في مدينة كالجاري
في مدينة كالجاري
معلومات عن الاتحاد الإسلامي في كالجاري:
وفي طريقنا من المطار إلى مدينة كالجاري، ذكر لنا الأخ محمد الرفيع بعض المعلومات عن الاتحاد والنشاط الموجود في هذه المدينة، فقال: إن عدد المسلمين في هذه المدينة عشرة آلاف، ولدينا مسجد واحد، ولدينا أرض اشتريناها خاصة لدفن المسلمين، وسنضع لها سوراً، وعندنا المدرسة الإسلامية-ليومي السبت ويوم الأحد-في الطابق السفلي بالجامع.
والمشكلة التي تواجهنا بُعدُ مساكن الآباء عن المسجد، إذ يبلغ عدد التلاميذ من أبناء المسلمين ألفي تلميذ، نأخذ منهم ما بين ثلاثمائة وثلاثمائة وخمسين، وتساعدنا الحكومة في تعليم الأولاد باسم المحافظة على التراث.
ونفكر في بناء بيت خاص بالضيافة، لإيواء المسلم القادم أو الذي لا يجد المأوى هنا.
وأهم مشروع فيه هو المدرسة الإسلامية الكاملة التي يمكننا بها المحافظة على أولادنا طيلة أيام الأسبوع.
ونشاط المسجد الآن محدود، تقام فيه صلاة الجمعة، ويدرس فيه الشباب يوم السبت وصباح الأربعاء لمدة ساعة ونصف، وتقام فيه صلاة الجماعة، ولكن الذين يحضرون قليلون جداً، وقد لا يصلي فيه في بعض الأوقات إلا الإمام ومساعده (هو الأخ محمد الرفيع) في تعليم القرآن الكريم.
ومن مشكلاتنا عدم وجود متفرغين للدعوة والتعليم، غير الإمام الذي يبلغ عمره الآن اثنتين وستين سنة، ولا توجد عنده سيارة.
ونحن في حاجة إلى شباب متفقه في الدين، مخلص نشيط، يجيد اللغتين: العربية والإنجليزية.
والمسلمون الكبار متمسكون بشعائر العبادات، بخلاف الشباب فإنه يبتعد عنها شيئاً فشيئاً.
ونحن في حاجة إلى منح دراسية، يتفقه فيها أبناؤنا ليعودوا بعد ذلك يعلمون إخوانهم وأسرهم هنا.
والشيعة عددهم هنا قليل وهم من لبنان، ولا يوجد لهم تأثير يذكر، والمسجد مفتوح لهم ولغيرهم، ولكن الذين يستفيدون من المسجد أكثر من غيرهم هم جماعة التبليغ.
مصاريف المسجد لا تقل عن ثلاثة آلاف دولار في الشهر وتوجد به مكتبة، وبها كتب جيدة، ولدينا مُدَرِّسة من قبل رابطة العالم الإسلامي، وهي زوجة محمد عزيز، ولكنها مريضة وتؤدي ما تقدر عليه.
وممن كان لهم نشاط ملموس في إنشاء هذا المسجد المهندس حسن على إبراهيم الذي كان يرأس الجمعية، وهو مغربي ويوجد الآن في المملكة العربية السعودية، وقد كلف بناء المسجد سبعمائة وخمسين ألف دولار.
وتسمى جمعية المسلمين هنا جمعية: كالجاري الإسلامية وأنا أتشرف برئاستها، والإمام عضو فيها، ولها نائب رئيس أول، ونائب رئيس ثان، وأمين صندوق، وسكرتير ومساعد سكرتير، وغالب المسلمين من باكستان ولبنان.
ودخل المسلمين محدود، وقد يوجد فيهم الغني ولكن البذل في سبيل الله قليل، والإنفاق في غير سبيل الله أسهل على بعض الناس.
وقد حصلت محاولات لإيجاد شركات للمسلمين، ولكن المحاولات فشلت بسبب عدم وجود الثقة.
والوضع الاقتصادي في البلد سيئ بشكل عام، والمسلمون يتأثرون به كغيرهم.
ومن يسوق الحمير؟!
وشكا الأخ محمد الرفيع من وجود خلاف بين المسلمين، زادهم ضعفاً على ضعفهم، وقال: سببه أن العرب كلهم فُرسان ـ أي لا ينصاع أحد منهم لأحد، بل كل واحد يرى أنه أولى بالأمر والنهي ـ قلت: إن أغلب المسلمين الآن على هذه الصفة. وذكرت له مثلاً يمنياً يضرب للمختلفين بسبب الكبر وعدم الخضوع للغير في الحق، وهو: (أنَا أمير وأنت أمير، مَن يسوق الحمير؟!).
وقال الأخ محمد الرفيع: إن الحرية هنا موجودة للأفراد والجماعات في حدود مقدرتهم، والحكومة مستعدة لاستقبال أي مكالمات هاتفية أو الاجتماع بأي وزير، بدون أي وساطة، وما عليك إلا أن تتصل بالهاتف لطلب تحديد وقت، ويسمع منك الوزير وغيره ويأخذ ويعطي، ويعد بدراسة الأمر الذي تطلبه ويرد الجواب.
والضرائب عالية جداً، وهي تصاعدية حسب دخل الإنسان كلما زاد الدخل زادت الضريبة، والإنسان حر، لا بوليس يتابعه ولا مراكز تفتيش توقفه ولا استدعاء استخبارات يرعبه.
والحرب هنا إنما تكون عن طريق التخطيط والتنظيم السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
ولليهود هنا سبع وعشرون منظمة، كلها تصب في نهر واحد، يعود بالمصلحة عليهم جميعاً، ولهم إمكانات قوية ولو أن الجمعية الإسلامية عندها كفاءات مؤمنة متفرغة خبيرة لكان لها شأن في هذا البلد، وعمل المسلمين هنا جسدي في الغالب.
والأخ محمد الرفيع يدرس الإدارة.
والتقينا بالأخ الدكتور عبد الوهاب التلمساني المبعوث من جامعة الملك سعود، فرع أبها، وهو في مرحلة الزمالة "طب الأطفال".
أنزلنا الإخوة في الفندق، واتفقنا أن يعودوا إلينا غداً لنقوم بتنفيذ المنهج الذي يرونه لزيارتنا.
تاه الحاج عمر في الفندق!
الأربعاء: 15/10/1405هـ
جاء الأخ محمد الرفيع واتصل بنا من قاعة الاستقبال في الفندق هاتفياً، وكان الشيخ قد استعد، فقال لي: هيا، قلت له: بعد قليل، فقال: أنا قبلك، قلت: لا بأس.
فهبط في المصعد، وبعد أن تجهزت هبطت أيضاً في المصعد، فوجدت الأخ محمداً ولم أجد الشيخ، فقلت له: أين الشيخ؟ قال: لم ينزل بعد، قلت: ولكنه نزل قبلي! فأخذنا نبحث عنه.
والعادة أن الحجاج عندنا يتيهون، ولكن في الشوارع والأسواق والمشاعر في منى وعرفات ومزدلفة ومكة والمدينة، ولم نسمع أن حاجاً قد تاه في فندق!.
أما الشيخ فقد تاه في الفندق، وأخذ يصعد ويهبط وكأنه في صحراء الربع الخالي في ليلة اختفت نجومها!
ثم رأينا الشيخ يفتح باب المصعد وينظر نظرة المتشكك في الدور الأرضي، فسألته: ما الذي أخرك وقد نزلت قبلي؟ قال: عندما فتحت باب المصعد في هذا الدور، وجدت إمامي رجالاً عراة ونساء عاريات – وهم الذين يلبسون ما يستر العورة الكبرى فقط من أجل السباحة – فشككت في أن هذا هو الطابق الأرضي وظننت أنه مكان سباحة، فصعدت مرة أخرى وهبطت فوجدت نفس المنظر، ثم جربت الهبوط في بعض الطوابق دون جدوى وصعدت ألتمسك فلم أجدك!
قلت: لقد تاه الحاج عمر في الفندق، قال: سجلها في نكاتك فسجلتها.
ثم ذهبنا إلى برج كالجاري: "كالجاري تاور" الذي يبلغ ارتفاعه مائة وتسعين متراً، أنشئ سنة 1968م ورأينا منه مدينة كالجاري بواسطة المقرب، وبدت شوارع المدينة التي تخترقها من طرفها إلى طرفها الآخر، وهي في غاية من الجمال والتناسق والاستقامة.
الاجتماع بالمسلمين في جامع كالجاري:
ثم ذهبنا إلى المسجد والتقينا إمامه الشيخ المحروقي الذي صلى بنا صلاة العصر، ثم قدم للحاضرين الذين يبلغ عددهم عشرين أو أكثر قليلاً، فضيلة الشيخ، ألقى فيهم محاضرة وألقى الحاضرون أسئلتهم وأجيبوا عنها.
وألحوا علينا أن نبعث لهم كتباً ومراجع إسلامية، وأن نبعث للمسجد مصاحف مجزأة ـ أي كل جزء على حدة ـ وكان من بين الحاضرين الأستاذ الباكستاني رشيد أحمد وهو أستاذ بالكلية الصناعية في كالجاري، وهو رجل متحمس، ويلبس الثوب العربي إذا جاء إلى المسجد وقال إنه يتمنى أن يلبس العرب كلهم الثوب العربي إذا جاءوا إلى المسجد، وكان الأخ رشيد في الكويت لمدة ثمان سنوات ويفهم التخاطب باللغة العربية، وهو مهندس تبريد وتكييف.
السفر إلى مدينة أدمنتون:
الخميس: 16/10/1405هـ
جاءنا في صباح هذا اليوم الخميس الشيخ عبد الفتاح المحروقي إمام المسجد ـ وهو كما قال من أصدقاء فضيلة الأستاذ الشيخ مناع بن خليل القطان [فضيلة الشيخ مناع أستاذي، أشرف على رسالتي في مرحلة الدكتوراه] اتصل بنا من قاعة الاستقبال بالهاتف ونحن نهيئ حقائبنا استعداداً للسفر إلى مدينة أدمنتون، وجاء بعده الأخ محمد الرفيع ونزلنا وحاسبنا الفندق ثم ذهبنا إلى المطار.
والله سوّتْ لنا خَبْصَة!
عندما وصلنا إلى المطار، ذهب الأخ محمد الرفيع لإيقاف سيارته وترك معنا فضيلة الإمام، وشاباً آخر ليقوم بإجراءات السفر، سأل الشاب عندما دخلنا قاعة مكاتب الشركات الجوية عن موظفي الطيران الكندي الذي ظن أن سفرنا عن طريقه، فأشاروا له إلى أحد المكاتب، فذهب إليه فوجد موظفةً في مكتب الدرجة الأولى، فسلمها تذكرة الشيخ والحقائب وسلمتْه بطاقة صعود الطائرة، ولم ينتبه صاحبنا أنها أعطته بطاقة راكب واحد فقط، وتسلمت حقائبنا، وعندما نظرنا إلى التذاكر لم نجد إلا بطاقة الشيخ، فرجع الرجل للتفاهم مع المرأة فلم يجدها، إذ قد خلفها في مكان عملها رجل، فأخبره بما جرى فقال له: إن حجزكم ليس على هذه الشركة، وإنما هو على شركة أخرى، فقال له: هل يمكن أن تلحقوا الآخر بزميله ما دام قد ذهب العفش في طائرتكم؟ فقال: لا. فسأله عن المرأة التي قبلت التذكرة أين هي؟. فقال: ذهبت، فقال الشيخ: والله سوت لنا خبصة، أي أربكتنا بفعلها هذا وخلطت أمورنا. [والخبص في اللغة العربية الخلط، يقال: خبص الشيء بالشيء، خلطه. راجع لسان العرب مادة: خبص، وغيره].
عندئذ طلب منهم أن يعيدوا حقائبنا، فأعادوها بعد أن شحنت بالطائرة، وذهبنا إلى الشركة الأخرى التي تم الحجز لنا بها، وسلمنا الله من الافتراق، وأبقانا على ما كنا عليه من الصحبة والاتفاق. وأقلعت بنا الطائرة من مطار كالجاري في الساعة الثامنة والدقيقة السابعة، وهبطت في مطار أدمنتون في الساعة الثامنة والدقيقة الثالثة والثلاثين أي أن مدة الطيران كانت أقل من نصف ساعة.