4- في مدينة كولونيا
4- في مدينة كولونيا
جولة في مدينتي بون وكولونيا:
الاثنين 10/ 6/1412هـ ـ 16/12/1991م
جاءنا الأخ محمد الإسلام بولي بعد الساعة الحادية عشرة صباحاً، وحاسبنا الفندق ثم أخذنا جولة في مدينة "بون" ثم ذهبنا إلى مدينة "كولونيا" وأحببت أن نصعد إلى مكان مرتفع لنتصور المدينة منه، ونأخذ لها بعض الصور الفوتوغرافية، فقال الأخ محمد: إن شئتم صعدنا برج الكنيسة، وهي كنيسة كبيرة، تسمى "دوما" فقلت: لا بأس، فصعدنا إلى أعلى البرج الذي يتكون من "509درجات" وألقينا نظرة على المدينة، والتقطنا لها بعض الصور(15).


أيهما أولى بالإنكار الطاقية أم عري النساء والنعال؟
عندما نزلنا من برج الكنيسة وجدنا أحد موظفيها، فنظر إليَّ وأنا قد لبست طاقية من الصوف لأتقي البرد الشديد، فقال: كيف يدخل هذا الرجل الكنيسة، وهو مغطٍّ رأسه بالطاقية؟ فقال له الإخوان: محمد ومجد: هذا رجل مسلم، فغضب غضباً شديداً وتنحى عنا، فسألت الأخوين عن سبب الغضب، فلما أخبراني بذلك قلت: أيهما أليق بالكنيسة الطاقية أم النعال التي يدخل بها كل الناس، بل أيهما أولى بالكنيسة الوقار والستر أم العري الفاضح الذي يظهر في زي النساء الأوربيات وغيرهن بدون إنكار؟ إنها الأهواء التي لا توزن بميزان الشرع ولا يضبطها قانون عقل.
مفاوضات في عدد أعضاء الوفد:
قلت للأخ محمد: أرجو أن نسرع إلى منزل الدكتورة هونكه، لنستغل الوقت المتاح لنا، فقال: إن الوقت لا زال متسعاً، وكانت الساعة الثالثة مساء.
وعرض الأخ محمد عليَّ أن تصحبنا امرأته، لتساعد في الترجمة لأنها ألمانية، والمناقشة قد ترد بها مصطلحات تحتاج إلى ترجمة متقنة، فقلت: لا بأس، وأنا في أشد الحاجة إلى مترجم ماهر، لما قد قاسيت من متاعب في الترجمة في رحلاتي الكثيرة.
فذهبنا إلى منزل الأخ محمد حيث صلينا الظهر والعصر، وطلبت منه أن يتصل بالدكتورة هونكه، ويخبرها أننا في الطريق إليها، فاتصلت بها زوجته، وأخبرتها، فسألتها: كم عدد من سيأتي معه؟ فقالت لها: خمسة أشخاص ـ وكان يرافقني ابني عبد البر والأخوان محمد ومجد، وتقرر أن تصحبنا زوجة محمد للترجمة ـ فقالت لها: إنها هيأت العشاء لثلاثة أشخاص فقط ـ وسيأتي معنى العشاء المهيأ ـ وتريد استقبال الثلاثة فقط، وكان الأخ محمد حريصاً على سماع الحوار معها، فقال: إذًا تبقى الزوجة ونذهب نحن، وعندما نصل نستأذن للأخ مجد، حسب السنة، قلت له: هذه المضيفة قد سبقت الاستئذان الذي دلت عليه السنة، فقررت الإذن لثلاثة فقط، ولكن الأخ مجد رافقنا للتعاون على معرفة العنوان.
وتاه الدليلان!
وذهبنا نلتمس المنطقة التي تسكن فيها الدكتورة "زغريد هونكه" بحسب الدليل الذي كان الإخوة قد كتبوه، وأخذا لأخ محمد يدور هنا وهناك، في الجهات الأربع الأصلية وفروعها، محاولاً العثور على الشارع الذي يقع فيه منزلها، فلم يتمكن من ذلك، وكان ـ بين حين وآخر ـ يقف ويسأل المارة، فمنهم من يعتذر له، لعدم معرفته، ومنهم من يشير له إلى جهة ما، فينطلق حتى يجد شخصاً آخر، فيسأله فيشير له إلى جهة معاكسة، وهكذا.. حتى كدنا نيأس من العثور على الشارع، فضلاً عن المنزل.
ومضى الوقت، وصارت الساعة الخامسة والنصف، بدلاً من الخامسة إلا ربعاً، فطلبت من الإخوة الاتصال بالدكتورة، ليخبروها بضياعنا ويطلبوا منها توضيح العنوان، فلما اتصلوا بها وطمأنتنا بأنها في انتظارنا، ولو تأخرنا قليلاً، ووقف الأخ محمد بجانب محطة بنزين، وسأل عن الشارع، فقالت له فتاة ألمانية ـ وهي تقود سيارتها ـ : اتبعني بسيارتك، فتبعها وكان الفرج، فكان منزل الفتاة الذي وقفت سيارتها بجواره مجاوراً لمنزل الدكتورة "زغريد هونكه" وصلنا الساعة السادسة إلا ربعاً، متأخرين بساعة كاملة عن الموعد.
في منزل الدكتورة زغريد هونكه:
واستقبلتنا المستشرقة الألمانية ـ وهي ترفض تسميتها مستشرقة ـ هي وزوجها، ورحبا بنا ببشاشة، وأشارا لنا بالدخول إلى غرفة صغيرة يعتبر اتساعها لأربعة ضيوف مع صاحبي المنزل جيداً(16).



تهيئة مناسبة للضيف:
عندما دخلنا جلت بنظري في الغرفة، فرأيت بها ما يأتي:
1 ـ المصحف الشريف وضع على كرسيه المصنوع من الخشب، على المقعد الذي جلست عليه الدكتورة وزوجها.
2 ـ خريطة العراق السياسية، وقد نقشت عليها مدنه، وهي معلقة أمامنا على الجدار.
3 ـ بعض التحف العربية، كالخنجر والسيف، ونحوهما.
وضعت أمامنا طاولتان صغيرتان عليهما ثلاثة صحون صغار، فيهما قليل من المكسرات، فول سوداني وفستق... وكان هذا هو العشاء الذي أعد لثلاثة فقط!
تمهيد تعارف مع زغريد هونكه:
بدأت زغريد هونكه كلامها بقولها: إن لها كتباً عدة، غير كتابها الذي ذكرت لها أني قرأته منذ فترة طويلة، وهو ما سمته هي "شمس الله تسطع على الغرب" وسماه المترجم العربي: "شمس العرب تسطع على الغرب"! وقالت: إن عنوان آخر كتبها: "الله شيء آخر". [نشرت مجلة رابطة العالم الإسلامي عرضاً للكتاب الإسلامي لشهر رمضان من عام 1416هـ، من صفحة 37 ـ 40 يدل على أنه ترجم إلى اللغة العربية ، بعنوان: (الله ليس كذلك)، ولم يذكر الناشر ولا تاريخ الطبع].
وقالت: إن المستشرقين يدرسون اللغة العربية أكثر من دراسة الشعوب الإسلامية، وهي على العكس من ذلك، تعنى بدراسة الشعب المسلم وحضارته، وقالت: إن كتابها يُدَرس في المدارس الألمانية، وساعد على تصحيح صورة المسلمين عند كثير من الألمان، وكان قد صدر قبل كتابها الأول "شمس الله تسطع على الغرب" كتاب يدعي صاحبه أن العرب ليس لهم علم ولا حضارة، وهكذا بدأت هي الكتابة عن العرب لتصحيح تلك التصورات المشوهة عن الحضارة الإسلامية.
ثم عرفتها على نفسي وعملي ومؤلفاتي إجمالاً، وذكرت لها كثرة رحلاتي، ولقاءاتي ببعض المستشرقين الأوربيين، وغيرهم في أوربا وغيرها، والهدف من هذه اللقاءات.
الحوار مع الدكتورة زغريد هونكه:
طلبت منها أن تذكر بعض المعلومات المختصرة عن حياتها؟
فقالت: إنها ولدت في26/4/ 1913م في مدينة "كيل" أي إن عمرها الآن ـ ونحن في عام 1991م ـ جاوز الثامنة والسبعين، ويبدو أن عمر زوجها يقارب عمرها. والاسم "زغريد هونكه".
قلت: سمعت أن لك أصلاً عثمانيا، فهل هذا صحيح؟
ابتسمت، وقالت: في الحروب العثمانية، قبل ما بين: (250 ـ 300سنة) من الآن سبيت امرأة عثمانية، ومن هذه المرأة نشأت عائلتي، وكانت هذه العائلة تسكن في بلدة "دِيْتْ مُوْلْتْ".
كان لديها ثلاثة أطفال، فعملت في الصحافة الحرة، لتتمكن من تربية أطفالها، لعدم تقيدها بوظيفة معينة.
واصلت دراستها حتى حصلت على شهادة الدكتوراه، في الفلسفة، والموضوعات التي تهمها في المقام الأول: العلاقات الاجتماعية.
وأول كتاب ألفته كان بعنوان: "البداية كانت رجلاً وامرأة" وظلت تتابع العلاقات الإنسانية في نشاطها.
ثم درست تأثير الغرباء على الشعب الألماني، ومن ذلك تأثر بعض الألمان بالعرب، ومعروف أن طبيعة العرب تختلف عن طبيعة الغربيين.
وقالت: إن كتبها كلها ألفتها في منزلها هذا.
وقد ألفت كتابها "شمس الله تسطع على الغرب" سنة 1960م، وكانت قبل ذلك تسمع محاضرات عن الحضارات المتنوعة، وعن تاريخ العلوم، واتجهت إلى البحث عن حضارة العرب، لتعرف من أين بدؤوا وإلى أين انتهوا، وكان الكتَّاب والمحاضرون يرفضون وجود علاقة بين العرب والعلوم، فخرجت هي من بحثها بالنتيجة التي تضمنها كتابها المذكور.
قلت: ما الديانة التي نشأت عليها؟
فقالت: هي ليست مسيحية، وتعتقد أن لأوربا ديانتها الخاصة، وهي ديانة قديمة مأخوذة عن فلاسفة أوربا الكبار، مثل "غوته" و"ديكارت" وغيرهما ممن سبقهما من رجال أوربا، وقالت: إنها كتبت كتاباً خاصاً عن تلك الديانة، سمته "دين أوروبا الخاص" وهذا الدين هو الحضارة، وليس معنى ذلك أن أهل هذا الدين لا يؤمنون بإله، بل على العكس يؤمنون بإله قبل أن تصل المسيحية إلى أوربا، وأهل هذا الدين موجودون، ولا يعتقدون التثليث، ولا صلة لهذا الدين بأي دين خارج أوربا، وبعض الزعماء الأمريكان كانوا يعتقدون بوجود إله، دون أن تكون لهم صلة بالدين المسيحي، مثل "جِفِرْسُون ولِنْكِلْنْ". [معنى هذا أن الدين الذي أنزله الله على رسله من لدن آدم عليه السلام ونوح وإبراهيم...... وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام، ليس للدين الأوربي المذكور به صلة].
ولأهل هذا الدين جمعيات كثيرة في بافاريا وفرانكفورت وفي المناطق الشمالية.
قلت: هل لهذا الدين أماكن عبادة، كالكنائس، مثلاً؟
قالت: ليس له أماكن عبادة خاصة غير منازل أهله، وفي الصيف يكونون في إجازاتهم وفراغهم في الخلاء، وهم يرتبطون بالطبيعة.
قلت: هل لهم عبادات معينة؟
قالت: لا.
وقال زوجها: ـ واسمه "PETERH.SCHULZ" وكان يتدخل في الحوار أحياناً فيعلق، وقد يجيب عنها وهي ساكتة، وقد تظهر تأييدها لما يقول ـ : هذا الدين هادئ ولا يحدث ضجيجاً، والكنيسة تحاربه، وتتهمه بأنه تغيير للدين، وأهل هذا الدين ليسوا متعصبين ويقبلون كل الديانات. [على حد: "لا ترد يد لامس"!].
وأخرجت زغريد هونكه بعض كتبها، وقالت: هذه ثلاثة كتب:
أحدها يتضمن دفع التهم عن الديانة الأوربية.
والثاني يتضمن دفع التهم التي يوجهها الغربيون ضد العرب، وعنوانه ـ كما قال المترجم ـ :"ألف مسألة ومسألة، أو ألف شيء وشيء" على غرار:"ألف ليلة وليلة".
أما الكتيب الثالث: ففيه خلاصة لمضامين كتبها.
وقالت: إنها قارنت بين نشاط اليونان العلمي، ونشاط العرب، فوجدت أن علوم اليونان تغلب عليها الفلسفة، وأما العرب فاهتموا بالعلوم الطبيعية من حيث التجربة، فعلاقة العرب بالعلوم، وثيقة وترتبط بالاعتقاد عندهم، بخلاف المسيحية التي رفضت العلوم، ولهذا لم يقبل الأوربيون على العلوم إلا بعد رفضهم فكرة الكنيسة.
[قلت: ومع ذلك يحاول بعض المنافقين فصل الإسلام عن حياة أهله، كما فعل الأوربيون الذين كانت ديانتهم تحرم عليهم استعمال عقولهم في العلوم الكونية!].
هل أسلمت الدكتورة زغريد هونكه؟
كنت أعرف أن "زغريد هونكه" لم تسلم، ولكن قبل سفري بأسبوعين أو أكثر، قال لي أحد المسلمين في ألمانيا، عن طريق الهاتف: إنها دخلت في الإسلام! وقد اتضح لي من حديثها السابق أنها لا تؤمن بالمسيحية، ولا بغيرها من الأديان التي هي من خارج أوربا، ولكني أحببت أن أسمع ذلك منها صراحة، فهي أولى بالحديث عن إسلامها أو عدمه.
لذلك قلت لها: بلغني أن "زغريد هونكه" دخلت في الإسلام قريباً، فهل ذلك صحيح؟
قالت ـ دهشة ـ : أنا؟!
قلت: نعم، أنـت.
قالت: لا، أبداً.
وهنا تدخل زوجها، فقال: لعل الذين ظنوا أنها أسلمت، وقع عندهم اشتباه بسبب دعوة بعض الرؤساء العرب لها، مثل حسني مبارك وكذلك حضورها بعض المؤتمرات، مثل: "ملتقى الجزائر" ولها صلات شخصية بعلماء ومفكرين، كما أن شيخ الأزهر دعاها وناقشها، ومنحها دكتوراه فخرية من الأزهر، ونُشرت صورها وهي مغطاة الرأس ساترة البدن. [أراد زوجها أن يعلل سبب إشاعة أنها أسلمت].
قالت: إن لها كتاباً آخر بعنوان "الموت" تحدثت فيه عن حقيقة الموت، وعن تجهيز الموتى، وهذا الكتاب تعتبره من الكتب القيمة، وفيه أفكار تقارب أفكار المسلمين في هذا الباب.
قلت: كيف ترى زغريد هونكه أثر ضعف المسلمين على دينهم؟
قالت: هذا السؤال مفاجئ لي، ولكن علاقة المسلمين بدينهم ضعفت، إلا أنه إذا قورنت صلة المسلمين بدينهم، بعلاقة المسيحيين بدينهم، فإن علاقة المسلمين بدينهم أقوى، وضعف الصلة بالدين يؤدي إلى الضعف السياسي والاقتصادي وغيرهما.
وقال زوجها: إن الاستعمار له أثر في هذا الضعف.
وقالت هي: إنها ألقت محاضرة في افتتاح أكاديمية سويسرية للتطور، وعنوان المحاضرة: "من الْخَلْق [هكذا ترجم لي الأخ محمد، وحاولت الاستفسار مراراً، وهو يراجعها ثم يعيد لي نفس العبارة، والذي يظهر من السياق أنها أرادت أن تبين أن العرب كانوا مبدعين في العلوم، وأنهم أفادوا الأوربيين بذلك الإبداع في المرة الأولى، وهذا هو معنى (الخلق)، فلما تخلف المسلمون عن ذلك الإبداع، استعمرهم الأوربيون (استعبدوهم)، فأصبح الأوربيون يصدرون للعرب ما يريدون من أفكار، فأصبحوا بذلك ذيلاً لسواهم بدلاً من أن يكونوا سادة] إلى التطور في العلاقات الثنائية بين العرب والأوروبيين" تحدثت فيها عن تأثير الاستعمار على البلاد الإسلامية، وعلى المسلمين الذين كانوا يصدرون الأفكار لغيرهم، فأصبحوا بعد الاستعمار يستقبلون الأفكار من غيرهم، ففقدوا حضارتهم ولغتهم، كما هو الحال في الجزائر.
وخلاصة كلامها أن الضعف بدأ في صفوف المسلمين لضعف صلتهم بدينهم، وزاد ذلك الضعف الأوربيون عندما استعمروهم.
قالت: ومن المشكلات التي شوهت صورة الإسلام والمسلمين، وجود الغلاة بين المسلمين، مثل الخميني.
قلت: ما أثر المسلمين في أوربا، وتأثرهم بها، وما النتيجة المتوقعة لذلك؟
بدأت كأنها تريد أن تجيب ثم سكتت والتفتت نحو زوجها ـ كأنها تستنجد به ـ فقال: لا نعرف إن كان المسلمون يستطيعون التأثير في المجتمع الأوربي، لأنهم أفراد، وليسوا مجتمعاً، ولو كانوا مجتمعاً صغيراً داخل المجتمع الأوربي لاستطاعوا التأثير فيه، وكثير من العرب يقلدون الأوربيين أكثر من اللازم، [حتى في بلدان المسلمين، فكيف بمن هو في وسط المجتمع الأوربي؟!]. ويوجد عدد من الألمان دخلوا في الإسلام، ولكنهم أفراد أيضاً، ولو أن المسلمين عادوا إلى الإسلام كما كانوا من قبل، فجمعوا بين الدين والحضارة [يقصد الحضارة المادية، والأوروبيون لا يفهمون أن الإسلام الشامل الذي نزل به القرآن لا ينفصل فيه الدين عن الحضارة المادية التي تخدم البشرية على هدى من الله] ومناسبة العصر، بدون أفكار الخميني، لو عاد المسلمون إلى ذلك لاختلف تعاملهم مع الغرب، كما كان ذلك في الأندلس. [حيث كان المسلمون أعزة، وكانوا هم أساتذة العالم].
أما تأثير الأوربيين في المسلمين فواضح جداً، وهو أمر يؤسف له الآن، لأن المسلم يفقد هويته، ولهذا فمستقبل الإسلام في أوربا ضعيف جداً حسب ما نرى.
قلت: ما السبب في قلة دخول الأوربيين في الإسلام، بخلاف الأفارقة والآسيويين ـ مثلا؟
قالت ـ ووافقها زوجها ـ : أهل أوربا عندهم حضارة، ولا يرون في الإسلام ـ على وضعه الحالي ـ ما يدفعهم إليه، والأوربيون انغمسوا في "الحضارة المادية" حتى وصلوا إلى نبذ الدين كلياً، فخرجوا من الكنائس، ولو وجدوا ما يلفت أنظارهم إليه، لبحثوا فيه، ودخل كثير منهم فيه.
أما غير الأوربيين، فليس عندهم حضارة، ولذا يرون الإسلام مرتفعاً بالنسبة لهم.
ويجب أن يكون العمل بين المسلمين والأوربيين، مبنياً على التعاون، وليس على العداء، لأن العرب بعد الاستعمار، انزووا عن الغرب، وأصبح التعاون عندهم مع الغرب مذموماً، والواجب أن يتعاونوا، مع احتفاظ كل منهم بأفكاره، [لقد احتفظ الغرب بأفكاره، وتخلى أكثر قادة العرب ـ بل المسلمين ـ عن مبادئ دينهم، وليس عن أفكارهم فقط!]. ويكون عند الجميع حرية التعبير عن الرأي، ثم تساءلت: ما ذا يعرف العربي عن الغرب؟ ونحن نعرف أن الغربيين يعرفون قليلاً عن العرب، وإذا نظرنا إلى الطلاب المسلمين وجدنا عندهم فرصة للتعرف على الغرب، أما غير الطلاب فلم يعرفوا عن الغرب شيئاً، والعامل العادي لا يستطيع أن يحكم الحكم الصحيح على الغرب، ولا بد أن تسود المساواة بين العرب والغرب وتعرف كل منهم على ما عند الآخر من وجهات نظر. [أنى لتلك المساواة أن تحصل بين من يرى نفسه السيد المطلق، وبين من يرى نفسه التابع الذليل؟!].
ثم أشارت إلى مقطع من كتيب لها، قالت: إنها تحدثت فيه عن "الأمير الصغير" [تعني الأمير سلطان بن سلمان بن عبد العزيز] ـ حسب قولها ـ الذي اشترك في الرحلة الفضائية مع رواد الغرب، [وهي تحث بذلك على استفادة العرب من التكنولوجيا الغربية].
قلت: هل توجد مشكلات أوربية ترى أن لها حلولاً في الإسلام؟
قالت: لا يمكن حل مشكلات الناس هنا عن طريق الإسلام، لأن الأوربيين، ماديون، ولا يفكرون في أنه يوجد عند غيرهم أعلى مما عندهم، حتى يبحثوا فيه عن حلول لمشكلاتهم، ولو عادوا إلى جذور الدين لأمكن أن يجدوا حلاً لمشكلاتهم، ولا تعرف شيئاً يمكن أن يحل مشكلاتهم في الإسلام، وقد كتبت كتاباً، عنوانه: "قدر أوربا شيء آخر" يوضح أن تاريخ أوربا بدأ قبل المسيحية، وعندما وصلت المسيحية، عن طريق اليهود إلى روما، أُرغم الناس بالقوة على اعتناق النصرانية، وخروج النصارى من دينهم الآن يدل على العودة إلى الأصل، وهو الذي يريح النفسية الأوربية. [تأمل هذا التناقض! تشكو من المادية التي انغمس فيها الأوربيون، حتى أصبحوا لا يفكرون في دين أصلاً، وتتمنى لو أنهم عادوا إلى جذور الدين ليحل لهم مشكلاتهم، ثم تزعم هنا بأن خروج الأوربيين من الدين النصراني يريحهم، وعامتهم إنما يتركون الدين إلى غير دين ـ حتى الدين الذي تزعم هي أنه دين الأوربيين الأساس لا يدري عنه غالبهم ـ فما هو هذا الأصل الذي يعود إليه الأوربيون عندما يتركون الدين النصراني أو غيره من الأديان الأجنبية إلا أن يكون هو الإلحاد بعينه؟!].
فالحركة النسائية بدأت قوية، بعد معاناة النساء مما هو موجود في الديانة النصرانية، من أن حواء هي التي تسببت في الخطيئة، والمرأة تريد أن تعيش مستقلة بدون قيود، ولا تريد قدوة تبين لها الطريق، وإنما تريد أن تعيش بحسب ما تريد هي، والنصرانية ديانة طارئة على أوربا اغتصبت أهلها بالقوة. [تريد من هذا الاستطراد أن تقول لضيفها: إذا كانت النصرانية هي المعترف بها في أوربا، وهي أقدم من الإسلام في هذه القارة، ونحن نعتبرها ديانة طارئة على أهلها، فما بالك بالإسلام الذي يكرهه الأوربيون، وهو متأخر في وصوله إليها بالنسبة للنصرانية!].
قلت: هل معنى هذا أن أوربا لا يصلح لأهلها أي دين غير الدين الذي كانت عليه قبل مجيء المسيحية؟
قالت: هي تعود إلى فلاسفة أوربيين قبل أن تأتي المسيحية، وهم الذين بينوا ذلك الدين، وهي تعتقد ذلك، لأنه لا توجد فيه مشاكل. [بعثت إلى الإخوة في فرانكفورت بأسئلة تتعلق بهذا الدين الذي كررت هونكه ذكره في هذا الحوار، وأشادت به، وترى أنه هو وحده اللائق بالأوربيين، وطلبت منهم أخذ الإجابة منها والبعث بها إلي، ولكنهم لم يردوا لي شيئاً، ولا أدري أسلموها فلم ترد لهم عليها، أم هم تأخروا عن تسليمها، ولم أستطع عندما حاورتها إلقاء تلك الأسئلة عليها، لضيق الوقت، ولما بدا عليها من تعب].
قلت: ماذا تظن هونكه عن موقف الغربيين بعد سقوط الشيوعية فيما كان يسمى الاتحاد السوفييتي، وقد كان الغربيون يقولون لنا: يجب أن يكون المسلمون واليهود والنصارى في خندق واحد ضد الشيوعيين الملحدين؟
قالت: هي تعتقد أن التسامح في العالم يزداد، وهذا التسامح سيجعل الحياة أفضل بين أهل الأديان، فيعترف بعضهم ببعض، ولا تتوقع ازدياد العداء، وقد شهدنا تعاوناً متزايداً في حرب الخليج ضد عدو واحد، ومع ذلك فإن اليهود متصلبون. [أثبتت حرب البوسنة وموقف الغرب من تذبيح المسلمين وتشريدهم وتخريب دورهم ومساجدهم وانتهاك أعراضهم أربع سنوات غير ما توقعته زغريد هونكه، ولولا تثبيت الله المسلمين وصبرهم واستماتتهم أمام عدوهم هذه المدة كلها، لكانوا قد أخلوا بلادهم واستأثر بها نصارى الصرب البروتستانت الكروات الكاثوليك، ولكانت البوسنة والهرسك أندلس القرن العشرين، وهو ما كان يريده زعماء الغرب فيما بدا من تصرفاتهم الظالمة، والغرب يعلن التسامح باللسان، ويرهب المسلمين بالفعل! بل حصل ما هو أعظم من ذلك وهو العدوان الأمريكي واليهودي على المسلمين في بلدانهم، ومنها فلسطين والعراق وأفغانستان والله أعلم ما وراء ذلك].
الصراع بين المسلمين واليهود:
قلت: ماذا ترين في نهاية الصراع بين المسلمين واليهود؟
قالت: لا تعرف كيف سيكون موقف اليهود من تصلب شامير [لم تدرك ما فعل شارون بالفلسطينيين] هل سيستجيبون له أو لا؟.
وقال زوجها: سيطردونه، وكلما بقي تفكير اليهود بالصورة الموجودة الآن فلا يكون هنالك سلام، وقد هاجم اليهود الدكتورة زغريد لأنها تخالفهم، ويرون أنها خطيرة عليهم.
[وحصل نقاش طويل معهما في هذا الموضوع، شرحت لهما فيه تاريخ اليهود مع المسلمين، ونقضهم العهود، وذكرتهما بأن الأصل فيهم الإفساد في الأرض والغدر حتى مع أنبيائهم...!].
قلت: لماذا يؤثر اليهود في الأوربيين سياسياً واقتصادياً، وهم قلة، أكثر من العرب، وهم كثرة، ولليهود دولة واحدة صغيرة المساحة قليلة السكان، وللعرب أكثر من عشرين دولة، مع كثرة عددهم، وسعة أراضيهم التي تمتد من المحيط الأطلسي، إلى الخليج العربي، فضلا عن العالم الإسلامي كله؟
قالت: زعيم اليهود في ألمانيا "جالنسكي" عندما يصدر رأيه يخافه كل السياسيين، بسبب تاريخ الألمان مع اليهود، وإحساس الألمان بعقدة الذنب، فيحاولون إرضاء اليهود، واليهود يستغلون نفوذهم في الإعلام والسياسة، وغيرهما، والعرب لهم وجود اقتصادي، ولكنهم لا يستغلون ذلك في الإعلام والسياسة وأنت أول عربي تأتي إلينا وتبحث معنا في هذه الأمور!
مواقف المستشرقين من الإسلام والمسلمين:
قلت: للمستشرقين مواقف ـ في القديم والحديث ـ من الإسلام والمسلمين، ما أثرهم على الأوربيين والمسلمين؟
قالت: المستشرقون القدامى، هم علماء لاهوت، ولهم مواقف خاصة ضد الإسلام، أما المحدثون فهم تلاميذ لأمثال زغريد [تعني نفسها] فإذا كانت آراؤها تختلف عن آراء المستشرقين القدامى، فالأمر مختلف بالنسبة للمستشرقين الجدد، [في الجملة، نعم!]. والقدامى كانوا يهتمون باللغة العربية في دراساتهم، أكثر من اهتمامهم بالإسلام موضوعياً. [وكانوا، ولا زال كثير منهم، ينقبون عن بعض العيوب الناشئة عن تصرفات بعض المنتسبين إلى الإسلام، وبعض ما حوته كتب التراث من روايات دخيلة على الإسلام، ليشوهوا بذلك كله صورة الإسلام، وينفروا منه الناس].
وأثر المستشرقين غير كبير على الشعوب الأوربية. [ربما تقصد أنهم لم يؤثروا تأثيراً يصحح أفكار الأوربيين عن الإسلام والمسلمين، أما تأثيرهم السلبي فالمستشرقون هم الذين شوهوا صورة الإسلام في أوربا وغيرها، وهم مستشارو زعماء أوربا في فهم كثير من قضايا الإسلام، وحتى في مواقفهم من الإسلام والمسلمين، ومع ذلك يوجد بعض المستشرقين المنصفين الذين هم على عكس هؤلاء، ولكنهم قلة].
وعندما ظهر كتابي ـ تعني: شمس الله تسطع على الغرب ـ تفتحت عيونهم على أمور لم يكونوا يعرفونها أو يفكرون فيها، وبدؤوا يبحثون في ذلك، حتى إن أحد الأساتذة كتب كتاباً في موضوع حضارة العرب، وسرق أفكاره من كتابي، وعرض الناشر ذلك الكتاب، وعندما سألت عن مقدرة الكاتب على التصدي للكتابة في تلك الموضوعات، عرفت أنه لا يستطيع الكتابة فيها.
وبعض المتخصصين في الطب بدأ يعارض أفكاري عن العرب، وحمل عليَّ حملة شعواء، وبعد سنتين من ذلك، كتب كتاباً عن الطب العربي، واعترف بما كنت سجلته قبل ذلك وأنكره.
وقد ترجم كتابي المذكور إلى ثلاث عشرة لغة، منها اللغة اليابانية.
والكتاب يدرس في كليات الترجمة في بعض البلدان العربية، لأنه ترجم بعدة لغات، وأحد أساتذة الأزهر، وهو متخصص في الطب، شرح للطلاب الذين يدرسهم بعض موضوعات هذا الكتاب، وقد قابلني عندما زرت مصر.
قلت لها: ما الأحسن للإنسانية استعادة المسلمين مجدهم، أو بقاؤهم على ما هم عليه الآن؟
قالت: لا يجوز أن يبقى المسلمون على وضعهم الحالي، لأن المسلمين عندما قادوا العالم أغنوه بعلومهم، ولو عادوا وطوروا أنفسهم مرة أخرى لأعطوه قيماً مطلوبة، بشرط أن لا يتقوقعوا على أنفسهم، مثل الخميني.
وإذا طوروا أنفسهم ـ كما فعلوا في الماضي ـ فيجب أن يكيفوا حضارتهم كما يريدون مما يناسب مجتمعهم، ولا يفعلوا كما فعل الشاه، فيأخذوا كل شيء عن الأوربيين، ولا ينزووا كما فعل الخميني، بل يجب أن يتخذوا الوسائل المناسبة التي تساعدهم على تطوير أنفسهم، مع استقلالهم فكرياً.
موقف زغريد هونكه من شمول الإسلام:
قلت: إن الذي يدرس الإسلام من مصادره الأصيلة يجده شاملاً لحياة البشر كلها: العقيدة، والخلق، والشؤون الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، والعسكرية، والتشريعية، والعقابية... ما وجهة نظر زغريد في ذلك؟
قالت: أحكام الإسلام ـ في جملتها ـ جيدة، لكن الحدود فيها قسوة، وبربرية، مثل قطع اليد.
وهنا تدخل زوجها ـ وبدا عليه حسن المجاملة والأدب [ويبدو أنه أدرك أن النقاش سيخرج من الحوار العادي والسؤال والجواب إلى الجدال وإقامة الحجج والرد عليها من الجانبين، فأراد أن يبقي المسار على ما هو عليه] ـ فقال: الذي يؤمن بدينٍ مّا، لا ينبغي أن يأخذ منه شيئاً ويترك شيئاً، ويقول: هذا حسن وهذا سيء، بل ما دام الإنسان يرتاح لدينه فعليه أن يأخذه كله. [وكأنه كان يفسر قول الله تعالى: { أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}. البقرة: 85].
أنظمة الغرب ومصيرها لدى زغريد هونكه:
قلت: ما مصير الرأسمالية الغربية، بعد فشل الشيوعية؟
قالت: الرأسمالية الخالصة، ليست موجودة في أوربا، بل إن النظام الاقتصادي في الغرب، خليط من الاشتراكية والرأسمالية. والشيوعية فكرة طارئة على أوربا، وماركس رجل يهودي.
قلت: ما مصير هذا الخليط الاقتصادي في الغرب؟
وهنا استأذن زوجها قبل أن تجيب، فقال: الشيوعية فكرة ماركس، والواقع أنها توجد عدة نظم، ففي إنجلترا، كانت الرأسمالية موجودة قبل مائتي سنة، حيث كان صاحب العمل يحدد أجر العامل كما يريد، والذي يحدد الأجر في النظام الشيوعي هو الدولة، على اختلاف في وجهات نظر الشيوعيين.
أما النظم الموجودة الآن، فإن الدولة لا شأن لها بذلك، وإنما يتم الاتفاق بين العامل وصاحب العمل، ولذلك تكونت نقابات للمحافظة على حقوق العمال، وتوجد عدة أنظمة في هذا.
قلت: هل هذه الأنظمة صالحة للبقاء؟
قالت: نعم، لأن هذه الأنظمة لم يفرضها سلطان على الناس كرهاً، وإنما اختاروا ذلك بأنفسهم.
قلت: هل تظنين أن قوة أخرى ستظهر غير أمريكا؟
قالت: لا تعتقد أن توجد قوة أخرى مستقلة أو مسيطرة، [تعني بما في ذلك أمريكا، وكان هذا حسن ظن منها، ناظرة إلى أن القرن القادم يبشر بحرية عامة للبشر، وتحضر تغيب معه الوحشية الظالمة والعدوان الآثم، وما درت أن قادة الصليب في أمريكا يعدون العدة لما هو أسوأ من الماضي، كما هو واقع الآن في بلدان العالم التي ملأتها للأسلحة الأمريكية في البر والبحر والجو، وبخاصة البلدان العربية التي نسأل الله أن ينقذها من عدوها بأن يهزمه هزيمة منكرة كما هزم الأحزاب الكافرة قبله على مر القرون، وأن يخرج جيوشه من بلدان المسلمين صاغرة مقهورة]. وإنما سيوجد عمل مشترك وليس قوة ضد أخرى، وأوربا لا تريد السيطرة على العالم، والشرق لا يتغير بسرعة، نظراً لوضعه الحالي.
قلت: كم تقدرين عدد المسلمين الألمان؟
قالت: لا تدري، لكن يمكن أن يقدر عددهم ما بين أربعين ألف وخمسين ألفاً.
قلت: بماذا توصين المسلمين؟
قالت: هي لا تستطيع أن تنصح المسلمين، لأن كل بلد عربي له ظروف الخاصة، وهي تعرف الجزائر أكثر من البلدان الأخرى، وقد علمهم الاستعمار الفرنسي أن أصلهم من جالية هولندية، واستجابوا للاستعمار، ففقدوا حضارتهم وتاريخهم ولغتهم، التي هي المعيار الأساسي لتكوين العقل، وقد رأيت رئيس البنك في الجزائر، يتعلم اللغة العربية على اللوحة الصغيرة [اللوح الخشبي الذي يكتب للطلاب عليه الحروف الهجائية في كتاتيب المسلمين القديمة مع أبنائه] والسفير الجزائري في بون يتعلم اللغة العربية على يد ألماني، واللغة ليست طريق مواصلات، وإنما هي أصل تفكير الإنسان، لأنه يتأثر بمضامينها وأفكار أهلها.
فأول ما يجب على العرب أن يتعلموا لغتهم وتاريخهم، بدلاً من تعلم أفكار غيرهم، وعليهم أن يعودوا مرة أخرى للتعامل مع الأشياء كما كان يتعامل معها أجدادهم، والعودة لأصول الدين، ويعطوا لأنفسهم فرصة لتطوير وسائل الحضارة، ويكيفوا الأشياء التي تأتيهم من أوربا لتتفق مع مبادئهم وحضارتهم.
ولا ينبغي أن يفتخروا بالماضي وينسوا الحاضر والمستقبل، وقد سمعت وزيراً سورياً يتبجح بالماضي، ولكنه لا يعمل للحاضر والمستقبل [فليعتبر المنافقون من أبناء هذه الأمة ممن ينادون بإبعاد الإسلام عن حياة المسلمين تقليداً لغير المسلمين في الغرب، فهذه الفيلسوفة الأوربية تنعى على المسلمين التقليد الذي كان سبباً في فقد عزهم، وما أكسبهم من ذل وهوان].
قلت: ما أهم المشكلات الاجتماعية التي تواجهها أوربا؟
فأجاب زوجها: لا نستطيع الحكم على أوربا كلها، والمشكلة الرئيسية في ألمانيا الآن هي آثار الاتحاد الذي حصل بين ألمانيا الشرقية وألمانيا الغربية [سابقاً] لأن الشرقيين عاشوا أربعين عاماً تحت الحكم الدكتاتوري، والآن يجب أن يتعاملوا ـ بحسب الوضع الجديد ـ مع الحرية، وهم في الناحية المعيشية يعيشون عيشة جيدة، إذ لو أخذ العامل المصري في مصر ـ مثلاً ـ ما يأخذه العامل هنا، لعاش المصري مرفهاً، لكن العامل الألماني حياته ـ من الناحية النفسية ـ غير مستقرة، لعدم وجود الدين الذي يحل المشكلات الكبيرة. [المقصود عدم وجود الرغبة في التدين، وعدم وجود الدين المعترف به، أما الدين الذي يحل المشكلات فموجود، ولكنه يشوه عمداً ويحارب، وهذا اعتراف بوجود مشكلات كبيرة لا يحلها إلا الدين، والأديان كلها ما عدا دين الإسلام لا تملك مناهج مفصلة لحل مشكلات الناس حلاً شاملاً].
وهذا ما جعل الأحزاب السياسية في قلق، وجعلهم يلتمسون حلولاً لهذه المشكلات، حتى يرتاحوا نفسياً، كما ارتاحوا مادياً. [يمكنهم ذلك فقط إذا رجعوا إلى خالق النفس الذي أوجد لتلك النفس ما يريحها مادياً ومعنوياً، وهو ذكر الله الذي قال الله تعالى فيه: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب}.والمراد بذكر الله ما يشمل الذكر باللسان والذكر بالقلب، وبهما ـ أي بذكر القلب واللسان ـ يعبد الإنسان ربه متبعاً لوحيه في حياته الخاصة، وفي علاقته بغيره، فيأخذ حقوقه من الناس ويؤدي إليهم حقوقهم، ويقوم أهل الحل والعقد ـ كل فيما يخصه ـ بتنفيذ أحكام الله على من خرج عنها ولم يؤدها طواعية، فهل يفكر من ساءت حياتهم وحياة شعوبهم في أخذ الحل من وحي الله المنزل (القرآن الكريم الذي لا يوجد حل في سواه؟)].
وسألتُ عن الارتباط الأسري في أوربا وخاصة في ألمانيا؟
فأجاب زوجها: إن 75% من العائلات تعيش عيشة طبيعية، و25% لا يستطيعون الجزم فيها بعيوب معينة. [في هذه الإجابة مبالغة حسب معلوماتي من أوربيين مسلمين، وأوربيين غير مسلمين، كما في الحوارات (وهما كتابان مطبوعان حاورت فيهما أوربيين مسلمين، وأوربيين غير مسلمين) ، ثم إن كلمة (طبيعية) كلمة فضفاضة، والأمر الذي يكون طبيعياً عند قوم، قد يكون غير طبيعي عند آخرين].
هذا هو الحوار الذي جرى بيني وبين الدكتورة الفيلسوفة (زغريد هو نكه) ـ كما تحب أن تصف نفسها، ولا تحب أن توصف بالمستشرقة وقد شارك في الحوار زوجها الذي لم أكن أعرف عنه شيئاً، وبدا لي من اشتراكه في الحوار أنه مثقف عالي الثقافة، ذو اطلاع جيد على أحوال الغرب والعرب، وكنت أود أن آخذ منه وعنه بعض المعلومات، ولكني أحسست بأن الوقت قد طال، وأن التململ قد بدأ يظهر، مع محاولتهما إخفاءه مجاملة لنا، فقد استغرق هذا الحوار ثلاث ساعات.
ملحوظات واستفسارات:
1 ـ الملحوظات:
وهنا لا بد من إبداء بعض الملحوظات:
الملحوظة الأولى: أن الأسئلة التي كنت أريد إلقاءها على الفيلسوفة "زغريد هونكه" ومناقشتها معها كثيرة، ولكني أدركت أنها هي وزوجها، لم يكونا مستعدين للاستمرار بعد هذا الزمن الذي أخذناه، بل صرح زوجها بأنها مصابة بمرض القلب، يصعب عليها الحوار الطويل، وقد بدأت تكح كحة يكاد نفسها ينقطع معها، لذلك اضطررت لإنهاء الحوار.
وقال لي المترجم: إن زوجها قال له عند بدء الحوار: لا نريد حواراً طويلاً في شؤون الدين، ولهذا استغللت الوقت في طرح شؤون قد يظنون أنها ليست من الدين، وهي عندنا من صميم الدين، إذ لا يخلو نشاط الإنسان من علاقة بالدين، كما هو معروف في الأحكام التكليفية الخمسة.
الملحوظة الثانية: أن الأوربي مهما طال زمن دراسته للإسلام ولحياة المسلمين، ومهما أبدى إعجابه بالإسلام والمسلمين، ومهما أظهر من دفاع عن بعض قضايا المسلمين، لا بد أن تبقى بعض آثار مواقف المستشرقين الظالمة في نفسه، إما عمداً وإما جهلاً، ما دام لم يأخذ دراسته عن الإسلام من أصول الإسلام وقواعده ومصادره الأصيلة، وعلى أيدي علماء الإسلام الذين فقهوا الإسلام حق الفقه، وهذه الدكتورة "زغريد هونكه" أحد الأمثلة على ذلك، فهي تفتخر بأنها دافعت ـ ولا تزال تدافع ـ عن العرب، وتثني على الحضارة الإسلامية، ومع ذلك تصف الحدود في الإسلام بأن فيها قسوة وبربرية، وتنكر أن يكون في الإسلام حلول لمشكلات الأوربيين، مع أن كل المشكلات التي يعانون منها، أساسها بعدهم عن التوجيه الإلهي.
الملحوظة الثالثة: أن زغريد هونكه ـ وزوجها ـ نصحا للمسلمين نصيحة صادقة، عندما حَضَّا على محافظتهم على لغتهم وتاريخهم وحضارتهم، وأن لا يأخذوا من الغرب إلا ما يتناسب مع حضارتهم وثقافتهم، وأن يسيروا على خطى أجدادهم في التعامل مع الحضارات. وإذا قارنا بين هذه النصيحة الصادقة من شخصين أجنبيين عن المسلمين ـ ديناً وقوميةً ولغة ـ وبين بعض المنتسبين إلى الإسلام والعروبة، ممن يدعون إلى التخلي عن عقيدة الأمة وحضارتها ولغتها، اتضح لنا أن ذوي القربى أشد مضاضة على الأمة الإسلامية...!
الملحوظة الرابعة: أن المفكرين الأوربيين ـ أمثال الدكتورة هونكه ـ في حاجة إلى أن يلتقيهم بعض رجال الفكر الإسلامي، لمحاورتهم ومناقشتهم، لتصحيح ما عندهم من مفاهيم غير صحيحة عن الإسلام، برغم أنهم يظنون أنهم يفهمون الإسلام فهماً سليماً، وبخاصة أن بعضهم يزعمون أنهم يدافعون عن العرب والمسلمين، ولهم أثر واضح في أبناء بلدهم، وقد يهديهم الله فيدخلون في الإسلام، أو يزدادون قوة في الدفاع عنه.
الملحوظة الخامسة: أن لقاءات المفكرين الإسلاميين بكبار الشخصيات المؤثرة في الشعوب الغربية، كالمستشرقين والأساتذة والإعلاميين، ومسؤولي مراكز البحث في الجامعات وغيرها، سيكون لها ـ أي اللقاءات ـ آثار طيبة في نقل حقوق المسلمين المهضومة من قبل اليهود والدول الغربية، إلى الرأي العام الغربي، وإقناعهم بذلك، ولو على المدى البعيد، وعندئذ سترتفع في الشعوب الغربية أصوات تنادي زعماءها بوجوب المعاملات العادلة، مع البلدان الإسلامية، ومنها البلدان العربية، فإن تأييد الشعوب الغربية لليهود، سببه النفوذ اليهودي النشط في الغرب سياسياً وإعلامياً واقتصادياً، إذ اليهود يعملون لمصالحهم على مستوى دولتهم، وجمعياتهم، وأغنيائهم، وكل مؤسساتهم، وفي كل مجال من مجالات اختصاصاتهم.
ويجب على الشعوب الإسلامية أن تفتح عيونها، وتخطط لإيصال صوتها إلى العالم كله، وإلا فسيأكلها عدوها، ويسيطر عليها طول حياتها.
2 ـ الاستفسارات:
خرجت من منزل الدكتورة "هونكه" وفي ذهني، وفي دفتري أسئلة واستفسارات، بعضها قديم، وبعضها جديد طرأ خلال الحوار معها، ولم يكن في الوقت متسع لطرح شيء من ذلك في هذا اللقاء، وعندما عدنا إلى فرانكفورت من مدينة "ميونخ" سارعت بالاتصال بالأخ محمد الإسلام بولي عن طريق الهاتف، وطلبت منه أن يتصل بها ليطلب منها الإجابة عن سؤال واحد فقط، وهو: "ما مصدر دين أوربا الأصيل الذي تؤمن به، أهو من عند الله عن طريق الوحي والرسالة أم ماذا؟" فاتصل بها، ثم كلمني بعد ربع ساعة، وقال لي ما يأتي: اتصلت بالدكتورة، فأجابني زوجها: وقال: إنها مشغولة بضيوف عندها، فوجهت له السؤال فقال: إن هذا السؤال صعب جداً، ولكنا نعتقد، أن هذا الدين من عند الله، ولكنه ليس عن طريق رسول ولا وحي يتلى، وإنما هو عن طريق الإلهام يتحدث الله إلى الشخص في نفسه، والشخص إما أن يقبل ما تحدث الله به إليه وإما أن يرفض.
قال له الأخ محمد: هل هذا الرأي هو رأي الدكتورة هونكه؟
قال: انتظر لأسألها ُثم أرد لك الجواب، فسألها، فقالت: نعم. قال الأخ محمد: وقد سمعت صوتها عندما أجابت. [كان ذلك في تاريخ: 12/6/1412هـ].
وعندما رجعت من السفر إلى المدينة المنورة، بعثت للأخ محمد عن طريق الفاكس في المركز الإسلامي بفرانكفورت، الأسئلة الآتية ليسلمها للدكتورة، ويطلب منه الإجابة عنها ُثم يبعث بها إلي:
1 ـ هل الله الذي تؤمن به هو خالق هذا الكون؟
2 ـ هل لهذا الإله صفات، مثل العلم والإرادة والقدرة والحكمة؟
3 ـ هل حدد هذا الإله لأهل أوربا منهج حياة يسيرون عليه، أو تركهم يتصرفون كما يريدون، بدون منهج؟
4 ـ هل يؤمنون بأن الله أوحى إلى أحد من خلقه، فأرسله إلى الناس يدعوهم إلى الإيمان به؟
5 ـ من أول من دعا إلى هذه العقيدة وفي أي قرن؟
6 ـ هل عندها شك في أن القرآن حق، جاء من عند الله، أوحاه إلى محمد صلى الله عليه وسلم؟
وإلى هذا التاريخ 7/7/1412هـ]] لم يأتني الجواب. [كان ذلك التاريخ هو تاريخ تبييض هذه الأوراق بخط اليد، وإلى هذا التاريخ الذي سجلت فيه هذا الحوار في الكومبيوتر (1/6/1416 هـ) لم يأتني أيضا جواب وقد توفيت الدكتورة هونكه بتاريخ1/8/1420هـ ـ 9/12/1999م وقد بلغت 83 عاماً من العمر].
السفر إلى مدينة ميونخ:
بعد أن خرجنا من منزل الدكتوره هونكه، توجهنا إلى منزل الأخ محمد حيث صلينا المغرب والعشاء، ثم ذهبنا إلى محطة القطار الذي غادر مدينة "بون" في الساعة الثانية عشرة إلا خمس دقائق ليلاً، إلى مدينة "ميونخ".