليتأمل كيف يفكر أهل الغرب المثقفون ثقافة عالية عندهم، وكيف يتناقضون في أقوالهم وأفعالهم؟!
محامية قانونية بلغت من العمر أكثر من ثلاثين سنة، تعترف بالدين وترى أنه ضروري وتعترف بالخالق الإله، ثم تقول: إن هذا الخالق ليس هو مالكها ولا هي مملوكة له، وإنما تملك نفسها، وليس للدين الحق في أن يتدخل في حياتها، وإنما هي حرة حرية كاملة تفعل ما تشاء وتربط من العلاقات ما تريد!.
إن دعوة أهل الغرب إلى الإسلام مع هذا التفكير، ليست سهلة، وإنما هي في غاية الصعوبة، ولذلك فلا بد من دراسة أفكارهم ونفسياتهم والتخطيط لدعوتهم على ضوء ذلك.
وقد حاولت أن أشرح لها الحكمة في خلق الله البشر، ولكن دون جدوى.
وقد بدأ الحديث معها من الساعة الرابعة إلا ربعاً بعد الظهر، وانتهى في الساعة السابعة والنصف.
جولة ممتعة:
الثلاثاء: 11/11/1407 هـ.
إن متعتي الأولى في جولاتي في العالم هي الاتصال بالناس والتحدث معهم في شؤون الدعوة، سواء كان هؤلاء الناس مسلمين من قادة الدعوة، أو من العامة، ولكل رجال حديث، أو غير مسلمين، لأحاول إبلاغهم دعوة الإسلام بالأسلوب المناسب الذي أراه في حينه، وهذه المتعة هي الغالبة. وأحب ـ أيضاً ـ أن أتمتع بجمال الطبيعة: البحار الهادرة، والجبال الشاهقة، الغابات المتشابكة، والأنهار الممتدة، والسحب المتراكمة، والثلوج المتجمدة، والطيور السابحة في الفضاء والمغردة على أغصان الشجر، إنني أحب ذلك كله، ولكن لا أحصل عليه إلا في طريق المتعة الأولى بدون قصد في أغلب الأوقات.
وقد أجد فرصاً نادرة في أوقات لا سبيل فيها إلى مواصلة الاتصال بالناس، فأحاول أن أنتقل إلى المتعة الثانية، وقد أنجح وقد أفشل في الحصول عليها لأسباب متعددة، وأهمها الرفيق المتفرغ، وكان هذا اليوم من الأيام التي لم نعرف فيه مواعيد محددة في الصباح، فقلت للأخ يعقوب: إني أرغب أن أرى بعض المناظر الطبيعية الجميلة في خارج المدينة فقال: هناك منطقة جميلة جداً في الجنوب، بها جبال عالية، لا تذوب فيها الثلوج صيفاً ولا شتاء، قلت: إذًا فلنذهب إليها.
فتحركنا من المركز الإسلامي إلى تلك المنطقة في الساعة الثامنة والنصف بالسيارة التي يقودها الأخ يعقوب، وصلنا إلى المنطقة وتسمى: (غارمش GARMISCH) في الساعة العاشرة.
وتنقلنا من جبل إلى آخر عن طريق المصاعد الصاعدة والهابطة، ولم يكن الأخ يعقوب يعرف الجبال التي لا تخلو من الجليد، فصعدنا إلى قمة جبل رأينا على رأسه بياضا ظننا أنه جليد، فلما وصلنا وجدناه صخوراً بيضاء، ومقدار ارتفاعه 780 متراً، ويسمى: (WANKBHAN) ويقطع المصعد (SEILBAHN) تلك المسافة في ربع ساعة، وعندما لم نجد الجليد قلت للأخ يعقوب: هذا هو الحمل الكاذب الذي تشعر به المرأة التي تتمنى الحمل فلا يرزقها الله ذلك، تحس بانتفاخ بطنها، وقد ينقطع عنها الحيض وتظن أنها حامل ثم يتبين أنه لا يوجد حمل ولهذا أسماه الأطباء بالحمل الكاذب، وهكذا كان هذا البياض في رأس الجبل الجليد الكاذب.
ثم ذهبنا إلى جبل آخر وصعدنا إلى قمته، ظناً منا أن نجد به جليداً فلم نجد شيئاً، ولكن المناظر كانت جميلة أثناء الصعود والوقوف على قمم الجبال وأثناء النزول، ثم قلت للأخ يعقوب: الأفضل أن نسأل عن الجبل الذي يوجد فيه الجليد، حتى لا يمضي يومنا كله تجارب، فسأل ودلوه على عنوان الجبل وأشاروا له إلى الطريق إليه، ويسمى الجبل :(ZUGSPISBAHNEN) ويبلغ ارتفاعه ثلاثة كيلومترات، ومصعده أكبر من مصاعد الجبال الأخرى التي مررنا بها والناس يتزاحمون فيه واقفين، وأخذ المسافة بالمصعد من أسفل الجبل إلى قمته في مدة عشر دقائق، ويوجد في أعلى الجبل مطاعم ودكاكين ومقاه ودورات مياه.
وعندما وقفنا على قمة الجبل، نظرنا إلى الجانب الآخر منه من الجهة الشرقية فإذا الجليد يغطي الأرض كلها وسفوح الجبال المجاورة وقممها، ورأينا بعض الناس يمشون في وسط هذا الثلج، فاشتقت إلى أن أخرج أمشي فيه، ولم أكن لابساً غير ثوبي العربي الخفيف ـ صيفي ـ فقال لي الأخ يعقوب: يخشى عليك من البرد، فقلت: لنذهب ولا يحصل إلا الخير إن شاء الله.
فخرجنا نمشي في وسط جبال من الثلج، ورآني بعض العرب أمشي بذلك الثوب فصاحوا: بَرد برد! فقلت لهم ـ وكانوا شباباً ـ: أنا لست شيبة مثلكم أنا شاب، فتعجبوا من ذلك، وكان الجو صحواً والشمس ساطعة في أول الأمر فكان المنظر في غاية الروعة والجمال، ويُنشأ في المنطقة فندق جديد.
وبعد فترة بدأ الجو يغيم، ونزلنا في مصعد آخر إلى الجانب الشرقي من الجبل ثم صعدنا وبدأ المطر ينزل، ثم نزلنا إلى المكان الذي صعدنا منه أولاً، وكان المطر نازلاً، وشلالات بعض الثلوج في سفح الجبل من الجهة الغربية نازلة في كثير من شعاب الجبل، والمصعد يمر بنا فوق تلك الشعاب المملوءة بالغابات ذات الأشجار الجميلة الباسقة وتحركنا من منطقة غارمش إلى ميونخ في الساعة الرابعة إلا ربعاً(19).





وحظينا بصيد!
وبعد أن تحركنا قليلاً قافلين، وجدنا شاباً ألمانياً واقفا بجانب الطريق، يطلب منا الوقوف والمطر نازل بغزارة فوقفنا، وكانت سيارته واقفة على جانب الطريق، فقال: إن سيارتي معطلة فأرجو أن تأخذوني معكم إلى ميونخ لآخذ من يسعفني بسحبها، فركب معنا وبدأت أنظر إليه وأطلب من الأخ يعقوب أن يترجم بيني وبينه، فقد ذهب في هذا اليوم وقت طويل لم أقابل فيه أحداً، ولكن الأخ يعقوب كان خائفاً، لأنه لا يجيد الترجمة فقلت نسأل أسئلة سهلة(20).

قلت له: هل سمعت شيئاً عن دين يسمى الإسلام؟ فقال: لا.
قلت: مطلقاً؟ قال: مطلقاً.
قلت: هل سمعت عن رجل يدعى محمداً وهو نبي؟ قال: أبداً.
قلت له: هل سمعت بكتاب يسمى القرآن؟ قال: لا.
فتعجبت من ذلك، لأن الذين اتصلت بهم قبله كانوا يقولون: إنهم سمعوا عن الإسلام في المدارس مطلق سماع.
فسألته: هل درست؟ فقال: لا فعرفت السبب.
فسألني، قال: ما معنى الإسلام؟ قلت له: دين أنزله الله فقال: الأديان كثيرة ولا يدري الإنسان أي دين يتبع، فقلت له: أقرأ واسأل وقارن فستجد ديناً من الأديان يوافق الفطرة، وستجد غيره يخالفها، ووعدناه أن يتصل به الأخ يعقوب ليشرح له الإسلام، وهو موظف في دكان يبيع الراديو وعمره كما قال: عشرون سنة إلا ثلاثة أسابيع، وعمر والده اثنان وأربعون عاماً وعمر أمه 35 سنة. ومقدار المسافة من منطقة الجبل المذكور إلى مدينة ميونخ، مائة كيلو، وكلها مناظر جميلة.
صلينا في مسجد التوحيد الذي يتولى شؤونه وإمامته الأخ يعقوب، ثم ذهبنا لزيارة مؤسسة بافاريا التي يشرف عليها الأستاذ عبد الحليم خفاجي وقد سبق ما يتعلق بها من معلومات.
المراكز الإسلامية والمساجد الموجودة في ميونخ:
الأربعاء: 12/11/1407 هـ.
في هذا اليوم التقيت الأخ أحمد محمود خليفة رئيس المركز الإسلامي في ميونخ، وهو اللقاء الثاني لآخذ منه بعض المعلومات عن الإسلام، والمسلمين في ألمانيا، فسألته بعض الأسئلة وأجاب عنها. وإجاباته تظهر في الفقرات التالية:
توجد في ميونخ المراكز والمساجد الآتية:
1 ـ المركز الإسلامي، الذي يرأسه الأخ أحمد.
2 ـ أربعة مساجد للأتراك في شارع لند فير.
3 ـ مسجد الأتراك في شركة السيارات (B M W) في شارع موتور.
4 ـ الجمعية الإسلامية القديمة في شارع ملكار.
5 ـ مسجد للتونسيين في بيره جتمان.
6 ـ مسجد التوحيد، وهو تابع للمركز في شارع دخاو.
7 ـ مسجد تابع للقنصلية التركية (هيئة الأديان التركية) في شارع شفنده.
8 ـ وتوجد أماكن صغيرة لثماني جمعيات تقريباً، وتوجد خلافات بين بعض الجمعيات.
9 ـ وتوجد جمعية ألمانية تتبع الطريقة البرهانية في السودان، وهي تختلف مع كل الجمعيات الموجودة هنا، وليس عندهم ركائز فكرية وخلافها سلبي، والشيخ إبراهيم برهاني طلب منهم تطبيق طريقته للألمان، لأن في ذلك ملء الفراغ الروحي لحاجتهم إليه كما يزعم، ولو لم يكونوا مسلمين، ولذلك يوجد بينهم نصارى غير دينيين.
مدى قبول غير المسلمين للدعوة إلى الإسلام:
أهل البلد يحبون المطالعة، وقلما يوجد إنسان في المواصلات لا يقرأ، وهذا يجعلهم يقرءون عن أي مبدأ أو فكر، ويسمعون أي دعوة لمجرد حب الاطلاع مبدئياً.
وإذا عقدت جلسات للتعريف بالدين الإسلامي، يتوقع أن يحضر الألمان ما بين أربعين ومائة، وهذا يعتمد على حجم الدعاية وموقع إقامة المحاضرة.
لهذا فكرنا في استئجار مكان في وسط المدينة، تحت عنوان مركز المعلومات الإسلامي، وهذا الاسم يجذب الناس أكثر من المسجد، لأنهم يعتبرون المسجد شبيهاً بمركز تبشير، بخلاف مركز المعلومات فهو يأخذ الصفة الأكاديمية العلمية فيقبلون عليه أكثر.
ويدخل الألمان في الحوار، وعندهم تصور سابق خاطئ عن الإسلام في قضايا كثيرة، كالحرب والسلام وانتشار الإسلام بالسيف، وقضايا المرأة والحدود.
وينقص كثيراً من الدعاة أمران:
الأول: معرفة المجتمع الألماني وتفكيره.
الثاني: الفقه والاستشهاد المقنع بأحداث تاريخية.
وإذا وجد فقيه يعرف طرق تفكير الألمان، فإن محاضرته ومناقشاته تؤثر فيهم، وذلك يسمح له بتوجيههم إلى قراءات معينة، واستمرار الصلة به بالهاتف أو بالرسائل أو المقابلات.
وكثير من الألمان ليسوا راضين بإجابات الكنيسة عن تساؤلاتهم عن النصرانية والإسلام، وفقدهم لهذا الاقتناع يمكن من عنده مقدرة على الإقناع من المسلمين من التأثير فيهم.
وإذا وجد الاقتناع بالإسلام، فإن الألماني لا يعبأ بأحد يعترضه، ويستجيب للإسلام مباشرة، ولكن هذا الاقتناع صعب جداً.
أنفع الوسائل للدعوة في صفوف الألمان:
القدوة الحسنة ودوام الاتصال المخطط له.
قلما يوجد ألماني لا يحتك بالمسلمين في العمل أو الجوار، فلو كان المسلمون قدوة حسنة وأحسوا بمسؤوليتهم عن نقل الإسلام إلى هذا المجتمع لأقيمت الحجة عليهم.
فليست الحجة أن أطبع كتباً عن الإسلام وأوزعها في صناديق البريد، وإن كان هذا الأسلوب أسلوباً من أساليب الدعوة (ومن رأى ليس كمن سمع) وقد رأيت ثلاثة من الألمان أسلموا بسبب رؤيتهم أناساً مسلمين يصلون.
فقيام المسلمين بدينهم في كل مكان يؤثر في الناس، ولكن بعض المسلمين يُخفي عملَه، كالصلاة خشية من الاستهزاء وهذا خطأ فاحش، لأن المسلم يستطيع أن يصلي، ولا توجد ضرورة لإخفاء صلاته.
ومن الوسائل المحاضرات والندوات والكتابات والكتب المترجمة صغيرة أو كبيرة، ونشرات صغيرة تلفت النظر إلى الإسلام.
الفئات التي تكون أكثر استجابة للدعوة من غيرها:
فئة الشباب من سن خمسة عشر عاماً إلى ثمانية عشر عاماً الذين يكون فسادهم الخلقي أقل من غيرهم، بخلاف الكبار الذين اعتادوا على الفساد فإن الواحد منهم يقارن بين ما تعود عليه من الفساد وبين الإسلام الذي يحرم عليه الفساد فيصعب دخوله في الإسلام.
والنساء أكثر استجابة من الرجال.
مصادر تشويه الإسلام وجهود المسلمين في الرد عليها.
والمثقفون سمعوا عن الإسلام من الكتب الدراسية، وهي ليست محايدة وقد كتبنا ثلاثة كتب عن الكتب الدراسية وما يتعلق بالعقيدة أو التاريخ أو غيرها، كتبناها باللغة الألمانية وبينا الأخطاء التي فيها.
والمعلومات التي دونت في الكتب الدراسية أخذت عن المستشرقين، والتشويه للإسلام من قبل المستشرقين ناتج عن جهل أو قصد.
وقد طبعت الكتب التي ألفناها رداً على الأخطاء، ووزعت على وزارات التربية، وقد حصلت لقاءات بيننا وبين إدارات المناهج وحوار في ثلاث وزارات من مجموع إحدى عشرة وزارة، وكانت النتيجة أنهم وعدوا أن يستفيدوا من هذه الملاحظات عندما يحدث تغيير في المناهج، وهذا يحتاج إلى وقت من خمس سنوات إلى عشر عندما يحصل قرار من اللجان المختصة بالمناهج.
ومن المصادر التي يستقي منها المثقفون معلوماتهم عن الإسلام، كتب المستشرقين وما ينشر في التلفزيون، وهو أكبر مصدر للمعلومات، والراديو، والصحف، وكلها تتحدث عن واقع المسلمين بما يعطي إيحاءً خفياً بمعلومات تشوه الإسلام. [ماذا يكون موقف من يتلقى في الكتب المدرسية وكتب المستشرقين وأجهزة الإعلام كلها تشويها للإسلام الذي لا يجد من يمثله حقاً ويدعو إليه بالوسائل المكافئة].
والسواد الأعظم منهم، لا يمحصون الصحيح من غير الصحيح، لأنهم تعودوا على تصديق أهل العلم الأكاديمي ـ أي المختصين ـ فهم يعتقدون أن ذلك صواب، ومن هنا تأتي الخطورة، وهذا المعنى مؤكد عليه في بروتوكولات حكماء صهيون، وهو أن يقبل الأوروبي ما يصدر من الأكاديمي بدون نقاش، وخاصة في القضايا الفكرية والقانونية، وهذا يسبب قيادة الشعوب بأعداد محدودة من الكتاب والمفكرين.
وتحاول المراكز الإسلامية أن تكون مصدراً نشطاً، بالندوات غير الدورية واللقاءات الدورية كل شهر أو أسبوعين، ولكن الدعاية لهذه الأمور قليلة وثقة الأوروبي فيها أقل.
وتقوم المراكز بأيام أو أسابيع الإسلام، وتنال هذه دعاية أوسع والإقبال عليها أكثر، حيث يطلب تصريح من المسؤولين بنشر مطبوعات في أي مدينة، وتعد قاعات للمحاضرات المسائية في وسط المدينة، والإخوة يخاطبون المارة عن الإسلام ويوجهونهم للمحاضرات، ويوزعون منشورات للتعريف بالبرامج وبالإسلام، ويتم الحديث يومياً مع ألفين أو ثلاثة آلاف شخص، وفي المساء يشترك في المحاضرات ما بين 300 ـ 800، ولكن قلة الإمكانات المادية والبشرية تجعلنا نختصر الوقت إلى أسبوعين في السنة، وبعضها من 20 ـ 30 يوماً.
هذا غير ما يقوم به الإخوة الطلبة في الجامعات أمام المطاعم، من عرض كتب ونشرات إسلامية، وفي أثناء الفُسَح واللقاءات في الحدائق ويقدر عدد الذين يناقشون ممن يتصلون بهم في اليوم ما بين300 إلى400، وبعضهم قد يلقي الاتهام ضد الإسلام جزافاً، والتخصص الأديان المقارنة موجود في كثير من الجامعات الألمانية، وأشهرها جامعة (إير لانجن) وجامعة (بون) وجامعة (كولونيا) وجامعة (جيسن) وجامعة (فرايبورك) والأساتذة منهم من يجيد اللغة العربية، ومنهم من يشرف على رسائل عربية، يعدها طلبة عرب.
ونسمع من الإخوان أنهم يتعمدون التشويه للإسلام، ولا يأذنون للمسلمين أن يصححوا ذلك التشويه.
مثال: في جامعة فرايبورك درَّس الأستاذ فصلاً دراسياً كاملاً، عن مادة تتعلق بالحركات الإصلاحية الإسلامية الحديثة، بدءً بالشيخ محمد بن عبد الوهاب وانتهاء بحزب السلامة التركي، وكان في كل ذلك يشوه الإسلام، وعرضنا على الجامعة أن يبعث المركز للطلاب من يحاضرهم محاضرة واحدة فقط في نفس الموضوع حتى يستمعوا إلى إجابات عن أسئلة قد يصعب على الألماني الإجابة عنها، فرفضت الجامعة على رغم أنها تسمح بمثل هذا اللقاء أسبوعياً في تخصصات أخرى.
تأثير المسلمين وتأثرهم ، والفرص المتاحة لنشر الإسلام:
مَن الأكثر تأثيراً: المسلمون في غير المسلمين، أو غير المسلمين في المسلمين؟
إذا نظرنا إلى العدد فتأثير غير المسلمين في المسلمين أكثر، لأن الكثير من المسلمين يأتون إلى هذا البلد وهم مستعدون للتغير، وقد يطلبون هم هذا التغيير، ولكن منهم من يأتي وهو عازم على التأثير في المحيط، فهؤلاء لا يتغير منهم إلا النادر، هذا إذا نظرنا إلى العدد والنسبة المئوية.
أما إذا قارنّاها بالنسبة للأفراد، فإن تأثير المسلمين في عدد الألمان أكثر من تأثير الألمان في عدد المسلمين.
مثال: ألف من المسلمين قد يتأثر بالألمان خمسمائة منهم، ولكن الخمسمائة الأخرى قد تؤثر في أكثر من خمسمائة من الألمان، والدليل على هذا أن عدد الألمان الذين دخلوا في الإسلام يزيد في تقديرنا عن خمسة آلاف، هناك أضعاف مضاعفة لهذا العدد تم تحييدهم وتوقفوا عن الاتهامات وترديدها في وسائل الإعلام، وهذه النسبة موجودة في المثقفين والأكاديميين.
ما مدى إتاحة المسؤولين في ألمانيا للمسلمين أن يستفيدوا من أجهزة الإعلام في نشر الإسلام؟
المشكلة أن اليهود متغلغلون في وسائل الإعلام، بحيث إن وسائل الإعلام في الوقت الحاضر، يصعب أن تعرض وجهة النظر الإسلامية، لأن اليهود يقفون ضد ذلك، ويتهمون أي جهة تخرج عن المضمون الذي يريدونه بأنها نازية، ومعادية للجنس السامي، فيحجم الإعلاميون عن نشر الإيجابيات عن الإسلام، وقد وجدنا ذلك في التلفاز والإذاعة، حيث دعينا إلى مناقشات في قضايا إسلامية، فثارت ثائرة الجمعية اليهودية، وتوصلوا بأساليبهم إلى عرقلة نشر الحلقات التي تم تصويرها والإعلان عنها.
ولكن الشيء السهل أن وسائل الإعلام تسمح الآن بمحطات إذاعية وتلفازية خاصة، يمكن للمسلمين أن يستفيدوا منها، بشرط أن يديرها المسلمون أنفسهم إذا أريد منها نتائج مثمرة، وأما الصحف فلا صعوبة في امتلاكها ونشرها.
ما الذي ينقص الدعوة في ألمانيا؟
هناك أمور ثلاثة تنقص الدعوة إلى الإسلام في ألمانيا:
الأمر الأول: أكبر ما يفتقر إليه المسلمون الآن في هذا الباب، هو كوادر الدعوة والإدارة. [يعني المؤهلين من الصنفين].
ومعظم العمل الإسلامي في ألمانيا يقوم به غير علماء الشريعة، فأكثر العاملين الإسلاميين، مهندسون وأطباء، واقتصاديون، ومحاسبون، اجتهدوا بالمطالعة والسؤال، حتى استطاعوا أن يحصلوا على شيء من العلم، ولكن حجم الأعمال وكثرة المشاغل لا يسمح لهم بالوقت الكافي لتحصيل العلم، وهم في حاجة إلى دورات تدريبية في مكة أو المدينة أو في بلدان أوروبا يأتي العلماء إليها ويدربون المسلمين.
أو استكمال الأمر ببعث إخوة من العلماء الذين يمكنهم أن يعيشوا في المجتمع الغربي.
الأمر الثاني: عمل خطة موحدة، تلتزم بها المؤسسات الإسلامية في ألمانيا.
والأمر الثالث: الأمر المادي الذي لا بد منه حتى لا يتقلص العمل، مما يزيد في تشويه صورة الإسلام عند الغربيين، فالغربيون بفكرهم يتصورون أنه من المنطقي أن تقف الدول الإسلامية خلف العمل الإسلامي، فإذا انتكست أعمال المسلمين سارعوا إلى اتهام الإسلام بعدم صلاحيته للتطبيق، واتهام حكومات الشعوب الإسلامية بعدم اهتمامها به لعدم صلاحيته.
المدرسة الإسلامية الألمانية:
كانت المدرسة فكرة قائمة مع فكرة إنشاء المركز الإسلامي، وعندما أنشئ المركز بدأ بتجميع الأطفال يومي السبت والأحد، ليعلمهم لغتهم مع مبادئ الإسلام، ولكن كان في ذلك صعوبة لانتظام الأولاد خمسة أيام في مدراس الألمان، وذلك كاف في تسميم أفكارهم وتشويه الإسلام في نفوسهم وترغيبهم في الانسجام مع السلوك الغربي.
لهذا بدأ التفكير في إنشاء مدرسة نظامية تقدم المنهجين الإسلامي والألماني.
ورفضت الحكومة الألمانية أولاً أن يقام هذا النمط من المدارس، وطالبت أن تتقدم إحدى حكومات الشعوب الإسلامية بهذا الطلب، بشرط أن تلتزم تلك الدولة بالإنفاق على المدرسة، والإشراف عليها فنياً وإدارياً ومالياً، وعند ذلك تعامل الحكومة الألمانية تلاميذ تلك المدرسة وكأنهم آتون من تلك الدولة صاحبة الترخيص، وليس على أساس أنهم رعايا ألمان، واستمر الحوار خمس سنوات مع ألمانيا، حتى وافقت على إنشاء المدرسة بشكلها الحالي.
وتم افتتاح المدرسة في سبتمبر سنة 1981م، وفي العام الأول صرح للمدرسة بمزاولة العمل، دون إشراف من الحكومة الألمانية، لئلا تتحمل الحكومة أي سلبيات تنتج عن هذا النمط الجديد في ألمانيا، وبعد عام من إنشائها منحتها الحكومة الترخيص والإشراف عليها من قِبَلها.
وقبل المدرسة بخمس سنوات تم الحصول على تصريح بإنشاء روضة للأطفال، وتم وضعها تحت إشراف الحكومة سنة 1979م، والمدرسة بدأت بالمرحلة الابتدائية.
والآن تشتمل على الروضة، والتمهيدي، والابتدائي، والمتوسط، وقد ضاق المبنى بالفصول، وتحتاج المدرسة لاستكمال المرحلة الباقية إلى مثل المبنى الحالي، وملاعب للأطفال، وللرياضة، والعجز المادي هو سبب توقفنا عند المرحلة الحالية.
عدد الطلاب في الروضة والتمهيدي ستون طالباً، وفي الابتدائي ستة صفوف في كل سف ما بين18 إلى24 طالباً، وفي المتوسط ـ السنة الأولى ـ 12 طالباً.
وعدد الأساتذة في الروضة والتمهيدي خمسة وفي الابتدائي والمتوسط اثنا عشر.
وعدد الموظفين في الإدارة والسكرتارية ثلاثة والسائقون أربعة.
ثمار إنشاء هذه المدرسة:
1 ـ علاقة جديدة بين المسلمين والحكومة ترتب عليها ثقة الحكومة في كفاءة المسلمين، وقدرتهم على إعداد المنهج، وعلى حسن الإدارة وتدبير احتياجات المدرسة.
2 ـ فتح علاقات جديدة بين المركز والمسلمين الموجودين في المدينة، لم تكن موجودة من قبل فترة طويلة، وهذه مهمة جداً.
3 ـ محاولة المحافظة على أبناء المسلمين مما يتعرضون له من محاولات التغريب والتشكيك في المدارس الألمانية.
4 ـ إنشاء مدراس في المدن الألمانية الأخرى على غرار هذه المدرسة، قدمت طلبات كثيرة لإنشاء مدارس نظامية مستقلة للمسلمين ولكن مجلس وزراء التربية (وعددهم أحد عشر وزيراً بعدد ولايات ألمانيا) مع الوزير الاتحادي العام، قرروا أن يتم الترخيص لإحدى الجمعيات التي يظن فيها أنها قادرة على وضع المناهج وإدارة العمل في إحدى الولايات، واستقر رأيهم على الموافقة على طلب المركز الإسلامي في ميونخ، تجربة لبقية الطلبات على أن ينتظر عشر سنوات حتى يتمكنوا من تقويم المدرسة في ميونخ، فيتقرر بعد ذلك الإذن لهذا النوع من المدارس أو المنع.
وينتظر أن يتخذ القرار بذلك بعد ثلاث أو أربع سنوات من الآن.
والحكومة ما زالت راضية عن المدرسة، ولكنها رفضت منح التصريح لاستكمال المرحلة المتوسطة، لعدم وجود المعامل والمختبرات في الفيزياء والكيمياء، وهي ضرورة لاستكمال المرحلة، فالحكومة تختبر استعداد المسلمين المادي والمعنوي، لتبني، موقفها على أمر واقع إما النجاح وإما الفشل، وهذه المعامل تحتاج إلى مبنى جديد إضافة إلى 150 ألف مارك للتأثيث.
وقفة لا بد منها:
إن المدرسة النظامية من الروضة إلى الثانوية ـ على الأقل ـ هي المحضن الذي يمكن فيه تربية أبناء المسلمين، تربية إسلامية قوية يستفيدون فيها علماً، وعملاً، واعتزازاً بدينهم، ويُحْمَون من الذوبان في مجتمع، غالب أفكاره وتصرفاته السلوكية والاجتماعية ضد الإسلام والمسلمين.
ووجود مثل هذه المدرسة، فريضة على المسلمين المقيمين في البلدان الأجنبية، لأنهم مهما حاولوا أن يربوا أبناءهم في منازلهم ويعلموهم مبادئ دينهم في مساجدهم ساعات قليلة في الأسبوع، فإنه يصعب عليهم أن يحصلوا على ثمرة كافية لمقاومة التيار المضاد الذي يجتاح الأولاد خمسة أيام متوالية في المدارس الحكومية، من الصباح إلى المساء، مع زملاء نسبة أبناء المسلمين إليهم كنسبة شعرة بيضاء في شعر ثور أسود أو كنسبة قطرة عطر إلى بحر من القاذورات، يصعب على الطفل المسلم أن ينجو من عاداتهم وأفكارهم وسلوكهم، يضاف إلى ذلك فساد أسر كثير من المسلمين، فإذا كان الجو المدرسي فاسداً، والمنزل كذلك، فكيف يمكن حفظ الطفل المسلم من فساد الكفر وفروعه بتعليمه ساعة أو ساعتين في الأسبوع، هذا إذا قدر الله له أن يحصل على تلك الساعة أو الساعتين، فكيف إذا لم يتمكن منهما؟ هذا عدا أفلام الفيديو السيئة، وبرامج التلفاز الخليعة، وفساد المجتمع بأكمله.
فإذا كان الأمر كذلك فإنه يجب على المسلمين المقيمين في الغرب أن يسعوا بجد في إيجاد مدارس نظامية كاملة لأبنائهم، تشمل المنهج الإسلامي ولغة البلد الأم والمنهج الحكومي، بعد تنقيته مما يخالف عقيدة المسلم، ويجب أن يقتطعوا من أقواتهم ما يقيمون به تلك المدارس، والواجب على المفكرين أن يوقظوا المسلمين العوام من غفلتهم ويساعدوهم في إنشاء تلك المدارس قانونياً وإدارياً ومنهجياً.
ومن العجيب أن تأذن حكومة غربية للمسلمين أن ينشئوا مدرسة خاصة نظامية مستقلة متكاملة، وتمنحهم الحق في وضع المنهج الذي يحقق لهم ما يصبون إليه من تربية أبنائهم، وتمنحهم فرصة عشر سنوات لتختبر مقدرتهم على إدارتها فنياً ومالياً ومنهجياً وصحياً، فإذا نجحوا في ذلك، ترتب على نجاحهم الإذن بالاستمرار وإنشاء مدارس أخرى مماثلة للمسلمين في المدن الأخرى، وإن فشلوا كان مآل المدرسة الإغلاق، وسد الباب في وجه كل جماعة تحاول إنشاء مدرسة من هذا النوع، احتجاجاً بفشل الفئة الأولى التي ظنت أنها أقدر على الاستمرار بالشروط المناسبة.
وترتب على ذلك أن ينظر أهل البلد إلى المسلمين، أنهم غير جديرين بتحقيق مصالحهم وغير جديرين باتخاذهم قدوة لغيرهم، ثم مع هذه النتائج الخطرة، لا يتحرك المسلمون في داخل ذلك البلد، ولا المسلمون القادرون خارج ذلك البلد من حكومات الشعوب الإسلامية وأغنيائها بإعانة مثل تلك المدارس حتى تقف على أقدام راسخة، يتبعها غيرها من المدارس في المدن الأخرى.
يا رب هل كُتِبَتْ المذلة والشقاء على المسلمين في بلاد الكفار وفي بلادهم، ليذوبوا في مجتمعات الكفر وهم قادرون على حماية أنفسهم من ذلك الذوبان؟ ويهتموا بتوافه الحياة ودناءاتها فيضيعوا فيها أعمارهم وينفقوا أموالهم، ويَدَعوا معالي الأمور وغايات الفلاح؟! وأمجاد الآباء كلها تتحطم بأفعالهم هم، أعداؤهم يتيحون لهم الفرص وهم يرفضونها، ويفتحون لهم الأبواب وهم يقفلونها؟!
يا رب أين هم عبادك الصالحون من ولاة أمور المسلمين وأغنيائهم الذي يغارون على دينك، ويبذلون الجاه والنفس والمال في سبيل رفع راية الإسلام ونشر البلاغ المبين في مشارق أرضك ومغاربها؟!.
يا رب أبنا ء دينك يذوبون في عالم الكفر. والمنتسبون إلى دينك من القادرين على إنقاذهم لا يعبئون بغير أهوائهم وشهواتهم. فأين هي أخوة الإسلام التي أمرتهم بها وطبقها نبيك وصحبه في أعلى صورها؟ وأين الإيثار الذي هو من أهم صفات عبادك المؤمنين؟ ولماذا استبدلوا به الأثرة والأنانية؟ أين تجار الآخرة الذين أنعمت عليهم من فضلك وإحسانك، بالأموال الوفيرة التي لو وقفوا منها نسبة ضئيلة لمصالح المسلمين العامة لبَنَتْ المدارس وأوجدت المؤهلين للدعوة والتدريس وأنقذت غرقى في بحار الكفر وظلمات الأفكار وحمآت الشهوات؟!
يا رب إن كنا صالحين لإقامة دينك في أرضك، فأصلحنا وتب علينا وإن كنا غير صالحين لذلك فاستبدل بنا غيرنا، حتى لا نكون فتنة للكافرين من خلقك. ودينك أحق بالبقاء في الأرض منا، وهداة الخير أولى بالعيش في هذه الحياة وتسخير طاقاتها لرضاك، وطهر المسلمين من القاعدين عن الجهاد في سبيلك المتقاعسين عن نصر دينك وإعلاء كلمتك، ولا حول ولا قوة إلا بك.
المدرسة الإسلامية في ميونخ مفلسة!
أقول هذا وأنا قد سمعت من الدكتور حسن أبي العلا رئيس البنك الإسلامي في كوبنهاجن الذي قام بدراسة وضع المدرسة: أن المدرسة مفلسة وعليها ديون ترهقها، قد لا تستطيع الاستمرار معها، وهذا ما ترغب فيه دول الغرب التي لا تريد أن تظهر بمظهر الرفض الكامل لطلبات المسلمين، حفاظاً على اتصافها بما تدعيه من الديمقراطية وسيادة القانون، فإذا فشل المسلمون فيما أتيح لهم كان في ذلك مصلحة لتلك الدول من جهتين:
الأولى: أنها لم تقف ضد رغباتهم التي يمنحهم إياها القانون.
الثانية: إثبات أنه يجب على المسلمين أن يرضوا بالأمر الواقع، وهو تذويبهم في المجتمع الغربي والسير في طريقه في كل شيء، وإذا كان لا بد من الإسلام فليكن مثل المسيحية: مجرد اعتقاد بين العبد وربه وشيء من الشعائر الميتة، وإلا فالفشل سيكون حليفهم، وبهذا يدخلون اليأس إلى قلوب المسلمين من تطبيق دينهم في بلادهم، وينفرون غير المسلمين من التفكير في الدخول في هذا الدين.
يا مسلمون! هل رأيتم المدارس التي أشادها النصارى في كثير من بلدان المسلمين للقضاء على هذا الدين؟ هل رأيتم ضخامة مبانيها، وحسن نظافتها، وجمال مظهرها، وكفاءة إدارتها، وقوة مناهجها، وجاذبية أساليبها؟ هل هم أولى بنشر أفكارهم وإثبات جدارة قيادتهم للبشرية منا؟
لقد كثرت المساجد في الغرب، وبعضها شُيِّد بزخارف نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهي مبنية على أراض واسعة، وبها مرافق كاملة، ولكن كثيراً منها أجساد بلا أرواح، لا يعمرها المصلون إلا في الجمع والأعياد، وأولاد أولئك المصلين يذوبون في مدارس الكفر ونواديه ومراقصه، ولم يُجْد كثير من تلك المساجد في حفظهم فتيلاً، ولكن المدارس التي من هذا النمط يمكن لو عُدت لما تجاوزت أصابع اليد الواحدة وهي مهددة بالفشل فهل يليق ذلك بنا أيها المسلمون؟
الأخ عبد الناصر يعلق على أحوال المسلمين:
عبد الناصر بن طه بن حسن الفلسطيني ويكنى: أبا بلال، وهو الذي استقبلني في المطار عندما قدمت إلى ميونخ.
ولد في لبنان سنة 1958م، وكان يقيم في مخيم الرشيدية الجديد.
درس الكهرباء في جامعة (STUTTGART) في ألمانيا الغربية.
متزوج وله ولدان: بلال ومحمد.
له في ألمانيا عشر سنين، وقد أنهى في ميونخ دراسته: برمجة الكمبيوتر، وهي عمله الذي يمارسه الآن في المركز وفي المنزل.
قال الأخ أبو بلال: كان المسلمون في الخمسينات يفتقرون إلى التجارب في الغرب، وبخاصة في ألمانيا.
أثر زواج المسلم بالألمانية:
ومن ذلك نتائج الزواج من الألمانيات، وكان المسلم يتزوج بالألمانية مسلمة كانت أو غير مسلمة، وكان معظمهن غير مسلمات، على أمل أن غير المسلمة إذا رأت القدوة الحسنة في زوجها المسلم، ستكون أسرع استجابة إلى الإسلام.
وبعد عشرين سنة في الثمانينات ظهرت نتائج هذه التجربة بكل وضوح، وكانت في مجالين: مجال الزوجة وأهلها، ومجال الأولاد.
أما مجال الزوجة ففي غالب الحالات لم تسلم الزوجة بعد عشرين سنة من العشرة، بل ازدادت عداءً ونفوراً عن الإسلام، وأهلها كذلك ازدادوا نفوراً مثلها. [الخطر الذي يذكره الأخ عبد الناصر محقق ولكن لا أدري أعنده دليل إحصائي أن غالب الزوجات غير المسلمات لم يسلمن؟ نسيت أن أسأله].
أما الأولاد فهم بين نارين: لا يعرفون إلى أين ينتمون؟ هل ينتمون إلى أبيهم وثقافته ودينه؟ أو إلى أمهم وثقافتها ودينها؟ ولا ننسى أن أكثر اتصالهم هو بأمهم وأهلها.
وبعضهم يذهب مع أمه إلى الكنيسة، ولا يأتي مع أبيه إلى المسجد إلا للتفرج على المسجد مرة أو مرتين، ثم يذهب ولا يعود.
واللغة عامل مهم وخطير، قال أبو بلال: فأنا أدرِّس ثمانين طالباً تقريباً يوم السبت، كلهم يذهبون إلى المدارس الألمانية، ولا يدرسون في المدرسة الإسلامية.
ومعظم هؤلاء آباؤهم وأمهاتهم من العرب، ولكنهم لا يتكلمون كلمة واحدة باللغة العربية في الغالب، فكيف بالأولاد الذين أمهاتهم ألمانيات؟
واللغة عامل مهم في تفهم علوم الإسلام ومبادئه فكيف يستطيع المعلم إيصال مبادئ الإسلام لهؤلاء؟
وعامل اللغة مهم جداً، لأن الطفل بسبب معرفته للغة الألمانية، يشعر بالقرب القلبي والعاطفي إلى أمه، ولهذا فإنه يتأثر بعادات أمه وثقافتها ودينها أكثر من تأثره بأبيه.
فكانت النتيجة في حالات لا بأس بها الطلاق، وهذا يؤدي حسب القانون الألماني إلى استقلال الأم بالأولاد، وهذا معناه أن أبناء هذا الشخص الذي أمضى عشرين عاماً معهم، يصبحون يعملون كما يعمل الألمان في السلوك والأخلاق وأبوهم لا يقدر أن يفعل معهم شيئاً.
وقد وجدت حالات ذَبَح بعض الأتراك أبناءهم بسبب تلك الأمور.
وبعد الطلاق يزداد نفور المرأة وأهلها من الإسلام، إضافة إلى ضياع الأولاد.
وبعض المسلمين الذين ابتلوا بذلك بدءوا حياتهم من جديد بالزواج من مسلمات عربيات.
وبعضهم لم يحصل بينهم وبين زوجاتهم الألمانيات طلاق، ومعظمهم يرى ابنه وابنته أمامه كأبناء وبنات الألمان في كل شيء، ولا يستطيع أن يفعل شيئاً.
والذين تزوجوا من ألمانيات مسلمات كانت النتيجة أخف، ولكن توجد حالات كثيرة يجب إلقاء الضوء عليها.
فكثير من الألمانيات المسلمات لم يتغير لباسهن كثيراً، فقد تلبس لباساً للصلاة ساتراً، ولكنها لا مانع عندها من أن تلبس لباسها القديم في السوق.
وبعضهن رأين أن بعض المسلمين يشربون البيرة والخمر، فرأين أن ذلك يجيز لهن تناولهما، مع أن الأصل عندهن قبل الإسلام عادة متبعة، وقد كتب الأخ أحمد خليفة مقالات في مجلة الغرباء: الزواج من الأوروبية في الميزان، وهو رد على الدكتور فؤاد زكريا، وعنوان مقاله: توضيح وليس دفاعاً.
وبعض الألمانيات المسلمات لم يقلعن عن كثير من عاداتهن.
فمثلاً: زواج انتهى إلى الطلاق، لأمر صغير جداً في رأي المحكمة الألمانية وهو أن المرأة المسلمة قابلت صديقها في المدرسة، وكانت لم تره من مدة طويلة، فاحتضنها واحتضنته أمام زوجها، وهذه المرأة لم تختلف في تصرفاتها وعاداتها عن أي امرأة ألمانية أخرى.
وأما أولاد المرأة الألمانية المسلمة، فيكفي انقطاعهم الثقافي الإسلامي. والسبب اللغة والعيش في هذه البلاد، والأب طوال اليوم في عمله.
ووُجِدتْ حالتان توفي فيهما الأب، فرجعت زوجه المسلمة إلى دينها هي وأولاده منها، إلا أن ابنة إحداهما أنقذت بالزواج من فلسطيني مسلم فبقيت على دينها الإسلام.
والألمان لم يعد للأخلاق قيمة عندهم.
وعند الألمان أمور جيدة، منها بناء بلادهم، وسبب هذا البناء أنهم بعد الحرب استغلوا بعض الشعوب في العمالة كالأتراك، ولكنهم الآن يصرحون بأنهم خائفون على هذه التركة، لأن الجيل الجديد منهم لا يبالي بشيء وذلك لأمرين:
الأمر الأول: التحرر من كل القيود، وهذا وحده كاف لتحطيم الشباب.
الأمر الثاني: التسيب وعدم الشعور بالمسؤولية، وقد أصبح بعض الألمان يعجب بمحافظة العرب على العرض والشرف.
فقد خطب عراقي ابنة رجل ألماني وعندما وجده بعض الفلسطينيين صارحه بأنه يرغب أن لا يتزوج العراقي ابنته، وليس ذلك كراهية للعراقي، وإنما لمعرفته بأن العرب لا يرضون بعادات البلاد السيئة، وذلك بعدم المحافظة على العرض، وابنته لا يمكن أن تلتزم برغبة العراقي في المحافظة على عرضها، فتعجب الألماني من هذا الكلام الغريب عنده.
أخذت هذه المعلومات من أبي بلال ونحن في جولة في مدينة ميونخ ذهبنا فيها إلى القرية الأوليمبية، وصعدنا إلى برج أولمبيا الذي يشرف من صعد إليه على مدينة ميونخ وهو قرب القرية الأولمبية، وتقرب منه مصانع السيارات (B M W) التي تعد تالية لمصانع المرسيدس، وارتفاع البرج 290 متراً والناس يصلون من هذه المسافة إلى مائتي متر فقط(21).


حوار مع ألماني غير مسلم هو مساعد وزير الداخلية لمقاطعة بافاريا :
هو الدكتور (Dr. PETER). مؤهله دكتوراه في الحقوق.
زرناه في مكتبه في الساعة السادسة مساء.

رحب بنا وقدم لنا الضيافة: الشاي والقهوة وبدأ حديثه بقوله: عدونا المشترك هو الإلحاد. [كان المترجم هو الدكتور: طالب السلطان وهو عراقي، وحضر المقابلة الأخ أحمد محمود خليفة، رئيس المركز الإسلامي في ميونخ].
أنا مسيحي بروتستانتي، وزميلي هذا مسيحي كاثوليكي وطبعاً الإسلام يحاول التأثير على المسيحية والمسيحية تحاول التأثير على الإسلام.
وعلى المدى البعيد الجبهة ليست هي هذه، بل هي في موقع آخر، وأعتقد أن الجبهة ليست مقابلة المسيحيين لمسلمين، وإنما جبهتنا المشتركة مع الملحدين، الذي عنده القوة الإيمانية بالله تعالى، هذا الإيمان على المدى البعيد يجعله يتصرف تصرفاً يختلف عن تصرف الشخص الذي يقول: لا توجد حياة بعد الممات ولا توجد إلا الحياة الدنيا.
ولا أريد من هذا إخفاء الفوارق الموجودة بين المسلمين والمسيحيين، لأنا لو أردنا ذلك نكون غير نزيهين تجاه أنفسنا.
ولكن بهذه المجابهة الكبيرة ـ أي الوقوف ضد العدو المشترك ـ سنكون كلنا على جانب واحد.
فقلت له: هذا كلام صحيح في جملته، ونحن فعلاً نشترك في أن أمامنا عدواً عقائدياً واحداً، وهو الإلحاد، والمفكرون المسلمون في البلدان الإسلامية إذا قدروا على إدخال ما يرونه في مناهج التعليم، مما يقف ضد الإلحاد ويجتث أصوله ويحطمه بحجج دامغة، وهي في الإسلام ليست خافية، فإن الإلحاد لا يستطيع أن يزور الشباب الذي يتربى على تلك المناهج الإسلامية.
وقد ذهب بعض الطلبة المسلمين من بعض الشعوب الإسلامية إلى موسكو للدراسة، وكانوا قد تحصنوا في دراستهم بما لا يقف موقف الدفاع فقط ضد الإلحاد، وإنما يهاجمه في عقر داره، وكان المشرف عليهم الذي يعلمهم اللغة الروسية يحاول أن يؤثر عليهم في تدريسه بأن يقنعهم بالإلحاد، ولكن الحجج التي تزودوا بها دمغته، حتى وقف عاجزاً يقول لهم: من المعلم أنا أم أنتم؟ فقالوا له: المعلم هو صاحب الحق فترك جدالهم خاسئاً.
ونحن بحمد الله، لا نخاف من الفكر الإلحادي، ولهذا قد يفرض على بعض البلدان الإسلامية بالقوة وقد يبقى الحاكم ملحداً مدة طويلة ثم يذهب غير مأسوف عليه، وتُحطم كل أفكاره الإلحادية بعده في خلال سنة واحدة أو أقل.
خطر الجرائم المنظمة:
قال الدكتور: هذا هو أحد الجوانب، وهو الماركسية ولكن عندنا مشكلة أخرى، وهي ارتفاع نسبة الجرائم في هذه المدن الأوروبية، تتفاوت نسبة هذا الإجرام، ولكن الاتجاه العام هو في ارتفاع نسبة الإجرام المبني على القسوة، وعموماً: عدم الاهتمام بالآخرين.
العهر المنظم، وكذلك المخدرات المنظمة التي تقف وراءها المنظمات.
وفي هذا الأسبوع نشر في إحدى المجلات المعروفة المهمة مقالة طويلة حول أمستردام، وهذه المجلة اهتمامها يساري، ولهذا حظيت باهتمام أكثر في هذا الاتجاه.
وأنصح بأن تطلعوا على هذا المقال في هذا العدد.
أنا متأكد أن مثل هذه الأمور تنمو وتترعرع في ظرف يفقد فيه الإيمان بالله والعقيدة.
وهناك كتاب جيد لأحد المطارنة المسيحيين هنا، وهو من أكبر المنظرين لدى البابا، وصف الكتاب هذه الروابط، وسأبعث هذا الكتاب إلى الدكتور خليفة [يقصد رئيس المركز الإسلامي الذي رافقني] وأرجو أن يعطيك الكتاب.
وأرى ضرورة العمل المشترك بيننا في هذا الاتجاه، وأنا مقتنع بنجاح فكرتنا وأن النصر سيكون حليفنا، ولكن لا يجوز أن نقعد مكتوفي الأيدي ونقول: أن الله سيدبر كل شيء بدون عمل منا.
سبب تعصب بعض المسلمين للإسلام!
ثم قال لي: إذا سمحت لي بسؤال أود أن أوجهه إليك، وقد سبق أن تحدثنا عنه، وجرائدنا مملوءة به، وذلك أنه يقال: إن مناقشات طويلة عريضة في العالم الإسلامي حول التعصب والتمسك بالإسلام... الحقيقة أنا من المتعصبين.
قلت: بسم الله.
الحقيقة الأمور هذه متشعبة ولكن نحاول أن نختصرها.
قال: شكراً ـ باللغة العربية.
مكافحة الجريمة في الإسلام:
قلت: أولاً بالنسبة للجريمة وانتشارها، الذي تحدثتَ به صحيح، وهو أن الإيمان هو الأساس في منع هذه الجريمة وبالنسبة للمسلمين، الجريمة عندهم لمكافحتها سببان رئيسيان:
الأول: غرس الإيمان في النفس بالحجج التي لا يكون عند المؤمن فيها شك، بحيث إنني إذا قلت مثلاً: الإيمان بالله أثبته في نفسه بحجج قوية حتى لا يبقى عندي شك فيه. الإيمان بالله وصفاته في الإسلام موافق للفطرة والعقل، ويستعمل في تثبيت الإيمان بالحجج: القرآن والكون، لأن الذي يؤمن بشيء وفي نفسه منه شك لا يطيعه، وأستطيع أن أضرب مثلين باختصار، لسرعة الاستجابة عند المؤمن وعدم الاستجابة عند الشاك:
المثال الأول: الخمر كانت حلالاً في أول الإسلام، لم يحرمها أول ما جاء، وعندما حرمها الإسلام، صيانة للعقل، حتى القليل الذي لا يسكر حرم في الإسلام من أجل صيانة العقل، كان الصحابة قبل التحريم يشربون الخمر، فلما نزل تحريمها أمر الرسول صلى الله عليه وسلم المنادي أن ينادي الناس ويخبرهم بذلك، فنادى المنادي قائلاً: ألا إن الخمر قد حرمت.
وبدون شرطة ولا سجون ولا معتقلات، الذي في يده تركها، والذي في فمه شيء من الخمر مجها، والذي قد شرب تقيأها من بطنه، هذه السرعة في الاستجابة كانت بسبب قوة الإيمان المغروس في القلب.
المثال الثاني: أمريكا في أول هذا القرن عندما رأت ضرر الخمر على الشعب الأمريكي أصدرت قراراً بتحريمها، واستعملت كل وسائل الدولة لمنعها وحصلت بسبب ذلك خسائر فادحة. ولكن الشعب الأمريكي رفض القانون، بل ازداد في شرب الخمر، فاستسلمت أمريكا وألغت القانون. والسبب في هذا العصيان والتمرد هو عدم وجود الاقتناع الإيماني في النفس.
يضاف إلى هذا السبب الذي هو الإيمان أمران:
الأمر الأول: أن المسلمين يربون أبناءهم على أن تكون كل تصرفاتهم تدور حول هذا الإيمان، فالمؤمن الحق في أغلب أحواله لا يحتاج إلى السلطة البشرية تتابعه حتى يترك المحرمات.
أما الأمر الثاني: مما يمنع الجريمة فهو أن الذي يربى على الإسلام والمعاني الإسلامية الاجتماعية وغيرها، إذا خرج عن هذا الخط، فإن في الشريعة الإسلامية في القرآن وفي السنة عقوبات، بعضها محددة وبعضها غير محددة على حسب الجريمة، ونحن نعرف أن العقوبات في الإسلام عند الفكر الأوروبي ليست مقبولة، ولكن اعتقد أن الأوروبي الذي يدرس الإسلام من أصوله ـ أولاً: من القرآن والسنة، ويعرف معنى الإيمان ويطلع على أسلوب التربية الإسلامية، ثم يدرس شروط تلك العقوبات وما يتعلق بها ـ والثمار المترتبة عليها فإنه سيقبل ذلك.
وعندي كتاب صغير كتبته، بعد أن قرأت أربعة كتب هي باللغة العربية ولكنها في الحقيقة ترجمة لكتب غربية، تتحدث عن سبب الجريمة وتذكر النظريات التي ينقض بعضها بعضاً، ولم تخرج بنتيجة، فتتبعت القرآن والسنة وبينت في هذا الكتاب سبب الجريمة الأصيل، وليست الأسباب الفرعية، والكتاب موجود في المركز وأرجو أن يترجم لك الأخ أحمد خليفة ذلك إذا تيسر.
فقال: نعم، نعم. أنا في الحقيقة يهمني هذا الكتاب وإن شاء الله سأطلع عليه.
قلت: أما بالنسبة لسؤالك عن العودة إلى الأصول، فالدين الحق هو ما نزل في القرآن والسنة. والقرآن عندنا ثابت لا شك فيه، روته الأمم الإسلامية بعضها عن بعض، يحفظه الصغير عن الكبير من عهد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الآن.
ونعتقد أنه لا سعادة للمسلمين، بل للبشرية كلها إلا به كما نص عليه القرآن. هذا ما نعتقده لنكون صرحاء، والمسلمون إنما أصيبوا بالمشكلات والبلايا العظام في هذا العصر بسبب بعدهم عن الإسلام، ولو رأى غير المسلمين التطبيق العملي فعلاً للإسلام من جهة الحكومة والشعب، لما رأوا فيه إلا الأمن والسلام والسعادة.
فعندما يقال: إن بعض المسلمين يريدون الرجوع إلى الأصول، المسلمون كبقية أهل الأديان الأخرى عندهم خلافات، فالأصول التي يريدها فقهاء الإسلام هي تطبيق الإسلام في كل شئ صالح في الحياة ـ وكل ما في الإسلام يحقق ذلك ـ سواء كان من العلوم الكونية التجريبية أو من الأفكار الطيبة التي لا تخالف القواعد الإسلامية، وليس هو الوحشية والتزمت الذين يُرمى بهما الإسلام، إما بسبب سوء التصرف من بعض المسلمين، أو بسبب الحقد من بعض أعداء الإسلام، فنحن نعرف أن المستشرقين ينقسمون قسمين: قسم يغلب عليهم العدل والإنصاف، وهؤلاء أنصفوا الإسلام ـ وإن وقع منهم غلط بسبب سوء الفهم ـ في كتبهم، وأذكر منهم المستشرقة الألمانية زغريد هونكه في كتابها المسمى "شمس الله تسطع على الغرب" وغوستاف لوبون الفرنسي في كتابه المسمى "حضارة العرب".
ونحن الشيء الذي ندعو له غير المسلمين أن يحاولوا دراسة الإسلام من مصادره الأصلية، ولا ينظروا إلى تصرفات المسلمين فقط، لأن المنهج يدرس من حيث هو منهج.
فقال: طبعاً الجرائد وبعض وسائل الإعلام يوجد فيها كثيراً مما لا يليق ـ يعني عن الإسلام.
علاقة المسلمين باليهود:
قال: سؤال آخر إذا كنت تسمح بالكلام عن العلاقة مع اليهود؟
قلت: مع اليهود؟ قال: نعم.
قلت: أنا بصفتي مسلماً أتحدث عن عقيدتي، وموقفي ينطلق من هذه العقيدة.
اختصر لك موقفاً تاريخياً: الرسول صلى الله عليه وسلم عندما قدم إلى المدينة، كتب وثيقة بين المسلمين والمشركين واليهود، لأن هذه الطوائف الثلاث هي التي كانت موجودة.
خلاصتها أن يكون كل من في المدينة آمنين على أنفسهم، ولا يحصل تخريب داخلي ولا مؤامرة مع العدو الخارجي، ولكن اليهود أفسدوا داخلياً وتآمروا مع قريش الذين هم أعداء الرسول صلى الله عليه وسلم . فالذين كانوا يستحقون أن يطردوا من البلد طردهم، وأمرهم أن يخرجون أحراراً، أينما أرادوا.
والذين كانوا يستحقون القتل لشدة فسادهم قتلهم، وعندما انتشر الإسلام في العالم، ذبح النصارى اليهودَ الذين كانوا بينهم في كل مكان لشدة فساد اليهود، ولم يحصل اليهود على الأمن إلا عند المسلمين.
واليهود تاريخهم في كل العالم يدل على فسادهم، وقد احتلوا فلسطين وأخذوا أراضي المسلمين والنصارى الموجودين فيها، وكل من يريد مساعدة الفلسطينيين طردوه، وهم جسم غريب في الأمة الإسلامية، هذا اعتقادي واعتقاد كل من هو مثلي من طلبة العلم.
والشعوب الإسلامية كلها على ذلك، وبعض الحكومات العربية قد اعترفت باليهود، وبعضها تحاول أن تعقد سلماً مع اليهود، فإذا حصل هذا السلم ظاهرياً فأعتقد أن اليهود سيؤذون أهل المنطقة فيما بعد إذا استقروا وتقووا.
وعندنا أحاديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم صحيحة تدل على أنه في آخر الزمان سيكون قتال بين المسلمين واليهود، وأن المسلمين سينتصرون عليهم، هذه عقيدتنا، وإن كان بعض حكام الشعوب الإسلامية قد أذلهم الله فابتعدوا عن هذه العقيدة.
الموقف من الجماعات الإسلامية التي تهدد ألمانيا بالتخريب:
قال: أنا في الحقيقة يسرني أنني سمعت هذا، وموقفنا نحن الآن أعبر عنه تعبيراً فقهياً كما ذكرتم، وهو أننا في وضع شبيه بالوضع الذي جاء فيه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ـ يعني أنهم يريدون الأمن لكل الطوائف الموجودة ـ أنا أشكرك أنك بينت لي رأيك بهذه الصراحة لأني كذلك يسرني أن أعرف الرأي الصحيح لأنا غالباً ما نسمع الأخبار عن المسلمين من طرق متعددة: تأتينا من الخميني ولبنان ومن نيويورك تايمز، ويسرني أنك الآن تتكلم بهذه الصراحة.
وتعلم بأن رئيس وزرائنا له علاقات طيبة وقوية مع البلاد العربية، ونحن منطلقنا أنه يجب أن نتكلم مع جميع العرب ولا نتصل بأحد دون أحد، لكن لا نقبل شيئاً واحداً، وهو أنه إذا وجد عندنا في بلد ما قتال ونزاع نقل من مناطق أخرى إلي بلدنا فإنا من هذه الناحية، إذا اطلعنا على شيء فسنحاول القضاء عليه، هذه الأشياء تفسد العلاقة بيننا وبين المسلمين، عندنا مناقشات كثيرة مع مجموعات لبنانية، وخاصة ما يجري الآن في قضية عباس علي حمادي وأخيه محمد علي حمادي.
[وهما أخوان عمر الأول 29 سنة أتهم باشتراكه في خطف بعض الألمانيين في بيروت والثاني اتهم بخطف طائرة أمريكية إلى بيروت سنة 1985م وبدأت محاكمة الأول في ألمانيا في 6/5/1408هـ الموافق 26/12/1987م. أطلقت ألمانيا محمد علي حمادة الثلاثاء 21/12/2005م مما أغضب أمريكا التي تطالب به. http://www.aljazeera.net/NR/exeres/417233AF ـ D177 ـ 4CE4 ـ AF1D ـ 0A9E518B7D7F.htm].
ضع نفسك في موقفنا، إننا سنتصرف تصرفاً ليس فيه مساومة، ويهمنا جداً أن نقول لشرطتنا: إن المسلمين وقادتهم يؤيدوننا في تصرفنا، لأننا لو لم نتصرف بهذا الشكل فإن شعبنا سيرتبك، ونحن كذلك حصلت تهديدات علينا من مجموعات لبنانية، قالوا: إن الأشياء التي حصلت في باريس سنجعلها تحصل عندكم، وهذا سيجرنا إلى موقف حاسم، وأرى أنه لا داعي للتوكيد على هذا الأمر، ولكن الشيء الذي هو أتعس أن التصرفات هذه تعطي صورة سيئة عن المسلمين ككل.
ويوجد عمل مشترك إيجابي جداً مع المجموعات الإسلامية الموجودة هنا، ولا أقول التصرف السيئ سيقضي على ثمار هذا العمل المشترك، لكنه سيعرض هذه الثمار للخطر، أنا أرجوكم أن نجد من جانبكم الدعم الكافي.
قلت له: أنا دخلت ألمانيا بجواز سفر مختوم بختم سفارة ألمانيا في بلادي، وأعتقد أن هذا الختم على جوازي هو عقد بيني وبين ألمانيا أن لا أعمل فيها إلا الخير هذه مقدمة، وأعتقد ويعتقد المسلمون فقهياً، أنه ما دام بين المسلمين وغيرهم عهد وليس بينهما حرب، أنه لا يجوز للمسلم أن يعتدي على غيره، لا في ماله ولا في نفسه ولا في عرضه، وكل تصرفات الفساد التي تخالف هذا لا يقرها الإسلام، ونحن نقول للذين يعملون هذه الأعمال: إذا كنتم صادقين فعليكم بعدوكم في بلادكم المحتلة [قصدت الأرض الفلسطينية التي احتلها اليهود] فهذا المعنى الذي أذكره هو ما يعتقده عامة المسلمين، ولا يرضون بسواه.
وأعتقد أن الحرية التي توجد في بلادكم، على ما فيها من مفاسد أخلاقية وغيرها لا يجوز أن تستغل للإفساد.
قال: شكراً (هكذا باللغة العربية). في الحقيقة هنا كذلك جبهتنا واحدة، فنحن واقفون في جبهة واحدة، لأنه لا شك يوجد عندنا أيضاً إرهابيون مسيحيون كذلك، ويوجد ارتباك وسببه بدرجة كبيرة اللغة.
قلب الحقائق:
وقال: إنه يوجد كتاب ألفه شخص في عام 1930م يصف فيه ما سيحصل في عام 1984م يعني يصف الحياة بعد خمسين سنة من تأليفه، يصف أن الحياة ستكون في سنة 1984م في إرهاب مذهل، وأن الطبقة المسيطرة تبقى بيدها زمام الأمور، وتحاول دائماً تقليب الكلمات، مثلاً: وزارة الدعاية والإعلام يسمونها وزارة الحقائق، وإذا صدر مرسوم باضطهاد الناس واستعبادهم يقلبون العبودية فيقولون حرية، وإذا صدر مرسوم يقتضي الغباء والبلادة يصفونه بأنه لإحلال القوة.
وهذا ينطلق من جوهر يسمى: فن ازدواج الكلام [يقصد تحريفه] في جميع المجالات وهذا الأمر يلعب دوراً حتى في بلدان الشرق الأوسط. فمثلاً: بيع المخدرات الذي يجعل متعاطيها عبداً يقولون عنه: إنه حرية، وضع القنابل في مقاهي بها نساء وأطفال يقولون هذه شجاعة، والانحطاط والفساد والانزلاق إلى الهاوية، هذا يقولون: حرية. وهذا مجال يجب أن نعمل فيه سوياً لاتقاء شره.
لا أريد أن أبتعد عن مناقشتنا حول اليهود، ولكن المعركة الرئيسية والهدف الكبير هو القدس الكبيرة هو العالم كله وهذا لازم يكون منطلقنا كلنا.
والآن المنطلق الرئيسي ما يكون هذا مسلم وهذا يهودي وهذا مسيحي، لأننا في هذه الحالة 90% من إمكاناتنا ستذهب هباء وسنختلف على أشياء ثانوية جداً، وأنا أشبه ذلك بسفينة تكاد تغرق، ونحن نتعارك على أي قطعة موسيقية نعزف، هذا يقول: اعزف القطعة الفلانية، والآخر يقول: أعزف القطعة الفلانية والسفينة تغرق.
وهذا المجال الرئيسي، فقد وصفت بحق هذا المنطلق الرئيسي للإسلام فإذا تركنا السياسات الجزئية، فإن الأكثر من اليهود والنصارى سيقفون بجانبك (؟!!!) دخلنا في فلسفة معقدة وأشكرك على زيارتك، هذه زيارة صديق.
(ثم تحدث عن مدينة ميونخ وقال) إنها سميت بذلك لأنها بلد الرهبان وأن ذلك يدل على أن جذور النصرانية فيها عميقة جداً.
وسياستنا هنا تنطلق بدرجة كبيرة جداً من احترام الأديان، وبصورة خاصة الدين الإسلامي، ونحن معجبون بنظام المؤمنين ـ يعني المسلمين ـ ونرى أنهم يسبقوننا في كثير من المجالات.
الإيجابيات والسلبيات التي يراها في المسلمين:
ثم سألته: عن الوقت الذي سمع فيه عن الإسلام من عمره؟
قال: كان عمري سبع سنوات.
قلت: أمن مصادر تمدحه أم تذمه؟
قال: سمعت أشياء إيجابية، وبعضها بين بين، وقسم قليل سلبي.
قلت: والآن؟
قال: بالنسبة لي أرى ثلاثة أشياء سيئة جداً:
1 ـ طريقة الإرهاب بين العرب واليهود، ليست قضية القتال، ولكن أريد رمي القنابل على حدائق الأطفال وشبهها.
2 ـ طريقة معاملة العرب والمسلمين بعضهم مع بعض في لبنان، مثل مخيمات صبرا وشاتيلا، بحيث يمنعون حتى المواد الغذائية.
3 ـ نتائج طريقة الخميني، ولا أنسى أن هذه الثلاث موجودة عند المسيحيين، وهي فضائح.
وأقول أشياء إيجابية:
كان عندي تحفظات حول نشاط الدعوة الإسلامية في بلادنا، خشية المنافسة بين مسيحيين ومسلمين [ثم شرح وأشار إلى الأخ أحمد خليفة] وقال: الدكتور أحمد خليفة يريد أن يجعلنا مسلمين ولكن لما تعرفت على الإخوان هنا ـ يعني المسلمين، صرت ألمس أهمية هذا العمل.
أنا يعجبني جدا التأدب والتضامن الموجود بين المسلمين، وكذلك يعجبني الاهتمام والتركيز على النشاطات الاجتماعية مثل المدرسة.
قلت له: عندي تنبيه: كل التصرفات التي ذكرتَ أنها سيئة كلامك صحيح فيها، ولكن هذه التصرفات خارجة عن المنهج الإسلامي.
قال: نحن ننظر إلى العمل السيئ الآن، بغض النظر عن الهوية التي تكتب على الورقة والانطباع الرئيسي للعرب، في بلادنا توجد كتب يقرأها الأطفال يجدون فيها ما يجعلهم يحترمون العرب.
ثم ذكر ما رآه من كرم العرب وأخلاقهم، وأن كثيراً من الألمان يعرفون ذلك بسبب زياراتهم للبلدان العربية، ثم قال: الله أكبر!
قلت: ما المساعدات التي يمكن أن تقدمها ألمانيا للمسلمين في نشر دعوتهم بين أبنائهم والمحافظة عليهم؟
قال: أنا إذا تكلمت من منطلق أني حقوقي أي متخصص في الحقوق [يلمح بأنه يتحدث من هذا المنطلق، وليس من منطلق وظيفته الأمنية] فالإسلام ينبغي الاعتراف به، بحيث تكون عندنا جمعية مسجلة ولكن عندنا بيروقراطية (يعني روتيناً) والمفروض أن تجتمع مع بعض وتختار لها رئيساً، يعني أن المسلمين يجب أن يجتمعوا على رئيس واحد ويعترف بهم رسمياً، ولكن الروتين يؤخر ذلك.
وانتهى الاجتماع في الساعة السابعة والدقيقة العشرين.
وقد كانت هناك نقاط تحتاج إلى مزيد من المناقشة، ولكن وقت الرجل كان ضيقاً لأن عنده موعداً آخر، فما أحببت أن أثقل عليه، ولعل ما ذكرته أولاً عن اليهود وعن الإسلام يكفي.
مع مدير المدرسة الإسلامية الألمانية:
الخميس: 13/11/1407هـ
في صباح هذا اليوم كنت على موعد لزيارة المدرسة، وقد التقيت مديرها الأخ الدكتور عبد الستار حسنين، وهو من محافظة المنيا في مصر من قرية دروة، التي كان للشيخ عبد الله إلياس صلة بها في الثلاثينات والأربعينات.
ولد الدكتور عبد الستار في ديسمبر سنة 1933م.
حصل على الشهادة العالية من الأزهر سنة 1961.
وعمل في وزارة التعليم سنة 61 ـ 1962م.
وعين مدرساً في المعاهد الدينية الأزهرية سنة 1962م.
وفي نفس السنة ابتعث إلى ألمانيا للحصول على الدكتوراه، وقد حصل عليها من جامعة كيل سنة 1970م، في الفلسفة والدراسات اللغوية والاجتماعية.
قام بالتدريس في جامعة كيل ـ وهي في شمال ألمانيا إلى سنة 1976م.
وعمل في متحف علم الشعوب والأجناس، القسم العربي في مدينة هامبورج من سنة 77 ـ 1981م.
وكان على صلة بمعهد الشرق الألماني بهامبورج، فيما يتعلق بالسياسة والثقافة والشؤون الدينية في الشرق العربي والإسلامي، وكان مسؤولاً في هذا المعهد عن الفتاوى والتقارير للشرق العربي والإسلامي، إلى أن انتقل إلى ميونخ، مديراً للمدرسة الإسلامية الألمانية في 15 سبتمبر سنة 1986م له 25 سنة في ألمانيا.
كان له نشاط في مجال الدعوة في شمال ألمانيا في مسجد الروضة بين المسلمين، وعمل في معرض الرياض بين الأمس واليوم سنة 1985م، حيث خصص له مكان يقوم فيه بالرد على استفسارات الألمان فيما يتعلق بالأمور الإسلامية، وكان لا يقل عدد المستفسرين في اليوم عن عشرة آلاف شخص، وكان يرد على الشبه التي يثيرها المستشرقون، وأفاد في ذلك كثيراً لصلته بالأساتذة المستشرقين، فقد كان المشرف على بحثه مستشرقاً.
والألمان يناقشون بتعقل، ولكن عندهم أحكاماً مسبقة على الإسلام، قرءوها من كتب المستشرقين، وهي أحكام جائرة ولم يكن لهم احتكاك مباشر بالمسلمين، ولكنهم عندما يحتكون بالمسلمين يصغون لما عندهم ويناقشون، وقد يسمعون أشياء جديدة غير تلك الأحكام، ومشاهداتهم لحوادث معينة من تصرفات المسلمين فيها شيء من المروءة تؤثر فيهم.
وفي السنوات الأخيرة اهتم الأوروبيون، ومنهم الألمان بالشرق الإسلامي، لأسباب سياسية واقتصادية واجتماعية، كمشكلة الشرق الأوسط وشؤون البترول وقيام ثورة إيران.
معلومات ميدانية عن المدرسة:
قلت للأخ عبد الستار: إني قد أخذت المعلومات العامة عن المدرسة من الأخ رئيس المركز، وأريد الآن بعض المعلومات الميدانية، وكان خلاصة أجوبته على أسئلتي كما يلي:
المدرسة تأخذ رسوماً من أولياء أمور الطلبة من أجل النقل، والجماعة هي التي تقوم بتغطية مصاريف المدرسة، وأغلب التلاميذ، أبناء وبنات طبقة عاملة، وليست متوسطة.
وفي ألمانيا أكثر من مليوني عاطل عن العمل، وكثير من أولياء أمور تلاميذ المدرسة من هذا النوع.
والكتب العربية المنهجية ـ وفي طليعتها الكتب الدينية ـ مأخوذة من مصر والسعودية والكويت والإمارات وقطر، والمنهج الألماني يدرسه الألمان من الكتب الألمانية، ما عدا الجغرافيا والتاريخ فهي مأخوذة من الكتب العربية والألمانية بعد التهذيب.
وغير المسلمين من المدرسين يدرسون العلوم والرياضيات، وتوجد مُدَرِّسة ألمانية مسلمة لها سنة في هذه المدرسة، ويوجد نشاط غير منهجي للنزهة ولزيارة المتاحف مع المدرسين، والاحتفال بالمناسبات الإسلامية، كالأعياد، وتقام حفلات في المدرسة، يدعى إليها الآباء لتوثيق الصلة بينهم وبين المدرسين ومسئولي الإدارة والإشراف في المدرسة.
وغالب الطلبة والطالبات من أبناء العرب، لأن الترخيص كان لأولاد العرب والمسلمين، ويوجد قليل من اليوغسلاف والباكستانيين بصفة استثنائية.
ولو وجدت إمكانات لقبل عدد كبير من أولاد المسلمين الذين يرغبون في دخول أولادهم في المدرسة، وهم بعيدون عن المدرسة ويحتاجون إلى قسم داخلي ومشرفين.
والعدد الإجمالي الآن للطلبة في المدرسة ثمانون، وسيكون عددهم في السنة القادمة مائة تقريباً.
وعدد أطفال الروضة خمسون، وتوجد قائمة انتظار، لأكثر من هذا العدد.
وقمنا بزيارة للطلبة في فصولهم.
ما حكم من لم تقم عليه الحجة بالبلاغ المبين؟
ثم ذهبت إلى المركز الإسلامي فوجدت رسالة من الأخ يحيى بن صالح باسلامة، بعث بها من مدينة جنيف إلى عنوان المركز لأنه على علم بوجودي فيه هذه الأيام وتاريخ الرسالة في 10/11/1407هـ وهذا نصها: [أثبتها هنا لأن لها علاقة بمناقشاتي المتعلقة بالدعوة وقيام الحجة على المسلمين في الغرب بأنهم يقوموا بواجب التبليغ الذي كلفهم الله إياه].
"وأود يا أخي أن أقول لك ما خطر ببالي حول سؤالك: ما حكم من لم تقم عليه حجة البلاغ؟ أقول: ما خطر ببالي وليس جواب السؤال.
كنت أقرأ في سورة غافر، فلما وصلت إلى قوله تعالى: {أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الأَرْضِ فَأَخَذَهُمْ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (21) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمْ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ} خطر ببالي بأن الله تعالى اعتبر معاندة الذين أتاهم النذير بالبينات كفراً، ولا أذكر أنني قد قرأت شيئاً في كتاب الله أو بلغني شيء من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يعتبر من لم يأته النذير بالبينات كافراً، ويبدو أن الكفر المعني هنا هو الكفر المستحق لشدة العقاب من الله القوي وليس مجرد الكفر بالمعاني الأقل غلظاً من ذلك، فالحجة إنما تقوم على من أتاه النذير بالبينات.
وخطر لي أيضاً أن من الصعب اليوم أن نقرر أن "مستر: ب" أو"مسز ك" في بريطانيا أو فرنسا أو إيطاليا أو ألمانيا أو الدنمارك، قد قامت عليه الحجة أم لا، ولكني أعلم جيداً أن أكثر القاطنين في هذه الأقطار لم تأتهم البينات عما نزل من الحق، بل إن ما بلغهم عن الإسلام أكثره تشويه للحقائق وإفك مفترى والله أعلم".
أخوك يحيى بن صالح باسلامة
جنيف في العاشر من ذي القعدة 1407هـ
زيارة الدكتور الألماني الصوفي الذي يكنى أبا الحسن:
زرنا (Dr. ABDULHASAN BUTOLLO). في منزله بعد صلاة العصر(22).

سألته: ما أول وقت في حياتك سمعت فيه شيئاً عن الإسلام؟
قال: عندما كان عمري 36 سنة، وقبل ذلك الذي عرفته عنه قليلاً جداً.
وكان نصرانياً، ولكنه انفصل عن الكنيسة وعمره 24 سنة، والأمور التي كان يعرفها عن الإسلام كانت سيئة جداً تشوه الإسلام، مثل: أنه دين عنف وليس دين سماحة، وأنه يدوس كرامة الإنسان، وأنه دين رجعي، وكان ذلك ما بين 35 ـ 36.
قلت له: لماذا انفصلت عن الكنيسة؟.
فقال: لأنني حاولت أن أحصل على اطمئنان نفسي ويقين قلبي في الكاثوليكية، فلم أجد.
وقال: إنه في أثناء طفولته كان يلتمس إيماناً بالغيب مقبولاً، فلم يجده، ووصل إلى مرحلة أنه لم يكن يؤمن بوجود الله.
قلت له: ما المصادر التي تلقيت معلوماتك منها عن الإسلام عندما فهمته فهماً سيئاً؟
قال: أجهزة الإعلام (راديو وتلفزيون وصحف). وعندما بدأ يعرف عن الإسلام معرفة طيبة كان دائماً في رحلة للبحث عن الإيمان، ولم يكن يلتمس ديانة جديدة، بل يلتمس إيماناً صحيحاً كيفما كان.
وأول ما عرف معرفة جيدة عن الإسلام، عرفه عن طريق الشيخ صلاح الدين عيد المصري في برلين، وهو شيخ طريقة صوفية، قال: كنت معه عدة مرات وزارني في ميونخ، وبقيت سنة كاملة، أصلي وأسبح الله، وبعد سنة زرت مصر، وهناك نطقت بالشهادتين قال وطريقتنا هي الطريقة الدسوقية. [هكذا وجدت كثيراً من الألمان المسلمين يذكرون أن هذا الرجل كان يدعوهم إلى حلقات الذكر دون أن يطلب منهم الدخول في الإسلام ومنهم من يسلم ومنهم من يبقى دون إسلام ولا زالوا هم يتبعون نفس الطريقة مع غير المسلمين].
قلت له: ما الذي أعجبك في الإسلام وجعلك تدخل فيه؟
قال: أسلوب الشيخ صلاح عيد وطريقة حديثه، وكلامه عن الشريعة والسنة رقق قلبي. [بهذه المناسبة لا بد أن أذكر ثلاثة أمور مهمة: الأمر الأول: أن الأوروبيين أقلقهم الجو المادي، وكثير منهم يلتمسون ديناً أو طريقة ترقق قلوبهم مهما كانت. الأمر الثاني: أن أصحاب الطرق الصوفية يهتمون بهذا الترقيق على حسب طرائقهم، وبلغ بهم الأمر أن يقبلوا غير المسلم في حلقات ذكرهم مع بقائه على كفره، ورأوا إقبالاً عليهم أكثر لأن الأوروبي يدعو صديقه إلى مشاركته لعلمه أنه في حاجة إلى الطريقة وعنده استعداد للاستجابة ولهذا تجد المسلمين الصوفيين الأوروبيين أكثر من غيرهم. الأمر الثالث: أن الذي يتصل بأهل السنة من مسلمي أوروبا لا يهتمون بتربيته الإيمانية ولا يشبعون رغبته بتعليمه الأذكار النبوية الصحيحة مطلقة أو مقيدة وقد يهتمون بتلقينه بعض الأفكار الاقتصادية والسياسية أو الاجتماعية أكثر من الأذكار وبعضهم يملأ دماغه بالخلافات في الفقه أو يذكر له الجماعات المختلفة المعاصرة كالسلفية وجماعة التبليغ وجماعة الأخوان المسلمين ويأخذ يحكي له عن المفاضلة بين هذه الجماعات ويحثه على البعد عن تلك الجماعة والدخول في هذه الجماعة، فيشعر المسلم بحيرة ويظن أنه يوجد في الإسلام عدة مصاحف قرآنية مختلفة كالأناجيل وهنا يتخذ أحد المواقف ثلاثة: الأول: الانزواء على نفسه ويبقى مضطرباً لا يدري ماذا يفعل ويبقى على ما عنده من الإسلام صح أو لا. والثاني: أن يرتد ويعود إلى أصدقائه السابقين. والثالث: أن يذهب إلى الطرق الصوفية ويندمج مع أهلها راقصاً متمايلاً ذاكراً كما يقال له، فليعِ ذلك دعاة الحق في الغرب].
وسألته عن شعوره القلبي وتصرفاته بعد الإسلام؟
فقال: أنا مرتاح جداً، لأني أصبحت عضواً في جماعة المسلمين، ولكني لست مرتاحاً لما وصل إليه المسلمون من مستوى غير طيب في بعض الدول الإسلامية، وحظنا الطيب أن هذا الدين الطيب جاءنا عن طريق الرسول صلى الله عليه وسلم، والعالم الإسلامي حالياً لا توجد فيه تربية سليمة للأولاد.
وبمجرد ما يقع ضغط من بعض الحكومات المعادية للدين في بعض الشعوب الإسلامية، فإن الشعوب الإسلامية تستسلم، وهذا دليل عن عدم ثبات الإسلام في نفوسهم، وهذا يسوؤنا جداً.
وحظنا الطيب أننا هنا في ألمانيا، عندنا حرية ونتعلم الإسلام بتدرج دون مراقبة من الحكومة.
وسألته عن أهم الموضوعات الإسلامية التي يمكن أن تؤثر في عقلية الأوروبي؟
فقال: أحسن موضوع شرح حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، لدى الشعب الألماني، وحياة أسرته، وحياة الخلفاء الراشدين.
وسألته عن الوسائل النافعة في الدعوة هنا؟
فقال: أحسن الوسائل حلقات الذكر، ونشر أفلام عن حياة المسلمين السليمة، فقد جاء إبراهيم محمد عثمان، وله طريقة صوفية هي الطريقة البرهانية، وجاء نحو خمسمائة ألماني يريدون أن يروا هذا الرجل وليسوا مسلمين، ولو وجدوا فلماً صحيحاً عن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم لانتفعوا به كثيراً.
وقال: إن في كل جامعة ألمانية يوجد اثنان أو ثلاثة أو أكثر دخلوا في الإسلام وهم من حملة الدكتوراه.
وبعضهم مسلمون لم يظهروا إسلامهم، خشية على وظائفهم ورتبهم الاجتماعية.
وقال: وأنا بصفتي دكتوراً أدرِّس علم النفس في الجامعة، فأنا مستعد أن أتعاون مع الجامعة الإسلامية في موضوع يختار للأطفال، كيف يكون الداعية في أوروبا.
والوسائل المناسبة لنشر الدعوة هي: الكتب والأفلام، والوعظ والمحاضرات، والمشكلة هي قلة المال الذي تنفذ به المشروعات.
والشعب الألماني مثقف، ويريد أن يزور المساجد والكنائس، وكل مكان يحب الاطلاع عليه، وأحسن طريقة لنشر الإسلام أن يكون لكل مسجد شخص مهمته استقبال الشعب الألماني ببشاشة وحسن خلق وعلم، حتى يؤثر في الناس.
وسألته هل أسلم على يديك أحد؟
فقال: إنه أسلم على يديه (35 شخصاً) من ميونخ وضواحيها، ويوجد في ألمانيا كلها (350 شخصاً) على طريقته.
وقد دعانا لحضور زاويتهم التي يقيمونها في هذه الليلة من كل أسبوع.
وكنت أريد أن أتحدث معه في الطرق الصوفية ووجوب التزام سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكنه اعتذر، لأن عنده موعداً الآن في الزاوية ولا يستطيع التأخر.
ودام اللقاء ساعة ونصف الساعة تقريباً.
حوار مع المسلم الألماني: هادف محمد خليفة:
قابلته في المركز الإسلامي بعد صلاة المغرب، واسمه القديم (NARL WERTH).
ولد سنة 1931م، وهو قائد سيارة.
وقال: إن اسمي الإسلامي هو اسم إنسان مسلم تعرفت عليه، وعن طريقه أسلمت فتسميت باسمه، ومعي مسلمان آخران كانا من أصدقائي.
متى سمعت عن الإسلام؟
قال: سمعت عن الإسلام قبل تسع سنوات، ولكن الذي سمعته كان قليلاً، بعد ذلك بسنة ـ يعني قبل ثمان سنوات ـ التقيت هؤلاء المسلمين [يعني الذين في المركز الإسلامي] وقالوا لي: أنت جيد وكأنك مسلم فأسلمت.
وكان المسلمون يقولون له: إن الإسلام طيب، وأما غير المسلمين فكانوا يقولون له: أنت مجنون، بسبب سؤاله عن الإسلام.
وأسلم منذ خمس سنوات ونصف، وهو يطبق الحياة الإسلامية، قرأ القرآن ـ يعني ترجمة معانيه ـ مرتين، ولكنه لم يفهم أشياء كثيرة منه.
وقلت له: ما الفرق بين حياتك الآن وحياتك قبل الإسلام؟
فقال: عرفت الآن أنه يوجد إله معبود، بدون أن يحتاج إلى من يثبت له ذلك، وهو مقتنع ويحس بذلك، وأن أي صعاب تعترضه يعرف أنها من الله ويصبر عليها، ولذلك فهو سعيد، ولم يسبق له أن ذهب إلى الكنيسة قبل الإسلام.
قلت: لماذا لم تذهب إلى الكنيسة؟
قال: إنه عندما كان صغيرا عمدوه في الكنيسة، ولكن تصرفات الرهبان لم تعجبه، وطريقتهم كانت مهينة، وكان الناس لا يعبدون إلا عن طريق الراهب، ويعتقدون أن الله ثلاثة، بخلاف الإسلام فإن المسلم يعبد الله مباشرة والله واحد، ولهذا لم أكن أصدق ما يقوله الراهب.
وقال: وأنا الآن لا شك عندي في إيماني وأتمنى أن يكون أولادي كلهم مسلمين، وقد اشترى لهم كتباً مترجمة جيدة وسهلة، ليقرؤها، عن الإسلام، وقد شرح لهم أن حياته تغيرت وأصبح إنسانا آخر، وعنده ستة أولاد. وبنته الكبرى وصديقتها ترغبان في معرفة الإسلام، وهي سعيدة بإسلامه وتصرفاته. وأصدقاؤه نفروا منه أولاً، والآن رجعوا إلى صداقته وهو سعيد بذلك. وقال: إنني أطبخ لنفسي، حتى لا يختلط طعامي بطعام أسرتي الحرام، ويأكل مع أطفاله دون زوجه، ويطبخ للأطفال من اللحم الحلال. توجد مشكلات بينه وبين زوجه، وتزداد في بعض الأوقات، حتى تكاد تصل إلى الطلاق، لأن زوجه ترفض معيشته التي يسير عليها.
وقال: إني أتمنى أن يقتنع الناس بالإسلام ونقاوته. وقال: إني كنت قبل الإسلام مريضاً وقال لي الطبيب وأنا في المستشفى ـ لعدة أشهر ـ : إنه لا دواء لمرضه. قال: وأنا كنت أعرف أن الله قادر على كل شئ، وما قضاه خير وبعد الإسلام شفاني الله.
خلافات المسلمين تلاحق الموتى!
حصل حادث سيارة قتل بسببه شاب مسلم ألماني صوفي، يسمى عثمان وبعد الإجراءات اللازمة المتعلقة بالمرور والمستشفى والتجهيز، أحضر إلى المركز ليصلى عليه، وكان المقرر أن يصلي عليه رئيس المركز أحمد خليفة، لأنه هو الذي يتولى رسمياً كل الإجراءات اللازمة لتجهيز الميت.
ولكن الألمان والأتراك، وهم صوفية، قدموا تركياً يؤم الناس في الصلاة عليه، لأنهم لا يريدون إماماً غير صوفي يؤم الناس، وعندهم بدع يعملونها قبل الصلاة وبعدها: فقبل الصلاة تَحدث عن الميت ومآثره باختصار، وبعد الصلاة أخرج أوراقاً فصل فيها ذكر محاسن الميت، وأخذ يقرأها صفحة تلو الأخرى، والناس واقفون ثم أخذ يدعو وهم يؤمنون.
جهل المسلمين يشوه سمعة الإسلام في الغرب:
الجمعة: 14/11/1407 هـ.
اتصل بي الأخ عبد الحليم خفاجي بالهاتف، في الساعة الحادية عشرة صباحاً، وساق لي قصة حدثت في المقبرة أمس أساءت سمعة المسلمين، وساق القصة كما يلي:
عندما وصلت السيارة بالجنازة إلى باب المقبرة، أراد موظفو المقبرة أن يضعوا الجنازة على العربة الصغيرة الخاصة بنقل الميت من باب المقبرة إلى مكان دفنه، وهي تدفع دفعاً، فعارض إخوان الميت ذلك وقالوا لا يمكن وضعه على العربة وإنما نحن نحمله على أكتافنا، لأن ذلك هو السنة، فرفض الموظفون وقالوا: النظام عندنا لا يسمح بذلك، وأصر أهل الميت المسلمون على أخذه على الأكتاف، وبعد نقاش طويل قال لهم الموظفون: لا بأس أن تدفعوا العربة والميت عليها ونحن بجواركم إلى أن تصل إلى القبر، فحلت المشكلة الأولى.
وعند القبر جاءت مشكلة أخرى، وهي أن النظام يقتضي دفن الميت وهو في تابوته مغطى، فأصر إخوان الميت على إخراجه من التابوت ودفنه في القبر حسب المتبع في البلدان الإسلامية، فرفض الموظفون ذلك رفضاً باتاً، وأصر إخوان الميت على موقفهم، ومرت فترة طويلة وهم في نزاع والناس واقفون، وكثير من أهل الميت غير مسلمين، وقد حضر أبواه من أمريكا، وكثير من أصدقائه غير المسلمين، وكانوا يتعجبون من هذا المنظر الذي لم يألفوه.
وحاول رئيس المركز الدكتور أحمد خليفة أن يوجد حلاً وسطاً، وهو أن ينزل في التابوت مغطى، ثم يرفع الغطاء ويهال عليه التراب بدون غطاء، فرفض ذلك إخوان الميت، وأخذوا يشتمون أحمد خليفة واتهموه بأنه في صف غير المسلمين، ثم رفع الأمر مرة أخرى إلى المسؤولين فقرروا أنه لا يمكن إخراج الميت من التابوت، طبقاً لنظام الدولة، ولا يجوز أن يرى الأطفال الميت، ثم قالوا: إن كان ولا بد فيسمح برفع الغطاء ووضع تراب على الميت ثم إعادة الغطاء ويدفن في التابوت مغطى، فاضطر إخوانه أن يوافقوا على ذلك، بعد أن تفرق بعض الناس لطول الوقت وحاجتهم إلى مباشرة أعمالهم، وكانوا مستائين من ذلك المنظر الذي بقي فيه الميت خارج القبر تلك المدة كلها.
وقال لهم بعض المسؤولين: إذا كنتم تريدون دفن موتاكم في التراب، فاشتروا لكم أرضاً خاصة، بكم واطلبوا إذناً من الجهات المختصة بالدفن فيها على طريقتكم، بشرط أن لا يحضرها أطفالنا، وأما أطفالكم فافعلوا معهم ما تريدون.
قلت: إن المحافظة على السنن والآداب الإسلامية، أمر مطلوب من المسلم في كل مكان، وذلك دليل على صحة إيمان المسلم وقوته وحرصه على عمل ما يرضي به ربه، ولكن المسلم لا يستطيع أن يحافظ على كثير من أمور دينه في بلاد الكفر التي لها أنظمتها وقوانينها وعاداتها التي لا يمكن أن تفرط فيها ولا تأذن بمخالفتها.
والمسلم الذي يترك بلده ويبقى في ديار الكفر أو هو أصلاً من بلاد الكفر ولا يستطيع أن يهاجر إلى بلد إسلامي، فعليه أن يحاول تطبيق دينه وآدابه وسننه قدر استطاعته، وأما ما لا يقدر عليه فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
وعليه أن يحاول مع الحكومة التي يعيش في بلادها، أن تعطيه فرصة قانونية ليطبق شعائر دينه وسننه وآدابه، فإن أذنت فليطبق وإلا فليلجأ إلى الله أن ييسر له الهجرة إلى بلاد المسلمين، ليطبق أيضاً ما يمكنه فيها.
ومحاولات أخذ الإذن من الدولة غير المسلمة، ينبغي أن تبدأ مبكرة، حتى إذا طرأ مثل هذا الأمر يكون المسلمون على بصيرة من أمرهم، أيمكنهم تطبيق ما يريدون أم لا؟
أما أن تعتسف الأمور اعتسافاً ويجبر موظف الدولة على أن يخالف القانون والنظام الذي سارت عليه الدولة مئات السنين، فهذا من الحمق الذي لا ينبغي أن يحصل من المسلم، وبخاصة مع ما صاحبه من منظر سيئ، وهو تأخير دفن الميت حتى تنتهي المفاوضات مع المسؤولين بالهاتف من المقبرة، وأقرباء الميت وأصدقاؤه غير المسلمين ينظرون إلى هذا التصرف الذي اضطر فيه بعض المشيعين إلى ترك الميت وأهله والذهاب إلى أعمالهم.
كما أن المسؤولين في الدولة يشعرون بالحرج، حيث يطلب منهم أن يأذنوا بمخالفة القانون الذي لا يمكن مخالفته إلا بقانون جديد من المجالس واللجان القانونية المختصة.
هذا مع أن كثيراً من المسلمين يخالفون كثيراً من أحكام دينهم اختياراً، وهي أهم من دفن الميت في تابوت أو في تراب، والذي يسكن في بلاد الكفر اختياراً أو اضطراراً، عليه أن يتحمل ما يجري عليه في تلك البلدان من قوانين وأنظمة.
هذا وقد ذكرتني هذه الحادثة بموقف لبعض المسلمين يخالفها تماماً.
فقد كنا هناك قبل أربع سنوات في أستراليا، وكان بعض المسلمين قد حاولوا مع الحكومة الأسترالية أن تأذن لهم بدفن موتاهم بدون تابوت، فوافقت بعد إلحاح طويل، وبعد الموافقة انقسم المسلمون قسمين، بعضهم كان يدفن الموتى بدون تابوت، وبعضهم، وهم من يوغسلافيا في مدينة شبرتون خارج مدينة مالبورن، كانوا يرون أن الدفن بدون تابوت رجعية لا ينبغي فعلها! وحضرنا أنا والشيخ عمر فلاتة ذلك الحوار.
إن المسلمين في حاجة إلى فقهاء في الدين ملتزمين بالسنة، حكماء في الدعوة يبصرونهم بما ينفعهم في دينهم ودنياهم، ويحولون بينهم وبين التهور الذي يضر أكثر مما ينفع، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
محاضرة في مسجد التوحيد قبل صلاة الجمعة:
كنت على موعد مع الأخ يعقوب اليوغسلافي، أن ألقي محاضرة قبل صلاة الجمعة بدلاً من الدرس الذي يلقيه هو، وأن أخطب لصلاة الجمعة أيضاً فجاءني الأخ أبو بلال ـ عبد الناصر ـ يرافقني إلى مسجد التوحيد.
وفي الطريق قال الأخ أبو بلال: إن الألمان يتصفون بثلاثة أمور ممتازة جداً:
الأمر الأول: الاستمرار في العمل ومواصلته وعدم انقطاعه، فأي مشروع يبدءون به ينفذونه حسب مراحله المقررة.
الأمر الثاني: الحفاظ على النظام والقوة في تنفيذه وعدم التفريط فيه.
الأمر الثالث: الاعتزاز بأنفسهم.
قلت: من المؤسف أن يتمسك بهذه الأمور الثلاثة قوم ليسوا على دين إلهي صحيح، ويدعها أهل الدين الحق: المسلمون، فقد جاء في الحديث: (إن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل). وهذا يدل على حب الله للعمل المتواصل القليل وهو أفضل من العمل المنقطع وإن كثر، والحياة في حاجة إلى الاستمرار .
والإسلام كله نظام في صلاته وصيامه وحجه وجهاده وغير ذلك.
والمسلم مأمور بأن يكون عزيزاً بربه وبدينه، وهي العزة التي لا يذل صاحبها: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ } [المنافقون، آية:8] وفي الحديث: (أنه لا يعز من عاديت ولا يذل من واليت).
المحاضرة وخطبة الجمعة:
ألقيت محاضرة قبل صلاة الجمعة استغرقت ساعة إلا ربعاً، وكانت تتعلق بذكر الموت والبرزخ، وقيام الساعة وأهوال المحشر، والجنة والنار، والصراط ووزن الأعمال، وأثر ذلك كله في حياة المسلم الصادق، وترجمها الأخ يعقوب باللغة اليوغسلافية ترجمة فورية لأن أغلب الحاضرين من اليوغسلاف.
أما خطبة الجمعة فكانت تتعلق بمحبة الله ومحبة رسوله ومقتضى ذلك واستغرقت أقل من عشرين دقيقة. وبعد الصلاة ألقى بعض الحاضرين أسئلة وأجيبوا عنها.
حوار مع المستشرق الألماني: كارل بينسوانجر:
كنت على موعد لمقابلة المستشرق الألماني: (Dr. KARLBINSWANGER)
في المركز الإسلامي في ميونخ وهو صحفي ومستشرق ـ يعني أنه درس العلوم الشرقية ـ ويُحَضِّر أخبار التلفزيون الأول والثاني، وراديو لكسمبورج ومعظم المجلات الحرة(23).

وهو متخصص في الدولة العثمانية وتاريخها، ووضع الأتراك في ألمانيا بالذات، ويجيد اللغة التركية ويقرأ خمس جرائد تركية عن وضع الأتراك في ألمانيا.
ويوجد برنامج في القناة الثانية من ألمانيا موضوعه: جيراننا في أوروبا، يتحدث عن العاملين في ألمانيا، من اليوغسلاف والأتراك، واليونانيين، والأسبان والبرتغال، والطليان، وهو يعمل عملاً حراً ثابتاً في هذه البرامج، وكل أسبوعين يكون فيه برنامج عن الأتراك باللغة التركية.
ويحضر برنامجاً شهرياً لمدة خمس دقائق بعنوان: ماذا تتحدث الصحافة التركية عن ألمانيا؟
ولد كارل في سنة 1947م.
سرد هذه المعلومات، ثم قال: أتشرف بلقائك يا دكتور!
قلت: وأنا يسرني هذا اللقاء معك.
ثم تحدث عن صلته ببعض المسلمين في داخل ألمانيا وخارجها وأطال في ذلك بما لا داعي لذكره، ويبدو أنه يقصد أن يطمئنني بذلك حتى أثق فيه.
وقد ترجم الحوار الأخ أبو بلال عبد الناصر الفلسطيني.
قلت: ما دينك وما مدى تمسكك به؟
فقال: هو كاثوليكي، وليس شاذاً جنسياً، ولكنه يعيش مع صديقته التي تدرس الاستشراق وتحضر الدكتوراه في الشؤون التركية، وبخاصة في جريدة سبيل الرشاد التركية. [الذي دينه النصرانية الكاثوليكية، يسأل عن مدى تمسكه بها فيجيب بما ينفي عنه ما يمكن أن يكون عيباً، وهو الشذوذ الجنسي عمل قوم لوط وبخاصة هذه الأيام التي يقال إن هذا العمل من أسباب انتشار مرض الإيدز لكن اتصال الرجل بالمرأة بطريقة غير طريقة الزواج لا تنفي أن يكون الكاثوليكي متمسكاً بدينه، وهذا ما فهمته من إجابة المستشرق كارل وعمره 40 سنة!].
قلت: متى كان سماعك عن الإسلام؟
قال: سمعت عن الإسلام في المدرسة في حدود السنة العاشرة من عمري في المرحلة الابتدائية، وأتذكر أنني قرأت كتاباً علمياً أظن أن اسمه ألف سنة من عمر البشرية، ووجد في الكتاب صورة للنبي صلى الله عليه وسلم في حال دخوله فاتحاً مكة المكرمة (؟!).
قلت: ومتى سمعت عن الإسلام بوعي؟
قال: الأولى أن يصاغ سؤالك هكذا: لماذا درست الاستشراق؟ ويمكن أن يكون الجواب على هذا السؤال مؤدياً إلى الإجابة عن سؤالك.
قلت: لا بأس المهم أن أصل إلى الجواب.
قال: حصلت مصادفات ارتبط بعضها ببعض، وساق قصة تسجيله في الجامعة، واختياره لقسم الاستشراق على رغم محاولة أستاذه صده عنه.
ذكر أن رجلاً يدعى كارل ماي كتب عن شعوب غير أوروبية، تكرهها الشعوب الأوروبية منهم العرب والهنود الحمر، والهنود، والصينيون فقرأ كتبه، قال: وإلى الآن ليس عندي معلومات وافيه عن الإسلام.
قلت له: ما المصادر التي استقيت منها معلوماتك عن الإسلام؟
قال: درست مادة الدولة العثمانية، والإسلام شريعة. ودرست اللغة العربية ـ كلاسيكية ـ يقصد اللغة الفصحى، يسمونها قديمة، واللغة العربية الحديثة، وتخصصت في مقارنة الأديان، وهجوم بعضها على بعض، ورد بعضها على بعض، ودرست حقوق الدولة والمجتمع والفرد في الإسلام.
قلت له: أريد أن تبين لي مصادرك التي استقيت منها في دراستك للإسلام، أي باب من أبوابه، هل درست كتب المستشرقين فقط، أو أخذتها من علماء المسلمين، أو مترجمة عن كتبهم؟
فقال: إني قرأت الكتب كمادة أدبية بحتة باللغات التالية:
الألمانية، والإنجليزية، والفرنسية، والإيطالية، والغريب الذي اكتشفته أن أوروبا، يعني حضارتها المادية ـ امتداد حضاري للشرق ـ يعني للإسلام، والغريب أن الشرق لم ينهض حضارياً إلى الآن في العلوم التي تطبقها أوروبا.
وقال إنه قرأ عن ابن بطوطة، وابن حزم وابن خلدون، والغزالي بأي لغة كانت تقع في يده.
قلت: إلى الآن لم تجب عن سؤالي، وهو: هل مصادرك كتب المستشرقين فقط أو مترجمة عن علماء المسلمين؟
قال: أخذ من الجهتين، وذكر أن ممن قرأ لهم أبا الأعلى المودودي، وقال إن الكتب التي درسها ترجمت بأمانة ودقة، ثم قال: ولا تسألني بأي لغة وكيف قرأتها!
ورسائل حسن البنا، وقصته في الدعوة وتاريخه، في عشر رسائل باللغة التركية.
قلت: من خلال قراءاتك عن الإسلام، هل اتضح لك أنه دين عالمي يجب على المسلمين وغير المسلمين أن يتبعوا هذا الدين؟
قال: كونه عالمياً نعم، ولا جدال في ذلك.
قلت: المقصود بكونه عالمياً أن الكتب التي سبقته قد حرفت وأصبحت غير صالحة، وأصبح القرآن الكريم والدين الإسلامي دين البشرية، فرض على كل واحد منهم أن يدخل في هذا الدين، هل فهمت هذا من قراءاتك؟
فغضب الرجل واحمر وجهه وتلون، والتفت إلي قائلاً باللغة العربية: {لكم دينكم ولي دين}.
قلت: السؤال فقط هو: هل عرفت هذا المعنى من خلال قراءاتك؟ فاستمر في غضبه وقال: لو كنت شخصياً أؤمن بأن القرآن كلام الله لكنت الآن مسلماً.
قلت: سؤالي هو: هل عرفت أن الإسلام جاء بهذا المعنى؟ ولم أسألك عما تعتقد.
فقال: نعم أنا فهمت هذا جيداً أنه جاء الإسلام بذلك.
قلت: الإسلام عقيدة وشريعة ونظام، وتربية اجتماعية، واقتصاد وسياسة، وأخلاق حسنة، ما الذي اطلعت عليه من هذه المعلومات وما الذي أعجبك أكثر منها؟
تنهد الرجل والتفت إلي مغضباً، مع ابتسامة صفراء، وقال: أرجو أن تفهمني بوضوح، لا تحرجني بأسئلة كثيرة، وقال: إنه ولد كاثوليكيا ودرس في روضة الأطفال وهي كاثوليكية، وتربى كاثوليكياً وعاش كاثوليكياً، ودرس الابتدائية، وكان حراً في ديانته، لم يدرس ديناً إجبارياً، لأن البلد علمانية، وكذلك المدرسة العليا الثانوية والجامعة، وكنت حراً في اختيار أي دين دون أن يفرض عليّ أحد رأياً أو ديناً.
ودرس الاستشراق مادة علمية بحتة، وكأي مادة أخرى ولم يدرس الدين عقدياً ليقتنع به أو لا يقتنع.
وقال: يجب أن تفهم أنني تربيت على فصل الدين عن الدولة، ويجب أن تعلم أنه منذ وجد إعلان حقوق الإنسان بأن الديمقراطية لها أساسان مهمان:
الأول: أن السلطات كلها بيد الشعب، ليس لأحد أن يفرض على الشعب شيئاً، وإنما الشعب هو الذي يقرر ما يريد.
الثاني: أنه لا يحق لأي إنسان أن يقتل إنساناً آخر ولو كان قاضياً، وبناء على هذا فأنا تعلمت فصل الدين عن الدولة، ويوجد في الإنجيل الوصايا العشر، ولكن هذه الوصايا أخلاقية، إن شئتُ اتبعتها وإن شئت تركتها، لا أحد يستطيع أن يفرض عليّ هذه الأشياء، لأنها شخصية، ولي كامل الحرية في الأخذ بها أو عدمه.
فكونك تكلمني بهذه الأشياء العقدية وغيرها، أنتم تعتبرون ذلك جزءً من الدين، وعندكم السلطة العليا هو الله، الله هو الذي يضع القانون، وهو الذي يضع الدستور، فهذه أنا شخصياً لا أقبلها تربينا أننا لا نقبلها.
قلت ـ أخاطب المترجم ـ: قل له: أنا ما قصدت إجباره على قبول هذه الأمور، وإنما هو مجرد سؤال، يجيب عليه بنعم أو لا، أعجبني هذا أو لم يعجبني، وأنا أكتب ما يقول نفياً أو إيجاباً، ونحن عندنا في الإسلام: {لا إكراه في الدين}.
قال: النقطة التي أنت تسأل عنها تفهمها، بمعنى يختلف عما أفهمه أنا، لأنك مسلم وأنا مسيحي، فالأخلاق الإسلامية تحتاج إلى تفسير... وهكذا.
ثم تدخل الدكتور عبد الفتاح شوقي ـ وكيل النقابة العامة للأطباء في مصر، وكان في زيارة لألمانيا ـ محاولاً أن يوضح له ما أريد باللغة الإنجليزية، ولكنه قال: إن ما يفهمه عن الإسلام يتعارض تماماً عن الديمقراطية، ثم قال: ـ من باب المجاملة ـ : أنا كما قال فيلسوف هندي أنا أختلف معك في الرأي، ولكن أضحي بعنقي في سبيل الدفاع عن رأيك، وعلى الرغم من أنه يوجد تناقض بين الإسلام ـ أو قال الشريعة ـ وما نرى لكن نحن نحترم المسلمين.
قلت: هذا السؤال نتركه، يبدو أنه لا يريد الإجابة عنه.
سؤال آخر: لو أتيحت له فرصة ليعرف الإسلام، هل يحب أن يعرف الإسلام ، وعن أي طريق يريد أن يعرف، عن طريق كتاب مترجم، أو محاضرة أو عن طريق رجل من علماء المسلمين؟
قال: يصعب أن أجيب بوضوح عن هذا، ولكن رأيي الشخصي أن يدرس الإنسان الإسلام دراسة علمية بحتة برأي حر، ثم يتصل بالمسلمين ليس في أوروبا، بل في بلاد الشرق، حيث الغالبية العظمى مسلمون. وقال: إنه قرأ ترجمة لمعاني القرآن عن طريق القاديانية، وقرأ ترجمته عن آخرين، ومع ذلك تبقى الصفة الغالبة في بلاد الإسلام، تركيا حاولت الابتعاد عن الإسلام، ولكن تبقى صفتها الإسلام، وقد درس ثماني سنوات ونصفاً ويجب أن يقرأ الإنسان كثيراً، ويفضل أن يدرس ذلك في موطن الشيء الذي يريد أن يتعلمه. [كان من أهم أهدافي في الأسئلة التي أوجهها إلى المستشرقين أن أشعرهم بأنه من الظلم التحدث عن الشيء من غير مصدره الأصيل].
قلت له: هل يوجد في أقسام الأديان في الجامعات الأوروبية مسلمون يُدَرِّسون الدين الإسلامي كما يفهمه المسلمون، أو أن المقارنات كلها تحصل من قبل غير المسلمين؟
قال: لا يعلم بالضبط عن كل الجامعات، ولكن كثيراً من الذين يقال: إنهم تخصصوا في شؤون الإسلام، تخصصهم سطحي والذي يأخذ الإسلام يأخذه من وجهة نظر معينة. وصرح بأنه يؤيد البهائية والقاديانية!
قلت له: هل يعلم أن الفرقة الأحمدية فرقة غير مسلمة عند المسلمين؟
فقال: نعم.
سؤال: يقال إن في الغرب حرية، فهل تخول هذه الحرية المسلمين أن يمتلكوا وسائل الإعلام، كالإذاعة والتلفاز والصحافة، لينشروا دينهم لأبنائهم في أوروبا ويحافظوا عليهم؟
قال: الأصل في القانون أن كل إنسان له الحق أن يبدي رأيه بالكلمة الحرة، في الإذاعة والصحافة، وبالصورة كاللوحات والتلفزيون، وهذا سؤال قانوني، لا أستطيع الإجابة عنه بوضوح، ويمكن أنك تريد أن تسأل: هل يمكن للمسلمين أن تكون لهم إذاعة حرة منفصلة أو برنامج تلفزيوني، وهذا لا أدري عنه.
قال له المترجم: يمكن بضع ساعات في الراديو، وبضع ساعات في التلفزيون، وليست إذاعة منفصلة ولا برنامج تلفزيوني منفصل؟
فقال: نعم هذا يحتاج إلى تقدير المسؤولين في الراديو والتلفزيون، ولكن هذا صعب، لا يوجد هنا مثل تعليم اللغات، أن يعلم الألمان الإسلام وهذا غير ممكن.
وهناك ثلاثة أمور أساسية في الراديو والتلفزيون، وهي الأخبار السريعة والتعليقات السياسية، والمحاورات والآراء المختلفة، والموسيقى، والدعاية، والإسلام لا يدخل في هذه الأشياء، وإنما يدخل تحت البرامج الحرة، فأي إنسان له الحق أن يتكلم في الراديو والتلفزيون بصورة ما.
قلت له: هذا مجرد استطلاع، والمسلمون ليس عندهم استعداد ولا قدرة على ذلك بوضعهم الحالي.
قال: سمح في ألمانيا ببرامج التلفزيون عن طريق الكيبل، برامج خاصة، ويمكن لأي منظمة قوية أن تنظم لنفسها ساعات معينة تتفق مع هذه الشركات وتبث ما تريد، ولا يمنع المسلمين شئ من ذلك.
قلت له: ما سبب فصل الأوروبيين الدين عن الدولة؟ [كنت أحاول أن أفرق بين الأسئلة التي أشعر أنه لا يرتاح لها بأسئلة أخرى].
فابتسم أيضاً والتفت إلي وأطرق ساكتاً، فقلت للمترجم: قل له: أرجو أن لا أكون أثقلت عليه بهذه الأسئلة أو أحرجته، فليجب كما يريد عن أي سؤال أو يعتذر عن الإجابة إذا أراد.
فقال: هذه المقابلة شيقة كثيراً وبحق! ثم قال: توجد أسباب كثيرة: اجتماعية، وسياسية، ودينية، والكنيسة نفسها لعبت دوراً في هذا، وأسباب نفسية، وأسباب تاريخية، لكن لذلك علاقة بالمسيحية فهي دين لا يوجد فيها نواة للشريعة، ولا يوجد في لبها الدولة، ويوجد في الإنجيل الحالي ـ وأرجو أن تترك كونه محرفاً ـ بوضوح فصل الدين عن الدولة، وكذلك قال المسيح: ملكوتي في السماء وليس في الأرض، وقال: أعط ما لقيصر لَقيصر وأعط ما لله للهِ، فالمسيحية بأصلها ليس فيها ما يقيم دولة.
وعلماء المسلمين ينكرون المسيحية بقوة، ولا يجد المسيحيون إجابة واضحة عن ذلك، وهو ما حصل في العصور الوسطى كيف فعلت الكنيسة بالعلماء من الاضطهاد؟
والكنيسة في ذلك الوقت أصبح البابا فيها هو القيصر والقيصر هو البابا، وهذا كان استغلالاً سيئاً للدين المسيحي، والدين المسيحي برئ من ذلك، والآن عدنا إلى المسيحية من جديد، وهو الدين الصحيح وليس كما في العصور الوسطى.
والإسلام يختلف عن المسيحية اختلافاً جوهرياً، فالإسلام من بدايته دين ودولة، بخلاف المسيحية، الإسلام منذ نشأته دين ودولة، والمسيحية كانت ديناً لا دولة، فاستغلت لتكون ديناً ودولة، وكانت تجربة فاشلة والآن عدنا إلى ما كنا عليه في الحقيقة.
أما الإسلام فهو دين ودولة، وعندما لم يستطع المسلمون أن يفرضوا أنفسهم ـ يعني أنهم لم يقدروا على تطبيق دينهم ـ وضعفوا تركوا الدولة، والآن عادت الصحوة والنهضة الإسلامية، فهي في الحقيقة تريد أن تعيد للإسلام دولته التي هو أصلاً قام من أجلها، ولذلك لو عملنا الرسم البياني تجد أن المسيحية بدأت عالية ثم نزلت، والآن عادت كما هي أصلاً، أما الإسلام فبدا عالياً، والآن نزل، ويحاول أن يرتفع وسينزل. [انظر كيف يعترف مسيحي مستشرق متعصب حاقد بطبيعة الإسلام ـ على رغم تهجمه عليه ـ بأنه دين ودولة والذين يدعون الإسلام من المنافقين يجحدون تلك الطبيعة، أما قوله: وسينزل فهو من حقده الشديد ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون].
والإسلام والمسيحية اتفقا في شئ واحد: أن الإسلام شيء متفق عليه دين ودولة، فالمسلمون يريدون أن يعيدوه ديناً ودولة، والنصارى عرفوا أن دينهم ليس دولة فأرادوا أن يتركوا الدولة.
قلت له: المسلمون يعرفون أن الكنيسة عندما ذبحت العلماء وقتلتهم وسجنتهم، كانت تعتدي عليهم باسم الله وهي كاذبة [وهنا تدخل الدكتور عبد الفتاح شوقي ليخفف الأسلوب، فقال: نقول: وعملها غير صحيح بدلاً من كاذبة، فوافقت وترجم له ذلك].
فقال: أرجو أن لا ندخل في هذه الموضوعات ولنتكلم في موضوعات أخرى [قال الدكتور عبد الفتاح: إنه يشعر بأنك تهاجم دينه، وقال لي المترجم: هو له كلام عن الإسلام، فتكلم معه الدكتور عبد الفتاح وطال النقاش] فقلت للدكتور عبد الفتاح قل له: لا مانع أن يقول ما عنده عن الإسلام، وإن كان لا يريد مني أن أقول ما عندي عن المسيحية، لأني واثق أن حقائق الإسلام ستدفع أي فرية عليه، بخلاف المسيحية المحرفة، فإنها لا تستطيع أن تقف أمام الحقائق الواردة عليها.
فترجم له الشطر الأول من الكلام، وقال كلاماً يدل على أنه ليس عنده وقت للنقاش، قلت: قل له يتكلم بما يريد، فأنا سأستفيد من كلامه عاجلاً أو آجلاً.
وكنت أريد من ذلك أن يفهم أننا لا نخاف مثلهم من ذكر ما يزعمون أنه عيوب في الإسلام، لأن تلك العيوب مفتراة، أما هم فإنهم يخافون من العيوب الموجهة ضد المسيحية، لأنها موجودة فيها، ولأشعره بأنا مستعدون أن نسمع ما عندهم أكثر من سماعهم ما عندنا، كما كنت أريد أن أسمع من مستشرقي هذا الزمان وهل يوجد فرق بينهم وبين أساتذتهم السابقين؟ لأنهم يزعمون أنهم محايدون في بحثهم!
فقال: الأمور التي أنتقدها في الإسلام هي:
أولاً: الحرية الشخصية للإنسان، المسلم حتى أن يذهب إلى الفاتيكان ويطلق النار على البابا، كما فعل التركي، والمسيحي ليس من حقه أن يذهب إلى مكة والمدينة.
ثانياً: شبه الجزيرة العربية لا توجد بها كنيسة إلا في الكويت، وقال له المترجم: وفي الإمارات، وهو يقصد بخلاف أوروبا فإن فيها مساجد للمسلمين.
ثالثاً: الإسلام لا يعترف إلا بالأديان التي سبقته، ولا يعترف بأي فكر ديني يظهر بعد، كالقاديانية، والبهائية، وشهود يهوى، فهؤلاء ما لهم في الإسلام إلا السيف، وهذا بخلاف حرية الإنسان وحقوقه.
رابعاً: حرية المعتقد حسب ما نفهم في القانون الأوربي، يجوز أن يكون الإنسان ملحداً، والإسلام لا يعترف بذلك.
خامساً: حرية المعتقد في الإسلام أن الإنسان إما أن يكون ذمياً أو مسلماً، وإذا كان ذمياً، وهو الكتابي، فعليه أن يدفع الجزية مقابل أن يعيش في الدولة الإسلامية، أما عندنا فليعتقد الإنسان ما يشاء بدون أن يدفع شيئاً.
سادساً: المشكلة الأساسية عند المسلمين حرمة القرآن عندهم، فالقرآن الكريم لا يمكن مناقشته، أما عندنا فتوجد أربعة أناجيل، ليست كلام الله وفيها تناقضات، ولذلك يدرسونها بحرية، ويعرفون من أين جاءت التناقضات، وهذه الدراسة أدت بنا أن يتاح لنا حرية العلم، فأصبح العلم عندنا حراً لا قيود عليه، واكتشف العلماء أشعة الليزر [واعترضه المترجم فقال إن المسلمين هم الذين اكتشفوا ذلك].
قال: وعلى هذا الأساس ما دام المسلمون يعتقدون أن القرآن كله من أوله إلى آخره مقطوع به أنه من عند الله بلا مناقشة، فلا يمكن أن تحرر عقولهم [وناقشه الدكتور عبد الفتاح وهو المترجم في هذه النقطة قبل أن تترجم لي، وكان الدكتور عبد الفتاح غاضباً، والرجل لا يريد أن يسمع رداً على كلامه].
وقال: إن الدكتور القادري جاء من السعودية، وهو متأثر بالفكر السعودي.
ثم تحدث عن الصحوة الإسلامية، وقال: المراد بها إحياء الإسلام في النفوس، وهذا في الحقيقة تعصب، وختم كلامه بقوله: أشكرك على هذه المقابلة وأشكر المترجم.
قلت له: وأنا أشكرك كذلك، وما ذكرته دعاوى والدعاوى تحتاج إلى محاكمة، فهل عندك استعداد للنقاش في هذه الدعاوى، أما أنا فعلى استعداد أن أبقى معك في كل جزئية ساعات، فقال: أنا متعب وأحتاج إلى الراحة، فلعلي أجد الدكتور قادري مرة أخرى وأقابله مقابلة أطول وقد أستفيد منه.
فقلت له: أنا لا أجبرك على البقاء وأنت لا تستطيع ولكن عليك أن تبحث عن الحقيقة لتجد أن كل ما ذكرته عن الإسلام له جواب من طبيعة الإسلام، وما ذكرته عن المسيحية له جواب من طبيعة المسيحية وأما القوانين البشرية فالقرآن منزه أن يقارن بها.
ونحن نعتقد أن قمة الحرية في الأرض لا توجد إلا في الإسلام، وأما غير الإسلام فإنما هو استعباد يسمى حرية. فقلب الرجل يديه وقام مودعاً.
والحقيقة أن هذه الأشياء التي ذكرها تحتاج إلى أن يعرفها المسلمون المفكرون ويدحضوها في مناهج جامعاتهم ومعاهدهم، ضمن مواد الاستشراق التي تدرس في بعض المعاهد الإسلامية.
وقد تهرب الرجل من سماع الأجوبة على ما أورد من شبهات، لأنه كان هو بنفسه يعرف الجواب عن كل شبهة فيما يغلب على ظني، ويعرف أنه سيسمع أجوبة دامغة، ولكنه فضل أن ينفث سموم صدره ويذهب قبل أن يسمع شيئاً.
وكل المسائل التي ذكرها هذا المستشرق قارن فيها بين الدين المسيحي الذي مصدره الأناجيل الأربعة المتناقضة كما اعترف هو بذلك عندما قال: "أما عندنا فتوجد أربعة أناجيل، ليست كلام الله وفيها تناقضات..."
وبناء على ذلك تعتبر مقارنته بين الإسلام الذي مصدره القرآن [{لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}] وبين دينه المسيحي الذي مصدره تلك الأناجيل المحرفة المتناقضة، فلو كان كتابنا ـ حاشاه ـ مثل أناجيلهم لاضطررنا أن نفعل كما فعلوا هم مع أناجيلهم التي حاربت الكنيسة المعتمة عليها العقول وابتكاراتها والثوابت الكونية، ولم يتقدم أهل الغرب في حضارتهم المادية إلا بعد أن كسروا القيود والأغلال الكنسية، قرروا الاستقلال في التعلم والتعليم الذي لا سيطرة للأناجيل المحرفة وكنائسها المضللة عليه، فأبدعوا في الحضارة المادية التي استفادوا فيها من المسلمين، كما ذكر ذلك غوستاف لوبون، والدكتورة زغريد هونكه وسبق كلامها في هذا الكتاب.
وأقول: إن الرجل لم يغضب ويهرب إلا بعد أن عرف أنه لا يقدر على الوقوف أمام حجج ديننا الإسلامي الذي لا قدرة لأناجيله في الوقوف أمامه..
ثم أقول: على الدعاة الذين يريدون أن يقوموا بالدعوة في الغرب أن يتسلحوا بما يستطيعون به إظهار محاسن الدين الإسلامي، والرد على شبهات الأعداء ومعرفة مفاسد دينهم المحرفة، والحريات الزائفة التي يدعونها وبيان عوراتها.
وداع ونصيحة:
السبت: 15/11/1407 هـ.
في الساعة العاشرة صباحاً ودعت رئيس المركز الإسلامي الأخ أحمد محمود خليفة، والدكتور عبد الفتاح شوقي والأستاذ عبد الحليم خفاجي.
ونصحت هذا الأخير بأن يقلل من التفاؤل الكبير، في أن الإسلام سينتشر في الغرب وينطلق منه وسيحمله أوروبيون كما حمله الأتراك، وإن كان ذلك محتملاً عقلاً، وقلت للأستاذ: إن العقبات في الغرب كبيرة ومتعددة: عقدية، وسلوكية، ونظامية، واقتصادية، واجتماعية، وفكرية، وهي مع ما يوجد من نوع حرية في نشر المبدأ ـ تحتاج إلى وقت طويل وإلى جهود جبارة متواصلة، على مستوى أفراد المسلمين وشعوبهم وحكامهم، الذين لا بد أن يكونوا قدوة حسنة لغير المسلمين، في تطبيق الإسلام كاملاً، مع الجد والاجتهاد في نشر الدعوة إلى الله بالبيان والسنان كما كان عليه السلف، وأن الشعوب الإسلامية الآن في صحوة عظيمة ورجعة إلى الله، ولولا أن الغرب قد نصب على كراسي حكم أغلب تلك الشعوب أعداء للإسلام، يقفون حجر عثرة في سبيلها الذي تسلكه لإعادة الحكم بما أنزل الله فيها لكانت تلك الشعوب الآن قائمة بأمر الله وإظهار دينه ونشره في الأرض.
ومع ذلك فإن تلك الضغوط مهما عظمت على الشعوب الإسلامية، فإن التربية الإسلامية إذا تمكنت من نفوس شباب الإسلام، وانتشرت في شعوبهم عن طريق ذوي الفقه في الدين، مع العمل المتواصل، فإن تلك الشعوب الإسلامية أجدر بحمل الإسلام ورفع رايته، والضغوط الأجنبية من الدول الكبرى وغيرها لا تستطيع أن تصمد طويلاً أمام تيار الإسلام، إذا غرس في نفوس أبنائه على تلك الصفة.
والعمل القليل في شباب المسلمين يثمر أكثر من الأعمال الكثيرة في بلاد الكفر، ولذلك لا ينبغي أن يكون تفاؤلنا بالعمل الإسلامي في أوربا أكثر من تفاؤلنا بالعمل في بلاد الإسلام.
وهذا لا يعني التثبيط للمتحمسين للدعوة في الغرب، فإن الدعوة في أوساط الغربيين ذات أهمية بالغة لأمور:
الأمر الأول: أن تبليغ الإسلام إلى العالم فرض على المسلمين، والدعاة في الغرب يقومون بما تيسر من هذا الفرض، وإن كان غير كاف.
الأمر الثاني: أن الاحتكاك بأهل الغرب من مسلمين عاملين تتجسد فيهم القدوة الحسنة، يجعل الغربيين يرون الأخلاق الإسلامية التي تدحض مزاعم أعداء الإسلام من المستشرقين وغيرهم، والتي ينسبونها إلى الإسلام بهتاناً وزوراً.
الأمر الثالث: أن الجهود التي يقوم بها الدعاة إلى الإسلام في الغرب، تحافظ على أبناء المسلمين الذين أصبحوا ينتشرون في الغرب شئنا أم أبينا، ولعل في انتشارهم حكمة يعلم الله أنها في مصلحة الإسلام على المدى البعيد، وهو أن يستوطن الإسلام في الغرب ويثبت.
الأمر الرابع: الرد على الشبهات التي علقت بأذهان الغربيين عن طريق الكتاب المؤلف أو المترجم بلغة القوم، وعن طريق الكتابة في الجرائد، أو الكلمة المسموعة والمرئية، عن طريق الراديو والتلفزيون، وكذلك الاتصال الشخصي بين طلاب الجامعات المسلمين وزملائهم من الغربيين في الإدارات والمصانع والمؤسسات، ولكن كل ذلك لا يعني أن يكون تفاؤلنا بالعمل الإسلامي في الغرب أكثر من تفاؤلنا بالعمل الإسلامي في شعوبنا الإسلامية.
الحذر من جرذان الدعوة !
إن الواجب على المسلمين أن يتعاونوا على البر والتقوى، ولا يتعاونوا على الإثم والعدوان.
ومن أعظم البر والتقوى القيام بالدعوة إلى الله والتخطيط لها، واتخاذ الوسائل المتاحة لانتشارها بين الناس.
وهناك مراكز وجماعات إسلامية كثيرة توجد في بلاد الغرب، تقوم بجهود طيبة، وهي تتفاوت في القوة والضعف والتنظيم والإدارة والشمول، ولكنها في الجملة تقوم بالدعوة في حدود إمكاناتها، وإن كانت لا تخلو من تقصير.
والواجب على القادرين من حكام الشعوب الإسلامية وعلمائهم، أن يساعدوا تلك المراكز، بالمال والرجال الأكفاء والمناهج والكتب، وإنشاء المساجد والمدارس والمراكز وغيرها.
واعترافاً بالجميل فإنه يوجد من حكام الشعوب الإسلامية وعلمائها وأغنيائها، من عندهم الرغبة الأكيدة في إعانة تلك المراكز والمساجد والجمعيات، بما يحقق الخير الكثير في الدعوة إلى الله بين المسلمين وغيرهم، وهذا أمر واقع ومشاهد في كل أنحاء العالم!
ولكن يوجد في كثير من الأحيان ما يحول بين أهل الخير الذين يرغبون في مساعدة تلك المراكز وبين مساعدتهم لها، باسم النصح من قبل ناس نصبوا أنفسهم للدعوة في ظاهر الأمر، وهم في الواقع يتجرون بالدعوة ويعيشون على أعتابها، وليسوا أهلاً لها، ولهذا تراهم يحسدون بعض المراكز النشيطة في الدعوة إلى الله، ويثيرون الشبهات حول العاملين فيها، ويقدمون تقارير كاذبة تشوه سمعة تلك المراكز وأهلها، والذين تقدم لهم تلك التقارير من أهل الخير قد لا يعلمون عن سؤ نية هؤلاء لما يتظاهرون به من الصلاح والنصح، فيحسنون بهم الظن ويبنون على تقاريرهم نتائج غير سليمة، ويقطعون الصلة بتلك المراكز النشيطة، ولا يمدون لها يد العون والمساعدة، مع أن ثمار عملها لو نظر إليها بعين الإنصاف تفوق بأضعاف مضاعفة ما يدعيه المغرضون من جهود في الدعوة ويسمون أنفسهم برجال الدعوة، وهم في الحقيقة جرذان الدعوة وليسوا رجالها.
ولهذا يجب على أهل الخير من المسؤولين عن الدعوة إلى الله أن يحذروا ذوي الألسن القادرة على صياغة الكلام المعسول، وهم من ذوي القلوب الخبيثة، لا هدف لهم إلا التأكل باسم الدعوة وحرمان العاملين للدعوة من المساعدة الواجبة على كل قادر، وإني أرى أن المركز الإسلامي في ميونخ، من أهم المراكز الإسلامية النشطة في أوروبا في الدعوة إلى الله، وعلى من يريد أن يقف على الحقيقة أن يزور المركز والمدرسة التابعة له، ويقف بنفسه على ما يقوم به المركز ليرى أن أعداء له يتجنون عليه اتباعاً للهوى، وليس نصحاً لله ولرسوله وللمؤمنين !.
أكتب هذا وأنا أغادر مدينة ميونخ التي يقع فيها المركز الإسلامي الذي باشرت بنفسي الاتصال به وبالمسؤولين فيه ورأيت نشاطه.
فعلى أهل الخير أن يفرقوا بين رجال الدعوة وجرذانها !!!
السفر إلى مدينة برلين (الثوب أم العطر؟):
أوصلني الأخ يعقوب اليوغسلافي إلى المطار لأسافر إلى مدينة برلين وبعد أن انتهت الإجراءات ودعني ودخلت إلى قاعة المغادرة، وكنت لابساً الثوب العربي وفي يدي حقيبتان: إحداهما فيها بعض الدفاتر والثياب والأخرى صغيرة بها الجواز والشيكات والتذاكر.
وعندما دخلت ممر التفتيش أخذت الشرطية الحقيبة الصغيرة وفتحتها على غير العادة في أكثر دول أوربا الغربية، فإنهم لا يفتشون إلا من يقع عندهم فيه اشتباه، وكنت في هذا اليوم من هذا النوع، وكان في هذه الحقيبة الصغيرة قارورة عطر عنبر فأخذتْها وسألتني: ما هذا؟ فأردت أن تعرف ذلك على الطبيعة، ففتحت القارورة ووضعت أسفل الغطاء على يدها وأشرت لها إلى أنفها، فشمت ذلك وكادت تعطس فلم يخرج العطاس، فصاحت متعجبة وأعطتني الحقيبة وقالت: تفضل، فدخلت إلى قاعة المغادرة وأخذت أكتب في دفتري بعض ما مضى في هذا اليوم.
وبعد قليل جاء أحد موظفي الخطوط ووقف أمامي، وأنا أكتب لم التفت إليه وما كنت أدري من هو؟ فقال لي: هل تسمح بإعطائي بطاقة دخول الطائرة؟ فأعطيته ونظر إليها وسلمني وذهب.
وبعده رأيت أشخاصاً يذهبون ويجيئون لابسين لباساً مدنياً، وأقبلت على الكتابة دون أن أعبأ بهم.
ثم جاء جندي مسلح ووقف أمامي وأنا أكتب غير ملتفت إليه، وقف قليلاً ثم اقترب مني وقال: تسمح بإعطائي الجواز، فأعطيته، ونظر إليه وأعاده وذهب.
وعندما أردت الخروج إلى الحافلة قال لي موظف الخطوط: ارجع وانتظر، فقلت في نفسي: ما ذا يريدون، الركاب غادروا ولم أبق إلا أنا؟ فجلست مواصلاً كتابة مذكراتي.
وبعد قليل قالوا لي: تفضل، وكانت السيارة التي أحضروها صغيرة، فوقع في نفسي ما وقع، ولكن السيارة مضت إلى الطائرة، التي كان يقف بجانب مصعد الخاص برجال الأعمال الجندي المسلح الذي طلب جوازي في داخل قاعة المغادرة، وكان يصوب نظره إلي، فصعدت، وأنا أقول: هل سيرافقني في الطائرة أيضاً شرطي مسلح إلى برلين؟!
ولا أدري ما سبب ذلك الأمر أهو الثوب الذي كنت ألبسه أم العطر الذي جعل الشرطية تصيح منه؟ على كل حال الغربيون معذورون ـ في الجملة ـ في هذه الاحتياطات، لكثرة الحوادث التي تحصل عندهم والرعب الذي يكاد يقطع قلوبهم من الاختطاف والاغتيال وتفجير القنابل وأخذ الرهائن، وأنا قد أكون تسببت في هذا الموقف بلباسي الذي كنت أستطيع أن البس غيره، فليس هناك لباس يجب على المسلم الالتزام به إلا ما يستر العورة.
ولكن وقع في نفسي مقابلتي للدكتور بيتر مساعد وزير الداخلية البافاري الذي سمع مني ما لا يسره عن اليهود، فقد يكون أراد إشعاري أن موقفي من اليهود غير مرضي عنه، أو يريد أن أنقل ما حصل لي في المطار للعرب حتى لا يفكروا في الإرهاب الذي شكا منه وطلب مني التعاون في نصح بني قومي في شأنه، والله أعلم أي الاحتمالات أرجح.
وقد أقلعت الطائرة من مطار ميونخ في الساعة الحادية عشرة والدقيقة الخمسين تقريباً.
وأطللت من النافذة لأرى تلك المناظر الجميلة، الأراضي الزراعية والغابات، والقرى الصغيرة هنا وهناك، في وسط تلك الأراضي والغابات. وكانت الشمس ساطعة، والجو صحواً في أغلب الأوقات، وكانت تتخلل الغابات والمزارع بعض الأنهار والبحيرات الصغيرة. وبعد مضي ساعة كانت الطائرة تحوم بنا على مدينة برلين وهي ممتدة واسعة.
وقد هبطت الطائرة في مطار برلين الغربية في الساعة الثانية عشرة والدقيقة الرابعة والخمسين، فكانت مدة الطيران ساعة واحدة.