2- في مدينة ماربورج
2- في مدينة ماربورج
زيارة مدينة ماربورج MARBURG:
الجمعة 7/6/1412 هـ ـ 13/12/1991م
هذه المدينة تقع في بعض ضواحي "فرانكفورت" وعدد سكانها ثمانون ألف نسمة، وبها جامعة تسمى باسمها، تشتمل على كل الكليات ـ تقريباً ـ ماعدا كلية الهندسة.
وعدد طلاب الجامعة اثنان وعشرون ألف طالب وطالبة، وهي متقدمة في العلوم الطبية، وبها ثاني أحدث مستشفى في ألمانيا، وكلياتها ليست مجتمعة في مقر واحد، بل هي موزعة على المدينة.
عدد المسلمين في المدينة أربعة آلاف مسلم، ويتراوح عدد المصلين يوم الجمعة ما بين ثمانين ومائة وعشرين مصلياً.
معظم المسلمين في المدينة طلاب، نسبتهم 95% والباقي عمال أو تجار.
وأغلب الطلاب فلسطينيون، يتعلمون اللغة الألمانية في الجامعة، ثم يوزعون حسب تخصصاتهم على الجامعات الألمانية الأخرى.
ويوجد في هذه المدينة مسلمان ألمانيان: أحدهما أستاذ في كلية الصيدلة بالجامعة، والآخر موظف في البلدية، وقد حضرا معنا لأداء صلاة الجمعة، وأجريت معهما لقاء عاجلاً بعد الصلاة.
حوار مع الأخ الألماني المسلم أحمد هانز:
ولد الأخ أحمد في 27/10/1925م.
التخصص: دكتوراه في الأحياء الميكروسكوبية.
ديانته قبل الإسلام: البروتستانتية، ولم يكن ملتزماً بتلك الديانة.
سمع عن الإسلام وعمره: 12 سنة، بمناسبة ذكر الخلافات بين المسلمين والنصارى في الحروب الصليبية.
سألته عن سبب اتجاهه للإسلام ودراسته له ثم دخوله فيه؟
فأجاب: لقد حصل ذلك بالتدريج، ولم يكن يظن أنه سيدخل في الإسلام، لأن ما كان يسمعه عن الإسلام ينفر عنه، حيث يشوه صورته في نفس السامع عنه.
وقال: إنه قرأ في أول الأمر بعض الكتب عن الإسلام، وبخاصة عندما كان في القاهرة، حيث مكث بها ثلاث سنوات ونصف السنة للعمل في شركة أدوية.
وهناك تعرف على الإسلام عن كثب، بوساطة صديق له مصري، يسمى مصطفى، وكان ـ مصطفى ـ ملتزماً بالإسلام ويعمل في شركة أدوية أيضاً، ولم يلتق الأخ أحمد أي عالم من علماء مصر طيلة مدة بقائه فيها. [فالقدوة الحسنة كانت من أهم الأسباب لتأثر الأخ أحمد بالمعاني الإسلامية].
قلت له: هل عرضت لك شبهات في المبادئ الإيمانية الإسلامية قبل الدخول في الإسلام؟ فأجاب بالنفي.
قلت: ما الفرق بين حياتك قبل الإسلام، وبين حياتك بعده؟
قال: الفرق أنه بعد الإسلام أصبح مكلفاً بواجبات يجب أن يؤديها، ومحرمات يجب أن يتجنبها، بخلاف ذلك قبل الإسلام.
قلت: هل صادفتك مشكلات بعد إسلامك من أسرتك أو أصدقائك؟
قال: إن أسرته كانت تراه على باطل عندما دخل في الإسلام، بسبب عدم فهمهم للإسلام، إذ كانوا يظنون أن المسلم ينزوي عن غير المسلمين ولا يتصل بهم، فلما شرح لهم معاني الإسلام تركوه وشأنه.
سألته: هل دخل أحد من أسرته في الإسلام؟ فأجاب بالنفي.
وسألته: هل اهتم به المسلمون بعد دخوله في الإسلام وأحاطوه بعنايتهم؟
فقال: نعم، وله علاقات بأصحاب الديانات الأخرى.
قلت: هل سمعت إذاعة أو قرأت صحيفة تدعو إلى الإسلام بلغتك؟
قال: إنه قبل الإسلام لم يسمع شيئاً من ذلك ولم يقرأ، ولم يعرف هل كان المسلمون يبلغون دينهم إلى الناس أو لا؟ أما الآن فربما بدءوا يبلغون.
قلت: هل للمسلمين الموجودين في أوربا تأثير إسلامي، أو سياسي على غيرهم؟
قال: إن تأثيرهم ضعيف جداً.
قلت: لماذا كان تأثيرهم قليلاً، وتأثير اليهود قوياً، مع أن عدد اليهود أقل بكثير من عدد المسلمين في أوربا؟
قال: هذا سؤال جيد، نفوذ اليهود قوي جداً، حتى إن القانون في الدولة الألمانية، لا يسمح للألماني أن يتعرض لليهودي، أما العرب فقد وقعوا تحت الاستعمار، ولا نفوذ لهم، ولليهود مكانة خاصة، ومن حقهم أن يتصرفوا كما يشاءون، وليس ذلك لغيرهم.
قلت: لماذا؟.
فكرر الكلام السابق ثم قال: إن اليهود يبذلون جهوداً لتحقيق مصالحهم، ولم يتوقفوا في الماضي والحاضر عن بذل تلك الجهود حتى حصلوا على تلك المكانة. [والظاهر أنه يخشى أن يعرض نفسه للقانون الألماني الذي لا يسمح بالتعرض لليهود، كما لا يريد أن يجرح مشاعري عن وضع المسلمين المتردي، والحليم تكفيه الإشارة].
قلت: كيف ترى مستقبل الإسلام في أوربا؟
قال: المستقبل صعب جداً بالنسبة للإسلام، لأن الألمان لا يرون أثراً كبيراً يلفت أنظارهم تجاه الإسلام، والمسلمون الألمان قليلون جداً، ولو كانوا كثيرين لكان لهم أثر ملموس، والسبب في نجاح اليهود وتأثيرهم أنهم من أهل البلد، أما المسلمون فأكثرهم لا يحملون الجنسية الألمانية، لأن غالبهم ليسوا من أهل البلد.
قلت: ما الوسائل المتاحة لنشر الإسلام في أوربا، وبخاصة في ألمانيا؟
وهنا أحب زميله مراد ـ وهو موظف البلدية وسيأتي التعريف به ـ أن يشارك، فقال: الوسائل الموجودة الآن في أوربا، كلها تعمل ضد الإسلام، ثم سرد قصة وجوده في دمشق، حيث كان في دورة هناك لتعلم مبادئ الإسلام، ولم يحضر هذه الدورة إلا أربعة فقط، ولو كانت هذه الدورة تتعلق بشيء آخر غير الإسلام لحضرها عدد كثير، مع أن الإسلام دين عالمي، والعرب لم يقوموا بواجبهم في تفقيه الناس بالإسلام، ولا توجد قدوة حسنة لدى أكثر المسلمين.
ثم قال أحمد ومراد جميعاً: يجب أن تجتهد الدول الإسلامية في الاستفادة من أجهزة الإعلام في ألمانيا، كما تفعل بعض الدول الأخرى،كالبرتغال واليونان، وتوجد مجلة لليهود، ولا توجد مجلة إسلامية.
وقال أحمد: يجب أن يقوم كل مسلم بواجبه في تبليغ الإسلام، والنصارى الذين يتمسكون بالنصرانية يسهل الحديث معهم عن الإسلام، لأنهم متدينون. [بعض الأوربيين يرون عكس هذا، وهو أن الملحد الذي لا دين له، إذا ظهر له الحق قبله بسهولة، بخلاف من له دين، ويبدو أن الأمر يختلف من شخص إلى آخر، والهداية بيد الله تعالى].
قلت: ما السبب في قلة دخول الأوربيين في الإسلام، بخلاف غير الأوربيين، كالأفارقة والآسيويين؟
فقال مراد: إن مستوى الحياة في أوربا عال، والأوروبيون يظنون أنهم لا يحتاجون إلى الإله ولا التمسك بالدين ـ أي دين كان ـ.
قلت: ما الموضوعات الإسلامية التي لها الأولوية في ألمانيا، ويمكن أن تؤثر في الألمان وغيرهم من الأوربيين؟
فأجاب مراد بقوله: لا بد من إظهار أن القرآن هو منهج الحياة [الظاهر أنه يقصد لابد من تطبيق المسلمين للإسلام، حتى يرى الناس أثره في حياة أهله في كل شُعب الحياة] وليس معان تعبدية فقط ـ أي شعائر ـ.
وقال أحمد: يحتاج إلى أن توضح الحقائق الإسلامية، بصرف النظر عن الْفِرَق، [يعني الخلافات المذهبية، والفرق الصوفية التي تجعل من يريد الدخول في الإسلام يحتار في أيها على الحق]. ويجب أن يفهم الناس الحق، فالناس كثير منهم يفهمون الإسلام بحسب ما سمعوه عن تصرفات الخميني، ولا يعرفون الفرق بين السنة والشيعة، ولا بد من توضيح الفرق.
قلت: مَن أكثر تأثيراً في الألمان: المسلم الألماني أو المسلم الذي يأتي من الخارج؟
قال مراد: الألماني إذا كان مقتنعاً بالإسلام، وعنده علم أكثر تأثيراً.
قلت: كم عدد المسلمين الألمان؟
قال أحمد: لا يعرف، وقال مراد: مائتا ألف تقريباً، قال أحمد: في هذا العدد مبالغة.
قلت: ماذا ترون في موقف الغرب من المسلمين، بعد سقوط الأنظمة الشيوعية؟ قال أحمد: اليهود والنصارى المنتفعون سيظلون يحاربون الإسلام، لأنهم يخافون منه أكثر من غيره، لأنهم يعتقدون أن الإسلام يؤثر في حياة المجتمع.
قلت: وبماذا تنصحون المسلمين؟ قال أحمد: أول نصيحة أن يتحد المسلمون، فإذا اتحدوا سهل عليهم الوصول إلى القوة ونشر الإسلام، ولو اتحد المسلمون في فرنسا ـ وهم أكثر من المسلمين في ألمانيا ـ لكان لهم أثر إسلامي طيب.
قلت: ماذا تظنون في مصير الصراع الإسلامي اليهودي؟ قال مراد: حل القضية موجود في القرآن.
تعليق: لا أدري ماذا يقصد بالضبط من آيات القرآن في هذا الأمر؟ لكن القرآن الكريم كشف أحقاد اليهود وتآمرهم على المسلمين فيما بينهم ومع المشركين والمنافقين، وهم الآن يتعاونون مع كل الفئات التي تحارب الإسلام: من النصارى في الشرق والغرب، ومع الهندوس والشيوعيين والعلمانيين في بلدان المسلمين، وحاولوا، ولا زالوا يحاولون، بشتى الوسائل القضاء على الإسلام، وقد حاولوا اغتيال الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة، ولم تجد كل الحلول معهم، لا المعاهدات ولا غيرها، وإنما الذي قضى على مؤامراتهم هو الجهاد في سبيل الله الذي أنزل بهم العقاب الصارم، لكل فئة منهم بما يناسب جرمها، والأصل في اليهود الإفساد في الأرض، ونقض العهود والتآمر وقتل المصلحين، وفي طليعتهم أنبياؤهم، فلعل الأخ مراداً كان يقصد هذا الأمر، ولكن الألمان يتحفظون في كلامهم عن اليهود، خشية من الوقوع في الجزاء القانوني الذي يحمي اليهود ويبالغ في حمايتهم أكثر من غيرهم.
وتابع مراد كلامه، فقال: يجب أن يذكر اليهود بأنهم عاشوا في أمن في المدينة، ولما دخل صلاح الدين القدس حمى اليهود، وهكذا حماهم المسلمون في الأندلس، وفي العصر العثماني، ويمكن أن يحميهم الإسلام في أي وقت، وهم قد حاربوا الرسول صلى الله عليه وسلم، وتعاونوا عليه مع أعدائه.
قلت: إن اليهود يعرفون كل ذلك، ولكنهم مصرون على السيطرة على المنطقة وتثبيت سيطرتهم عليها.
قال أحمد: كل المشكلة ـ يعني حلها أو عدم حلها ـ : أن يتوحد المسلمون، ولكن مواقفهم المختلفة الآن ليست في مصلحتهم، بل في مصلحة اليهود. [ولهذا أصر اليهود على التفاوض مع كل دولة عربية على حدة، حتى لا تجتمع كلمتهم على شيء، وإن كانوا جميعاً على أتم الاستعداد لتسليم أرض فلسطين تسليماً قانونياً، وليس اضطرارياً، بل اجتهد اليهود منذ أربعين سنة أن يلتقوا غالب، زعماء العرب واحداً واحداً، بسرية، وضمنوا من تلك اللقاءات استعداد أولئك الزعماء للاعتراف الكامل بهم، عندما يحين الوقت المناسب، وقد حان الآن، ولكن تصلب اليهود أخر بعض الحكومات العربية عن الإعلان الرسمي بما يسمى "التطبيع" مع اليهود].
حوار مع الأخ الألماني المسلم مراد بربتش PERBETSH:
ولد الأخ مراد في 3/10/1939م.
العمل: موظف في البلدية، وهو مساعد محامٍ.
سألته: متى سمع عن الإسلام؟ فقال: كلمة إسلام سمعها مبكراً في حياته، ولكن انتشار الحديث عن الإسلام من وجهة نظر الغرب، كان في حرب الأيام الستة، سنة 1967م. [أي إنه سمع عن مآسي الإسلام وذل المسلمين، ولم يسمع عن ارتفاع راية الإسلام وعز المسلمين] سمع عن ذلك في التلفزيون الألماني، فاشتاق لمعرفة الإسلام.
قلت: ما الذي لفت نظره إلى إيجابيات الإسلام أكثر من موضوعاته؟
قال: إنه اشترى ترجمة معاني القرآن ـ ومترجمها نصراني ـ سنة 1970م، لأنه كان يريد السفر إلى بيروت، وفي بيروت التقى بعض المسلمين في المساجد وتعرف على الإسلام.
والذي أعجبه في الإسلام كونه لا يفصل بين الدين والدولة. [فليعتبر العلمانيون من ذراري المسلمين بأبناء نصارى أوربا معدن العلمانية!].
وقال: إنه عاش مسلماً في الواقع مدة طويلة، وقرأ بنفسه كتباً عن الإسلام، ولكنه لم يعلن إسلامه، إلا قبل شهرين من الآن [نحن الآن في الأسبوع الأول من شهر جمادى الآخرة سنة 1412هـ فيكون إسلامه في الأسبوع الأول من شهر ربيع الأول من هذه السنة] وبعد إعلان إسلامه قدم استقالته إلى الكنيسة.
وكان قد بدأ يلتزم بالإسلام ويصلي من سنة 1980م، وعلمت عنه أسرته خلال المدة المذكورة، ما عدا والده ـ الذي توفي في شهر فبراير من هذا العام 1991م، وهو كاثوليكي ملتزم.
قلت: هل دخل أحد من أسرتك في الإسلام؟
قال: لا، ولكن لعل بعضهم يهتدي قريباً، وقد بدأ يعلم ابن بنته بعض مبادئ الإسلام.
قلت: هل كنت ملتزماً بالديانة النصرانية قبل إسلامك؟
قال: إنه كان يذهب إلى الكنيسة مع والده بالأمر وليس بالاختيار، وكان لا يتصور بعقله إلا وجود إله واحد، وعندما بلغ من العمر 18 سنة، لم يواظب على الكنيسة.
وهو يرغب في دخول غيره في الإسلام، ويرجو أن يدخل فيه ابن بنته، وكذلك زوجته، وعنده صديق في العمل يبدو أنه قريب من الاقتناع بالدخول في الإسلام، وسيرافقه في رحلة إلى مصر يوم الأربعاء القادم، ليتعرف هناك على الإسلام ويقتنع به، وقد أعطاه بعض الكتب الإسلامية ليقرأها.
قلت: ما الفرق بين حياتك قبل الإسلام وحياتك بعده؟
قال: إنه بعد الإسلام شعر بالرضا والطمأنينة، بخلاف ما قبل الإسلام.
ثم قال الأخ مراد متسائلاً: لماذا بعض الدول في بلدان المسلمين يذيعون برامج باللغة الألمانية، ولا يدخلون في تلك البرامج مواد تفسير القرآن وشرح مبادئ الإسلام؟ ثم قال: لقد كتبت لتلك الدول أنكر فعلهم هذا ونصحتهم أن يوجهوا برامج إسلامية في إذاعاتهم باللغة الألمانية، ولكنهم لم يردوا علي. [قلت له: فاقد الشيء لا يعطيه، وما لجرح بميت إيلام].
ثم قال: هل يمكن للسعودية أن تذيع برنامجاً دينياً باللغة الألمانية؟
قلت له: لعلك إذا كتبت لهم اقتراحاً بذلك يفعلون.
وقال الأخ أحمد: يجب أن تبعثوا لنا بكتب تبين الفرق بين مذهب الشيعة ومذهب أهل السنة، فإن ذلك غير واضح هنا في أوربا.

الأستاذ محمد فاروق الزيات:
كان المترجم بيني وبين الأخوَين المذكورين هو الأستاذ محمد فاروق الزيات المصري، المولود سنة 1935م وقد درس الهندسة بالقاهرة، وتخرج سنة 1961م ونال شهادة الماجستير في هذه الجامعة "جامعة ماربورج" وكان عنوان رسالته "أمهات المؤمنين" وهو يسكن في هذه المدينة من سنة 1963م، وقد تناولنا طعام الغداء في منزله، والتقينا أولاده: محمداً وياسراً وبلالا، وكان معنا الأخوان الألمانيان المذكوران، وبعض جيرانه العرب، ويقع منزله في وسط المدينة في شارع قديم، لا تدخل هذا الشارع السيارات، لأنه من الأماكن السياحية في المدينة القديمة.
وللأستاذ الزيات في الطابق الأرضي من منزله دكان صغير يبيع فيه بعض الملابس والأحذية، وبعض التحف العربية والألمانية القديمة. وبعد الغداء رجعنا إلى فرانكفورت بالقطار. هذا وقد زارني الأستاذ الزيات في منزلي بالمدينة في 22/6/1412 هـ عندما أدى مناسك العمرة في هذه السنة.
سمر ممتع:
عندما نزلنا من القطار في فرانكفورت وجدنا الأخ رأفت في انتظارنا، وبدلاً من الذهاب بنا إلى الفندق، ذهب بنا إلى منزل الأخ الدكتور صلاح الدين جعفراوي [سيأتي التعريف به في هذا الكتاب]. لتناول طعام العشاء، وكان عنده ضيف من الكويت، وتعددت الموضوعات التي تطرقنا إليها في هذه السهرة، والتي لا يشعر السامر معها بملل، سواء أكان متحدثاً أم مستمعاً، وكان الليل في هذه الأيام طويلاً، يحتاج إلى مثل هذا السمر، إذ يصلون المغرب في الساعة الرابعة مساء، ويصلون الفجر في الساعة السابعة صباحاً.
مشهيات أنستنا الْوَجْبَات الرئيسة:
السبت 8 /6/1412 هـ ـ 14/12/1991م
كان الهدف من هذه الرحلة القصيرة الخاصة إلى ألمانيا، كما مضى، هو الاجتماع بالدكتور "هيلف" والدكتوره "زغريد هونكه".
وقد حدد زمن الاجتماع مع كل منهما قبل السفر بأسبوعين بوساطة الأخ الأستاذ عبد الحليم خفاجي، وكان موعد الدكتور "هيلف" الساعة العاشرة من صباح هذا اليوم ـ السبت ـ ولكن الإخوة في فرانكفورت طلبوا مني قبل سفري منها البقاء عندهم، ولو فترة قصيرة، ووضعوا جدول عمل محاضرات وزيارات ملأ الوقت كله، ولكثرة اللقاءات التي تشتد رغبة المسلمين الصالحين في الغرب بمن يزورهم ممن يحسنون الظن بعلمه، وكثرة رغبتي أنا في الاجتماع بهم، نسيت أن الموعد في مدينة ميونخ هو اليوم، وظننت أنه غداً الأحد، لذلك نمنا الليلة نومة مريحة على أساس أن نسافر غداً مبكرين، وفي الصباح حاسبنا الفندق وذهبنا إلى المركز الإسلامي لإيداع بعض حقائبنا ـ تخففاً منها ـ إلى أن نعود للسفر إلى المملكة عن طريق مطار فرانكفورت.
فإذا الأستاذ عبد الحليم خفاجي يتصل من مدينة ميونخ هاتفياً، يسأل عنا؟ فلما كلمته، قال: أين أنت يا دكتور؟ لم يبق على موعدك مع الدكتور "هيلف" إلا ربع ساعة، وبينك وبين ميونخ بالقطار أربع ساعات، فأزعجني ذلك إزعاجاً شديداً، وانتبهت بأن السبب في نسياني ـ مع شدة حرصي على تنفيذ مواعيدي التي هي أقل أهمية من هذا الموعد ـ هو مشهيات الإخوة في فرانكفورت التي أنستني الوجبة الرئيسة في هذه الرحلة. قلت للأستاذ عبد الحليم: وما العمل الآن؟ قال: أنا لا أستطيع أن أفعل شيئاً، ولكني أحيلك على بعض الإخوة العرب، ليترجم بينك وبين الدكتور "هيلف" وبعد أخذ ورد في الهواتف الثلاثة وافق الدكتور على تحديد موعد آخر، وهو الساعة الثانية بعد ظهر يوم الثلاثاء المقبل.
تغيير خط السير:
وانتقلنا من المركز إلى فندق شيراتون قرب مطار فرانكفورت، لنبيت فيه، ونسافر غدا إلى مدينة "بون" للاجتماع بالدكتورة "زغريد هونكه" لأن الموعد معها يوم الاثنين، الساعة الخامسة مساء. وكنا قبل ذلك التقينا بعض الإخوة من زعماء المسلمين من يوغسلافيا الذين تجمعوا من أنحاء ألمانيا، ليتدارسوا أحوال بلادهم، واعتداءات الصرب على إخوانهم وأهليهم، وكان قد حضر بعض إخوانهم من داخل البوسنة والهرسك، وكانوا يتوقعون ما حصل من مذابح ومآس في بلادهم.
السفر بالقطار إلى بون:
الأحد 9/ 6/1412 هـ ـ 15/12 /1991م
حاسبنا الفندق وذهبنا إلى المركز الإسلامي استعداداً للسفر إلى مدينة "بون"، فوجدنا الإخوة اليوغسلاف قد ملأوا المسجد وملحقاته، يتدارسون شؤونهم، وصلينا معهم الظهر، ثم ذهبنا إلى منزل الأخ أمير زيدان حيث دعانا لتناول طعام الغداء، وكان من بين الضيوف الحاضرين الشيخ عبد الوهاب الحوطي مدير إدارة الأوقاف الكويتية، وخشينا أن نتأخر عن موعد القطار الذي يغادر فرانكفورت إلى بون الساعة الرابعة إلا ربعاً وهو لا يقبل الاعتذار ولا يبالي الضرورات، وقد يسر الله، فأدركنا الموعد.