في مدينة أدمنتون
في مدينة أدمنتون
كن البكاري!
عندما وصلنا إلى مطار: أدمنتون، ودخلنا قاعة تسلم العفش وجدنا حقائبنا أمامنا، فأخذناها، وأخذنا نتلفت هنا وهناك، لنرى من يستقبلنا، فلم نجد أحداً في القاعة، فخرجنا من القاعة ووقفنا على الرصيف، لعل صاحبنا يلتمسنا في الخارج، فلم نجد أحداً، فقعدنا ننتظر لعل مستقبِلنا في الطريق، فلم نرى أحداً.
وكان الشيخ كلما رأى سيارة مقبلة من جهة المدينة إلى المطار قال: "كن البكاري!" وهو الشاب الذي قيل لنا إنه سيستقبلنا، ولعل الشيخ كان يتيمن بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، ((كن أبا خيثمة)) وكان أبا خيثمة قد تأخر عن الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان أبا خيثمة فعلاً.
أما صاحبنا البكاري، فكان في واد ونحن في واد آخر، وبعد أن مضى علينا ما يقرب من ساعة، قلت للشيخ: أنت تبقى هنا وأنا أدخل ألتمس الرجل في القاعات الداخلية، لعله ينتظرنا في مكان آخر، فدخلت وتجولت في جميع القاعات دون فائدة. قال الشيخ: أنت تلبس بدلة (وكنت ألبس في بعض الأوقات بدلة صيفية) يمكن أن يراك ولا يعرفك، فانتظر أنت هنا وأنا أدخل، وكان الشيخ يلبس الثوب والجبة والطاقية وكلها علامات تدل على المقصود، ولكنه رجع مثلي بدون فائدة!
فتعجبنا من ذلك، وبخاصة أن الأخ البكاري قد اتصل بنا عدة مرات ونحن في مدينة كالجاري، وطلب منا أن نبقى في أدمنتون يومين بدلاً مما تقرر من قبل أنه يوم واحد، كما اتصل به الأخ محمد الرفيع من مطار كالجاري مؤكداً عليه الإسراع في استقبالنا، من أجل استغلال الوقت، وخشية من المشقة التي تواجهنا في التفاهم مع السائقين أو موظفي الفنادق إذا كنا وحدنا.
وبعد مضي ساعة تقريباً، سمعت وأنا في داخل القاعة من ينادي في مكبر الصوت ذاكراً اسم الشيخ، فذهبت إلى الموظفين أسأل من الذي نادى بهذا الاسم، فلم يفهموا ما أقول، لشدة فصاحتي في اللغة الإنجليزية!
عندئذ عزمنا على استئجار سيارة توصلنا إلى أحد الفنادق، وقلت للسائق: نريد فندقاً من نوع الدرجة الأولى الجيدة جداً، والسائق فيما يبدو هندي، وظن الشيخ أنه سيخي ولكنه لا يوجد شعر في لحيته.
أوصلنا السائق إلى فندق عالي البناء مستدير.
وقف السائق يريد منا أن ننزل، فقلت له: اذهب أنت واسأل الموظفين هل توجد لديهم غرف؟ خشيت أن ينزل حقائبنا ويذهب ولا نجد مكانا في الفندق، فنتعب في طلب سيارة أخرى، وسائقنا قد تدرب على التفاهم معنا.
فذهب ورجع هازاً رأسه، مشيراً إلى أن في الفندق سعة لنزولنا، نزلنا حقائبنا وأعطيناه أجرته وذهب.
أنت اليوم بطل!
دخلنا الفندق فقلت للموظفة: نريد غرفتين متقاربتين، فسألتْ سؤالاً لم أفهمه أولاً، لسرعة كلامها، فقلت لها: لم أفهم، فقالت ـ وهي تقف على رأس كل كلمة، مثل معلم الأطفال التجويد عندنا ـ: كم ليلة تبقون هنا؟ قلت: ليلتين، فأعطتني الأوراق لأكتب فيها المعلومات اللازمة. فأخذت أحاول تعبئة الخانات ببطء شديد يدل على المهارة في الكتابة باللغة الإنجليزية ودقة معرفة معانيها! فنظرتْ إليَّ وابتسمت مشفقة، وأشارت لي إلى مكان التوقيع في الورقة مكتفية بما كتبت، وكنت كتبت الأسماء والمملكة العربية السعودية فقط.
فوقعنا وسلمونا المفاتيح، فقال الشيخ شاهداً لي باقتحام الصعاب وحل الألغاز: أنت اليوم بطل! فحمدت الله على هذه الشهادة ـ واستغفرت الله العظيم فقد أدخلتني في عداد من يعيشون بالألقاب بدون معان، كما هو واقع كثير من الناس في هذا العصر!
إذا ظهر السبب بطل العجب!
صعدنا إلى غرفتينا، في الطابق السابع عشر من الفندق، واتصلت بمنزل الأخ محمد البكاري، فأجابتني امرأته وهي لا تتكلم اللغة العربية، فطلبت منها أن تكتب اسم الفندق ورقم الغرفة ورقم الهاتف، لتخبر زوجها إذا جاء، ففعلت.
وبعد فترة اتصل الأخ محمد آسفاً على ما حصل، فقد فهم أننا سننزل في مطار آخر يبعد عن المدينة ثلاثين كيلو متراً، ومطارنا الذي نزلنا فيه قريب جداً من المدينة، لذلك بَكَّر البكاري يبحث عنا في مطار (ولعله مطار الشركة التي سوّت لنا خبصة كما قال الشيخ في مطار كالجاري، خبصتنا هنا وهناك) ونحن نبحث عنه في مطار آخر، وعندئذ عرف كل منا السبب فبطل العجب!
جولة وضيافة ومعلومات:
استرحنا في الفندق إلى أن جاءنا الأخ البكاري، لنقلنا إلى منزله لتناول طعام الغداء في الساعة الواحدة ظهراً.
وتجول بنا الأخ محمد في أطراف المدينة ثم ذهبنا إلى منزله، وأخذنا منه بعض المعلومات عن المسلمين في مدينة أدمنتون.
معلومات عن المسلمين في أدمنتون:
قال الأخ البكاري: إن عدد سكان هذه المدينة ستمائة ألف نسمة، وعدد المسلمين يتراوح ما بين عشرة وخمسة عشر ألفاً، نسبة العرب إلى غيرهم من المسلمين: 60%، والباقون من باكستان وأمريكا الجنوبية، وأغلب العرب من اللبنانيين إذا تبلغ نسبتهم إلى العرب 90%.
والجامع الكبير المسمى بجامع الرشيد(9)، ساعدت ليبيا بثلثي تكلفته والثلث الآخر من الجالية، وهو أكبر جامع في كندا الآن.
وكان أول جامع بني في هذه المدينة سنة 1938م باسم مسجد الرشيد، وهو عبارة عن منزل، ولا زال موجوداً. [وقد شاهدناه]. وقد أغلقته الدولة ومنحت المسلمين الأرض التي أقيم عليها جامع الرشيد الجديد، وهي أرض واسعة وتعتبر الدولة المسجد القديم من الآثار.
ويتبع المسجد الجديد مرافق متعددة، وعمارة كبيرة بجواره موقوف على المسجد من ريعها خمسون في المائة، والباقي يعود لليبيا.
وقد ظهر لنا فيما بعد أن الجامع الجديد يسيطر عليه المتعاطفون مع ليبيا، وليس بينهم وبين العاملين في الحقل الإسلامي من اتحاد المسلمين اتفاق، بل بدا لنا أنهم مختلفون.
وذُكِر لنا أن إمام المسجد المذكور كان يتلقى راتبه من رابطة العالم الإسلامي ثم مال إلى ليبيا وهو يأخذ راتبه الآن منها.
وذكر لنا بعض الإخوة أن مكتب الدعوة التابع لليبيا في المسجد يصدر مجلة باسم الشورى، وهي تتعرض لبعض علماء الإسلام بالاستهزاء والسخرية.
ومن أهم الأسباب التي حالت بين تعاون الطلبة التابعين للاتحاد وغيرهم فيما يبدو، هو أن بعض أفراد الجالية يحاولون أن تكون لهم مكانة في الجالية، وهذا لا يتحقق لهم إذا ما أتيحت الفرصة لنشاط الشباب، لأنهم يهتمون بتربية الناس تربية إسلامية، توحد كلمتهم على السعي الجاد لتحقيق المصالح العامة للمسلمين، وليس لمصالح الأشخاص، وهذا داء عضال وجدناه في كثير من البلدان. والجاليات الإسلامية تلتف حول من يحقق لها بعض المصالح المادية بسبب جهلها، ولو لم ينتفعوا منه في أمور دينهم.
والمسلمون الأوائل من لبنان وصل بعضهم إلى هذا البلد في منتصف القرن الثامن عشر، لطلب الرزق، وبدءوا يكثرون في نهاية القرن التاسع عشر، بعد فتح قناة السويس.
وبعضهم الآن أغنياء، وبعض كبارهم الذين تبلغ أعمارهم فوق السبعين سنة ولدوا في هذا البلد، وذاب كثير منهم في المجتمع الكندي، وبعضهم غيروا أسماءهم، ولم يبق عند كثير منهم إلا مجرد الانتساب للإسلام دون الالتزام به.
والإخوة العاملون في الحقل الإسلامي يحاولون أن يستميلوا بعض المسلمين الذين عندهم عواطف إسلامية طيبة، ويوجهوهم وقد وجد لهم أثر لا بأس به في الجالية، وإذا ما وفقهم الله للاستمرار في التأثير في الجالية، يرجى أن يتغلبوا على المصاعب التي يواجهونها الآن، عن طريق الفوز في الانتخابات، بحيث تكون اللجنة التنفيذية ممن يريدون مصلحة المسلمين العامة وليس التحزب لأشخاص ذوي مطامع مادية.
وقد أثنى الإخوة على أحد الشباب السوريين تخرج في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، واسمه معاوية المصدر وهو نائب لإمام الجامع الكبير: شبلي، بعثت الأخَ معاويةَ الرئاسةُ العامةُ لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، ويخشى أن يضايق حتى يترك المسجد لظن بعض المسؤولين في المسجد أنه يريد المنافسة.
وإن من أهم المشكلات التي تواجه الجاليات الإسلامية عدم وجود إمام عالم حكيم ذي هيبة، لا يريد بعمله إلا وجه الله، يحاول جمع المسلمين على كلمة الحق، دون انحياز لأحد من ذوي الاتجاهات والمصالح المادية.
أما ذوو المصالح المادية، فإنهم يفرقون كلمة المسلمين بدلاً من جمعها، ويشوهون سمعة الدعاة إلى الله بالأكاذيب والتهم المختلقة، ويزعج هؤلاء أن يروا رجلاً مخلصاً، يريد أن يجمع المسلمين على كلمة الحق، لأنهم قد ألفوا أن يعيشوا في جو الاختلاف، ويظنون أن رزقهم سينقطع إذا تلاشى هذا الاختلاف.
الجمعة: 17/10/1405هـ
في هذا اليوم الجمعة جاء الأخ محمد البكاري في الساعة الواحدة والربع، وذهبنا إلى مسجد الجامعة، وهو قاعة منحتها الجامعة للطلبة المسلمين للصلاة فيه، وهم مضطرون للصلاة في داخل الجامعة، لأن الدراسة مستمرة، والطالب يصلي في وقت الدراسة، فإذا صلى في مكان بعيد فاته كثير من الدراسة، وقد اجتمع في المسجد ما يقارب خمسين طالباً، وقد خطب الشيخ خطبة الجمعة وصلى بهم في الوقت المحدد، حثهم في الخطبة على التمسك بالإسلام وأن يكونوا قدوة حسنة لغيرهم.
وهذه القاعة التي أقيمت فيها الصلاة في الجامعة، ليست خاصة بالمسلمين، بل يتناوب عليها أهل الأديان الثلاثة: المسلمون واليهود والنصارى.
في القبة السماوية:
ذهبنا بعد صلاة الجمعة مع الأخوين: الدكتور خلدون سليم النعيمي العراقي الذي كان يدرس في جامعة أدمنتون، وهو الآن يبحث عن عمل، وعمره ستون سنة تقريباً، والأخ جمعة عبد السلام الليبي الذي يدرس الاقتصاد والزراعة في الدراسات العليا.
ظن أنه في الصحراء فنام حتى شخر!
قبل دخولنا القبة السماوية، قال الأخ جمعة: إن أباه زاره في القاهرة، وهو رجل عامي، فذهب به إلى القبة السماوية، فلما عرض الفيلم، وهو في سقف القبة، عن النجوم والكواكب والشمس والقمر، استغرق أبوه في النظر إلى السماء، وظن أنه في الصحراء الليبية، فسبح في بحر نوم عميق، حتى سمعه ابنه وهو يشخر!
لو كان موجودا هنا لطار قلبه من الفزع!
عندما دخلنا إلى القبة وأخذنا مقاعدنا، بدأ عرض الفيلم عن أول نشأة الإنسان الذي يسمونه البدائي الوثني، يمشي عارياً ما عدا شريطاً صغيراً يغطي العورة الكبرى عند الفقهاء المسلمين، يمشي في الكهوف وعلى قمم الجبال حافياً، ثم أخذ يترقى حتى لبس ما يغطي نصفه الأسفل، وهكذا كان الهنود الحمر في أمريكا، إلى أن جاء كولومبوس الذي اكتشف أمريكا الشمالية، واحتدمت بعد ذلك الحرب بين الأوروبيين والهنود الحمر، ولما انتصر الأوروبيون نقلوا الحضارة إلى هذا البلد حتى وصلت إلى ما وصلت إليه الآن.
والنظرة إلى الإنسان أنه كان في أول الأمر وثنياً، نظرة حدس وتخمين جاهلية، ودعوى لا يسندها دليل، وتنفيها الأديان السماوية، وبخاصة دين الإسلام، لأن آدم أبا البشر كان نبياً أنزل الله عليه الوحي ليهدي أولاده به وعلمه الأسماء كلها، كما قال تعالى: {قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون}.
أما سكان أمريكا من الهنود الحمر، فلا شك أنهم كانوا أهل بداوة، ولكنهم عاشوا في بلادهم آمنين حتى جاء المحتلون من أوربا، فأخافوهم وأبادوا جماهيرهم، كما هي عادة الأوربيين مع أهل البلدان التي يحتلونها، كما فعلوا ذلك في أستراليا ونيوزيلندا وغيرهما، ومع احتلالهم وعدوانهم الآثم يحاولون تسويغ ما يفعلون، بحجة وحشية أهل البلد المحتل.
والفيلم الذي عرض كان قد صور من على طائرة مسرعة، صورت فيه الجبال والشعاب والكهوف، والأنهار الجارية المتدفقة ذات السرعة الهائلة، وبها مسافرون على قوارب عادية تساق بقوة الراكب البدنية، لذلك كنا نرى أنفسنا كأننا نطير في السماء نكاد نرتطم بالجبال ونسقط في الأنهار، ونهبط في الشعاب والكهوف.
والذي ينسى أنه في القبة السماوية في مكان ثابت لا يتحرك، وأنه إنما يشاهد فيلماً، الذي ينسى ذلك يكاد قلبه يطير من صدره من شدة الخوف من ذلك المنظر المرعب.
لذلك قلت للأخ عبد السلام: لو كان أبوك الذي نام في قبة القاهرة موجوداً في قبة أدمنتون هذه، ماذا تراه كان فاعلاً؟ قال: لو كان هنا لطار قلبه، وصاح صيحة يسمعها إنس أدمنتون وجنها!
وعندما انتهى الفيلم سكنت قلوبنا وخرجنا نتجول في قاعات القبة المحيطة بها، وقد ألصقت بجدرانها صور الكواكب والنجوم والشمس والقمر، وبها شاشات تلفاز تبث صوراً عن مناظر القمر وسطحه، ورواد أبولو يسيرون عليه بقفزاتهم الممتعة على ذلك المنظر الجميل.
وتمنيت وقلت: ليتَ - وهل ينفع شيئاً ليتُ - شعراء الغزل الذين كانوا يشبهون وجوه حبيباتهم بالقمر، موجودين ليروا كيف تدوس أقدام أهل هذا العصر وجه القمر ذي المنظر الجميل بالبصر العادي، وما به من أخاديد وصخور وتراب، لعلهم ينشئون قصائد يعتذرون لتلك الحبيبات عن تشبيههن بهذا المخلوق الذي خدعتهم أبصارهم بجماله، وما هو بجميل!.
وتوجد في تلك القاعات موازين يزن الإنسان نفسه، فيعرف وزنه وهو على الأرض، ثم يزن نفسه بميزان آخر، فيعرف وزنه وهو على سطح القمر، ثم المريخ فالزهرة وهكذا، فإذا كان وزنه على الأرض ستين كيلو – مثلي - وجد وزنه على بعض الكواكب ألفاً، وقد يجد وزنه على كوكب آخر عشرة فقط، حسب قوة جاذبية الكواكب وصنفها.
في جمعية أدمنتون الإسلامية:
ثم هبطنا من الفضاء الذي لم نكن فيه، وذهبنا إلى جمعية أدمنتون الإسلامية، التي يشرف عليها اتحاد الطلبة المسلمين، فتناولنا طعام الغداء والعشاء جَمْعاً دون قصر في الساعة السادسة والنصف مساء.
في جامع الرشيد:
ثم ذهبنا إلى جامع الرشيد، فصلينا العصر، ثم التقينا الحاضرين، وأغلبهم من الطلاب في قاعة المسجد الكبيرة، حيث ألقى الشيخ محاضرة(10) ـ وسماها هو درساً من دروس المسجد النبوي ـ تضمنت شرح معنى لا إله إلا الله، وما يجب على المسلم عمله، حسب ما تقتضيه هذه الكلمة، ثم طلب مني التعقيب فبينت أن لا إله إلا الله، لو كان المطلوب هو التلفظ بها فقط، لكان ذلك سهلاً على المشركين، ولما قاتل أبو لهب وأبو جهل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما حصلت تلك الغزوات وعقدت رايات الجهاد في سبيل الله، ولكان المنافقون غير مذمومين لأنهم كانوا يقولون لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأن لا إله إلا الله لا بد أن تحدث في النفس رقابة تدفع صاحبها إلى طاعة الله وتحجزه عن معصية الله لمن يخشونه بالغيب.
وكل رقابة غير تلك الرقابة لا يمكن أن تحدث ذلك الأثر في النفس، لا شرطة ولا محكمة ولا قانون. وأنها لا بد أن تحدث في قلب المؤمن محبة لأخيه المؤمن تجعل المؤمنين متحابين متعاونين وليسوا متعادين متباغضين.
ثم أُلقيتْ أسئلة وأجيب عنها، وقد استغرقت المحاضرة والتعقيب عليها والأسئلة والأجوبة ما يقارب ساعتين ونصف ساعة.
السبت: 18/10/1405هـ
عندما كنا عصر أمس الجمعة في مسجد الرشيد، جاء إمامه يوسف شبلي اللبناني الأصل، وسلم علينا واعتذر عن البقاء لسماع المحاضرة، لأنه كان يريد أن يستقبل بعض المسؤولين الليبيين، وقال: لقد انتظرناكم في المسجد لصلاة الجمعة وأعلنتُ أسماء كم للناس، ولا أدري ما سبب عدم حضوركم؟
وكان الإخوة قد أخبرونا أنهم بعثوا إليه من يستأذنه في أن يقوم الشيخ بخطبة الجمعة، أو يخطب في الناس بعد صلاة الجمعة فرفض. فلم نزد عندما سمعنا قوله هذا الذي يخالف ما نقل إلينا أن قلنا له: شكراً. وقد صلينا مع الطلبة في الجامعة كما سبق(11).
زيارة يوسف شبلي في منزله:
ولما لم نتمكن من الجلوس معه، لسماع ما عنده ونصحنا له، على ضوء ما سمعنا من الخلاف بينه وبين الطلبة، ولمعرفة ما سمعنا من صدور فتاوى غريبة عنه تخالف نصوص الكتاب والسنة، وسمعنا من ينسب إليه حل الربا للناس ويقول: من قال: لا إله إلا الله كفاه ذلك.
لما لم نتمكن من الجلوس معه لمعرفة تلك الأمور ومناقشته فيها، عزمنا على زيارته في منزله لنتذاكر معه تلك الأمور قبل سفرنا.
ذهبنا إلى منزله، واستقبلنا استقبال الهاش الباش، وعندما جلسنا وأردنا أن نسأله بعض الأسئلة دخل علينا عدد من الضيوف، وبدأ هو يتكلم، فقال: إن بعض الناس من أبناء المسلمين تركوا دينهم بسبب جهلهم، وعندما زرتهم وتحدثت معهم عن الإسلام تأثروا بما حدثتهم به، وبكى بعضهم قلت لهم: تعالوا صلوا معي وصفوا ورائي، ولو كنتم بغير وضوء، قال: وأنكر علي بعض الجهال وأنا لا أبالي بهم. [وكأنه بذلك أراد أن يسبقنا في الكلام عما يرميه به مخالفوه، فكان مما نسبوه إليه إباحته للمدعوين الصلاة بغير وضوء].
والمؤسف أن وقتنا ضاق، لأنا نريد السفر إلى مدينة فانكونفر، فلم نقدر على الحديث معه، فقلنا للرجل كلمة عامة وهي أن الواجب أن تتخذ الوسائل اللازمة لجمع الكلمة، والتسامح مع الآخرين مع الالتزام الكامل بنصوص القرآن والسنة لتكونوا قدوة حسنة للناس.
الإفطار المدني في منزل الأخ حسن البيتي:
وكنا قبل ذلك قد زرنا أحد شبابنا الصالحين في منزله لتناول طعام الإفطار، وهو الأخ حسن بيتي من المدينة المنورة.
بعثته جامعة الملك عبد العزيز، فرع المدينة المنورة، وقدم لنا طعام الإفطار المدني: الفول المدمس والشكشوكة والمتبل، وقد بدت عاطفته المدنية عندما رأى ـ الزوار المدنيين وبخاصة الشيخ الذي كان يحضر دروسه في المسجد النبوي.
السفر إلى مدينة فانكوفر:
ودعنا الإخوة وذهبنا إلى المطار، أكملنا الإجراءات، وصعدنا إلى الطائرة التي أقلعت بنا من مطار أدمنتون، في الساعة الثانية إلا اثنتي عشرة دقيقة، وهبطت بنا في مطار فانكوفر في الساعة الثالثة والدقيقة السابعة ـ أي أن مدة الطيران كانت ساعة تقريباً.