رحلات سويسرا وألمانيا والنمسا

الرحلات | سلسلة في المشارق والمغارب | 28 صفحة
صفحة 14 من 28 5- في مدينة ميونخ

5- في مدينة ميونخ

5- في مدينة ميونخ

وقد بتنا في القطار بين اليقظة والنوم إلى أن وصلنا مدينة "ميونخ" في الساعة السابعة والنصف صباحاً، حيث كان الأستاذ عبد الحليم خفاجي في انتظارنا، وكان رذاذ الثلج يتساقط علينا قبل أن يصل إلى الأرض، ونزلنا في فندق شيراتون لنرتاح إلى أن يحين موعد اللقاء بالدكتور "هيلف".

جهود ينبغي دعمها:

الثلاثاء 11/6/1412 هـ ـ 17/12/1991م
اتصل بنا الأستاذ خفاجي يطلب منا الذهاب إلى مكتبه في وقت مبكر، ليطلعنا على مشروعاته، لنشر بعض الكتب الإسلامية وترجمة معاني القرآن الكريم باللغة الألمانية، والجهود التي تبذل في سبيل ذلك وأثرها المحمود.
فقد طبع ثمانية عشر جزءً من ترجمة معاني القرآن الكريم باللغة الألمانية، التي تمتاز باشتراك نخبة من المجيدين فيها للغتين: العربية والألمانية، بعضهم عرب وبعضهم ألمان، كما تمتاز بالشرح الموجز في الحاشية للألفاظ والمعاني، مع الرجوع إلى عدد من كتب التفسير المعتمدة، وهذه الميزات لا توجد في الترجمات السابقة، بل إن أغلب الترجمات السابقة قام بها غير مسلمين، من اليهود، أو النصارى، والمستشرقين، أو القاديانيين.
ولو وجد الأستاذ عبد الحليم من يعينه على مهمته في إكمال هذه الترجمة وطبعها ونشرها، لكان لها أثر كبير بعد اكتمال أجزائها، لأن الناس لا يقبلون على اقتنائها كثيراً قبل تمامها، بل كثير من القراء يفضل اقتناء الكتاب كاملاً، دون تفكير في محتواه، ما عدا الجادين في البحث، نسأل الله أن يعين صاحب هذا المشروع على إكماله، وأن ينفع به، المسلمين وغيرهم. [أذكر أني قرأت في بعض المجلات أن هذه الترجمة قد أكملت، نسأل الله أن ينفع بها].
كنا في انتظار الدكتور"هيلف" فإذا امرأة ألمانية تطرق باب المكتب، فدخلت وأخذت تقلب الكتب الإسلامية المعروضة فيه، فقال لي الأخ عبد الحليم: هذه المرأة أسلمت، ويمكنك أن تأخذ منها بعض المعلومات إلى أن يصل الدكتور "هيلف".
فجرى معها الحوار القصير الآتي الذي لم نتمكن من إكماله، لحضور الدكتور هيلف بعد البدء فيه بوقت قصير.

حوار مع الأخت الألمانية المسلمة فاطمة:

مهنتها: خياطة ملابس الرجال.
كيف تعرفت على الإسلام؟
قالت: إنها زارت الأندلس "أسبانيا" مع زوجها منذ 12 سنة، فلفت نظرها الأثر الحضاري الذي خلفه المسلمون، وزارت عدة مدن إسلامية، ودرست تاريخ الأندلس، وتعرفت على بعض الموضوعات من التاريخ الإسلامي.
وعندئذ عرفت أنه يوجد دين آخر غير الدين النصراني الذي كانت عليه، وأنه توجد أمة أخرى لها دين، غير النصارى، فبدأت تبحث عن كتب لتطلع على تاريخ العرب، ووقع في نفسها أن وراء هذه الآثار العظيمة التي رأتها في الأندلس ديناً يستحق البحث، كما عرفت أنه توجد في أمريكا عنصرية ضد السود، وهم مسلمون، وأحست بمشكلات فلسطين، وقرأت كتاباً بعنوان "محمد صلى الله عليه وسلم" لمستشرق ألماني يدعى "كُونْسُل مان" وهذا المؤلف قابل كثيراً من العرب، ولا زال كاثوليكياً، وقد أسلم كثير ممن قرأ كتابه هذا وكتابات أخرى. [هذا مع العلم أن النصارى في أسبانيا قد غيروا كثيرا من المعالم الإسلامية، ومع أنهم يشوهون سمعة المسلمين عندما يشرحون للسائحين تلك الأماكن، ويتهمون المسلمين بشتى التهم المفتراة].
وقالت: إنها تريد أن تكتب له رسالة تسأله فيها: لماذا لا يدخل في الإسلام، وقد عرف الإسلام معرفة جيدة، جعلت من يقرؤون كتاباته يدخلون في الإسلام؟ وأخذت تتساءل عن السبب في عدم إسلامه مع اطلاعه الواسع على الإسلام وكتاباته عنه.
كما قرأت عن مشكلات الحروب، وفهمت أنه يوجد في المسلمين سنة وشيعة، ولم تشغل نفسها إلا بمعرفة حقيقة الإسلام. وعندما رجعت من سفرها تبنت ولداً تركياً، وبحثت عن كتاب المستشرق المذكور "محمد" ووضعته في المكتبة، وذات ليلة صحت من نومها، فأحبت أن تقرأ أي كتاب، ولم تحب أن تزعج ذلك الولد، وهو نائم معها في الحجرة، فتناولت بيدها كتاباً في وسط الظلام، لتذهب إلى المطبخ وتقرأ فيه، فكان الكتاب الذي وقع بيدها هو كتاب "محمد" (صلى الله عليه وسلم) فاستمرت تقرأ فيه إلى الساعة السادسة صباحاً، ثم نامت ساعتين، والولد ما زال نائماً، إلى الساعة العاشرة، وعمره ثمانية عشر عاماً، وهو تركي كردي، وقد تبنته وهو في هذه السن، وعندما صحا من نومه قالت له: أنا لا بد أن أكون مسلمة، وكان ذلك اليوم هو يوم الأحد، ويسمونه يوم صعود ماريا "مريم" إلى السماء، وعندئذ فتحت دليل الهاتف، تبحث عن مركز إسلامي، فوقعت على هاتف المركز الإسلامي في ميونخ ووعدوها بأن يستقبلوها يوم السبت، 18 أغسطس 1990م [وهنا دخل الدكتور هيلف] فانقطعت المحاورة مع الأخت فاطمة. والخلاصة أنها اتصلت بالمركز وأعلنت إسلامها، وهي تحمد الله على أن هداها للإسلام. [ما كنت أود أن أقطع الحوار معها، ولكن الدكتور (هيلف) عنده ارتباطات، وهو سبب الرحلة، لذلك اضطررت أن أنهي الحوار معها، وأبدأ الحوار معه].

حوار مع الدكتور هيلف:

جرت عادتي أن أبدأ أنا مع من أريد محاورته بطرح أسئلتي إليه، التي غالباً ما تبدأ بطلب التعريف بنفسه، لكن الدكتور "هيلف" شرع يتحدث إلي قبل أن أبدأ بسؤاله، لذلك لم أتمكن من السير معه بالترتيب الذي اعتدته مع غيره(17).

الدكتور هيلف يجيب على أسئلة الكاتب في مكتب الدكتور عبد الحليم خفاجي في مدينة ميونخ الألمانية 11/6/1412هـ 17/12/1991م
الدكتور هيلف يجيب على أسئلة الكاتب في مكتب الدكتور عبد الحليم خفاجي في مدينة ميونخ الألمانية 11/6/1412هـ 17/12/1991م
المحاورة مع الدكتور هيلف
المحاورة مع الدكتور هيلف

قال: هو الآن محال للتقاعد، وكان مستشاراً في وزارة الخارجية الألمانية في منطقة "بافاريا" في السياسة الخارجية والأمن، والعالم الثالث.
وقد كتب كتابه "الإسلام قوة عالمية". [وقد أهداني الكتاب الأستاذ عبد الحليم خفاجي في رحلة سابقة في 1/1/1409 هـ ، وهو من محتويات مكتبتي، وهو باللغة الألمانية، وكان هدفه من تأليف هذا الكتاب تعريف الحكومة الألمانية، والشعب الألماني بحقيقة الإسلام، كما فهمه، وقد بذل جهداً في الحصول على معلومات موثقة في موضوعاته، ولم يجد من يعينه على ذلك إلا من بعض المسلمين الذين تمكن من الاتصال بهم، في حدود إمكاناتهم، فأخرج كتابه متضمناً ما تيسر له من المعلومات، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وقد تُرْجِمَتْ خلاصة مقدمته للكتاب إلى اللغة العربية، وقد سجلتها في الكتاب السابع من سلسة (في المشارق والمغارب ص: 59) ولعلي أسجلها هنا في آخر هذا الحوار، ليكون القارئ على علم بذلك].
تخصصه في التاريخ والاقتصاد والسياسة والصحافة. [وهي تخصصات خطيرة، كما ترى! إضافة إلى خطورة وظائفه، ومع ذلك لم يتردد في إشهار إسلامه ولا في نشر كتابه، مع ما يعلم من تعصب كثير من أهل بلده ضد الإسلام، وعدم رضاهم عمن أثنى على الإسلام، فضلاً عمن أعلن إسلامه ممن هو في منزلته، ولكنه الإيمان الذي جعل سحرة فرعون يقولون له: { إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنْ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى }. سورة طه، أية:73].
وسألته عن ديانته السابقة؟
فقال: الكاثوليكية.
قلت: كيف كان تدينه؟
فقال: قصة طويلة تصعب حكايتها، وكانت عائلته كاثوليكية متدينة.
وكان عسكرياً في الجيش الألماني في الحرب العالمية الثانية، وبعد الحرب بدأ يدرس في ميونخ، وكان أثناء دراسته ملحداً.
وبعد عشر سنوات من الحرب بدأ يميل إلى الإيمان بالإسلام، وكان ذلك بالدراسة وبالتدريج.
والسبب في ذلك أنه كان يحب أن يقرأ عن العالم الإسلامي كثيراً وبشغف، بحكم وظيفته، وكان له أصدقاء عرب مسلمون، ومن الصدف أنه قرأ كتاباً لرجل مستشرق فرنسي، وهو الذي لفت نظره إلى الإسلام، برغم تحفظ العرب على آراء المستشرقين، ولم يكن في هذه الفترة مسلماً، وكانت عنده شكوك، والشيء الذي لفت انتباهه في كتاب الفرنسي المذكور قوله: لو كان هناك رسل لكان محمد واحداً منهم.
ولم يذهب "هيلف" إلى أي مركز إسلامي في تلك الفترة، لأنه لم يكن جاداً في الدخول في الإسلام، وإنما كان راغباً في المزيد من القراءة والاطلاع، وقد أحب شخصية محمد صلى الله عليه وسلم، وظهر ذلك لأصدقائه الذين كانوا يقولون له: كفاك الحديث عن محمد! لكثرة ما كان يتحدث عنه أمامهم، وكان يتحدث مع أصدقائه السياسيين، فيبدأ معهم بالحديث عن السياسة، وينتهي بالحديث عن الدين.
وذات يوم جاءه الدكتور "علي جريشة" ومعه صديقان، وانتهى بهم الحديث عن الإسلام، ولم يكن راغباً في الدخول في الإسلام. [كنت زرته مع الدكتور علي جريشة في مكتبه قبل أن يعلن إسلامه].
وفي أوائل الثمانينات، لم يكن يصعب عليه النطق بكلمة التوحيد [يعني أنه أصبح موقناً بها] وبعد سنة ذهب إلى المركز الإسلامي، وأعلن إسلامه رسمياً.
قلت: ما أهم ما شدك إلى الإسلام من موضوعاته؟
قال: التوحيد.
قلت: ما الأثر الذي أحدثه ضعف المسلمين على دينهم وعلى العالم كله الذي هو في ضرورة لهذا الدين؟
قال: في سنة 1918م، كانت نهاية بعض القوى المعروفة، كقوة النمسا، وقوة العثمانيين، وقوة الكنيسة البيزنطية. في ذلك الوقت انقسم العالم العربي والإسلامي، وهبط إلى الحضيض، ومن ذلك الوقت إلى اليوم لم يتمكن العالم الإسلامي من تخطي الصعوبات التي واجهته، ليخرج من ضعفه، وأكثر المسلمين انضموا إلى الغرب، وداروا في فلكه، بدلاً من السعي إلى الاستقلال السياسي والاقتصادي....
والأمل الوحيد في استعادة المسلمين قوتهم أن يؤمنوا بالتوحيد ديناً، ويتحدوا هم أنفسهم على ذلك التوحيد ـ كأن الدكتور يرمز لقول الله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا} ـ لأنهم إذا لم يستطيعوا إيجاد أصل لوحدة حقيقية بينهم، فإن غيرهم ـ يعني أهل الغرب واليهود بالذات ـ سيلعبون بهم. [وهذا ما يحدث اليوم ـ ونحن في منتصف عام 1416 هـ. والآية من سورة آل عمران: 103].
العالم الإسلامي الآن فيه حركات، ولا بد أن تتمخض عن شيء طيب يخلصهم من نير الغرب.
وفي العشر سنين الأخيرة تمخض العالم، ومنه الغرب، عن تغيرات أساسية.
ويجب على العالم الإسلامي أن يتنبه، فإن لعبة التسلط عليه ستتغير طريقتها، فالخلاف الذي كان يقال له بين الشرق والغرب، سيصبح بين الشمال والجنوب، وإذا غفل المسلمون والإفريقيون فإن هذا الخلاف ستكون له آثار سيئة عليهم، أما إذا تنبهوا فقد يختلف الأمر.
وباختصار فإن العالم بوضعه الحالي، توجد به ثلاث قوى رئيسة: [يعني القوى التي تقابل القوة الكبيرة الظاهرة الآن، وهي أمريكا]. أوربا الغربية، والدول الشرقية، والعالم الإسلامي ـ ومنه العرب ـ.
وهناك رأي أن بعض هذه القوى تتفسخ، ومنها القوة الروسية، ورأيه "هيلف" أنه لا بد من بقاء نفوذ لها.
وهذه القوى الثلاث يجب أن يكون تعاملها فيما بينها على أساس التعاون الذي يحقق لها جميعاً مصالحها، لمنع فكرة تسلط بعضها على بعض، وهذا التعاون مهم، لمنع تسلط أمريكا على العالم بسبب تقنيتها الحديثة التي تغريها بذلك التسلط، فإذا تعاونت هذه القوى تعاوناً غير تسلطي، بل تعاوناً يحقق لكل منها سد حاجتها، فإنها تستطيع أن تمنع تسلط أمريكا عليها أو على بعضها.
والمهم أن يتضح السبيل لهذا التعاون، فماذا سيعمل العالم الإسلامي لتحقيق ذلك؟‍

مشروع الأستاذ الشاهد:

إن نقطة الانطلاق ـ لهذا التعاون في رأي الدكتور هيلف ـ إيجاد جمعية علمية للبحوث الإسلامية، للحوار بين علماء المسلمين والمستشرقين، لإزالة سوء الفهم الموجود عند الغربيين للإسلام، تتولى مجلة علمية نشر البحوث والندوات والحوارات.
والأستاذ الشاهد ـ وهو من أساتذة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في السعودية ـ عنده هذه الفكرة، وإذا أزيل سوء الفهم زالت الشكوك، وهذا يحقق معنى قول الله تعالى: { وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا }. [سورة الحجرات، آية: 13].
وقال الدكتور "هيلف": إنه هو بنفسه يشرف على مشروع جديد في أوربا، مقره في الحدود بين ألمانيا وتشيكوسلوفاكيا [أصبحت هذه الدولة دولتين: هي: التشيك، والسلاف] الهدف منه إيجاد تفاهم بين الشعوب، واتفق على ذلك البلدان المذكوران، فلو اشتركت بعض الشعوب الإسلامية في ذلك، وقامت بتمويل كلية إسلامية لكان في ذلك تسهيل للتعاون.
قلت: ماذا ترى عن مستقبل الإسلام في أوربا؟
قال: كوننا ننتظر أن تكون أوربا مسلمة، فيه صعوبة، والذي أراه أن الإسلام سيقوى وينطلق من البلدان الإسلامية، وليس من أوربا، [وهو يخالف رأي الأستاذ عبد الحليم خفاجي] أوربا والغرب عامة أهله ليسوا مسيحيين كما ينبغي، بل هم علمانيون، ولكنهم منذ فترة بدؤوا يتعطشون للدين، بعد أن زالت هيمنة الكنيسة، أصبحوا في حاجة إلى دين، فإذا استطاع المسلمون أن يقدموا للغرب معاني إسلامية مؤثرة في حياتهم، فإن ذلك سيجعل الإسلام يؤثر فيهم تدريجياً. [ولكن أكثر القادرين على تقديم المعاني الإسلامية المؤثرة في الغربيين وغيرهم، بتطبيقها في الشعوب الإسلامية التي يقول الدكتور (هيلف): إن الإسلام سينطلق منها، هم أنفسهم يحاربون تلك المعاني، ويحاربون كل من يحاول تقديمها في حدود طاقته!].
قلت: ما الموضوعات الإسلامية التي ترى أنها تؤثر في الأوربي أكثر من غيرها؟
قال: إعطاء الناس هنا ما فقدوه، وهو الإيمان بالإله، وما يتصل بحياتهم الاجتماعية والاقتصادية، حتى يشعروا بفائدته، والصورة التي تقدم للأوربيين عن الإسلام اليوم صور مشوهة تنفرهم منه، ولا تحفزهم على الاقتراب منه، وهذا التشويه لصورة الإسلام مقصود، والمسلمون يستطيعون أن يغيروا هذه الصور المشوهة، بتقديم صور صحيحة تنفي ذلك التشويه. [ولكن القادرين مادياً ومعنوياً لدعم من يقدم الصورة الصحيحة للإسلام، غالبهم يتعمد تشويهه في عقر داره!].
قلت: ما العقبات التي تقف أمام انتشار الإسلام في الغرب؟
قال: توجد عقبتان رئيستان:
العقبة الأولى: ابتعاد العالم الغربي عن الإيمان بالدين، [يقصد الدين من حيث هو، بما في ذلك الدين النصراني المحرف، لأن الذي يؤمن بدين ما، يمكن أن يؤمن بغير ذلك الدين إذا علم أن غيره هو الدين الصحيح بالحجج الدامغة، أما الملحد فيصعب إيمانه بأي دين، لأنه قد قرر أن لا إله، وقد يهتدي إذا أراد الله له الهداية ووجد من يقيم عليه الحجة، وأهل الغرب غالبهم ملحد من حيث الواقع، وإن زعموا أنهم نصارى، ويرى بعضهم أن استجابة الملحد إذا وجد حججاً دامغة أقرب من النصارى المتعصبين]. والشعوب الغربية مقتنعة بذلك، وهذه العقبة لا تزول إلا بإقناعهم بالدين.
العقبة الثانية: انفصال العلم عن الدين، وجعل الدين في جانب والعلم في جانب آخر، بحيث لا يجتمعان، [وهذا يبين مدى الحاجة إلى نشر بحوث الإعجاز العلمي الموثقة ـ وليس كل بحث يزعم صاحبه أنه من هذا النوع ـ لما في ذلك من إقناع الملحدين أو العلمانيين من أن الدين الإسلامي يعتبر العلوم الكونية واستغلال طاقات الكون لعمارة الأرض على ضوء منهج الله بما يحقق سعادة البشر من أهم مقاصده، وآيات القرآن الكريم دالة دلالة واضحة على هذا المعنى، فالإسلام يحض على العلم النافع مطلقاً، سواء في ذلك العلم الشرعي، أو غيره من العلوم التي تستقيم بها حياة الناس، وإذا كان رجال الكنيسة قد زعموا منافاة العلم لتعاليمهم التي نسبوها كذباً وزوراً إلى الله، فما ذنب الإسلام الذي يعارض ذلك الزعم الكاذب ولا يقره؟! وقد وفق الشيخ عبد المجيد الزنداني العالم اليمني لإقامة مؤتمرات وندوات وحوارات مفيدة مع ذوي الاختصاصات العلمية في علوم الطب والفلك والبحار والجيولوجيا والفضاء، ومن أهم الموضوعات التي كتب لها النجاح علم الأجنة الذي جعل كبار المختصين فيه، يعترفون ـ مع عدم إسلامهم ـ أن هذا القرآن الذي جاء بالوصف الدقيق لأطوار الجنين منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام لا يمكن أن يكون من كلام البشر، وإنما هو من كلام الله، وأن الذي جاء بهذا القرآن لا بد أن يكون رسولاً من عند الله، ولهذا فإنه لا ينبغي أن يلتفت إلى الذين ينكرون على مسيرة الشيخ الزنداني في هذا الباب، لأنهم لو تعمقوا في منهجه وشروطه التي دونها للبحوث التي يجب أن تكتب على أساسها، وعلموا فائدة ذلك المنهج وأثر نشاطه، لما أنكروا عليه، بل ربما شجعوه وآزروه، وإذا كان بعض الباحثين لم يلتزموا بمنهج الشيخ وشروطه، فهو غير مسؤول عنهم إلا إذا علم أنه أقرهم على ذلك، هذا مع العلم أن الشيخ يستفرغ جهده في الاتصال بالعلماء، كل عالم فيما يخصه، علماء التفسير وعلماء الحديث وعلماء الفقه وعلماء الطب وغيرهم... فليتبين المنكر قبل أن يهجم على مالا علم له به، أو ليدع الميدان لفرسانه] لأن التمدن والرقي المادي في الغرب جَزَّأَ التخصص، إلى وحدات علمية، ترتب عليها أن تفسر تلك التخصصات، بعيدة عن الدين، وهذه العقبة ترتب عليها فصل الدين عن الدولة، وهذا بخلاف الإسلام الذي هو دين ودولة، إذ لا يوجد انفصام بين العلم والدين الإسلامي، ولا بد لإزالة هذه العقبة من التطبيق الصحيح للإسلام، ليتبين للغرب أن هذه التخصصات لا تتنافى مع الإسلام.
والحل في الحقيقة يكمن في وحدة المسلمين وإظهار أنهم قدوة حسنة، بحيث يحلون أولاً مشكلاتهم، التي منها الفقر، فإذا وجدت هذه الوحدة وحل المشكلات، فإن أهل الغرب سيرون في المسلمين قدوة حسنة، ويتأثرون بهم.
قلت: ما أثر الصراع الإسلامي اليهودي على مستقبل الإسلام في بلاد المسلمين وفي العالم؟
قال: للإسلام مكانة مهمة، ولكن لا بد من تجديد وتقوية في داخل العالم الإسلامي، فإذا قوي الإسلام في داخل بلاد المسلمين، فإنه سيؤثر في العالم.
واليهود يرون أنفسهم يواجهون عرباً مختلفين، ولذلك تبدو القوة في جانب اليهود، ولو أنهم وجدوا أنفسهم يواجهون عالَماً واحداً لفكروا في تفاهم آخر مع العرب والمسلمين، وهو التفاهم السلمي.
قلت: إن تاريخ اليهود يدل على مكرهم وإفسادهم ونقض عهودهم وغدرهم، وهذا يدل على أن التفاهم معهم صعب.
قال: إذا افترضنا أن هذا هو دأبهم، فلا يمكن التفاهم معهم مطلقاً، لكن ليس كل الشعب اليهودي كذلك.
قلت: إن تاريخهم مع أنبيائهم ومع البشرية كلها، ومع الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين خاصة، على مدار التاريخ يدل على مكرهم وخداعهم ونقضهم العهود والمواثيق، وقد ذكر القرآن الكريم كل ذلك عنهم، وتجارب التاريخ كلها تدل على ذلك، فما من أرض حلوا بها إلا عاثوا فيها فساداً في كل شيء.
قال: هذه مشكلة حقيقة، برغم وجود فئة تحاول التقارب، ولكن هذه الفئة لا نفوذ لها بين اليهود، والحركة الصهيونية ظهرت في أوربا، وهي ترى أن كل شعب لا بد له من موطنه.
قال: وقد زرت إسرائيل [اليهود] سنة 1973م، [وهي السنة التي انتصر فيها رجال التكبير على اليهود وجيشهم الذي لا يقهر! ولكن عملاء اليهود والنصارى حولوا ذلك النصر إلى هزيمة ترتبت عليها مسيرة الاستسلام التي لم تنته بعد!]. في وفد رسمي ـ قبل الدخول في الإسلام ـ وقُسِّمَ الوفد إلى عدة لجان متخصصة، منها اللجنة العسكرية، وكنت من أعضائها، وتعرفت على شخص يهودي، يدعى "إلياف" وهو رئيس حزب العمل، ووزير في حكومة "إشكول" وكان هذا الرجل على عكس التيار اليهودي، وقد ألف كتاباً دعا فيه إلى التعاون والتفاهم، بين اليهود والعرب، وقال: إنه لا بد أن يسبق التفاهم مع العرب كلهم، التفاهم مع الفلسطينيين، ولم أسمع هذه الفكرة من أحد من اليهود قبل هذا الرجل، حتى إنه قال لي: لو كُنْتَ إسرائيلياً هل تنضم معي على هذه الفكرة؟ قلت له: نعم.

مواقف بعض الأحزاب الأوربية من المسلمين في أوربا:

وسألت الدكتور "هيلف": ماذا تتوقع من مواقف بعض الأحزاب الأوربية من الجاليات الإسلامية في أوربا؟
قال: ليست الكراهية ضد المسلمين فقط، بل هي ضد الأجانب عامة، بسبب كثرة المهاجرين في بعض الدول الأوربية، كفرنسا وألمانيا، لأن الأوربيين يشعرون أن الأجانب يقاسمونهم معيشتهم.
والغالب أن الكراهية تصدر من الطبقات الدنيا، ولو أن المسلمين بقوا في بلدانهم لخدمتها وتقويتها لكان أولى. [خدمة البلاد وتقويتها تحتاجان إلى استقرار تلك البلدان، واهتمام حكامها بالخدمة والتقوية، وغالب بلدان المسلمين غير مستقرة، وحكامها وأحزابها يتصارعون على السيطرة على كراسي حكمها، والقوي فيها يأكل الضعيف، وخدمة البلاد وتقويتها منسيان في حقيقة الأمر، وإن طبلت وسائل الإعلام فيها بخلاف ذلك، والمهاجرون المسلمون إلى بلاد الغرب، لو علموا أنهم سيمكنون من خدمة بلادهم ويعيشون فيها آمنين أعزة لما بقوا في بلاد الغربة صابرين على الإهانات التي يرونها أخف عليهم من إهانات المتسلطين على رقاب شعوبهم، مع أن كثيراً من المهاجرين لديهم كفاءات وخبرات يستفيد منها الغرب، وبلادهم في أمس الحاجة إليها].
وكثرة المهاجرين هي التي تجعل بعض الأحزاب تكرههم، والألمان الآن يظهرون تعاطفاً مع المهاجرين من الاتحاد السوفييتي ـ سابقاً ـ لقلتهم، ولو كثروا لقل هذا التعاطف معهم.
والمهم هو أن يندمج المسلمون في المجتمع، مع تمسكهم بالإسلام، لأن الصداقات تخفف من الكراهية. [المسلمون في الغرب ينقسمون ـ من حيث الاندماج في المجتمعات الغربية وعدمه ـ ثلاثة أقسام: القسم الأول: اندمج في المجتمع الغربي اندماج ذوبان وانسلاخ من دينه وأخلاقه الإسلامية، وأصبح غربي المعتقد والسلوك ـ ولم يبق معه من الإسلام إلا الاسم ـ وهذا ينطبق على كثير من أفراد الجيل الأول من العمال وذريتهم. والقسم الثاني: خاف على دينه وعقيدته، وأحس أنه لا يجيد السباحة في بحار المجتمع الأوربي، فقرر الانزواء، والغالب عدم نجاحه في هذا الانزواء، لأنه لا يحصل على لقمة عيشه إلا بالاختلاط بالمجتمع، ولكن شعوره بالخوف على دينه، وقلة اختلاطه بالمجتمع الأوربي في وقت العمل، يقلل من ذوبانه في المجتمع الأوربي ويحفظ له بعض عباداته وأخلاقه. والقسم الثالث: عرف كيف يسبح في بحار المجتمع الأوربي وينجو من الغرق، وإن أصابه بلل، وغالب هذا القسم من الطلاب والمثقفين الصالحين، وقد يؤثر في بعض أفراد المجتمع الأوربي، وهذا القسم هو الذي أزعج الأوربيين الذين ما كانوا يتوقعون أن يبقى أحد من المسلمين في أوربا خارجاً عما يسمونه بالتأقلم، ولذلك اشتدت حملاتهم على هذا القسم، ووصفه بالمتطرف، وما معركة الحجاب في فرنسا إلا أحد الأدلة على ذلك].
قلت للدكتور"هيلف": ما سبب تأليفك كتاب (الإسلام قوة عالمية؟).
قال: هناك سببان:
السبب الأول: أني بعد إسلامي، أردت أن أظهر ما فهمته من حقائق الإسلام للألمان.
السبب الثاني: أنني أردت إظهار فكرة التعاون بين الشعوب.
وسألته عن أثر الكتاب في الدولة الألمانية، والشعب الألماني؟
فقال: لا أدري، لأن رجال الدولة لا يقرؤون كثيراً، ولكن الكتاب طبع منه مرة واحدة عشرون ألف نسخة، وقد نفد في سنة واحدة، ويراد طبعه من جديد، والناس يطلبونه كثيراً، وبخاصة بعد أزمة الخليج. [ورب ضارة نافعة، كما يقال!].
وسألته عن إمكان ترجمة الكتاب إلى اللغة العربية؟
فقال: إن تعريبه في ألمانيا صعب، لأنه يحتاج إلى إمكانات.
ويرى الدكتور "هيلف" أنه ينبغي إنشاء جامعة إسلامية في أوربا، ولكنها تحتاج إلى دولة تمولها.
ولما كان من أهم أهداف الدكتور "هيلف" تعاون الشعوب وتفاهمها، فقد ختم كلامه بقوله: إن القيصر قبل ثمانية قرون، كان يملك المنطقة الواقعة بين ألمانيا وتشيكوسلوفاكيا، وكان عنده اتجاه لإيجاد التفاهم بين الشرق والغرب، وكان حراسه من العرب.

ملحوظات على مقابلة الدكتور "هيلف":

الملحوظة الأولى: أن الرجل يبدو عليه صدق اللهجة، وقوة الإيمان، ولا نزكي على الله أحداً، وإرادة الخير والنصح للمسلمين.
الملحوظة الثانية: يبدو من الملخص العربي لمقدمة كتابه، أنه نصح المسؤولين في ألمانيا والشعب الألماني ـ والأوربيين بصفة عامة ـ أن يعاملوا المسلمين معاملة طيبة، يغلب فيها التعاون والتفاهم للوصول إلى مصالح مشتركة للجانبين، بدلاً من محاولة السيطرة والتسلط.
الملحوظة الثالثة: موقفه الواضح الناصح، فيما يتعلق بالحلول التي يجب أن يتخذها المسلمون، للخروج من الضعف والذل الذين أحاطا بهم، وأساس تلك الحلول التمسك بدينهم واجتماع كلمتهم على الحق، وأنهم لا يمكن أن ينتصروا على اليهود إلا بذلك.
الملحوظة الرابعة: ليت بعض المؤسسات الإسلامية ـ من الجامعات ومراكز البحث العلمي والنوادي الأدبية ـ تهتم بترجمة كتابه ترجمة صحيحة إلى اللغة العربية، بعد تقديم تقرير عنه من ذوي الثقافة الإسلامية المجيدين للغة الألمانية واللغة العربية، وتصحيح ما قد يكون في حاجة إلى تصحيح، بالاتفاق مع الكاتب، لينشر الكتاب بين المثقفين العرب، وبخاصة العلمانيين، ليطلعوا على الكنز الغالي الذي منحهم الله، فتعمدوا إضاعته، بل تعمد كثير منهم محاربته، وقد اكتشف عظمته رجال لم يكن للدين عندهم قيمة، بل إن كثيراً ممن عرفوا تلك العظمة وآثروها على غيرها من المال والجاه والمنصب، وصبروا على الأذى والمحن والجفاء من أهل بلدهم، كانوا ملحدين، ولم يكونوا يوماً من الأيام يظنون أنهم سيصبحون أهل دين، وبخاصة هذا الدين الذي لم يشوه في أذهانهم أي دين أو مبدأ كما شوه، وهاهم أصبحوا ينصحون دولهم وشعوبهم بتفهم هذا الدين وما فيه من مزايا، تنير الدروب المظلمة التي يسيرون فيها في أواخر القرن العشرين!
وليت القادرين من المسلمين يساعدون في طباعة مثل هذا الكتاب بلغته وباللغات الأجنبية الأخرى، وبخاصة الفرنسية، والإنجليزية ـ بعد تزكيته من أهل الاختصاص، أو تصحيح ما يحتاج إلى تصحيح ـ لأن المؤلف يخاطب قومه بما يمكن أن يؤثر فيهم تأثيراً يفوق تأثير غيره من الكتاب من خارج أوربا، وقد تقلد وظائف خطيرة في بلاده، لها علاقة قوية بالعالم، وبخاصة المسلمين.
الملحوظة الخامسة: ينبغي أن تكرم المؤسسات الإسلامية هذا الرجل المغمور، الذي لم ينل الشهرة التي نالها من لا يدانيه في فهم الإسلام والتمسك به، ونال على أساس تلك الشهرة التكريم والإطراء، وهو لا يستحق شيئاً من ذلك، بل نال ذلك التكريم من بعض المؤسسات الإسلامية من ليس بمسلم، بسبب بعض الثناء على العرب وعلومهم.

مقال تحذيري للدكتور "هيلف":

هل تتحول المواجهة بين الشرق والغرب إلى مواجهة بين الشمال والجنوب؟ [سلمني صورة من هذا المقال الأستاذ عبد الحليم خفاجي، وهو من أقرب أصدقاء الدكتور: "هيلف"].
في كل مكان جرت العادة أن تتأثر السياسة والسياسيين [الصواب: السياسيون] بالوقائع الوقتية، فإذا ما وصلت هذه الوقائع إلى ذروتها، فإنهم غالباً ما يحاولون التكيف معها والاهتمام بها، ولكن الرجل السياسي الحقيقي هو الذي يتفهم الخطوط العريضة للتطورات المحيطة التي ما هي إلا أحداث قد ترتبت على الماضي، ومتصلة بالحاضر، لذا فإن عليه القيام بتحليل القوى الموجودة ببعضها ليستطيع أن يصنع لنفسه صورة مستقبلية لهذه العلاقات، يضع على أساسها خططه ويصنع قراراته.
لقد لوحظ في الآونة الأخيرة أن النصف الشمالي من الكرة الأرضية، يعيش تحول جذري [الصواب: تحولاً جذرياً] لا يؤثر على توزيع الشعوب والتكوين الاستراتيجي في المنطقة فحسب، بل يتطور ليصل تأثيره إلى شعوب النصف الجنوبي من الأرض، لهذا كان ضرورياً أن نبحث أي الاختيارات الأصلح للمستقبل القريب والبعيد، وأي منهم [منها] المستبعد؟.
إن الأساس والحكم على الحاضر لا بد أن يسبقه استعراض للتطورات التاريخية، وتتلخص فيما يلي:
1 ـ في أوائل هذا القرن خاضت أوربا حربين من أعنف الحروب وأكثرها تدميراً، ليس فقط على أوربا، ولكن على البشرية جمعاء، وقد قضت هذان [هاتان] الحربان على سيادة أوربا وقوتها، مما هيأ الفرصة للمستعمرات الجنوبية للاستقلال والتحرر من أيدي الاستعمار الأوربي، ولم تقتصر النتائج السلبية على ذلك، بل تولد عنها تطور كبير في الأسلحة، سواء كانت نووية أو غيرها، أدى ذلك إلى انقسام العالم إلى قوتين عظيمتين، يتزعم الاتحاد السوفييتي واحدة، والأخرى الولايات المتحدة، وفي تلك القوى تصبح الدول الأوربية، شرقية وغربية، كل على حدة.
2 ـ على مدى أربعين عاماً، نشأت مرحلة ما بعد الحرب التي أكدت على انقسام أوربا إلى شرق وغرب، ينتمي كل قسم منه إلى حلف عسكري يختلف عن الآخر.
3 ـ بدأ هذا التقسيم في التراجع في الآونة الأخيرة، وإن كان غير مؤكد ما قد يحل مكانه في المستقبل، فإنه من الأكيد أن هذا النظام أو التقسيم القديم لن يسود ثانية، وهناك بعض الملامح التي يمكن الكشف عنها، وهي:
( أ ) أن تعود ألمانيا كأقوى دولة في أوربا، فتستعيد مكانتها الحضارية والسياسية.
(ب) أن يواجه الاتحاد السوفييتي انهيار تام [الصواب: انهياراً تاماً] في الأحوال الداخلية الذي يعني افتقاد [فقد] التوازن الاستراتيجي خارج أوربا، أي إنها لن تعود لدورها السابق الفعال في إفريقيا والشرق الأوسط.
(ج ) إذا أدركت روسيا هذا الموقف ـ وهذا متوقع عاجلاً أو آجلاً ـ فإنها سوف تبدأ العمل المشترك مع ألمانيا الموحدة، وقد يرتكز هذا التعاون على أساس اقتصادي يعمل على تأكيد السلامة في أوربا.
( د ) وبذلك يكون قد مضى على مرحلة ما بعد الحرب أكثر من خمسين عاماً، انتهى فيها على تلك المواجهة العنيفة بين الشرق والغرب، ومن الواضح والأكيد أن يظل هذا الموقف الجديد بعوامل جديدة تؤثر على مناطق الصراع والمشاكل الدولية.
4 ـ ما هي النتائج المترتبة على التغير الحادث في العلاقات بين الأجواء الأوربية؟
إن تيارات رؤوس الأموال الغربية، وبخاصة الأوربية تتوجه اليوم ناحية أوربا الشرقية والجنوبية، وأخيراً الاتحاد السوفييتي، وهذا يعني أن المنح والمساعدات الأوربية لإفريقيا والجنوب بصفة عامة، في طريقها إلى الانكماش المستمر.
وبالنسبة للشرق الأدنى والأوسط، فهذا يعني أن الاهتمام الغربي بهما سيقل وسوف لا يجدون منه تصدياً لحل مشكلات دولهم، وبخاصة القضية العربية الإسرائيلية، سوف تتقلص، يعني أنه لن يشغل أحد باله بهذه القضية. [فعلاً قل اهتمام الأوربيين بالقضية مضطرين، لتصميم أمريكا على الاستئثار بها لتحقق المصلحة اليهودية ضد العرب].
وفي حالة ما إذا وصلت المشكلة في السنوات القادمة إلى مشكلة تهدد السلام العالمي، كمصادر الطاقة مثلاً، فإن الجانب الأمريكي أو السوفييتي لن ينضما إلى أحد الطرفين مرجحين إحدى الكفتين، ولكنهم سيتدخلون للعمل على إنهاء حالة الحرب نهائياً مهما كانت النتائج.
5 ـ قد تترتب نتائج أكثر على تلك التغيرات الاستراتيجية في أوربا، أو ما بين الشرق والغرب، فبعد أن تداعى التهديد السوفييتي لأوربا الغربية والولايات المتحدة، فقد حلف الأطلنطي صورة العدو التي كان ينفق من أجلها الأموال الكثيرة، على التسلح، فإن اختفت هذه الصورة، فإنه لن يلاقي الترحيب من الشعوب، حتى ولو كانت مناهضة للاتحاد السوفييتي.
ومن هنا تحول نظر الحلف إلى بلاد أخرى، تنطبق عليها صورة العدو المهجورة من السوفييت، ولما كانت الدول الجنوبية هي الأكثر تناسباً لهذه الصورة، وهي بإمكاناتها البشرية المهولة تمثل خطراً كبيراً على الشمال، هذا إلى جانب أن المنطق السيكولوجي، ليؤكد أن هذا التحول في المواجهة بين الشرق والغرب إلى الشمال والجنوب، يبعث روح التحامل التي تلقى صدى عظيم [عظيماً] في كل مكان من أوربا وأمريكا، على العالم العربي والإسلامي.
وإذا حدث واندلعت ثورات جديدة في وسط آسيا فسيبادر الاتحاد السوفييتي بالانضمام إلى الاتحاد المناهض للعرب والإسلام.
ولا شك أن هذا الموقف وهذا التغير الاستراتيجي في الغرب، سوف يكون في المقام الأول والأخير، في صالح إسرائيل التي ستعمل لإنهاء الجولات لحسابها الشخصي، ومع هذا الخطر فقد بدأ العالم الإسلامي في التحرك لضم المنطقة المتنازع عليها، الأمر الذي يقوي احتمال تحول الاتجاه للمواجهة.
وختاماً فإنني لا أعني بما جاء بهذا المقال أنه سيحدث بالفعل، ولكن قد يحدث لوجود الدلائل عليه، فالتاريخ والأحداث لا تحدث وفق قانون أو خطة موضوعة، فالله أعلم بالمستقبل، ولكن الإنسان قد يستشف ببصيرته وعقله المحدود أن بعض الاحتمالات قد تحدث إذا ما وجدت، ويحول اتجاهها إلى آخر معاكس للمتوقع.
وفي حالتنا هذه فإن العوامل المتحكمة في الأمور تقع في الغرب، وليس في الولايات المتحدة الأمريكية التي وقعت في براثن التأثير اليهودي، حيث إن في أوربا قدرة أكبر على التحكم وتسيير الأمور كمركز للعالم.
لذا فإنه يجب أن يكون الهدف الأساسي، وضع استراتيجية لتدارك المواجهة المحتملة مع [بين] الشمال والجنوب، ويجب أن يكون ذلك في بدايته والعمل على تحقيق الاستعداد الإيجابي، لعمل مشترك وتعاون بين الأوربيين والعرب كقوة مجتمعة.
ولو عهدنا بهذا الشكل الجديد إلى موظفين [موظفي] الخارجية وإلى الاجتماعات الدبلوماسية، فمن المؤكد أنها ستكون مضيعة للوقت وإهداراً لكثير من الأوراق، وسوف تسفر عن أحاديث لا تجدي، ولن تحل من المشكلة شيئاً.
لذا فمن الأجدر أن نتأمل سياسة اليهود الموجودين في الولايات المتحدة، ونقوم بالعمل على إنشاء مراكز ومعاهد مستقلة على أرض أوربية، ونعمل على كسب تأييد شعوب القارة الأوربية إلى القضية العربية، وتصحيح المفاهيم الإسلامية، وبهذا يكون هناك أمل لكسب شعور التعاطف والتأييد.
الوقت يمر سريعاً، لذا وجب التحرك السريع...
د. رودلف هيلف

تعليق:

عندما سلمني الأستاذ عبد الحليم خفاجي الملخص العربي لمقدمة كتاب الدكتور "هيلف" في أول شهر محرم من سنة 1408 ـ 1409هـ ـ 1988م في رحلتي تلك السنة، وستأتي في هذا الكتاب، كتبت تعليقاً بعد المقدمة رأيت أن أثبته هنا ليكون ما يتعلق بالدكتور: "هيلف" متصلاً بعضه ببعض، وهذا نص التعليق:

أقول بعد هذا لا بد من التنبيه على الأمور الآتية:

الأمر الأول: أن الصورة المشوهة عن الإسلام والمسلمين، كانت افتراءً ممن حسدوا الإسلام والمسلمين من النصارى: منصرين وسياسيين، ليوحدوا الدول الأوربية الناشئة آنذاك، ضد المسلمين الذين كانوا يفوقونهم حضارةً وتمدناً.
الأمر الثاني: أن المسلمين أعطوا الأوربيين من العلوم ما لم يكونوا قادرين على الحصول عليه، بدون ذلك العطاء، سواء أكانت تلك العلوم منقولة عن الإغريق أو مما ابتكره المسلمون أنفسهم، أو أخرجوه من النظريات المجردة إلى الواقع والتجربة.
الأمر الثالث: أن بعض زعماء الأوربيين الكبار، كانوا معترفين بفضل المسلمين، بل أسسوا معاقل علمية، بإشراف المسلمين وتعليمهم، ودلت القرائن أن أحد القياصرة أسلم سراً، ولا يستبعد أن يكون غيره من القياصرة قد سلك مسلكه، وكتموا إيمانهم بسبب الحملة العدائية التي كانت سائدة ضد الإسلام والمسلمين. [وحتى هذه الأيام التي يزعم الغربيون أنهم حماة حقوق الإنسان، ومن أهم بنود تلك الحقوق: حرية المعتقد وحرية الرأي، يجد بعض كبار الأوربيين حرجاً من إعلان إسلامهم، وأفكارهم، من النوع الأول: الدكتور إينر بيرج الأستاذ بجامعة أوسلو فقد صرح لي بأنه يؤمن بالقرآن وبالرسول صلى الله عليه وسلم ـ راجع الحوار معه في كتاب: حوارات مع أوربيين غير مسلمين، ولكنه لم يجرؤ على إظهار دينه خوفاً على مركزه الاجتماعي، وسألته هل يصلي؟ فقال: أحياناً، وفهمت أن السبب في ذلك خشيته من مشكلات أسرته وغيرهم، ومن النوع الثاني: السفير الألماني في المغرب، وهو مسلم، عندما كتب كتاباً بين فيه أن حل المشكلات الغربية يكمن في الإسلام شنت عليه الصحف الألمانية حملة شعواء، وطالبت بطرده من وظيفته، وكذلك المستشرقة الألمانية المسماة ـ في ظني ـ آني ميري وقفت وسائل الإعلام الألمانية ضد نيلها إحدى الجوائز الوطنية بسبب ما يقال من موضوعيتها في الكتابة عن الإسلام!].
الأمر الرابع: أن الله يهيئ الآن من يكشف للأوربيين ـ من نفس الأوربيين ـ زعمائهم السابقين والحاضرين للإسلام والمسلمين وافتراءهم وتشويههم المتعمد لهذا الدين.
الأمر الخامس: أن الشعوب الأوربية تتلقى من أجهزة إعلامها، وكبار مفكريها وزعمائها صورة مشوهة عن الإسلام، بناء على إرضاء اليهود، وليس عن حجة وبرهان.
الأمر السادس: أن هذا الدين قادر على العودة إلى القوة والقيادة التي كان عليها من قبل، وإن بدا المسلمون اليوم بعيدين عن الوصول إلى قمتة السامقة.
الأمر السابع: أن مصلحة أوربا والدول الغربية والشرقية كلها، أن يفكر قادتها وشعوبها جدياً في مستقبلها، وعلاقتها بالإسلام والمسلمين، وأن أسلوبها الذي تتبعه الآن، من محاولة التحريش بين المسلمين وإيجاد الفرقة بينهم وإضعافهم، سيكون وبالاً على البلدان الغربية عندما يتحد المسلمون على رغم أنوف أعدائهم، في الشرق وفي الغرب، وخير لتلك الشعوب أن تساعد المسلمين على النهوض والوحدة، وسيحفظ لهم المسلمون معروفهم ويكافئونهم عليه، بدلاً من الوقوف ضدهم.
الأمر الثامن: عظم جرم المسلمين الذين يسيئون إلى دينهم، ببعدهم عنه، وعدم تطبيقهم له، ليكونوا قدوة حسنة لغيرهم، بل أصبحوا فتنة للناس بسوء فعالهم، يصدونهم عن هذا الدين.
الأمر التاسع: الواجب على القادرين من العلماء والمفكرين المسلمين أن يوضحوا للدول الأوربية وغيرها زيف الصورة المشوهة عن الإسلام.
انتهى ما يتعلق برحلة: 1412هـ التي قابلت فيها الدكتور: "هيلف". [تاريخ إكمال الطبع الأحد: 5 جمادى الثانية، 1416هـ المـدينة المنورة....29/10/1995م].