رحلات كندا وإسبانيا

الرحلات | سلسلة في المشارق والمغارب | 19 صفحة
صفحة 18 من 19 في المملكة المغربية

في المملكة المغربية

في المملكة المغربية

خريطة المغرب
خريطة المغرب

ليلة ثقيلة في المملكة المغربية:

كان هدفنا من المرور بالمملكة المغربية، هو أن نعد تقريراً للجامعة الإسلامية عن رحلتنا قبل أن نصل إلى المدينة، لما نعرف من ضيق الوقت علينا في المدينة، من أعمال الوظيفة في الجامعة ومشاغل الأسر، وكثرة الزوار، فقررنا من أول قيامنا بالرحلة، أن تكون المغرب آخر محطة لسيرنا، ولهذا جعلت ما حصل في المغرب تابعاً لأسبانيا، لقلة أوراقه ولأنه تابع فعلاً من حيث هدفه.
دخلنا إلى قاعة مطار محمد الخامس لنأخذ حقائبنا، ووقفنا أمام الساحب، فجاءت حقيبة الشيخ في وقت غير طويل نسبياً.
أما حقيبتي فقد تأخرت، وظننا أن تأخرها سوف لا يطول، ولكنا بقينا ساعتين ونصف الساعة في انتظارها.
تعددت الرحلات واختلطت حقائب المسافرين: رحلة مدريد، ورحلة من باريس، ورحلة من السعودية وغيرها.
كانت الساحبات الثلاث تتحرك لتدفع عدداً من الحقائب، ثم يتوقف أحدها ويتحرك الآخر، أو تتوقف جميعاً، وهكذا حتى كاد بعض الركاب ييأسون من مجيء حقائبهم، ومنهم كاتب هذه السلسلة: "في المشارق والمغارب" الذي يصف هذه الليلة وما دار فيها، وكانت أثقل ليلة مرت بنا في أسفارنا تقريباً من حيث التعب والإعياء، وكأن الله ينبهنا على الفرق بين من خدموا دنياهم بالإدارة والعمل والنظام من أهل الغرب، وبيننا نحن الذين فرطنا في الدنيا والدين.
فرحلاتنا في البلدان العربية لا تقارن بالرحلات في بلاد الغربيين، ويكفي أن تقارن بين مطارات مدينة واحدة في لندن ونيويورك وبين مدينة صغيرة في بعض البلدان العربية لتعرف ذلك الفرق الهائل في الإدارة والتنظيم والتسهيل أو العكس.
ثم جاءت الحقيبة، فقلنا الحمد لله، جاء الفرج وانتهى الحرج! ولم نكن ندري أنه بخطوته الأولى معنا قد درج!
قعد الشيخ - ليرتاح على الحقائب - وذهب زميله يلتمس شيئاً لم يكن يدري أن وجوده من أندر النوادر وأعجب العجائب!
إنها سيارة الأجرة، التي هي شديدة الندرة. سواء كان الطاكسي [هكذا ينطقها المغاربة] الكبير أو الصغير، وبخاصة في هذه الليلة ذات المؤتمر الطارئ الكبير. مؤتمر الملوك والرؤساء العرب، الذين يحاولون في اجتماعهم إصلاح ما قد فسد وخرب. ونحن نتمنى لهم الاجتماع على كلمة الله، وأن يدع كل واحد منهم لمصلحة الأمة هواه.
كنت في خارج قاعة المطار العليا، وقفت على الشارع فترة فلم أجد أي سيارة من سيارات الأجرة لنقلنا تتهيا.
فسألت العسكري: ألا توجد عندكم سيارات أجرة؟ فقال: انزل إلى الأسفل لعلك تجد إحداها منتظرة. فنزلت ووقفت في الشارع حتى تورمت الأقدام، فلم أر أي سيارة تقف أو تتحرك لا إلى الوراء ولا إلى الأمام.
وسالت جندياً آخر: ألا توجد سيارات الأجرة عندكم؟ فقال: قف قليلاً، هنا لعل الله يسهل أمركم. فإن سيارات الأجرة تقف في هذا المكان، وتنقل الركاب إلى المدينة بأمان.
فوقفت كثيراً لا قليلاً، ولم يُجْدِ وقوفي الكثيرُ فتيلاً.
ورجعت إلى الشيخ الذي ظننته قد مل وسئم، لأخبره بما قدر علينا وحتم، وهو أن الطاكسي الكبير والصغير كل منهما قد عدم.
فلما رآني نَظَرَ إلَّي نظرة إنكار وعجب، إذ ظن أن زميله قد ضاع عن المكان واحتجب، لأنه غاب كثيراً عن نظره، ولم يحدث مثل هذا من قبل في سفره.
فقلت له: يا شيخ! انتظر حتى تسمع الخبر، فما للطاكسي هنا من وجود ولا أثر.
فقال: هيا ننزل حقائبنا وننتظر حتى ييسر الله أمرنا. فأخذنا نسحب الحقائب الثقيلة، وفي الدرج نحملها، إذ لم تبق هناك حيلة.
ووقفنا في الشارع ما يقارب الساعة، وكانت مَعِدة كل منا تصوِّت من شدة المجاعة.
وعندئذ جاء الطاكسي الكبير، وسائقه رافع رأسه مثل الأمير. وكان يعرف أن في إمكانه أن يطلب منا ما يريد، بلا مساومة فلا بد أن نعطيه ونزيد.
والطاكسي الكبير عند المغاربة هو المرسيدس.
فاتفقنا أن يوصلنا إلى الدار البيضاء بمائة وسبعين درهماً وهي لا تبعد عن مطار محمد الخامس أكثر من ثلاثين كيلو متراً.
والمبلغ يساوي بالريال السعودي خمسة وثمانين ريالاً.

ثم أزمة في الفنادق في الدار البيضاء!

وإذا كانت مشكلة الحقيبة قد ولَّت، ومشكلة الطاكسي الكبير قد حُلَّتْ، فإن مشكلة الفنادق - وهي أصعب - قد حَلَّتْ.
لقد كنا نأمل بعد هذا العناء أن نرتاح، ولكن المشكلة قد رافقتنا إلى الصباح، كلما مررنا بفندق من الفنادق الفاخرة، قال موظفوه: إن كل الغرف فيه عامرة. قلنا فلنذهب إلى أي فندق صغير، فلم نجد في الفنادق الصغيرة أي سرير.
ونَصَحَنَا موظفُ آخِر فندق مررنا به في الدار البيضاء، أن نركض إلى مدينة الرباط ركضاً، لعلنا نجد فيها نزلاً به نهدأ ونرضى.

ما سبب أزمة الفنادق في الدار البيضاء؟

والسبب في ذلك هو اجتماع القمة العربي الطاري، الذي تقرر أن يبدأ من 20/11 ليلة زيارتنا هذه بقدر من الباري. وهو يضم الملوك والرؤساء، ومن يرافقهم من المستشارين والوزراء. ويضم غيرهم من المندوبين الإعلاميين، ومن المتابعين والمراقبين والسياسيين.
فلا بد من مواصلة السفر إلى الرباط.
وبعد أن يئسنا من فنادق الدار البيضاء الصغيرة والكبيرة، قال لنا بعض الموظفين في أحد الفنادق: اذهبوا إلى مدينة الرباط لعلكم تجدون هناك ولو غرفة واحدة صغيرة!
فاستأجرنا سيارة أخرى بعد أن فُكَّ مع السائق الأول الارتباط، وواصلنا السير إلى مدينة الرباط.
وكانت السيارة هي فندقنا في الطريق، فقد سبح كل واحد منا في بحر من النوم عميق. إلى أن وصلنا إلى تلك المدينة، مؤملين أن نجد فيها بغيتنا الثمينة.
وفي مدينة الرباط انتقلنا من فندق إلى آخر، فإذا كل الفنادق-كما يقول المغاربة-عامرة من الأول إلى الآخر!.
وإذا كان الملوك والرؤساء قد عسكروا في جميع فنادق الدار البيضا، فإن فرق اللعب الرياضي العربية قد ملأت جميع فنادق مدينة الرباط أيضا!
ثم وقفنا على باب فندق: "فرج سوفيتيل" فسألت الموظف: هل يوجد عندكم نزل لمسافر؟ فقال: معذرة فالفندق كله عامر!
ولكني أحسست إحساساً داخلياً، أننا سنجد عندهم مكانا خلياً. فراجعته مراجعة طويلة، ولكنه لم يتزحزح عن موقفه قيد أنملة أو فتيلة.
فخرجت وقلت للشيخ الذي لم يزل غافيا ينتظر من رفيقه البُشْرى السارة: اذهب أنت وكرر يا شيخنا المحاورة. فذهب وحاول محاولة شديدة، ولكنه خرج قائلا: لم تكن محاورتي يا أهدل مفيدة!
وذهب بنا السائق إلى فندق آخر، فإذا هو عامر من أوله إلى الآخر.
فقلت للسائق: ارجع بنا إلى فندق: "فرج سوفيتيل" ففي قلبي على وجود مكان فارغ فيه دليل.
فرجعنا وأنا ألح في نفسي على ربي بالدعاء كثيراً، بأن ييسر لنا ما تعسر علينا تيسيراً.
فقد كدنا نسقط من شدة الإعياء، ولم يبق أمامنا إلا الإلحاح على الله في الدعاء.
فلما دخلت ورآني الموظف أعرض عني، فقلت له: جئتك هذه المرة بأمرٍ جدٍّ فاسمعني. اتق الله فينا فنحن متعبون، ومن صبح أمسنا إلى وقتنا هذا مسافرون. نكاد نسقط من شدة التعب والإعياء، فحاول أن تساعدنا لنرتاح ولو إلى المساء.
فقال: يا ليت عندي غرفة خالية، لأكرم بها هذه الوجوه الغالية.
فقلت له: انظر! لو كنت مضطراً كاضطراري، وحالك مشبه لحالي وأنا في دياري. وعملي مثل عملك الحالي، ألا تنتظر مني مساعدتك بالنفيس والغالي؟! ألا تخاف الرب اللطيف، وتبذل لوجهه الكريم حق الضيف؟
قال: وأنت لو كنت في مكاني، وعندك غرفة محجوزة لضيف ثان، هل تجعل لي فيها الأولوية، وتلغي حجزاً سابقاً لمعروف الهوية؟
وهنا أحسست بأن الفرج قد اقترب، وتحقق عندي ما كان في ظني قد غلب. فقلت له: الضيف الغائب يحتمل أن يتأخر، وأنا الآن أمامك مضطر. فسلمني الغرفة لأرتاح فيها، وإذا جاء صاحبها فسوف أخليها. وإن لم تفعل فأنزلني في دارك، ألست ضيفاً مضطراً في ديارك؟
فبدا على وجه الرجل اللين، وزاد عندي الأمل والإلحاح المبين.
فقال: سأستضيفكم في النزل لِيوم، وإذا اضطررت إلى طلب مغادرتكم بعده فلا لوم.
قلت: كلامك معقول، وعذرك إذا تعسر الأمر مقبول.
وخرجت إلى الشيخ أبشره بما حصل، فاستبشر وجهه وتهلل، وقال: لقد أنجح الله مساعيك يا أهدل، وفتح باب سيارته ونزل.

جناح وليست غرفة!

وصعدنا ظانين أنهم سيسلموننا نزلاً صغيراً، فلم نجده كذلك وإنما وجدنا جناحاً كبيراً، أجرته في الليلة الواحدة ألف وأربعمائة درهم، فحمدنا الله وأثنينا عليه حيث أزال عنا ما نزل بنا من هم.
والفندق من فنادق الدرجة الأولى الممتازة، ولم نحصل عليه إلا بعد أن قطعنا الأرض مفازة مَفازة.
وما إن وضعنا جنوبنا، باسم ربنا على سررنا، حتى سبحنا في بحر نومنا، وأسلمنا لله أرواحنا. ولعلك أيها القارئ قد عرفت جيداً قصة ليلتنا. ووقاك الله في أسفارك أن يصيبك ما أصابنا.

الثلاثاء: 20/11/1405هـ

لم نفق إلا في الساعة السابعة صباحاً، حيث قمنا صلينا الفجر، وكان نومنا في الساعة الثالثة بعد منتصف الليل.
عندما نزلنا في الساعة العاشرة حاول معنا أحد موظفي الفندق الخروج حسب الوعد، وفهمنا أنه لم يأت من قالوا: إنهم حجزوا له الحجرة، فتغافلنا عن طلبهم وسكتوا هم عنا.
وكان الفندق مزدحماً بأبناء الشعوب العربية من الفرق الرياضية، التي لم تعد تفكر في بناء أجيال الجهاد الذي يعيد لها عزتها، وإنما أصبح همها كرة القدم والرقص والغناء والميوعة، كانت مناظر أولئك الشباب الذي يتمتع ويلهو بدون هدف، مناظر سيئة: الشعور المتدلية كشعور النساء، والسراويل القصيرة التي لا تغطي إلا العورة الكبرى، والسلاسل الذهبية في الصدور كمن ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين.
وطلبنا من موظفة الخطوط المغربية الموجودة في الفندق أن تؤكد لنا الحجز، فأكدته على نفس الرحلة التي كنا حجزنا عليها في مدينة إنديانا بولس في الولايات المتحدة الأمريكية قبل شهر تقريباً، وكان المقرر أن تقلع الرحلة غداً الأربعاء في الساعة الثانية والنصف ظهراً، من مطار محمد الخامس إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة.

جولة في مدينة الرباط:

وجدنا في باب الفندق سائق الطاكسي الكبير "عبد السلام" الذي اتفقنا معه أن يرافقنا كل ساعة بثمانين درهماً(26).

أحد المساجد الكبيرة في مدينة الرباط 20/11/1405?
أحد المساجد الكبيرة في مدينة الرباط 20/11/1405?

صومعة حسان:

فبدأنا بصومعة حسان، وهي مئذنة عالية من بقايا مسجد قديم واسع، وبقيت أعمدة المسجد بدون سقف، وقد أخذنا له بعض الصور(27).

مسجد حسان وصومعته ـ الرباط ـ 20/11/1405?
مسجد حسان وصومعته ـ الرباط ـ 20/11/1405?
مسجد حسان وصومعته من جهة أخرى ـ الرباط 20/11/1405?
مسجد حسان وصومعته من جهة أخرى ـ الرباط 20/11/1405?

مسجد محمد الخامس وضريحه:

ثم دخلنا مسجد محمد الخامس، وهو يجاور مسجد حسان، وهو مسجد واسع مزخرف، ثم مررنا بضريح محمد الخامس، تعلوه قبة، وبه قراء يتناوبون، وبجانبه ضريح ابنه الذي يسمونه: مولاي بن محمد، وهو أخو الحسن الثاني.
وأمام القبر شيخ كبير السن قاعد على بساط، أمامه مصحف كبير على كرسي خاص بالمصحف، وهو يقرأ القرآن باستمرار ويخلفه غيره إذا تعب(28).

تناوب القراء على قبر محمد الخامس 24ساعة يومياً ـ الرباط 20/11/1405?
تناوب القراء على قبر محمد الخامس 24ساعة يومياً ـ الرباط 20/11/1405?
مسجد محمد الخامس ـ من الداخل ـ الرباط 20/11/1405?
مسجد محمد الخامس ـ من الداخل ـ الرباط 20/11/1405?
مسجد محمد الخامس ـ من الخارج ـ الرباط 20/11/1405?
مسجد محمد الخامس ـ من الخارج ـ الرباط 20/11/1405?

وهذا هو دأب كثير من قراء زماننا، أصبحوا رواداً للقبور يقرءون القرآن على الموتى، بدلاً من أن يكونوا رواداً لساحات الجهاد يقرءونه على المجاهدين محرضين لهم على الجهاد، كما كان أبو هريرة رضي الله عنه يقرأ سورتي الأنفال والتوبة على المجاهدين عندما تلتحم صفوفهم بصفوف أعدائهم.

القصر الملكي:

ثم مررنا بالقصر الملكي: قصر محمد الخامس الذي يضم بعض الوزارات الحكومية، وبقربه مسجد تابع له، يحيط بالقصر سور على مسافة واسعة.

مدينة شلة:

ثم مررنا بمدينة شلة الواقعة قرب نهر، اسمه: أبو رقراق وهي مدينة قديمة، يحيط بها سور قديم، وبداخله بقايا من أصول المباني التي شيدت بها، وقد بنيت قبل الميلاد بقرنين حسب قول الدليل "المزور" بناها الرومانيون، ثم أسسها بعد ذلك المسلمون المرينيون، وبها من بقايا مباني المدرسة القرآنية، وكان تأسيسهم لهذه سنة 731م، وهي تحتوي الآن على حدائق. وقد أصيبت مدينة شلة بزلزال شديد دمرها تدميراً.
ومررنا كذلك بقلعة: "الوادية" وهي عبارة عن معسكرات بناها الموحدون.

مدينة سلا:

ثم مررنا بمدينة "سلا" وهي مدينة قديمة لها سور يحيط بها، ولها بلدية خاصة يفصل بينها وبين الرباط - وهي جزء منها - نهر أبي رقراق.

على شاطئ البحر:

ثم ذهبنا إلى شاطئ البحر (المحيط الأطلسي) وتجولنا فيه قليلاً، ثم ذهبنا إلى مطعم يبعد عن مدينة الرباط خمسة عشرة كيلو متراً، على ساحل البحر، وهو فندق ومطعم ومقهى، والشاطئ صالح للسباحة.
وكان الشيخ يرغب في أكلة الكسكسي المغربية الشهيرة، وقال له عبد السلام: إنها توجد في هذا المطعم، ولكن المطعم لم يُعِدّ هذه الأكلة اليوم، فطلب كل منا ما يريد من الطعام المعد، فتغدينا وكان الشاطئ مليئاً بالحيوانات البشرية العارية التي فقدت الحياء، وكنا نود لو أتيحت لنا فرصة التمتع بجمال ذلك الشاطئ، ولكن لا يجتمع سيفان في غمد، لذلك رجعنا إلى الفندق، واتفقنا مع سائقنا الهادئ الذي ما كنت أفهم كلامه المغربي العامي إلا بالقرائن أو بترجمة الشيخ الذي يبدو أن المدينة قد دربته على لهجات الحجاج المختلفة.!
اتفقنا معه أن يأتينا في الساعة السابعة لنخرج إلى السوق لشراء بعض الهدايا الخفيفة وتم ذلك في وقته.

جولة في الدار البيضاء قبل الذهاب إلى المطار:

الأربعاء: 21/11/1405هـ
جاءنا السائق عبد السلام في الساعة التاسعة من صباح هذا اليوم: الأربعاء، لينقلنا إلى مطار محمد الخامس استعداداً للسفر.
ولما كان موعد السفر هو الثانية والنصف بعد الظهر، أحببنا أن نقضي وقتاً قبل ذلك في جولة في الدار البيضاء، فتجولنا في بعض أحيائها، وفي ساحلها على شاطئ المحيط الأطلسي الذي كان هائجاً مائجاً، أمواجه تتلاطم وترتطم ويرتفع رشاشها إلى ما يزيد عن أربعة أمتار، وكان شاطئه مليئاً بأولاد المدارس الصغار.
وشرب الشيخ الشاي الأخضر والنعناع، ثم اتجهنا إلى مطار محمد الخامس، وكلنا سرور بالتوجه إلى بلدنا الحبيب بلد المسجدين المسجد الحرام حيث الكعبة المشرفة، والمسجد النبوي الشريف، وبلقاء أهلينا الذين قد أشعرناهم بقدومنا في هذا اليوم.

إلى مطار محمد الخامس!

درنا في الشوارع في الدار البيضاء، حيث كان سائقنا يبحث عن الشارع الذي نخرج منه إلى الطريق المؤدي إلى المطار، لأن الشارع الكبير الذي يعرفه في وسط المدينة كان مغلقاً، بسبب أن مواكب الملوك والرؤساء ومرافقيهم تمر به، وعبد السلام ليس من أهل هذه المدينة فسأل حتى دُلَّ على السبيل.
وصلنا إلى المطار، وودعنا سائقنا، ودخلنا بحقائبنا وذهبنا إلى موظفة الدرجة الأولى، فأخذت منا تذاكر السفر وسلمتنا بطاقات الصعود، وتسلمتْ الحقائب ثم قالت لنا في هدوء: الطائرة لا تقلع إلا في الساعة الثانية والنصف بعد منتصف الليل! قلنا: وأين نذهب الآن؟ قالت يمكن أن يسمحوا لكم بالدخول إلى مكتب الدرجة الأولى لترتاحوا فيه ويقدموا لكم فيه وجبة الطعام.
قلت للشيخ: ما رأيك لو أدركت السائق عبد السلام، لنذهب إلى الدار البيضاء نتجول ونتغدى، و نتحرك بالسيارة إلى أي مكان حتى يذهب أغلب الوقت ثم نعود، بدلاً من البقاء هنا خمس عشرة ساعة؟ قال: لا بأس، فذهبت ولم أجد السائق، فاضطررنا أن نحاول أخذ إذن بدخول مكتب الدرجة الأولى، وأمرنا لله! وعندما استأذنا قال أحد موظفي أمن المطار: لا يمكن الدخول إلا بعد الساعة الحادية عشرة مساء!
وهنا جاء وقت الجد عند الشيخ الهادئ الطبع الصبور! فأخذ يحاج الرجل محاجة مشوبة بالإفريقية النافعة في وقتها، وذكر لرجل الأمن ما لاقيناه من عناء في التماس الفنادق، وأنه من الصعب الآن العثور على فندق، وكيف نبقى لمدة أربع عشرة ساعة لا نجد مكاناً نقعد فيه؟! ولكن رجل الأمن أصر على موقفه، فذهبنا إلى زاوية من قاعة المطار، ووقفنا ينظر كل منا إلى الآخر، وشيخنا يسليني بأسلوبه المعروف، يقول الوقت يمضي بسرعة وسييسر الله الأمور، وكلما ضاقت انفرجت، واشتدي أزمة تنفرجي، طَوِّل بالك يا أهدل...

وانفرجت أزمة المطار الأولى!

وقفنا ما يقارب نصف الساعة، ولا يوجد مقعد يستطيع الإنسان أن يريح رجليه بالجلوس عليه قليلاً، فإذا أرجلنا تشكو إلى ربها حالها، وإذا رجل الأمن يركض إلينا قائلاً: قفوا مكانكم وسنرد لكم الجواب قريباً، وبعد قليل جاء بوجه يبشر بخير، وأشار إلينا من بُعْدٍ: أن هلموا، فذهبنا إلى باب الدخول فختموا جوازاينا، ودخلنا إلى مكتب الدرجة الأولى، وفيه مقاعد مريحة، ويتبعه حمام خاص، والمطعم بجانبه فقال الشيخ فرجها الله يا أبو - برفع والد الأسماء الخمسة اعتباطاً - عبد البر!
وقعدنا نعد الدقائق وهي تمضي - كما قال الشيخ - ولكن ليست بسرعة، وإنما كانت الدقيقة بساعة، والإنسان خلق من عجل، وكان النعاس يعدو علينا، فإذا اهتز الرأس ولى مدبراً وعقب! ووجد – النعاس - من الشيخ رخاوة فلاطفه حتى تمكن منه فأصبح نوماً بدلاً من النعاس.
وهذه عادة الشيخ، إذا أراد النوم شرب كوباً أو كوبين من الشاي، وربما قرنه بالقهوة وكيَّف، وأسلم نفسه لله سواء كان مضطجعاً على سرير مريح، أو في الأرض على عمامته، أو قاعداً في سيارة أو طيارة، أو على مقعد في وسط الزحام كما هو الحال في هذا اليوم.
وحان وقت العصر فصلينا الظهر والعصر جمعاً وقصراً، وأخذنا نسلي أنفسنا نمشي نازلين إلى القاعة السفلى، صاعدين إلى مقرنا، وأصبح المطار فارغاً لا يوجد فيه إلا القليل من موظفي الخطوط ورجال الأمن.
استمر بنا الحال كلما مضت ساعة فرحنا بإدبارها، واستعجلنا مُضِيَّ التي تليها حتى جاء الوقت الذي أذنوا للناس فيه بالدخول، وإذا قاعات المطار تزدحم، ووفد إلينا بعض ركاب الدرجة الأولى والعائلات وظننا بعضهم من رفاقنا، ولكنهم سرعان ما يفارقوننا عندما ينادى بأنه قد حان وقت الرحلة رقم كذا.. ونقول في نفوسنا، أنتم السابقون ونحن إن شاء الله بكم اللاحقون!

أزمة المطار الثانية!!

ودنا وقت السفر المقرر: الثانية والنصف بعد منتصف الليل، فإذا المسؤولون في المطار يعلنون: إن وقت الإقلاع تغير إلى الساعة الثالثة والدقيقة العاشرة، وزاد اكتئاب الناس، ولكن لا بد من الصبر وتأخر نصف ساعة لا يضر، بل وساعة.

أزمة المطار الثالثة!!!

ولكن أعلنوا بعد ذلك أن الوقت قد تغير إلى الساعة الثانية عشرة من ظهر يوم الخميس!!! فهاج الناس وماجوا، وعددهم كثير، منهم حجاج مغاربة، وهم أكثر الركاب، وتعب أهل العوائل والأطفال.
وقلت للشيخ: لماذا لا نذهب إلى مدير المطار ونكلمه؟ هل يصح أن نبقى ساكتين بعد هذا كله والناس قد ضجروا وبخاصة العوائل والأطفال؟ فقال: إن الصبر طيب، والوقت يمضي وإن شاء الله تسير الأمور على خير، ولكني ألححت عليه وقلت: ائذن لي أن أذهب أنا لأكلمه؟ فقال في هدوء: إن شئت فاذهب. فعرفت أنه لا يريد ذلك، فقلت: أمرنا لله!

يا لطيف... يا لطيف... يالطيف!

وبعد قليل دوت قاعة انتظار المسافرين بالهتاف والتصفيق: أما الهتاف فكان (يَا لطيف. يا لَطيف. يا لطِيف. يا لطيفْ) وهو صوت حبيب إلى النفس، لأن اللطيف هو الله، ونداؤه به فيه ثلاث فوائد:
الفائدة الأولى: دعاؤه تعالى لأنه هو الذي يلطف بعباده وييسر أمورهم.
الفائدة الثانية: إشعار المسؤولين أن الناس في حاجة إلى الشفقة والرحمة، لأن صبر كثير منهم قد نفد، وبعضهم قد نزل به حرج ومشقة.
الفائدة الثالثة: إظهار الاحتجاج بكلمة محببة إلى النفس خير مما يفعله المتظاهرون الذين يتفوهون بألفاظ بذيئة.
وكان نطق المغاربة بكلمة: لطيف، لطيفاً، فإنهم يفخمون اللام ويثبتون بعدها مَدَّة خفيفة جداً، وكانوا هم الذين بدءوا الهتاف وتابعهم كل الركاب تقريباً.
وأما التصفيق فكان عيباً أن يصدر من حاج إلى بيت الله، ثم هو من عادة النساء، وليس من عادة الرجال في شرعنا، فهو أقرب إلى الاستهزاء والسخرية من الاحتجاج أو الإعجاب، وإن كان قد أصبح في عرف الناس دالاً على الإعجاب والتأييد، أو الاحتجاج والتنديد، ثم إن خلطه بدعاء الله باسم اللطيف غير لائق. واستمر ذلك الاحتجاج ما يقارب خمس دقائق، وكان بعض المسؤولين في المطار يطل على المحتجين من بعد وينظر، ثم يعود أدراجه.
وبهذا يظهر للقارئ أن زيارتنا للمغرب صادفت بعض المشقات، مع العلم أن الهدف منها - كما اتفقنا أنا وصاحبي - أن نأخذ راحتنا، ونكتب تقرير رحلتنا هذه في هدوء واطمئنان، ولكن قدر الله وما شاء فعل...

وصدق الوعد الثالث!

وبعد أن مضت علينا في مطار محمد الخامس خمس وعشرون ساعة تقريباً، أعلن أن طائرتين ستتحركان إلى جدة، وكان هذا الإعلان صحيحاً، فقد أقلعت الطائرة التي كنا فيها في الساعة الثالثة بعد الظهر، بتوقيت المغرب الخامسة بتوقيت المملكة العربية السعودية.

ثمانية لا بد منها على الفتى!

من طبيعة الإنسان استعجال ما يرغب فيه والسرور بحصوله، وكراهة ما لا يريده والحزن من حدوثه، والأمور دول: مرة سرور، ومرة حزن....
ولقد جمع أحد الشعراء الأمور التي لا يخلو الإنسان منها في حياته، فقال:

ثمانية لا بد منها على الفتىولا بد أن تجري عليه الثمانية
سرور وحزن واجتماع وفرقةوعسر ويسر ثم سقم وعافية

وفقد الإنسان الصبر يورثه الهم الذي سرعان ما يزول بتبدل الأحوال، ولقد ضاقت صدور الركاب في الساعات الماضية، ثم انقضت كأنها لم تكن.
ولهذا عندما أقلتنا الطائرة وأقلعت بنا من مطار محمد الخامس، بدأ الغضب يذهب، وبدأ مضيفو الطائرة يسلون الركاب بالمرطبات والشاي والقهوة، ثم أنواع طعام الغداء، يؤكل هذا النوع، فيقدم نوع آخر.
وهكذا أراد قائد الطائرة أن يشارك في التسلية، فكان كلما مر ببلد أعلن للناس أننا الآن فوق بلد كذا: فاس، مكناس، الحدود الجزائرية.
العاصمة الجزائرية، طرابلس، أسيوط، الأقصر، وهكذا... حتى أعلن المضيف عن اقتراب الهبوط في مطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة.
وهبطت الطائرة في مطار الملك عبد العزيز بجدة في الساعة الحادية عشرة، فكانت مدة الطيران من مطار الملك محمد الخامس إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي ست ساعات.
وبنزولنا في مطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة اطمأنت النفوس، وبدأنا نحس بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((إن السفر قطعة من عذاب يمنع أحدكم طعامه وشرابه، فإذا قضى أحدكم نهمته فليعد إلى أهله))...

عزم وتنفيذ بعد تفكير وتردد:

الخميس: 22/11/1405هـ
لم أكن أريد أن أتحدث عن فضيلة الشيخ عمر محمد فلاتة بشيء من صفاته، التي لمستها منه خلال صحبتي له في رحلتين متتاليتين من رحلات "في المشارق والمغارب" لأمرين:
الأمر الأول: عائد إليَّ أنا، ولا داعي للإباحة به.
الأمر الثاني: عائد إلى الشيخ نفسه، وهو ما أعلمه منه من كراهيته الحديث عنه بثناء، خوفاً على نفسه من جهة أن يقع في نفسه شيء وتواضعاً، لينال الرفعة من الله لأن من تواضع لله رفعه.
ولكني - بعد تأمل - فضلت أن أسجل ما عندي حوله في هذا الجزء لأمرين:
الأمر الأول: أن للتاريخ حقاً في أن يدون له ما يخشى عدم تدوينه، والتاريخ سجل للأجيال المتعاقبة، تهتدي منه بالهدى والخير، وتتعظ بما حصل فيه من شر وسوء عاقبة.
الأمر الثاني: شعوري بأن ما أسجله هنا كان قدوة حسنة لي، وأود أن يطلع عليه زملائي وإخواني الذين هم في حاجة مثلي إلى القدوة الحسنة، وبخاصة في مجال الدعوة ومخاطبة الناس والتعامل معهم.
وكنت أعرف الشيخ قبل أن أختلط به في السفر، ولكن السفر معه أكثر من مائة يوم صحبة متواصلة في الطائرة والسيارة والمسجد والمدرسة واللقاء بالناس أفراداً وجماعات، متفقين ومختلفين في مكان يسر وآخر يحزن، في المطعم والمشرب والنفقة، كل ذلك يجعل كاتب هذه السطور يرى ويسمع ويفهم صاحبه عن كثب.
وفي هذا اليوم سجلت ما تذكرت من صفات الشيخ بمناسبة تأخر الطائرة المغربية وموقفه من ذلك، جعلني أتذكر ما كنت سجلته في ذاكرتي في مناسبات مختلفة، ولم أراع في ترتيب هذه الأمور شيئاً إلا مجرد كتابتها حسب تذكري لها:

صفات عرفتها في الشيخ عمر محمد فلاتة:

1-يمتاز الشيخ عمر محمد فلاتة بالهدوء والصمت، إلا إذا دعت الحاجة إلى الكلام.
2-يمتاز بالذكاء وقوة الملاحظة وجودة الذاكرة.
3-لا يحب اغتياب الناس، ويكتفي بذكر الصفة الذميمة دون ذكر صاحبها.
4-شديد الحب لمشايخه والثناء عليهم.
5-معتدل في الحكم على الناس أفراداً وجماعات.
6-يذكر معروفَ مَن أسدى إليه معروفاً ولو طال وقته.
7-يرغب في إكرام الناس وإيثارهم.
8-كثير الثناء على أقاربه وبخاصة والديه، وكثيراً ما يذكر قصصاً حصلت له مع والديه تدل على صحة ثنائه عليهما.
9-يتعاطى الوسائل التي تزيد الألفة بينه وبين من صحبه وتديمها، ويتجنب ما يخشى منه التأثير عليها.
10-يذكر للعاملين للإسلام من كل الجماعات خيرهم ويحث على الأخذ به، ويشير إلى ما عندهم من سلبيات ويحذر منه بلطف، لا يمدح مطلقاً ولا يذم مطلقاً، وهذا هو الإنصاف الذي لا يوفق له كثير من الناس الذين نصبوا أنفسهم للدعوة، يهدمون محاسن العاملين للإسلام بوجود قليل من المساوي - في نظرهم - المغمورة بتلك المحاسن.
11-يرى أن السبيل الأمثل لطالب العلم، في تحصيل العلم والعمل به والدعوة إلى الله به، أن لا يكتفي بدراسته النظامية في المعاهد والكليات، بل لا بد أن يتصل بذوي العلم والخبرة والقدوة الحسنة ليصقلوه علماً وعملاً صالحاً وأساليب دعوة، ويوسعوا أفقه ليكون قادراً على الاختلاط بالناس على اختلاف أصنافهم لدعوتهم والتأثير فيهم.
12-إذا رآك مغضباً من أمر من الأمور أو شخص من الأشخاص حاول تهدئتك، بهز رأسه وغمض عينيه وابتسامته، ثم يحاول أن يحمل ما أغضبك على محمل يخفف به الغضب.
13-للشيخ ابتسامات ثلاث:
الأولى: ابتسامة الرضا والسرور بما يرى أو يسمع، وقد يكتفي بها، وقد يصرح بسبب رضاه وسروره.
الثانية: ابتسامة استقبال القادم وإظهار السرور بلقائه، وهذه لا تخفى على أحد.
الثالثة: ابتسامة الإنكار وعدم الرضا، وهذه كالأولى قد يفسر بعدها إنكاره، إذا رأى المصلحة في ذلك، وقد لا يتحدث بشيء، ولكن الذكي يفهم معنى ابتسامته.
14-يَنْمي بين المتخاصمين الخير عن طريق التعريض الذي يقرب بينهما.
هذه بعض الأمور التي سجلتها، مما وعته ذاكرتي في سفري مع الشيخ، وأقدم له اعتذاري في كتابتها، فما أردت من ذلك إلا الخير والله من وراء القصد.
هذا وقد رثيته بقصيدة بعد وفاته، بعنوان "جَلَّ المصابُ".
وإلى هنا انتهى هذا الكتاب من سلسلة: "في المشارق والمغارب".
فرغ مؤلفه من ترتيبه في الساعة التاسعة من ليلة الأربعاء، الموافق لليوم الثامن من شهر رجب الحرام من عام ستة وأربعمائة وألف (1406) للهجرة.
وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وقد أتممت تنسيقه وتصحيحه في جهاز الكمبيوتر، في الساعة الخامسة والنصف مساء من يوم التروية لعام: 1418هـ الأحد الموافق: 5 من شهر أبريل، لعام: 1998م.
وتمت آخر مراجعة له في الساعة السادسة والنصف من صباح يوم الخميس 21/11/1426هـ ـ 22/12/2005م
وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك