في مدينة تورنتو
في مدينة تورنتو
من ورطاتي في اللغة الإنجليزية!
عندما دخلنا مبنى المطار ووقفنا أمام موظفة الجوازات، سألتنا بعض الأسئلة، والظاهر أنها كانت تريد أن تعرف إن كان عندنا تأشيرة من سفارة كندا في المملكة، لأنها كانت تفتش أوراق الجوازات فقلنا لها: إننا لا نتكلم الإنجليزية، لأني خشيت من أقول لها: لا، ويكون السؤال غير ما ظننت، والهروب إلى: (نو اسبيك إنجلش) أولى من الجواب بـ(يس التي تعني نعم) أو (نو التي تعني لا) الذي قد يوقعنا في ورطة، فختمتْ بطاقات الجوازات التي كنا ملأنا بعضها دون بعض، لعدم معرفتنا بمضمونها، ولا ندري أكان الفراغ الذي ملأناه صحيحاً أم خطأ، إذ كنا حاولنا مع بعض الركاب المجاورين في الطائرة أن يساعدنا فلم يفعل. وكان وجهه عبوساً معنا.
وعندما انتهينا من ختم الأوراق، أشاروا لنا بالدخول إلى مكتب، فدخلنا على ضابط كان في غاية من اللطف في معاملتنا، سألنا عن المدة التي نريد البقاء فيها بكندا؟ فأخبرناه أنها لا تزيد عن شهر، فأعطانا تأشيرة لثلاثة أشهر، ولم يشدد علينا عندما عرف أننا لا نقدر أن نتحدث معه باللغة الإنجليزية.
وهنا جاءت الورطة والنكتة! نظر الرجل في تذاكر سفرنا، وهي سعودية، وأظهر لنا رغبته في أخذ بعض بطاقاتها التي تلصق على حقائب السفر ويكتب بها الاسم والعنوان، والظاهر أنه من هواة جمع هذه البطاقات، فاستأذن منا في أن يأخذ شيئاً منها فقلت له: "تيك أوف" كنت أقصد: نعم خذها، فتغير وجهه وقال: ماذا؟ فكررتها، فتغير وجهه أكثر، فقال الشيخ: ماذا قلت له؟ قلت: قلت له: نعم خذها، ثم أدركت أنني أخطأت لأن الكلمة التي قلتها له معناها: انطلق أو اخلع ثيابك! فقلت له: سُورِي – آسف "تيك ذِمْ" الفرق بين العبارتين: "أوف – في الغلط – وذِم – في الصواب" فتهلل وجه الرجل وقال: أشكركم شكراً كثيراً، قلت بعد ذلك للشيخ: رحم الله شيخنا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي! لو كان معنا لأنشد بهذه المناسبة بيتا من الشعر كان يردده في أمثالها:
معاملة لطيفة:
هكذا كانت معاملة الكنديين لنا لطيفة جداً، فقد مررنا بعد الجوازات بموظفي الجمرك، فسألنا الموظف بعض الأسئلة فهمنا منها: هل لديكم شيء من الكحول؟ فقلنا: لا، ولم نفهم بقية الأسئلة، فقلنا له: إننا لا نستطيع التحدث بالإنجليزية. فقال مشيرا إلى باب الخروج: تفضلوا ولم يفتش حقائبنا، على الرغم من الظروف الصعبة التي كانت تمر بها مطارات كندا في ذلك الوقت، عقب تفجير الطائرة الهندية المتجهة من بلادهم، وكذلك تفجير الطائرة الكندية في اليابان.
أمطري حيث شئت فسوف يأتيني خراجك!
عندما خرجنا من باب الجمرك، وجدنا ثلاثة أشخاص في انتظارنا، كلهم من طلبة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، تذكرت عندما رأيتهم كلمة هارون الرشيد المشهورة على الألسن، وهي قوله لسحابة مرت به، ذاهبة إلى حيث شاء الله لها: أمطري حيث شئت فسوف يأتيني خراجك، لأنه كان يعلم أن غالب المعمورة يقع في ملكه.
وكذلك الجامعة الإسلامية أينما ذهب طلابها نفع الله بهم وعاد عليها نفعهم في الدنيا والآخرة. كان هؤلاء الثلاثة هم:
الدكتور عيسى محمد بلو النيجيري، المسؤول عن الدعاة التابعين للرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، وقد أخذ الأخ عيسى الماجستير والدكتوراه من كندا، بعد كفاح مرير مع المشرفين عليه الذين حاولوا إفراغ دماغه من بعض المعاني الإسلامية وملأه بغيرها فلم يقدروا، ووضعوا أمامه عقبات للضغط عليه، ولكن دون جدوى وأعانه الله عليهم.
والأخ عبد الله حكيم الأمريكي.
والأخ إبراهيم حسين المليباري.
أوصلونا إلى الفندق في وسط المدينة واسمه: "سْتِينْ بْلِيسْ" نزلنا بغرفتين في الطابق الخامس عشر، وتركنا الإخوة في الساعة السادسة والنصف مساء لنرتاح، على أن يعودوا إلينا في الساعة التاسعة والنصف لوضع منهج عملنا في زيارة المساجد والمراكز الإسلامية بالمدن الكندية. وجاءونا في الموعد المحدد وتم وضع المنهج(1).
الجمعة: 10/10/1405هـ
جاء إلينا الأخوان: الدكتور عيسى بلو، والشيخ عبد الله حكيم في الساعة العاشرة والنصف من صباح الجمعة، ونقلونا إلى فندق آخر يسمى: "لوتيل" ومعناه بالفرنسية: الفندق. أي كأنه هو الذي يستحق أن يطلق عليه هذا الاسم مبالغة ويقع بجانب: برج تورنتو المطل على بحيرة: "أوتربين" التي تفصل بين ولاية نيويورك الأمريكية وكندا، ويسمى البرج الوطني، وضعنا حقائبنا في غرفنا، وانطلق فضيلة الشيخ مع الأخ عبد الله حكيم إلى مسجد المركز الإسلامي لإلقاء خطبة الجمعة وإمامة المصلين فيه.
وذهبت أنا مع الدكتور عيسى بلو إلى المسجد الذي يؤم فيه هو المصلين لأقوم أنا بخطبة الجمعة وإمامة المصلين.
وضاع خطيب الجمعة!
عندما اقتربنا من باب المسجد قال لي الدكتور عيسى: هذا هو المسجد، فالأفضل أن تنزل أنت وتدخل ريثما أوقف سيارتي وأتبعك، فدخلت وصليت تحية المسجد وقعدت في أحد الصفوف.
ودخل عيسى وألقى نظرة سريعة على الصفوف وخرج، ثم دخل وفعل كما فعل في المرة الأولى وخرج، وأخذ يدخل ويخرج منزعجاً، ولا أدري ماذا جرى له؟
ثم وقف في المحراب وتكلم كلاماً بلغة القوم، فهمت منه أنه يعتذر للمصلين عن ضياع الخطيب: الدكتور عبد الله قادري الذي جاء معه قبل لحظات، ولا يدري أين ذهب؟! فقلت له: ها أنا ذا، فتهلل وجهه وبدا عليه السرور بسرعة وكان قبل لحظة كئيباً.
وكانت الخطبة تدور حول المعاني الآتية:
1-معنى لا إله إلا الله التي هي أساس الإسلام وشمول معنى العبادة.
2-معنى الرسالة، ودليل الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم ووجوب محبته.
3-وجوب التفقه في الدين الذي لا يتحقق الإتباع بدونه.
4-شدة حاجة المقيمين في الديار الأجنبية إلى التفقه في الدين، وتعليم أولادهم والتمسك بمبادئ الإسلام، والمحافظة على أنفسهم من الذوبان في العالم الأجنبي.
5-وجوب الاتحاد على كلمة التوحيد والاعتصام بها، والبعد عن أسباب الخلاف.
على برج تورنتو الوطني:
ثم رجعنا إلى الفندق والتقينا الشيخ ورفيقه، وذهبنا إلى البرج لنصيد عصفورين بحجر: العصفور الأول تناول طعام الغداء، والعصفور الثاني التمتع بجمال المنظر الذي يُرى من أعلى البرج، لأنه أوسع لرؤية الناظر إلى المناظر، وقد قلت في مناسبة رحلة إلى مصر:
وقد استغرق بقاؤنا في البرج ثلاث ساعات دار بنا خلالها الدور المتحرك دورتين، شاهدنا فيهما مدينة تورنتو والبحيرة وغيرهما، ثم رجعنا إلى الفندق للاستراحة(2).
في الجامع الكبير:
ثم ذهبنا إلى الجامع الكبير في الساعة التاسعة والنصف فصلينا المغرب، وأصر الشيخ على أن القي كلمة في الحاضرين فتحدثت بما يسر الله لي من معاني سورة العصر، ثم فتح باب النقاش، فألقى بعض الحاضرين أسئلتهم وأجيبوا عنها، إلى أن أقيمت صلاة العشاء في الساعة الحادية عشرة، فرجعنا بعد الصلاة إلى الفندق في الساعة الثانية عشرة.
العطلة عطّلَتْنا:
السبت: 11/10/1405هـ
كنا على موعد مع الإخوة الثلاثة: الدكتور عيسى بلو والشيخ عبد الله حكيم، والشيخ إبراهيم حسين، للذهاب صباح هذا اليوم السبت إلى شلالات نياجرا الشهيرة التي تتدفق من شمال ولاية نيويورك الأمريكية إلى النهر الفاصل بين الدولتين: أمريكا وكندا، ولكن بعض الإخوة تأخر بسبب الزحام الشديد في شوارع المدينة، بمناسبة عطلة نهاية الأسبوع الطويلة، كما يسمونها التي توافق اليوم الوطني لكندا.
وكنا نحتاج لصرف بعض الشيكات السياحية، فلم نجد أي بنك مفتوح من البنوك المجاورة، وهي كثيرة بسبب العطلة، ودلنا حراس بعض البنوك على بنك آخر بعيد، فذهبنا إليه عن طريق القطار لسرعة حركته التي لا يعيقها الزحام، لأنه يسير تحت الأرض، لا تزاحمه حركة السيارات ولا حركة الناس.
لذلك لم نتحرك إلى الشلالات إلا في الساعة الثانية والربع.
في شلالات نياجرا:
شلالات نياجرا من عجائب الدنيا الكبرى، إذا وقف الناظر أمامها لا ترضى نفسه بمغادرتها إلا على كره، يصعب على الإنسان أن يصف مشاعره، وهو يتابع انسيابها وما يحدثه من جمال بأشكال هندسية مختلفة(3).
وقد حاول الناس أن يوجدوا - في نفس المكان - عجائب صناعية صغيرة من عجائب الطبيعة التي أبدعها الله.
من ذلك ما يسمى بساعة الزهور، وهي عبارة عن أرقام صنعت من الزهور المختلفة الألوان، وعقارب من حديد تدور على تلك الأرقام(4).
ملعب الحيوان المائي:
ومن ذلك: ملعب الحيوان المائي، وهو أكثر عجباً من الساعة المذكورة، وفي هذا الملعب حوض كبير من الماء، تتبارى فيه الدلافين الكبيرة والصغيرة، وقد دربها ساستها على ألعاب عديدة، كالسباحة على الظهر، والمصافحة بأحد أجنحتها، وتبادل القبلات مع إحدى الحسناوات المتفرجات، والقفز إلى أعلى حتى يخرج جسمها كله من الماء ثم الغوص فيه مرة أخرى مقدمة رأسها، ومسك صحن من البلاستيك بفمه والمشي في الماء مرفوع الرأس، ومسابقة مع زميله من نقطة الانطلاق ثم العودة إليها، واحتيال أحدهما على زميله في هذا السباق بعدم أخذ الدورة كاملة.
ومن أعجب ما يفعله هذا الحيوان، هو الرقص على الماء واقفاً على ذيله، على الرغم من ضخامته التي يبدو أنه لا يتحمل بسببها الوقوف على ذيله، مع الرقص الذي يوافق ضرب الدفوف وإيقاع الموسيقى وتصفيق الأكف.
وإذا ما فرغ من هذه الألعاب كلها وقف يودع المشاهدين، محركاً جناحه لهم كما يحرك الآدمي يده عند وداع رفيقه.
خضوع الحيوان لمن يملك قُوتَه:
ومن وسائل تدريبه التي تكرهه على الاستجابة لمدربه، احتجازه في بحيرة صغيرة جداً بالنسبة له، وهو الذي ألف أن يصول ويجول في البحار والمحيطات، طالباً رزقه من الحيوانات البحرية الكثيرة التي تشاركه في العيش في البحر.
إن احتجازه في ذلك المكان الضيق، جعله يشعر بالحاجة إلى الطعام الذي لا يقدمه له إلا سائسه، في مقابل استجابته لتعليمه، يعطيه إذا نجح في التعليم ويحرمه إذا أخفق فيه، فهو يحاول بشتى الوسائل أن يرضي سائسه، ليرضى عنه وينفق عليه لقمة عيشه، وإذا لم ينفذ الأوامر عوقب مع الحرمان من الطعام بالضرب، فهو بين ترغيب وترهيب.
لقد حُرم هذا الحيوان الضخم حريته في بلاد الحرية، وأخضعه اضطراره إلى لقمة العيش وصيانة جسمه من الضرب، أن يستجيب لمن لو وجده في مكان حريته في أحد المحيطات لما استطاع مباراته مدة طويلة فيه، لذلك تراه إذا نفذ الأمر بنجاح أسرع عائداً إلى سائسه الواقف على رصيف البحيرة طالباً جُعْلَهُ (أي أجره) فيرمي له السائس حزمة من الأسماك الصغيرة التي أعدت له في إناء على حافة الحوض.
وهكذا تجد كثيراً من الشعوب شبيهة بالدلافين في اضطرارها إلى تدريب حكامها لها وتطويعها، عندما يملكون هم بعض أسباب لقمة عيشها.
ويقدر عدد الحاضرين في هذا الملعب بما لا يقل عن خمسة آلاف شخص، كل واحد يدفع تذكرة تزيد عن عشرة دولارات في المرة الواحدة.
وذكر لنا الإخوة أن هذه المباريات تقام في اليوم الواحد خمس مرات.
وتنتشر هناك المطاعم والدكاكين المختلفة.
وبعد أن انتهت مباريات الحيوان، ذهبنا فصلينا الظهر والعصر قصراً وجمعاً، وكان الناس ينظرون إلى حركاتنا في الصلاة متعجبين من هذه الصورة الفريدة في هذا المكان اللاهي.
تناولنا بعد ذلك طعام الغداء، ورذاذ الشلالات يتساقط علينا على الرغم من بعدنا عنها لقوتها وشدة الرياح الناشئة من حركتها.
ثم ذهبنا لمشاهدة الشلالات، وهي عبارة عن بحيرات متحركة من الجانب الأمريكي لتصب في واد عميق يفصل بينها وبين كندا، وهي تصب من أماكن متعددة من ارتفاع شاهق، تُكَوِّن منظراً عجيباً، بتدفقها المتتابع القوي، وبُعْدِ القعر الذي تهوي إليه، فيجعلها ذلك ذات سرعة هائلة، يتطاير رشاشها إلى السماء فيتساقط مطراً على جانبي النهر الواسع، وبخاصة إذا هاجت الرياح.
رعايا الملك الحسن الثاني!
ولمزيد من الاستمتاع بالنظر إلى بعض الشلالات عن قرب، أنشئت أنفاق تحت الأرض ينزل إليها السائح بالمصعد آلاف الأقدام، بعد أن يلبس اللباس الواقي له من أن تتبلل ملابسه من رشاش الشلال، تغطي جسمه كله من رأسه إلى قدميه، ويسمى ما يغطي الرأس بقبعة المطر وما يغطي سائر الجسد بسترة المطر (رين هات ـ رين كوت) وقد سماه الشيخ عمر بـ(لباس المغاربة): الثوب ذي البرنس، ولا يدخل إلى تلك الأنفاق إلا من ارتداه، ولذلك أصبح الناس كلهم مغاربة، قال الشيخ: إن حكومة الملك الحسن الثاني ملك المغرب قد تطالب برعاياها هؤلاء.
انتفاء الفوارق الحسية!
وبهذا اللباس تنتفي الفوارق الظاهرية، حتى خشينا أن يُضَيِّع بعضنا بعضاً، لاختلاطنا بالناس الكثيرين، حيث لا تستطيع أن تفرق بين أبيض وأسود، ورجل وامرأة، وبخاصة أن الإضاءة ليست قوية في الأنفاق، ورشاش الشلال يملأ السماء خارج الأنفاق، واللباس كله ذو لون أصفر، والفارق الوحيد هنا بين المسلم وغيره، هو اعتبار المسلم بتلك الآيات التي خلقها الباري وازدياده إيماناً بالله واقتراباً منه، وعدم اعتبار الكافر بذلك، فلا يزيد عن كونه متعة من متع الدنيا، من المناظر والمآكل والمشارب وغيرها.
الأعور في بلاد العميان فاكهة!
إن مناظر تعري النساء في الغرب من الأمور الطبيعية المعتادة التي تعتبر هي الأصل، والتستر هو الأمر الغريب الشاذ!
والتعري هنا ليس معناه كشف الوجه والساقين والصدر، وما أشبه ذلك، بل معناه كشف الجسم كله، ما عدا شريط العورة المسماة عند علمائنا: بـ(العورة الكبرى).
وفي وسط هذه المناظر مرت أسرة مكية بجانبنا، وكانت الأم مستورة الجسم مكشوفة الرأس والوجه وبعض الساقين، فرآها الشيخ غريبة بين النساء، فقال بدون شعور وبلهجة الحجاز اليوم: "بَيَّضْ وَجْهِكْ" أي بيّض الله وجهك. قلت له: لو رأيتها بهذه الصفة في أحد شوارع مكة، أكنت تدعو لها بهذا الدعاء؟ فقال: لا، قلت: لعل الشيخ إذا رأى هذا المنظر في مكة أو المدينة يقول: "سوّد وجهك".
ثم قلت للشيخ: ينطبق على هذه الحال المثل اليمني القائل: "الأعور في بلاد العميان فاكهة" والظاهر أن هذا المثل أطلق في وقت كانت الفواكه فيه نادرة جداً في اليمن، تشتد رغبة الناس فيها، وإذا وجدت كانت بمثابة الأعور بين العميان، تكون له هيبته واحترامه، لأنه وحده الذي يرى، وهذه المرأة هي وحدها التي ترى بهذه الصفة، لذلك استحقت الثناء.
ثم رجعنا إلى تورنتو بعد أن قضينا وقتاً ممتعاً بجوار شلالات نيا جراً مع الإخوة الذين سعدنا بصحبتهم، تخلل سيرنا مذاكرة علمية ونكات مسلية، فلله الحمد والمنة.
في مكتب اتحاد الطلبة المسلمين:
الأحد: 12/10/1405هـ
في صباح هذا اليوم الأحد جاءنا الأخ الشيخ إبراهيم المليباري إلى الفندق، وجاء قبله الأخ فاروق عباس الغياني (ابن خالة محمد ذاكر الرحمن الغياني) [وهو وأسرته في المدينة المنورة، وقد تخرج هو وإخوته الثلاثة في الجامعة الإسلامية، وهم أصهاري]. وذهبنا إلى مكتب اتحاد الطلبة المسلمين في تورنتو الذي يرأسه الدكتور أشرف، وهو من باكستان.
والمكتب يقوم بخدمة مسلمي كندا وقد أنشئ سنة 1977م وأخبرونا أن عدد المسلمين في تورنتو سبعون ألفاً تقريباً، وعددهم في كندا كلها مائتان وخمسون ألفاً، من جاليات إسلامية مختلفة: من الهند وباكستان، والدول العربية، والأتراك واليوغسلاف.
الاتحادات الإسلامية في أمريكا الشمالية:
والاتحادات الإسلامية في أمريكا الشمالية (أي الولايات المتحدة الأمريكية وكندا) هي:
1-الاتحاد الإسلامي لأمريكا الشمالية. وهو المشرف على كل الاتحادات والمنظمات الإسلامية.
2-اتحاد الطلبة المسلمين.
3-الاتحاد الإسلامي للجاليات.
4-رابطة الشباب المسلم العربي.
5-وهناك هيئات ومنظمات أخرى تدخل تحت الاتحاد العام.
وكان يرافقنا الشاب المسلم: عمرو صادق المبعوث لدراسة الهندسة المدنية من جامعة القاهرة، وقد قارب إتمام دراسته (الدكتوراه).
مشروع المدرسة الإسلامية:
وممن التقيناهم في المكتب المذكور الأخ عبد الله إدريس السوداني وهو شاب نشيط متحمس للدعوة فيما بدا لنا، وقد شرح لنا مشروع المدرسة الإسلامية الكاملة لأولاد المسلمين، وقد تمكنوا من شراء مقر للمدرسة، وهو مبنى لمدرسة حكومية، في الأصل معد للدراسة بجميع مرافقه، من فصول وإدارة ونشاط مدرسي ويتكون من طابقين، وقد تم مشروع المرحلة الأولى حيث اكتملت مرحلة الحضانة والروضة الصغرى.
وبشراء المبنى الجديد تم مشروع المرحلة الثانية: وهو يتضمن: المدرسة الابتدائية، والمرحلة الوسطى من الصف الأول إلى الصف الثامن، ويتضمن المنهج تعليم مبادئ الإسلام ومواد المدارس الرسمية في كندا، بعد تنقيحه مما لا يقره الإسلام، وسجلت مِلْكية المدرسة للجنة الوقف الإسلامي التابع لمؤسسات الخدمات الإسلامية في كندا.
وبدأت الدراسة في هذه المدرسة في أول يناير من عام 1985م بالمراحل الثلاث الأولى، وهي: الروضة الصغرى، والروضة الكبرى، والصف الأول.
ويوجد بالمدرسة حالياً واحد وخمسون تلميذاً وأربعة مدرسين، ويتم نقل الطلاب من منازلهم إلى المدرسة، ومن المدرسة إلى منازلهم، بوساطة سيارات نقل يملكها المسلمون من ذوي الخبرة في مجال النقل.
ومواد الدراسة الإسلامية هي: اللغة العربية، والقرآن الكريم، وتعليم الأطفال الصلاة والآداب الإسلامية.
وتُعَدُّ الآن مقررات مدرسية في التربية الإسلامية والعبادات والتاريخ الإسلامي للسنوات القادمة.
ويتوقع إضافة الفصلين الثاني والثالث في شهر سبتمبر من هذا العام: 1985م، وبذلك يصل عدد التلاميذ في المدرسة إلى مائة تلميذ.
ويتكون الجهاز الإداري للمدرسة حالياً من هيئة التدريس، وهم ناظر المدرسة والمدرسون والإدارة المدرسية.
والمجلس العلمي، وهو يتألف من المتخصصين في هذا المجال وهو يساعد في وضع المقررات والإشراف التعليمي على المدرسة.
ومجلس للمدرسة تشرف عليه الجالية الإسلامية، للمساعدة في جمع المال اللازم والدعم المعنوي.
مشكلة تعترض أمثال هذا المشروع المفيد:
والمشكلة التي تواجهها المدرسة، هي عدم وجود المال الكافي، ويعود ذلك إلى سببين:
السبب الأول: عدم قدرة الآباء على دعم المدرسة بالمال الكافي لأن أغلبهم من ذوي الدخل المحدود.
والسبب الثاني: أن الحكومة الكندية لا تسهم في ميزانية المدرسة لأمرين:
الأول: وجود المنهج الإسلامي بها، وهو لا يوجد في غيرها من المدارس.
الثاني: أن منهاج المدارس الرسمية لا يدرس على عِلاَّته، بل ينقح ويحذف منه ما لا يقره المسلمون، ويدرس من وجهة نظر إسلامية.
والمحاولة جادة في الحصول على الاعتراف بالمدرسة من قبل إدارات التعليم المختلفة والمؤسسات التعليمية والجامعات.
ولهذا يشترط في المدرسين الخبرة والتأهيل، مع اختيارهم من ذوي الخلق الحسن والالتزام بالإسلام.
والمدرسة تدعو تجار المسلمين وحكومات الشعوب الإسلامية إلى مساعدتها ودعمها، حتى تقوم بمهمتها ولا تفشل التجربة فيدخل اليأس منها إلى قلوب المسلمين.
هذه المعلومات نقلناها عن الإخوة المسلمين المسؤولين عن المدرسة، وقد شاهدنا البناء المذكور بأنفسنا ورأينا الإخوة وهم يعدون العدة لمناهجها وغيرها.
ونحن لا نكتب هذه المعلومات للتسلية وإنما نريد أن تصل إلى من رزقهم الله من فضله، ليسهموا في إنقاذ أبناء الجاليات الإسلامية من الكفر، وأهم الوسائل لإنقاذهم إيجاد مدارس كاملة خاصة بهم كهذه المدرسة وأمثالها، وإلا فإن كارثة اقتحام الكفر قلوبهم وإذابتهم في مجتمع الكفر كما ذاب غيرهم من قبل ستكون لعنة ووصمة عار على من عنده مقدرة على المشاركة في إنقاذهم ثم لا يفعل.
السفر إلى مدينة ووترلو:
كان خروجنا من مدينة تورنتو، في الساعة الثانية عشرة والنصف ظهراً.
وقد أمضينا سيرنا – بالسيارة-في الطريق في مناقشات وأسئلة وأجوبة، كان يثيرها الأَخَوان: عمرو صادق، ومحمد نسيم - وهو هندي وكان هو قائد سيارتنا - وذكر أن أباه يعمل في المملكة العربية السعودية في مؤسسة النقد السعودية، وكانت تحيط بالطريق الأراضي الزراعية والغابات والأزهار الجميلة.